طائر العنقاء الأزرق
وقف الرجل بثبات بين الأشجار الضخمة، بينما كان المحاربان العظميان أمامه يستعدان للهجوم. كانت الأرض من حولهم ما تزال تحمل آثار الضربة السابقة؛ جذع الشجرة العملاقة المقطوع ملقى على الأرض، وبقايا الأغصان والأوراق متناثرة في كل اتجاه.
اتخذ الرجل وضعية القتال مرة أخرى.
ثبت قدميه جيدًا، وأحكم قبضته على مقبض سيفه وهو يستعد لإطلاق هجوم مدمر آخر مثل الهجوم الذي أطلقه قبل قليل. كان النصل في يده ساكنًا للحظة، وكأن الطاقة التي بداخله تنتظر إشارة صغيرة لتنطلق من جديد.
لكن قبل أن تتحرك السيوف، وقبل أن تبدأ المعركة مرة أخرى، دوى صوت أنثوي واضح وسط المكان.
قال الصوت:
"مهلًا… توقفا."
كان الصوت هادئًا، لكنه حمل نبرة أمر واضحة.
في اللحظة نفسها توقف المحاربان العظميان عن الحركة.
بقي سيفاهما العملاقان مرفوعين للحظة، ثم استقرا في مكانهما دون أن يتقدما خطوة أخرى.
ومن خلف المحارب العظمي الثاني ظهرت فتاة.
تقدمت ببطء إلى الأمام حتى أصبحت مرئية بوضوح.
كانت ذات مظهر هادئ وغامض. شعرها أسود قصير يتدلى بخصلات غير منتظمة حول وجهها الشاحب. أما عيناها فكانتا حمراوين لامعتين، تمنحان نظرتها حدة باردة وكأن خلفهما أسرارًا كثيرة.
كانت ترتدي ملابس سوداء بالكامل؛ قميصًا بلا أكمام ذو ياقة مرتفعة، وسروالًا واسعًا مع حذاء عسكري ثقيل. وفي أذنها عدة أقراط معدنية تضيف إلى مظهرها طابعًا متمردًا.
رغم مظهرها الهادئ، كان حضورها يوحي بثقة واضحة، وكأنها اعتادت الوقوف في أماكن الخطر دون تردد.
تقدمت الفتاة حتى وصلت أمام الرجل، ثم توقفت.
بعد ذلك انحنت أمامه.
وضعت ركبتها اليمنى على الأرض، وأسندت يدها اليسرى على ركبتها الأخرى، ثم قالت باحترام:
"أهلًا بك أيها اللورد إدوارد… أعذرني على تصرفي هذا، فقد ظننتك من الأعداء."
ساد صمت قصير.
ثم أعاد الرجل سيفه إلى مكانه على ظهره بهدوء.
وقال بصوت ثابت:
"أنتِ ريڤن بلاكوود… صحيح؟"
رفعت الفتاة رأسها قليلًا وأجابت:
"هذا صحيح يا حضرة اللورد."
بقي الرجل واقفًا للحظة، ثم قال:
"أخبريني بالتفاصيل."
اعتدلت ريڤن في جلستها قليلًا قبل أن تتحدث.
قالت:
"إلى حد الآن… لقد سيطرنا على ما يقارب عشرين في المئة من الجزيرة. لكن… أحد أفراد فريقنا قُتل أثناء ذلك."
عندما سمع إدوارد هذه الكلمات، ظهرت على وجهه علامات صدمة واضحة.
تغيرت ملامحه قليلًا قبل أن يسأل مباشرة:
"هل أخي الأصغر ما زال على قيد الحياة؟"
أجابته ريڤن بسرعة:
"أخوك في أمان تام. هناك من يحرسه ويرافقه أينما ذهب، لذلك لا داعي للقلق على سلامته."
ثم أضافت وهي تشير بيدها إلى المحاربين العظميين الواقفين خلفها:
"أنا مكلفة حاليًا بحماية هذه المنطقة الساحلية. لقد وزعت أربعين محاربًا عظميًا عملاقًا في أنحاء هذه المنطقة."
توقفت لحظة قبل أن تتابع:
"هذه هي قدرتي الخاصة. أستطيع التحكم بالعظام كيفما كانت… حتى إن كانت داخل جسد الشخص نفسه. كما يمكنني تشكيلها بأي هيئة أو حجم أريده."
بقي إدوارد صامتًا لثوانٍ وهو يستمع.
ثم قال بهدوء:
"إنها قدرة خطيرة جدًا."
بعد ذلك رفع رأسه قليلًا وأضاف:
"لكن مرت عشرة أيام كاملة منذ احتلالنا لهذه الجزيرة… ومع ذلك لم تحققوا النتائج التي كنت أرجوها."
خفضت ريڤن رأسها قليلًا وقالت:
"أعذرنا يا لورد. بحسب الأخبار التي وصلتني، فقد تصادم بعض أعضاء الفريق الموجودين في المقدمة مع وحش قوي جدًا… وحش منيع يستحيل إسقاطه أو إخضاعه."
ثم تابعت:
"هذا الوحش هو ما أعاق تقدمنا نحو داخل الجزيرة."
ساد صمت قصير بعد كلامها.
ثم قال اللورد إدوارد بصوت هادئ لكنه حازم:
"لهذا السبب أنا موجود هنا الآن."
وتابع:
"عليّ أن أضمن السيطرة الكاملة على هذه الجزيرة."
وقفت ريڤن لحظة، ثم رفعت رأسها قليلًا وقالت باحترام:
"إن سمحت لي، سيدي، أستطيع مرافقتك إلى أقرب نقطة التقاء بين أفراد الفريق. وهناك ستقابل شخصًا آخر يدلك على مكان ذلك الوحش. إنهم الآن في قتال حقيقي وخطير ضده."
ظل إدوارد صامتًا لثانية قصيرة، ثم أجاب بصوت ثابت لا يحمل ترددًا:
"لا. عليكِ فقط بالبقاء هنا، وحراسة هذا المكان من أي عدو محتمل. هؤلاء المحاربون ضعفاء جدًا، ولا يشكلون أي تهديد كبير على الأعداء."
خفضت ريڤن رأسها فورًا، وانحنت له من جديد وهي تقول:
"حسنًا، كما تشاء، سيدي."
بعد ذلك تقدم إدوارد إلى الأمام دون أن يضيف كلمة أخرى. فتحت له ريڤن الطريق، وابتعدت قليلًا إلى الجانب، ثم تابعت سيره بعينيها بصمت.
كان يمضي بثبات كعادته، ظهره مستقيم، وخطواته هادئة لا تعرف التردد. ومع كل خطوة يبتعد بها، كانت نظرة ريڤن تزداد تعلقًا به.
وبينما ظلت واقفة في مكانها، مرت في داخلها كلمات لم تنطق بها.
هذه أول مرة أراه فيها منذ ست سنوات... إنه وسيم جدًا وحنون. وحتى إن لم يسمح لي بمرافقته، فسأبقى دائمًا على مقربة منه دون أن يدري. وإن تطلب الأمر، فسأحميه بحياتي.
بقيت تحدق في الاتجاه الذي ذهب فيه حتى غاب بين الأشجار، ثم عادت ملامحها إلى هدوئها المعتاد.
أما إدوارد، فقد واصل السير وحده داخل الجزيرة.
مر وقت طويل وهو يتقدم على قدميه بخطوات ثابتة، يعبر المسافات دون أن يبطئ. شيئًا فشيئًا بدأت الأشجار العملاقة تقل، حتى خرج أخيرًا من تلك المنطقة الكثيفة ووصل إلى أرض مختلفة تمامًا.
كانت أمامه منطقة مفتوحة واسعة، تمتد فيها هضاب منخفضة، وتنتشر فيها نباتات بيضاء طويلة تشبه اللأبواق ، كانت أنحف، وأكثر نعومة في هيئتها، ومع كل هبة ريح كانت تصدر أصواتًا عذبة متداخلة، كأنها تنشد لحنًا هادئًا لا ينقطع.
توقف إدوارد لحظة.
ثم تقدم بين تلك النباتات البيضاء ببطء.
كان الصوت الذي تصنعه الريح بينها رقيقًا ومختلفًا عن كل ما سمعه منذ دخوله الجزيرة. لم يكن مجرد احتكاك طبيعي بين الريح والنبات، بل نغمًا خفيفًا فيه انسجام غريب.
ولأول مرة منذ ظهوره وسط الضباب، ارتسمت على وجهه ابتسامة صغيرة.
مد يده، وأخذ يمرر أصابعه فوق تلك النباتات برفق، يتحسس سطحها ويصغي إلى الصوت الخارج منها مع كل حركة. ثم تقدم أكثر، حتى جلس بينها بهدوء، تاركًا الريح تمر من حوله وتحرك تلك السيقان البيضاء فتملأ المكان بأصواتها الحلوة.
بقي على تلك الحال لبعض الوقت، منصتًا.
لكن وسط ذلك اللحن الهادئ، التقط سمعه صوتًا مختلفًا.
كان خفيفًا، منتظمًا، يشبه رفرفة جناحين.
اختفت الابتسامة عن وجهه، وعاد السكون إلى ملامحه. أمال رأسه قليلًا نحو مصدر الصوت، مصغيًا بدقة، حتى أدرك موضع الكائن الذي هبط قريبًا منه.
كان طائرًا صغيرًا يقف على إحدى تلك النباتات البيضاء.
طائر عنقاء صغير.
كان ريشه أزرق صافياً، يلفت النظر حتى في هذا المكان الغريب، أما عيناه فكانتا خاليتين من البؤبؤ، مما منحه مظهرًا غير مألوف، بل ومقلقًا قليلًا.
ظل الطائر ساكنًا لحظة، ثم تكلم بصوت واضح:
"نحن على علم بكل تحركاتك يا إدوارد، وعليك أن تعرف هذا جيدًا. أنت الآن تتوسع على حساب الجزر القريبة منك، وهذا أمر مقبول إلى حد ما ما دمت لا تهدد أي أراضٍ رسمية. لكن عليك أن تعلم جيدًا أن لدينا نحن أيضًا الحق في التوسع والسيطرة على أي أرض ضعيفة قد تخضع لنا."
وقف إدوارد دون أن ينطق بكلمة.
نهض بهدوء من بين النباتات البيضاء، وظل ثابتًا في مكانه، ينصت إلى كل كلمة يقولها الطائر بإمعان شديد. لم يتحرك، ولم يظهر على وجهه أي انفعال واضح، لكنه كان يصغي بكل تركيزه.
حرك الطائر جناحيه قليلًا، ثم قال:
"الحرب مسألة وقت فقط. حتى وإن كنت تتجنبها، فهي آتية لا محالة. وداعًا أيها الأعمى."
وما إن أنهى كلماته حتى ضرب بجناحيه الهواء، ثم طار بعيدًا فوق الهضاب المفتوحة، تاركًا خلفه عدة ريشات زرقاء أخذتها الريح وشتتها في المكان.
بقي إدوارد واقفًا في موضعه.
دارت إحدى تلك الريشات في الهواء ببطء، ثم هبطت أخيرًا على يده.
أغلق أصابعه عليها قليلًا.
وفي اللحظة التالية اشتعلت الريشة بلهب أصفر صغير، ثم احترقت بالكامل حتى لم يبق منها شيء.
وكان ذلك من فعل إدوارد.
رفع يده قليلًا، ثم أنزلها بهدوء، وعادت ملامحه إلى الصمت نفسه الذي لم يفارقه منذ بداية رحلته.
لكن الكلمات التي تركها ذلك الطائر في المكان كانت أثقل من أن تحرقها النار.