خيانة وغدر
ما زال القتال محتدمًا بين هيروشي وراݣنار، لكن هذه المرة تغيّر الإيقاع.
ظهر هيروشي عاليًا في السماء، جالسًا في الهواء وكأنه يستند إلى عرشٍ غير مرئي. أغمض عينيه، وضمّ يديه معًا في هدوء تام، وكأنه في حالة تأمل عميق… لا في قلب معركة شرسة. لم تظهر على وجهه أي علامة غضب أو توتر، بل بدا ساكنًا تمامًا.
قال في نفسه بهدوء داخلي:
"هذه المعركة تحتاج إلى صفاءٍ تام… خاصة مع خصم بشري يمتلك قدرة كهذه. فقداني للهدوء… قد يكلفني حياتي."
ثم أضاف:
"ومن خلال فهمي لقدرة هذا البشري… أدركت شيئًا مهمًا الآن."
في الأسفل، كان راݣنار يراقب التنين المائي الذي يلتف حوله من كل الجهات، ينتظر إشارة واحدة فقط من هيروشي لينقضّ عليه.
ابتسم راݣنار وقال:
"يبدو أن عليّ مجاراتك في هذه اللعبة، يا هيروشي."
انحنى فجأة، ووضع يديه على الأرض—
وفي لحظة واحدة، تغيّر كل شيء.
تحولت الأرض من حوله إلى بحر من الحمم البركانية، تغلي بعنف، وتتصاعد منها الفقاعات والبخار في كل اتجاه. امتدّ ذلك التحول بسرعة حتى أصبحت المنطقة بأكملها بحيرة من نارٍ منصهرة.
وقف راݣنار وسطها، مبتسمًا…
ثم اندمج معها.
صار جسده جزءًا من تلك البحيرة، وكأنه خُلق منها، رغم احتفاظه بهيئته البشرية فوق سطحها، لكن بطبيعة الحمم ذاتها.
ابتسم ابتسامة عريضة—
ثم بدأت البحيرة تتحرك.
تموّجت الحمم بعنف، وارتفعت منها كتلة هائلة، تشكّلت تدريجيًا… حتى خرج منها تنين ضخم، يشبه تنين هيروشي تمامًا، لكن مكوّن بالكامل من الحمم البركانية المتوهجة.
لم يكن يطفو في الهواء، بل بقي متصلًا ببحر الحمم، يتحرك كامتدادٍ له.
قال راݣنار بثقة:
"أنا في انتظارك يا هيروشي."
فتح هيروشي عينيه ببطء، ونظر إليه من الأعلى، ثم قال بهدوء بارد:
"أنت ضعيف جدًا… يا راݣنار."
ثم أضاف:
"لقد وضعت ثقتي بك… أيها الخائن."
توقّف لحظة، ثم قال:
"لكن قبل أن أنهي هذا… أريدك أن تجيبني على سؤال واحد."
ابتسم راݣنار ابتسامة خبيثة وقال:
"أنا أعرف ما ستسألني عنه."
ساد صمت قصير…
ثم رفع نظره نحوه، وعيناه تلمعان بقسوة، وقال:
"نعم… أنا من قتلت أوريون."
تصلّب الجو.
تابع راݣنار بصوتٍ مظلم:
"ذلك المغرور الأحمق من فريقك… حولته إلى لحمٍ متفحم."
ثم ابتسم أكثر:
"وقد استمتعت بذلك… أعجبني صراخه وهو يحترق."
وانفجر ضاحكًا بشكل هستيري.
في تلك اللحظة—
تغيّرت ملامح هيروشي.
لم يكن غضبًا صاخبًا… بل غضب هادئ، عميق.
حرّك يديه ببطء، بحركات دقيقة ومدروسة، تعكس تحكمًا مذهلًا بقدرته، رغم بقائه في وضعية الجلوس.
استجاب التنين.
بدأ يتحرك نحو راݣنار.
لكن الأمر لم يتوقف عند ذلك—
اهتزت الأرض.
ارتفعت الصخور، اقتُلعت الأشجار من جذورها، حتى التراب نفسه انجذب نحو الأعلى، وكل ذلك اندمج مع التنين المائي، ليزداد حجمه بشكلٍ مرعب.
كبر… وكبر…
حتى أصبح تنينًا هائلًا، يُرى من مسافات بعيدة، مظهره مهيب إلى حدٍ يفوق الوصف.
نظر إليه راݣنار بإعجاب حقيقي.
ارتفع التنين إلى السماء، يدور في حلقات واسعة، ويصعد أكثر فأكثر، حتى بلغ أعلى نقطة، وتوقف هناك ككارثة معلّقة فوق العالم.
ثم—
أشار هيروشي بيده إلى الهبوط
وفي لحظة واحدة، اندفع التنين العملاق نحو الأسفل، متجهًا مباشرة إلى راݣنار.
كان المشهد مرعبًا… ومذهلًا.
ضحك راݣنار وقال:
"أنت مجنون حقًا يا هيروشي!"
ثم أضاف بسخرية:
"لم أكن أعلم أنك عاطفي إلى هذه الدرجة… يبدو أن موت أحد رفاقك قد أثار غضبك فعلًا."
رفع يده قليلًا وقال:
"هيا… أفرغ غضبك عليّ. أريد أن أرى قوتك الحقيقية."
كان تنينه البركاني صغيرًا مقارنة بذلك العملاق الهابط من السماء.
وفي اللحظة الحاسمة—
اصطدم التنينان.
انفجار هائل من البخار اندفع في كل اتجاه، حتى غطّى المكان بالكامل. امتد الضباب الكثيف بسرعة، ليغطي مساحة شاسعة من الجزيرة، حتى بدا وكأن ربعها قد ابتلعته غيمة بيضاء خانقة.
اختفت الرؤية.
اختفى كل شيء.
ولم يعد يُرى… أيٌّ منهما.
انتشر الضباب في كل مكان، وامتدّ ليغطي مساحات واسعة حول موقع القتال بين هيروشي وراݣنار. لم يكن ضبابًا عاديًا، بل كثيفًا إلى درجة أنه ابتلع ملامح الأرض، وتسلّل حتى وصل إلى منطقة الأشجار العملاقة المطلة على ساحل الجزيرة… حيث كانت ريڤن.
جلست ريڤن على غصنٍ عريض، تنظر إلى الأفق الذي اختفى خلف البياض، وقالت بقلق:
"ما هذا بحق الجحيم…؟ هل لذلك التنين الهائل الذي كان في السماء علاقة بهذا الضباب؟"
سكتت لحظة، ثم أضافت:
"على الأرجح… هذا من فعل القائد هيروشي."
خفضت نظرها قليلًا، وقالت بصوتٍ أخف:
"أتمنى فقط أن يكون سيدي بخير… ربما عليّ التحرك لمساعدته."
لكنها ترددت، وعقدت حاجبيها:
"لكنه أمرني بالبقاء في موقعي…"
تنهدت ببطء، ثم قالت:
"لا أعرف ماذا أفعل… أنا مشوشة. هذا الانتظار ممل."
في جهة أخرى من الجزيرة—
وصل الضباب إلى منطقة الأعمدة الحجرية، حيث كانت المعركة لا تزال مستمرة. دوّت ضربات قوية، وترددت أصداء انفجارات عنيفة بين الأعمدة، التي بدأت تتكسر واحدًا تلو الآخر.
انطلقت وابل من الأسهم، مشبعة بطاقة صفراء، تشقّ الضباب وتضرب الأعمدة بدقة، فتقسمها إلى نصفين.
وسط ذلك المشهد، ظهر ظل اللورد إدوارد.
كان يمسك سيفه بإحكام، ونصل السيف يضيء من حوله، كأنه مصدر نور ثابت في وسط الضباب. انعكس الضوء على ملامحه، التي بدت قاسية وغاضبة، مما كشف عن جديته الكاملة في القتال ضد ماݣنوس.
قال بصوتٍ منخفض:
"آسف يا هيروشي… هذا الوحش أقوى مما توقعت."
ثم تابع:
"قد أحتاج بعض الوقت لإنهائه… أرجو أن تكون بخير يا صديقي."
أما في ساحة القتال الأصلية—
كان الضباب هناك أكثر كثافة من أي مكان آخر.
داخل ذلك البياض الثقيل، وقف ظلٌ وحيد.
وبتقدم بسيط، اتضحت ملامحه… إنه هيروشي.
كان واقفًا بثبات، ينظر حوله، دون أن يظهر أي أثر لراݣنار.
قال في نفسه:
"لا أشعر بوجود أي شيء حي…"
توقف قليلًا، ثم أضاف:
"يبدو أن ذلك الجبان قد هرب."
تنهد بهدوء:
"توقعت هذا منه… أدرك في النهاية أنه ليس ندًا لي."
لكن ملامحه تغيرت قليلًا:
"ما يقلقني الآن… أن يستهدف البقية."
رفع نظره، وقال بحزم:
"عليّ العثور عليه في أسرع وقت."
وفجأة—
اختفى.
تلاشى جسده وسط الضباب، وكأنه لم يكن هناك أصلًا، نتيجة سرعته الكبيرة.
في مكانٍ آخر، بعيدًا داخل الضباب—
ظهرت آثار أقدام على الأرض، والعشب تحتها محترق، كأن حرارة عالية مرّت فوقه.
كان هناك ظلٌ يتحرك ببطء…
إنه راݣنار.
كان يمشي مترنحًا، يعرج بصعوبة. جسده ما زال محتفظًا بخصائص الحمم البركانية، لكن حالته كانت سيئة.
كان كتفه الأيسر مثقوبًا بفجوة كبيرة، وجانب بطنه الأيمن ممزق بشكل واضح، كما أن فخذه الأيسر أصيب بضرر بالغ.
أما وجهه—
فكان مشوهًا إلى حدٍ مرعب. لم يتبقَ منه سوى عينه اليمنى، بينما اختفت بقية الملامح. والأسوأ من ذلك… أن نصف رأسه لم يعد موجودًا.
كل ذلك كان نتيجة الضربة العنيفة التي تلقاها.
ورغم أن فمه لم يعد موجودًا—
تردّد صوته في داخله:
"كنت مخطئًا…"
توقف قليلًا، ثم تابع بصعوبة:
"ظننت أنني قوي… لدرجة أنني سأكون خصمًا حقيقيًا لهيروشي."
خفض رأسه:
"لكنني مجرد خائن… أجيد الخداع."
أكمل:
"قتلت أوريون بالغدر فقط… لا بالقوة."
ارتجف جسده قليلًا:
"كنت أكسب ثقة من هم أقوى مني… ثم أخونهم، فقط لأحصل على رضا المُرشد."
ساد صمت قصير.
ثم قال:
"والآن… أدركت الحقيقة."
توقّف عن الحركة، وبدأ جسده يضعف أكثر:
"أنا لست حتى بمستوى وحشٍ ضعيف."
سقط على الأرض.
بقي جسده ممددًا، لا يزال متوهجًا بخفوت، بينما بدأت حرارته تنخفض تدريجيًا.
قال في نفسه بصوتٍ خافت:
"يبدو أن نهايتي اقتربت…"
ثم أضاف:
"إما أن يجدني هيروشي… وينهي الأمر…"
"أو… يقرر القدر مصيري."
ساد الصمت.
وفقد وعيه.
لكن رغم ذلك—
بدأت تغيّرات خفيفة تظهر على جسده.
أجزاء منه بدأت تتجدد ببطء شديد، وكأن طاقته المتبقية تحاول إبقاءه حيًا. لو عاد إلى طبيعته البشرية في تلك الحالة… لكان قد مات بالفعل.
لكن قدرته… كانت تمنحه وقتًا إضافيًا.
ربما—
كان مصيره قد بدأ يُحسم بالفعل.