الراهب
كانت المنطقة المفتوحة غارقة في هدوء غريب، لا يقطعه سوى ذلك النغم المتواصل الصادر عن النباتات البيضاء التي تشبه الأبواق. كانت الريح تمر بينها برفق، فتخرج منها أصوات متناغمة تمتد في المكان كأنها لحن طويل لا بداية واضحة له ولا نهاية.
في وسط تلك النباتات، كان اللورد إدوارد مستلقيًا على ظهره فوق الأرض، ساكنًا تمامًا.
بدت ملامحه أكثر هدوءًا من أي وقت مضى، وكأن ذلك اللحن الخفي قد نجح في تخفيف الثقل الذي يحمله في داخله. كانت عيناه ما تزالان مغمضتين، وجسده مسترخيًا على نحو نادر، بينما وُضع سيفه الطويل بجانبه، ملاصقًا للأرض، كأنه جزء من حضوره حتى في لحظات السكون.
مر بعض الوقت وهو على تلك الحال، لا يفعل شيئًا سوى الإصغاء.
لكن سمعه، الذي لم يكن يخذله يومًا، التقط بعد مدة صوتًا مختلفًا.
كان صوت أقدام.
شخص ما يقترب.
في لحظة واحدة تبدل سكونه كله.
فتح جسده على الحركة لا على العينين، وقفز من موضعه بلمح البصر، واستل سيفه في الحركة نفسها، ثم لوّح به مباشرة نحو مصدر الصوت بقصد قطع القادم قبل أن يقترب أكثر.
ظهر الرجل في تلك اللحظة.
كان رجلاً مسنًّا ذا هيبة واضحة، أصلع الرأس، تتوسط أعلى رأسه خصلة صغيرة مربوطة بإحكام. كانت لحيته البيضاء كثيفة، تمنحه مظهر الحكيم الذي مرّ بكثير من السنين، لكن جسده لم يكن جسد شيخٍ منهك، بل جسد رجل صقلته سنوات طويلة من التدريب والانضباط. عضلاته كانت ظاهرة تحت ثيابه، متماسكة وقوية، ووقفته وحدها كانت كافية لتكشف أنه ليس شخصًا عاديًا.
كان يرتدي ملابس رهبان فضفاضة، تتمايل بخفة مع الهواء، وحول عنقه حبات مسبحة كبيرة، في هيئة تجمع بين الوقار الروحي والقوة القتالية.
لكن المدهش لم يكن مظهره، بل رد فعله.
ما إن لوّح إدوارد بسيفه نحوه حتى قفز الرجل المسن هو الآخر بسرعة خاطفة، حتى بدا للحظة وكأنه اختفى من مكانه. وفي اللحظة التالية ظهر فوق حافة السيف نفسه.
كان يقف على نصل سيف إدوارد بقدم واحدة.
بدا خفيفًا على نحو يصعب تصديقه، كأن وزنه قد زال تمامًا، وكأن الوقوف على حافة سيف حاد ليس أمرًا يستحق العناء.
ثم قفز مرة أخرى بهدوء، وانتقل إلى أعلى إحدى النباتات البيضاء الشبيهة بالأبواق، وجلس فوقها دون أن يكسرها أو يميل بها كثيرًا، كما لو أن حركته منسجمة مع خفة الريح نفسها.
ساد صمت قصير.
ثم أعاد اللورد إدوارد سيفه إلى مكانه خلف ظهره، وعاد وجلس على الأرض بهدوء، دون أن يظهر عليه توتر. بدا المشهد بعد ذلك وكأن الرجلين يعرفان بعضهما منذ زمن بعيد، وأن ما حدث قبل لحظات لم يكن سوى تحية غير مألوفة بين محاربين قديمين.
ابتسم الرجل المسن وقال بصوت يحمل شيئًا من المزاح:
"لم أكن أعرف أنك حساس إلى هذه الدرجة يا سيدي. هل حدث معك أمر ما؟"
أجاب إدوارد بصوت هادئ:
"لقد قابلت قبل قليل طائر العنقاء الأزرق. إنهم يراقبون كل تحركاتي يا هيروشي."
اختفت الابتسامة قليلًا من وجه هيروشي، ثم قال:
"نعم، هذا صحيح. لقد لاحظت ذلك الطائر وهو يغادر الجزيرة. يبدو أنه لم يكن سوى جاسوسٍ تابع لأولئك المتطفلين الذين يسعون إلى إشعال فتيل الحرب."
خفض إدوارد رأسه قليلًا وقال:
"أنا لا أسعى أبدًا إلى الحرب. أحاول قدر الإمكان أن أكون سببًا في عدم إزهاق المزيد من الأرواح."
ضحك هيروشي ضحكة قصيرة، لكنها لم تكن ساخرة بقدر ما كانت واقعية، ثم قال:
"آلاف الأرواح تُزهق كل يوم يا سيدي، وأنت فقط لا تدري ما يجري الآن في العالم الخارجي."
ساد صمت بسيط بعد هذه الكلمات، ثم قال إدوارد:
"أجل، هذا صحيح. لقد كنت فقط جالسًا على عرشي داخل العاصمة لأعوام عديدة. شكرًا لك يا صديقي، لأنك كنت السبب في إخراجي من المدينة حين استدعيتني."
أمال هيروشي رأسه قليلًا وقال:
"العفو يا سيدي. لقد استدعيتك لأمر مهم جدًا… وبالغ في الخطورة."
رفع إدوارد وجهه نحوه وقال:
"لقد سمعت من ريڤن عن وحش ما. هل كان هذا هو السبب؟"
أجاب هيروشي فورًا:
"لا يا سيدي. الوحش الذي أعاق طريقنا نحو التمدد إلى الشرق تم تكليف كلٍّ من كايل ورايكر بإبادته، وهما قادران على ذلك، ومتمكنان جدًا في استعمال قدرتيهما."
ثم سكت لحظة قصيرة، وكأنه يرتب ما سيقوله بعد ذلك بعناية، قبل أن يضيف بنبرة أكثر جدية:
"لكن الأمر الأهم الآن هو أن هناك عائلة من البشريين الأقوياء لا يريدون الخضوع لنا."
بقي إدوارد صامتًا، منصتًا.
فتابع هيروشي:
"لقد اقترحت إجراء مفاوضات معهم، فوافقوا على ذلك. لكن إن لم تسر المفاوضات كما يجب، فستصبح الأمور أكثر تعقيدًا ودموية مما كنا نظن."
ساد صمت قصير بعد حديث هيروشي، بينما كانت الريح تمر بين النباتات البيضاء فتملأ المكان بذلك اللحن الهادئ. عندها نهض اللورد إدوارد من مكانه، واستقام واقفًا بثبات.
قال بصوت هادئ يحمل تقديرًا واضحًا:
"أحسنت يا هيروشي. أنت دائمًا تجيد التصرف بحكمة في المواقف الصعبة، ولهذا أعتمد عليك في مثل هذه المهمات الخطرة. شكرًا لك يا صديقي."
انحنى هيروشي قليلًا وهو يجيب:
"العفو يا سيدي، هذا شرف كبير لي. أنا فقط أقوم بواجبي."
تقدم إدوارد خطوة إلى الأمام، ثم قال:
"لو كان شخص متهور في مكانك، لكنا دخلنا في دوامات من الصراعات التي لا تنتهي."
بعد ذلك رفع رأسه قليلًا، ووجّه وجهه نحو جهة الشرق. سكنت ملامحه للحظة، وكأنه يركز على شيء لا يُرى.
قال بهدوء:
"أشعر برياح باردة جدًا على وجهي… قادمة من الشرق."
أجابه هيروشي:
"أجل يا سيدي… ذلك الوحش هو السبب."
بقي إدوارد صامتًا لثانية، ثم قال:
"هل هو قوي إلى هذه الدرجة، حتى أرسلت اثنين من فريقك لمواجهته؟"
رد هيروشي دون تردد:
"نعم يا سيدي. إنه وحش من المستوى الأعلى."
تحرك إدوارد ببطء، واقترب من هيروشي، ثم وضع يده على كتفه في إشارة ثقة واضحة، وقال:
"حسنًا. أنا أثق بقراراتك. علينا الآن أن نتحرك نحو المكان الذي تتواجد فيه تلك العائلة."
أومأ هيروشي برأسه وقال:
"في الحقيقة، لقد تواصلت مع بشري واحد منهم فقط، ولا أعرف العدد الكامل لبقية أفراد العائلة. لكن موقعه يبعد تقريبًا عشرين كيلومترًا من هنا."
قال إدوارد دون تردد:
"حسنًا إذًا… هيا بنا."
لم تمضِ لحظة بعد كلماته.
وفي ومضة سريعة، اختفى الاثنان من مكانهما.
لم يكن هناك صوت، ولا أثر واضح لحركتهما، سوى اهتزاز خفيف في النباتات البيضاء التي عادت لتصدر لحنها من جديد، وكأن شيئًا لم يكن.
لكن في الحقيقة، كان الاثنان قد انطلقا بسرعة هائلة نحو وجهتهما، حيث تنتظرهما مواجهة مختلفة… قد تحدد مسار ما سيحدث لاحقًا في تلك الجزيرة.