الوحوش الملعونة
بعد مغادرة هيروشي للجزيرة المحرَّمة، محلقًا في السماء مبتعدًا عن المكان ، لم يبقَ في الجزيرة سوى ذلك المقنع القرمزي، الذي ظل واقفًا وحده فوق بقايا المبنى الحجري المدمر، بالقرب من جثة أستريا الممزقة.
لم يتحرك المقنع القرمزي ولو حركة بسيطة، وظل واقفًا في مكانه دون أن يصدر منه أي تصرف، وكأنه فقد القدرة على الحركة تمامًا ، بدا جسده جامدًا بصورة مخيفة ، أشبه بتمثال حجري منصوب وسط ذلك الخراب.
أما الشخصان الآخران المتبقيان في الجزيرة فكانا شين وريڤيرا ، اللذان كانا قد بدآ معركتهما المميتة في منطقة الأشجار العملاقة.
وعلى مقربة من الساحل ، ظهر جسد شين المجمد مستقرًا داخل جذع إحدى الأشجار العملاقة.
كان جسده مشوهًا بالكامل نتيجة الضربة التي تلقاها من مالثور، فعلى الرغم من أنه تمكن من تجميد نفسه في اللحظة الأخيرة قبل أن يقذفه مالثور بعيدًا، إلا أن قوة الهجوم كانت هائلة إلى درجة أن جسده تمزق إلى ثلاثة أجزاء، كما قُطعت يداه وقدماه بالكامل.
ومع ذلك ، لم يدم ذلك طويلًا.
بدأ الجليد المحيط بأجزاء جسده بالتحرك، ثم أخذت تلك الأجزاء تتشكل من جديد بسهولة، وكأن جسده لم يتعرض لذلك الضرر الهائل قبل لحظات.
تداخلت القطع الجليدية مع بعضها البعض، وعادت إلى أماكنها، ثم تشكل جسد شين بالكامل من جديد.
وبعد أن استعاد هيئته البشرية، سقط من داخل جذع الشجرة إلى الأرض.
نهض شين ببطء، لكنه كان يتمايل يمينًا ويسارًا، وكأن جسده لم يستعد توازنه بالكامل بعد.
رفع رأسه ونظر إلى الأمام، إلا أن ملامح المفاجأة ظهرت على وجهه فورًا.
كان مالثور يقف أمامه في وضعية قتالية، على بعد أربعة أمتار فقط.
أما ريڤيرا، فكانت تقف خلف مالثور مباشرة، تراقب شين بصمت.
نظرت ريڤيرا إلى شين، وقالت في نفسها:
"لم أتوقع أنه سينجو بعد تلك الضربة المباشرة التي تلقاها من مالثور، يبدو أنه قوي جدًا."
رفع شين رأسه قليلًا، ثم ظهرت ابتسامة على وجهه، وقال:
"يا لكِ من وحش ملعون ومرعب يا ريڤيرا، قدرتكِ معقدة جدًا وغير مفهومة أبدًا، أظن أن هذا ما يميزنا نحن الوحوش الملعونة."
اشتعل الغضب في عيني ريڤيرا، وقالت:
"بماذا نعتني للتو أيها الوغد؟ ألا ترى بأني بشرية مثلك تمامًا، لقد منحني سيد القدرات هذه القدرة من أجل القضاء على الوحوش الحقيقية، أولئك البشر الذين قد تشوهت أجسادهم بسبب الشر الذي قد ملأ قلوبهم."
وضع شين يده على وجهه، ثم بدأ بالضحك بشكل هستيري، وكأن كلام ريڤيرا أثار سخرية شديدة بداخله.
وقال وسط ضحكاته:
"هل تؤمنين حقًا بتلك الشائعة المتعلقة بسيد القدرات؟"
أجابته ريڤيرا بثقة:
"أجل، إنها ليست شائعة بل حقيقة."
توقف شين عن الضحك تدريجيًا، واختفت الابتسامة من وجهه، ثم بدأت علامات الجدية تظهر على ملامحه.
قال:
"يبدو أنكِ لا تعرفين شيئًا عن حقيقة الوحوش الملعونة؟"
ابتسمت ريڤيرا باستغراب وقالت:
"ماذا تقصد بالوحوش الملعونة؟"
أجاب شين:
"الوحوش الملعونة هم أولئك البشر الذين شربوا من دماء الكائنات القديمة."
رفع شين سبابته وأضاف:
"لكن قد يموت الشخص عند شربه لتلك الدماء في حالة ما إذا لم يستحمل جسده تلك القوة، أما المدعو بسيد القدرات فلا وجود له إطلاقًا، بل هو فقط جزء من خطة المرشد من أجل الإطاحة بالإمبراطور."
اتسعت عينا ريڤيرا، ثم قالت بغضب:
"هذا هراء، سيد القدرات حقيقي، إنه كائن أزلي يمنح القدرات لكل البشر."
قاطعها شين، وقال بجدية تامة:
"هذا غير صحيح، القدرات تخص أولئك الذين تسري في عروقهم تلك الدماء الملعونة الخاصة بالكائنات القديمة فقط، أما غيرهم من البشر فهم عاديون تمامًا ولا يمتلكون أي قدرات تُذكر."
ساد الصمت للحظات.
كانت ريڤيرا تنظر إلى شين بحيرة واضحة، فقد كانت تستمع إلى كلام لم تسمعه من قبل طوال حياتها.
لم تكن تعرف هل تصدقه أم تعتبره مجرد محاولة للتلاعب بعقلها.
لكن كلمات شين بدأت تترك أثرًا داخلها.
تسلل الشك إلى قلبها الزمردي، ذلك القلب الذي كان ينبض داخل صدرها متوهجًا بلون أخضر زمردي قوي.
وبينما كانت ريڤيرا غارقة في التفكير فيما قاله شين عن الوحوش الملعونة، فاجأها بسؤال آخر أكثر إرباكًا.
قال شين:
"هل تعرفين لماذا تظهر الكائنات القديمة كل مئة عام؟"
نظرت ريڤيرا إليه ثم أجابت بكل ثقة وقالت :
"الكائنات القديمة لا يعرف أحد في هذا العالم مصدرها أو حقيقتها أو هدفها، كل ما يستطيع البشر فعله هو إطلاق ألقاب عليها لا أكثر."
ابتسم شين وقال:
"الكائنات القديمة هم كائنات أزلية وُجدت من أجل تحقيق التوازن في هذا العالم، كل واحد منها يمثل شيئًا ما، هناك من يمثل الخوف ، وهناك من يمثل الغضب ، وهناك من يمثل القوة أيضًا ، هدفها الآن هو الانتقام منا نحن الوحوش الملعونة، أتعرفين لماذا؟"
تحركت شفتا ريڤيرا دون أن تشعر، وقالت:
"لماذا؟"
أجابها شين بكل ثقة:
"إنها تبدو غاضبة جدًا بسبب سرقتنا لدمائها، وهذا يبدو منطقيًا جدًا، لأننا بذلك سنكون سببًا في اختلال التوازن الذي تسعى هي أصلًا لتحقيقه."
رفعت ريڤيرا يديها إلى الوسط ثم قالت:
"حتى وإن كان كل ما قلته لي الآن صحيحًا فلن يغير حقيقة أنك قتلت اثنين من أفراد عائلتي."
وبمجرد أن أنهت كلماتها، حركت أصابعها مجددًا، وكأنها تحرك دمية معلقة بخيوط غير مرئية تحت اصابعها
استجاب مالثور لحركتها فورًا.
اندفع نحو شين ، وقام بمهاجمته بسرعة.
وفي اللحظة التي اقترب فيها مالثور منه، حرك شين قدمه اليمنى بسرعة وضرب بها الأرض بقوة ثم قال:
"العصر الجليدي."
وفور أن ضرب شين الأرض بقدمه ونطق بتلك الكلمتين ، بدأ الجليد بالانتشار في كل أرجاء المكان.
انطلق من النقطة التي ضرب فيها قدمه، ثم أخذ يمتد بسرعة هائلة فوق الأرض.
تجمدت الأرض بالكامل، وتجمدت معها جذوع الأشجار العملاقة القريبة من شين، ثم استمر الجليد في الانتشار حتى وصل إلى الساحل.
تجمد جزء من البحر أيضًا.
وخلال فترة زمنية قصيرة جدًا، جمد شين كل شيء حوله، حتى وصل الجليد إلى مسافة تقدر بعشرة أمتار أو أكثر من مكان وقوفه.
حدث كل ذلك بسرعة قياسية جعلت المشهد بأكمله يبدو وكأنه تجمد في لحظة واحدة.
تجمد مالثور أيضًا، وكانت أظافره المنجلية على بعد سنتيمترات قليلة فقط من وجه شين.
كما تجمدت ريڤيرا مع الأرض.
تراجع شين عن مالثور بقفزتين ثم قال:
"يبدو أني لست بحاجة إلى التحول، لقد خيبتِي أملي كثيرًا يا ريڤيرا."
لكن ريڤيرا لم تبقَ ساكنة داخل الجليد.
بدأ قلبها بالتوهج من الداخل بلون أخضر زمردي قوي.
ظهر الضوء الزمردي من خلال طبقات الجليد التي غطت جسدها، وبعدها بدأت التشققات بالظهور على الجليد المحيط بها.
لم تكن التشققات مقتصرة عليها وحدها، فقد بدأت تظهر أيضًا على الجليد الذي غطى مالثور، رغم أن سمك الجليد كان هائلًا، وقد وصل إلى متر ونصف تقريبًا.
لم تمر سوى لحظات قليلة حتى بدأت ريڤيرا بتحطيم الجليد من الداخل.
تشققت الطبقات السميكة المحيطة بجسدها أكثر فأكثر، ثم تحطمت بالكامل، وتحررت ريڤيرا منها أخيرًا.
ظهرت على وجهها ابتسامة ساخرة للمرة الأولى، ثم نظرت إلى شين وقالت:
"هل ظننت بأنك قادر على تجميد انتقامي بواسطة حركة واحدة من قدمك فقط؟ عليك بذل جهد أكبر من هذا بكثير في المرة القادمة."
وبمجرد تحرر ريڤيرا، استطاع مالثور تحطيم الجليد الذي كان يحيط به هو الآخر بطبيعة الحال.
عاد الاثنان إلى الوقوف في مواجهة شين، وكأن شيئًا لم يحدث.
ظهرت علامات الغضب على وجه شين، وأخذ ينظر إلى ريڤيرا ومالثور بصمت.
ثم قال في نفسه:
"أظن أن التحول هو أملي الوحيد في هذه المعركة، أريد أن تكون هذه المرأة القوية في المنظمة وتقف بجانبنا، لكنني ارتكبت خطأ كبيرًا بقتل ذلك الشخصين، لو عرفت بأن الأمور ستصل إلى هذا الحد لما فعلت ذلك."
وبينما كان شين غارقًا في التفكير، ظهر مالثور أمامه فجأة.
لم يمنحه الكائن أي فرصة للتصرف.
تحول شين على الفور إلى رجل جليدي بالكامل وقال:
"تبا، تجمُّد."
في طرفة عين، أصبح جسده كاملًا مغطى بالجليد.
لكن مالثور لم يتوقف.
رفع يده المنجلية اليمنى، ثم قام بتقسيم جسد شين إلى أجزاء صغيرة بواسطة أظافره الحادة .
تساقطت أجزاء شين الجليدية فوق الأرض المتجمدة، وتناثرت في المكان.
ومع ذلك، لم تكن تلك نهاية شين.
بدأت الأجزاء الجليدية بالتحرك من جديد.
اقتربت من بعضها البعض، ثم بدأت بالتشكل والتداخل، قبل أن تندمج تدريجيًا لتعيد تشكيل جسده من جديد.
وفي غضون لحظات، عاد شين إلى هيئته الكاملة، وكأنه لم يتعرض للتقسيم قبل قليل.
كان لا يزال قادرًا على العودة إلى الحياة رغم أن مالثور قام بتقسيمه إلى أجزاء صغيرة جدا
راقبت ريڤيرا ذلك المشهد بصمت، ثم قالت في نفسها:
"هل هذا الوغد لن يموت أبدًا؟ مادام في استطاعته التشكل والرجوع كما كان فلن أفوز بهذه المعركة أبدًا، من الطبيعي أن يموت كايل ورايكر على يد مثل هذا العدو الذي لا يقهر."
عاد شين إلى طبيعته البشرية، ثم اتخذ وضعية قتالية، وظهرت علامات الغضب واضحة على وجهه.
نظر إلى ريڤيرا وقال:
"هل تعرفين يا ريڤيرا أنني أشعر بالإهانة في كل مرة يتم تقسيمي فيها ? ، وهذه الإهانة بدورها تشعرني بالغضب أيضًا، لهذا علي تأديبكِ قليلًا وإجباركِ على احترامي والخضوع لي."
خفض شين جسده قليلًا ثم ضرب بقدمه اليمنى على الجليد.
دخلت قدمه داخل الطبقة الجليدية.
ثم ضرب قدمه اليسرى أيضًا على الجليد، فدخلت هي الأخرى إلى داخله.
بعد ذلك رفع شين ذراعيه وقام بشبك معصميه أمام جسده.
ساد الصمت للحظة.
ثم صاح شين بصوت عالٍ جدًا:
"تحوُّل."