الجزيرة
[ بداية آرك الجزيرة المحرمة ]
كان الضباب الكثيف يغطي سطح البحر حتى بدا الأفق كأنه اختفى تمامًا. امتد البياض في كل اتجاه، ساكنًا إلا من حركة الأمواج الخفيفة التي كانت ترتطم ببعضها بصوتٍ خافت. في وسط ذلك الصمت، بدأ ظلٌّ يظهر ببطء بين طبقات الضباب.
في البداية كان مجرد شكلٍ غامض، يتحرك دون أن تتضح ملامحه. ومع مرور الوقت، ومع اقترابه أكثر، بدأت صورته تتشكل شيئًا فشيئًا.
كان رجلاً.
كان يمشي بهدوء فوق سطح الماء.
شعره بني قصير، ولحيته كذلك قصيرة بلون بني يميل إلى الداكن قليلًا. كان وجهه هادئًا، وعيناه مغمضتان تمامًا، كأنه لا يحتاج إلى النظر ليرى طريقه.
كانت خطواته ثابتة ومنتظمة. كلما خطا خطوة استقرت قدمه على سطح البحر كما لو أنه يمشي على أرضٍ صلبة، ولم تغص قدماه في الماء ولو للحظة.
كان يرتدي درعًا ذهبية تغطي جسده، تلمع بخفوت تحت الضوء الباهت الذي يخترق الضباب. وعلى معصمه كان هناك شعار أسود واضح لرأس ثور غاضب، وقد نُقش الرمز بعناية على قطعة معدنية مثبتة في الدرع.
أما على ظهره فكان يحمل سيفًا كبيرًا. كان مقبض السيف يحمل نفس الشعار: رأس الثور الغاضب، منحوتًا في المعدن بوضوح.
استمر الرجل في السير فوق الماء دون أن يتوقف، كأن وجهته معروفة لديه منذ البداية.
ومع مرور الوقت بدأ شيء ضخم يظهر أمامه من خلال الضباب.
في البداية بدا ككتلةٍ داكنة بعيدة، لكن كلما اقترب أكثر اتضحت ملامحها تدريجيًا. كانت جزيرة كبيرة، أكبر مما يبدو من المسافة. ومع انقشاع الضباب قليلًا ظهرت أشجار هائلة تنتشر فوقها.
كانت تلك الأشجار ضخمة جدًا، جذوعها عريضة ومرتفعة بشكلٍ غير عادي، حتى إن رؤوسها لم تكن تُرى بسبب طولها الشاهق الذي امتد إلى الأعلى واختفى بين الضباب المرتفع.
اقترب الرجل أكثر حتى وصل إلى ساحل الجزيرة.
توقفت خطواته فوق الماء عندما لامست قدماه الأرض، ثم تقدم نحو الداخل بثبات دون أن يفتح عينيه.
كانت الأشجار تحيط به من كل جانب. كلما سار بينها اضطر إلى رفع رأسه لينظر إلى الأعلى بسبب ارتفاعها الكبير. بدت الجذوع مثل أعمدةٍ ضخمة تمتد نحو السماء، بينما ظلالها الثقيلة تغطي الأرض.
واصل السير بين تلك الأشجار وهو يتفحص المكان من حوله بهدوء.
مرّ بعض الوقت وهو يسير بهذه الطريقة، حتى بدأ يشعر بأن هناك شيئًا غير طبيعي في المكان.
توقف قليلًا.
مال رأسه قليلًا إلى الجانب، وكأن سمعه يحاول التقاط صوتٍ خافت في المسافة.
بعد لحظات شعر باهتزاز خفيف في الأرض.
كان الاهتزاز بطيئًا وثقيلًا، يتكرر على فترات قصيرة. ومع مرور الوقت أصبح واضحًا أن مصدره شيء ضخم يتحرك بين الأشجار.
كانت الخطوات تقترب.
مد الرجل يده إلى ظهره وأمسك بمقبض سيفه.
وفي لحظة واحدة أخرج السيف من غمده.
بمجرد خروج السيف اهتز الهواء من حوله قليلًا، وتحركت بعض أوراق الأشجار القريبة بفعل تلك الحركة. أمسك الرجل بالسيف بثبات، وما زالت عيناه مغمضتين.
لكن سمعه كان مركزًا تمامًا على ما يحدث أمامه.
وفجأة تحركت الأشجار بقوة.
واندفع من بينها هيكل عظمي ضخم.
كان ارتفاعه يقارب ثلاثين مترًا، وعظامه الكبيرة تتحرك بثقل واضح. كان يرتدي رداء المحاربين مع درع قديم يغطي أجزاء من جسده العظمي، وعلى رأسه خوذة كبيرة.
وفي يده كان يحمل سيفًا عملاقًا.
رفع الهيكل العظمي سيفه الضخم ثم هجم به مباشرة نحو الرجل.
لكن الرجل تحرك في اللحظة المناسبة.
رفع سيفه بسرعة وصدّ الضربة.
اصطدم السيفان بقوة، ورغم أن سيف الهيكل العظمي كان أكبر بكثير من سيف الرجل، فإن الرجل تمكن من إيقاف الضربة بثبات دون أن يتراجع خطوة واحدة.
بقي السيفان متشابكين للحظة قصيرة.
ثم بدأ القتال.
تحرك الرجل بسرعة وهو يوجه ضرباته بسيفه، بينما ردّ المحارب العظمي بضربات ثقيلة بسيفه العملاق.
استمر صدى اصطدام السيوف يتردد بين الأشجار الضخمة للحظات، ثم تحرك الرجل خطوة إلى الخلف. كانت حركته هادئة ومدروسة، وكأنه يفسح لنفسه مساحة كافية قبل الضربة التالية.
ثبت قدميه على الأرض، وأحكم قبضته حول مقبض سيفه.
في تلك اللحظة بدأ النصل يتغير.
ظهر على سطحه توهج خافت، ثم أخذ الضوء يزداد تدريجيًا حتى أصبح السيف يشع بطاقة صفراء واضحة. انعكس ذلك الضوء على الدرع الذهبية التي يرتديها الرجل، وعلى جذوع الأشجار الضخمة المحيطة به.
ظل الرجل واقفًا لحظة قصيرة، ثم لوّح بسيفه إلى الأمام بحركة واحدة حادة.
انطلق من السيف قوس واسع من الطاقة الصفراء، اندفع بسرعة هائلة عبر الهواء متجهًا نحو المحارب العظمي العملاق.
وصل القوس إليه في لحظة.
قطع سيف المحارب العظمي إلى نصفين فورًا، ثم واصل تقدمه دون أن يتوقف، فشق جسد الهيكل العظمي من الأعلى إلى الأسفل.
انفصل الجسد العظمي إلى نصفين، وفي اللحظة التالية بدأت عظامه تتفكك وتسقط على الأرض.
لكن القوس لم يتوقف عند هذا الحد.
واصل اندفاعه بين الأشجار حتى اصطدم بإحدى الأشجار الضخمة التي كان عرض جذعها يقارب خمسة عشر مترًا. قطعها القوس بسهولة، فانفصل الجذع الكبير ومالت الشجرة العملاقة ببطء قبل أن تسقط على الأرض بصوت هائل.
ارتجت الأرض مع سقوطها.
انتشرت قطع الخشب الضخمة والأوراق في كل اتجاه، وامتلأ المكان بالغبار والأصوات المتداخلة. بدا وكأن ضربة واحدة فقط من سيف الرجل كانت كافية لتقلب هدوء الجزيرة إلى فوضى عارمة.
وخلال كل ذلك، ظل الرجل واقفًا في مكانه.
عيناه ما تزالان مغمضتين، وسيفه في يده.
بعد لحظات بدأ الغبار يتلاشى تدريجيًا، وعاد الهدوء شيئًا فشيئًا إلى المكان.
تحرك الرجل مرة أخرى وبدأ يسير إلى الأمام بين بقايا العظام المنتشرة على الأرض. كانت أجزاء الهيكل العظمي العملاق مبعثرة في كل مكان؛ جمجمة ضخمة، وأضلاع طويلة، وقطع عظمية كبيرة سقطت بين جذوع الأشجار.
مر بينها دون أن يتوقف.
لكن بعد بضع خطوات توقف فجأة.
بدا وكأنه شعر بشيء ما.
مال رأسه قليلًا، وكأن سمعه التقط صوتًا خافتًا وسط السكون.
في تلك اللحظة حدث أمر غير متوقع.
بدأت العظام المنتشرة على الأرض تتحرك.
تحركت أولًا ببطء، ثم بدأت تنزلق فوق التراب وكأن قوة غير مرئية تسحبها نحو بعضها البعض. ارتفعت بعض القطع من الأرض، واصطدمت ببعضها، ثم بدأت تتجمع من جديد.
وقف الرجل في مكانه دون أن يتحرك.
وخلال لحظات قليلة كانت العظام قد أعادت تشكيل نفسها.
عاد الهيكل العظمي العملاق إلى الوقوف مرة أخرى، كاملًا كما كان قبل أن يتلقى الضربة، ممسكًا بسيفه الضخم وكأن شيئًا لم يحدث له.
لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد.
فبين الأشجار القريبة ظهر هيكل عظمي عملاق آخر.
كان بنفس الحجم تقريبًا، ويرتدي رداء محارب مشابهًا، ويحمل سيفًا عملاقًا في يده. خرج من بين الظلال ببطء حتى وقف أمام الرجل.
أصبح هناك محاربان عظميان الآن.
بدا وكأن الضجيج الكبير الذي حدث عندما سقطت الشجرة العملاقة قد جذب ذلك المحارب الثاني إلى المكان.
وقف الهيكلان العظميان أمام الرجل في صمت، وسيفاهما العملاقان مرفوعان.
أما الرجل، فظل واقفًا في مكانه.
عيناه مغمضتان، وسيفه في يده، مستعدًا لمواجهة المعركة التالية.