قوة الجاذبية
بينما كان اللورد إدوارد وماݣنوس قد دخلا في قتالٍ جاد ومميت لا مجال للتراجع فيه
كان هيروشي قد ابتعد كثيرًا عن تلك الساحة، محلّقًا في السماء بثبات، متجهًا نحو هدفه.
لم يكن يعلم… أن كل ما يحدث هناك لم يكن سوى جزء من فخٍ مُحكم، هدفه الوحيد إخراج إدوارد من العاصمة.
تابع هيروشي تحليقه، وعيناه تمسحان تضاريس الجزيرة بدقة. ومع تقدّمه، تغيّر المشهد تدريجيًا تحت قدميه.
دخل منطقة مختلفة تمامًا.
بحيرة واسعة ذات مياه خضراء شفافة، تعكس زرقة السماء وصفاء الغيوم البيضاء. على سطحها وضفافها، انتشرت أزهار وردية زاهية، تضيف للمكان سكونًا غريبًا. جذوع أشجار ملتوية امتدت فوق الماء كأنها ترسم لوحة طبيعية متقنة، بينما أحاطت بالمشهد غابات كثيفة، تتدرج ألوانها بين الأخضر الداكن والفاتح.
كان المكان هادئًا بشكلٍ مريب.
خفض هيروشي ارتفاعه قليلًا، وعندها لمح شخصًا يجلس قرب البحيرة، ينحني ليشرب من مائها.
توقفت حركة هيروشي لوهلة، ثم ابتسم وقال:
"وأخيرًا… وجدتك يا راݣنار."
رفع الرجل رأسه ببطء.
كان راݣنار مقاتلًا ضخم البنية، جسده ممتلئ بالعضلات والندوب، كأن كل جرح فيه يحكي قصة معركة قديمة. شعره الأبيض الأشعث ينسدل على وجهه، بينما عينيه تحملان نظرة حادة ، مزيجًا من القوة والألم.
صدره مكشوف، وحبال ملتفة حول عنقه، وأساور معدنية ثقيلة تزين ذراعيه. كان مظهره يوحي بحياة قاسية، لا تعرف الراحة.
وقف راݣنار ببطء، شدّ قبضتيه، واستقرت نظرته على هيروشي، مستعدًا لأي حركة.
هبط هيروشي فوق سطح الماء، ووقف عليه بثبات دون أن يغوص، وكأن الماء أرض صلبة تحت قدميه.
ابتسم راݣنار ابتسامة خفيفة، وقال:
"قدرتك فريدة من نوعها يا هيروشي… أنا أحسدك عليها."
رد هيروشي بابتسامة هادئة:
"لم آتِ للحديث عن قدرتي. جئت من أجل المفاوضات التي تحدثنا عنها سابقًا."
تغيّرت ملامح راݣنار قليلًا، ثم قال:
"وأين هو سيدك؟"
أجاب هيروشي:
"إنه مشغول حاليًا بمقاتلة وحش في مكان قريب. لا تقلق… سينتهي بسرعة ويلحق بنا."
ظهرت ابتسامة خبيثة على وجه راݣنار، وقال:
"لا أظن ذلك… فأخي لن يسمح له بمغادرة هذه الجزيرة حيًا."
تجمدت ملامح هيروشي، وقال بحدة:
"ماذا قلت؟… إنه وحش، وليس بشريًا."
رد راݣنار بنبرة ثابتة:
"بل هو بشري مثلنا تمامًا… نحن فقط نجهل حقيقته."
ضاقت عينا هيروشي وقال:
"لا تقل لي… أنك متحالف مع ذلك الوحش."
في تلك اللحظة
بدأ بخار خفيف يتصاعد من جسد راݣنار.
توهّجت بؤبؤ عيناه بطاقة حمراء، وقال بصوتٍ منخفض لكنه مليء بالغضب:
"بل أنتم الوحوش الحقيقيون في هذا العالم."
اشتدت نبرته:
"لماذا تصفون أولئك البشر بالوحوش فقط لأن أجسادهم تغيّرت؟ هل لديكم عقول تفكرون بها ؟ أو قلوب تحسون بها ؟"
رد هيروشي ببرود:
"أنت لا تفهم سبب ذلك التغيّر يا راݣنار ، لن نفهم أكثر من سيد القدرات "
بدأت العلامات الحمراء المنتشرة على جسد راݣنار تتوهّج أكثر، وارتفعت حرارة جسده بشكل واضح، حتى أصبح البخار يتصاعد منه بكثافة.
تصلّب جسده، واشتد توتر عضلاته، وكأن شيئًا داخله بدأ يستيقظ
اتخذ هيروشي وضعية قتالية وهو على الماء ، جسده ثابت ونظرته حادة، ثم قال بصوتٍ صارم:
"التحالف مع الوحوش جريمة كبيرة… لذا سأقبض عليك هنا، وفي الحال."
ضحك راݣنار، ومع ضحكته بدأت الحرارة تتصاعد من جسده تدريجيًا، تنتشر في الأرجاء كأنها موجات غير مرئية. احترقت بعض الأزهار الوردية القريبة منه، وبدأت مياه البحيرة تغلي، حتى اضطر هيروشي للابتعاد عن سطحها بعدما أصبحت شديدة السخونة، وتصاعد منها بخار كثيف.
وخلال لحظات
تحول جسد راݣنار بالكامل إلى لون أحمر متوهج، وكأن الحرارة تجري داخله بلا توقف. تحولت يداه إلى حمم بركانية، تتساقط منهما قطرات منصهرة أحرقت ما حوله من نباتات وأطراف الأشجار.
ظهرت الصدمة على وجه هيروشي، فارتفع عاليًا في السماء، مبتعدًا لمسافة آمنة، ثم قال بجدية:
"لا أستطيع حتى الاقتراب منه… حرارته مرتفعة جدًا. سينتهي أمري بمجرد أن يلمسني."
ضحك راݣنار وقال بسخرية:
"ما رأيك يا هيروشي؟ ألا تريد القبض علي؟ هيا… تعال إلي."
ابتسم هيروشي بهدوء، وقال:
"يمكنني فعل ذلك… دون أن أقترب منك."
رفع راݣنار حاجبه قليلًا وقال:
"أرِني ما لديك."
أغمض هيروشي عينيه، وبدأ يلوّح بيديه الاثنتين بحركات دقيقة ومتناسقة.
استجابت البحيرة فورًا.
ارتفعت المياه منها، وانسحبت إلى الهواء، ثم بدأت تتشكل تدريجيًا… حتى تحولت إلى تنين طويل وضخم، يتحرك بانسجام كامل مع حركات يدي هيروشي.
ابتسم راݣنار ابتسامة عريضة وقال:
"قدرة التحكم في الجاذبية… قدرة هائلة فعلًا."
ثم أضاف بنبرة مليئة بالعزم:
"لكنني لن أُهزم أمامها. المرشد يعتمد عليّ… ومهمتي الآن أن أبذل كل ما في وسعي ليصبح إمبراطور هذا العالم الكئيب."
في تلك اللحظة
التفّ التنين المائي حول راݣنار، وبدأت الزهور الوردية تتطاير، وتندمج مع المياه. حتى الصخور وجذوع الأشجار بدأت تتحرك من أماكنها، وتنجذب نحو ذلك الكيان الضخم، لتندمج فيه، فيزداد حجمه أكثر فأكثر.
أصبح التنين هائلًا.
فجأة
حرّك راݣنار يديه معًا، فانطلقتا نحوهيروشي بسرعة كبيرة، متمدّدتين كتيارات من الحمم، حتى وصلتا إليه في لحظة.
لكن
لوّح هيروشي بيده اليمنى في لمح البصر.
اندفع التنين العملاق بسرعة خاطفة، واعترض الهجوم، فاصطدمت يداه البركانيتان بجسده المائي الهائل.
تناثرت قطرات الحمم في كل مكان، واشتعلت بعض الأشجار القريبة، بينما استمرت حرارة راݣنار في التأثير على محيطه.
ثم فتح التنين فمه
وأطلق سيلًا هائلًا من المياه، مصحوبًا بصخور ضخمة وجذوع أشجار، اندفعت كلها بقوة نحو راݣنار.
لكن راݣنار لم يتراجع.
رفع يديه بسرعة، وشكّل جدارًا من الحمم البركانية، متماسكًا ومتوهجًا، تصدى به للهجوم المباشر.
اصطدم الهجوم بالجدار
وانفجر البخار في المكان بكثافة، حتى غطّى الرؤية بالكامل.
وسط ذلك الضباب الساخن
فتح هيروشي عينيه، وقال بهدوء:
"يبدو أنك عنيد جدًا."
ومن خلف ستار البخار، ظهرت ابتسامة راݣنار، وصوته يقول:
"أنت لم ترَ شيئًا بعد."