مهارة الإستدعاء
في منطقة الأشجار العملاقة، خيّم جوٌّ كئيب وثقيل على المكان، وكأن الغابة نفسها كانت تشعر بأن مواجهة مميتة توشك على الانفجار في أي لحظة. في أحد طرفي ساحة المواجهة وقف شين، وقد ظهرت على وجهه آثار الصدمة بوضوح بعد رؤيته لريڤيرا، بينما كانت تقف في الجهة المقابلة بهيئة مختلفة جذريًا عن هيئتها المعتادة، نتيجة استخدامها لقدرتها.
بدت ريڤيرا كامرأة ذات ملامح شاحبة وباردة، يعلو رأسها تاج أسود طويل تتصاعد منه أشواك حادة، يمنحها هيبة ملكية مظلمة. كان شعرها أسود مستقيمًا، بقصة قصيرة تصل إلى ما فوق الحاجبين، بينما كانت عيناها نصف مغمضتين بنظرة جامدة تخلو من الرحمة. انقسم جسدها إلى نصف بشري سليم ونصف متحوّل، حيث تنكشف الأضلاع والعظام، وتتخللها عروق متوهجة بلون أخضر زمردي. وفي صدرها كان قلبها يتوهج بضوء أخضر نابض، وكأن طاقة غامضة تسري في أوصالها وتغذي ذلك التحول.
كانت ترتدي درعًا وعباءة سوداويين بتصميم عضوي حاد يشبه أجنحة الخفافيش أو الأشواك، مما زاد من هيبتها المخيفة. جمعت هيئتها بين الجمال الملكي والرعب القوطي، حتى بدت كملكة مظلمة أو كيان أسطوري يقف على الحد الفاصل بين الحياة والموت.
اختفت ابتسامة شين تمامًا، وظل ينظر إلى ريڤيرا بنظرات تملؤها الحيرة، ثم قال في نفسه:
"ما هذه الهيئة الغريبة؟ أشعر بقوة كبيرة جدًا نابعة منها."
وبينما كان شين غارقًا في أفكاره، تكلمت ريڤيرا وهي تنظر إلى يديها، وقالت:
"منذ اكتشافي لأول مرة لقدرتي الخاصة في التحكم بالعظام، بدأت في التدريب بقسوة على يد هيروشي من أجل إتقان مهارة تمكنني من استغلالها على أكمل وجه، وبعد سنوات طويلة جدًا، أخيرًا بلغت مستوى لا يعرفه أحد غيري. قمت بالمئات من التجارب بشكل سري دون علم هيروشي، حتى استطعت في النهاية التحكم في مهارتي بشكل كامل."
تراجع شين خطوتين إلى الخلف، ثم قال:
"أنا حقًا لا أنوي قتالكي بجدية الآن، فبهذه القوة الكبيرة التي تمتلكينها ستؤهلكي للانضمام إلينا وتطبيق العدالة التي لطالما حلمنا بها."
نظرت ريڤيرا إليه ببرود وقالت:
"لم أفهم ما تقصده بكلامك الغامض هذا أيها الوغد، لكن لا مجال للتراجع الآن، ستنال عقابك الذي تستحقه بسبب قتلك لفردين من أفراد عائلتي، مصيرك الموت بأبشع طريقة ممكنة دون أدنى شك وبلا أي ذرة رحمة ولا شفقة."
رفعت ريڤيرا يديها إلى الوسط، ثم قامت بحركة بيديها وكأنها تمسك بخيوط دمية ما، وقالت:
"تفعيل مهارة الاستدعاء."
وبمجرد أن نطقت بهذه الكلمات، توهج بؤبؤا عينيها باللون الأخضر الزمردي.
ثم أضافت ريڤيرا:
"هيا يا مالثور... أنا أستدعيك، استيقظ من سباتك العميق من أجل تنفيذ أوامر ملكتك."
كان شين يراقب الوضع من بعيد، وقد ظهرت على ملامحه علامات القلق والخوف بوضوح.
وبعد لحظات من قول ريڤيرا لتلك الكلمات، ارتسمت جمجمة خضراء على الأرض تحت يديها مباشرة. أخذت الجمجمة تتوهج بلون أخضر زمردي قوي، قبل أن يخرج منها كائن هيكلي هزيل ذو جسد عظمي بارز، تغطيه بقايا عضلات ممزقة تمنحه مظهرًا مرعبًا ومتحللًا.
كانت جمجمته تحمل عينين متوهجتين باللون الأخضر، وفمه مفتوحًا على اتساعه وكأنه يطلق صرخة مخيفة، كاشفًا عن صفوف من الأسنان الحادة. كانت ذراعاه طويلتين بصورة غير طبيعية، وتنتهيان بمخالب منحنية خضراء أشبه بالمناجل، مهيأة للتمزيق والقتل.
التف حول عنقه وخصره وشاح ورداء أسود ممزقان، تتصاعد منهما خيوط من دخان أو ظلال قاتمة توحي بطاقة شريرة. وقف الكائن في هيئة منحنية وعدائية، مع أصابع وعظام بارزة زادت من مظهره الوحشي والمفترس. جمع تصميمه بين هيكل عظمي متحرك وكيان مظلم، فبدا كحارس ملعون أو روح موت خرجت من أعماق الظلام.
كان شين ينظر إلى ذلك الكائن المرعب بعينين مفتوحتين على اتساعهما، في مشهد كشف بوضوح عن مدى دهشته مما يراه أمامه.
قال شين في نفسه:
"لن أستطيع الصمود أمام هذا الكائن وأنا على هيئتي البشرية، أظن أن علي التحول الآن."
وبينما كان شين يتحدث مع نفسه، حركت ريڤيرا أصابعها.
وفي اللحظة نفسها، تحرك مالثور بسرعة خيالية نحو شين، قاصدًا تمزيق جسده بمخالبه المنجلية.
لكن شين، في اللحظة الأخيرة، رفع معصميه واتخذ وضعية دفاعية، ثم نطق بكلمة واحدة فقط:
"تجمُّد."
تحول شين بالكامل إلى رجل جليدي متجمد وقاسٍ في جزء من الثانية.
لكن ذلك لم يمنع مالثور من غرس مخالبه في جسده ورميه بعيدًا جدًا، لدرجة أن شين، ومن قوة الضربة، اخترق الكثير من جذوع الأشجار العملاقة الضخمة، حتى وصل إلى آخر شجرة موجودة على ساحل الجزيرة، فاستقر داخلها، مما تسبب في دمار كبير جدًا في منطقة الأشجار العملاقة.
ووصل صوت ذلك الاصطدام العنيف إلى مسامع هيروشي، الذي كان محلقًا في تلك الأثناء في السماء، حاملًا بين ذراعيه آرلين الفاقد للوعي.
عرف هيروشي فورًا أن مصدر الصوت كان ناتجًا عن قتال ريڤيرا ضد شين، وهذا جعله يقلق على حياة ريڤيرا، لكنه اتجه نحو تلك السحب الأورجوانية التي كانت متواجدة حول المنطقة التي دارت فيها سابقًا معركة إدوارد ضد ماݣنوس.
وقبل أن يدخل تلك السحب بلحظات، كان في أعماقها شيء آخر.
ظل شخص ما جالسًا فوق النصف السفلي لعمود حجري محطم.
وفي الجهة المقابلة لهذا الشخص، كان إدوارد متكئًا بدوره على صخرة محطمة، وقد غطت جسده جروح قاتلة في جميع أنحائه، بينما كانت الدماء تلطخ جسده.
لكن الغريب في الأمر أن تلك الدماء كانت تتبخر ببطء شديد، والجروح نفسها كانت تلتئم أيضًا، وإن كان ذلك يحدث بصورة أبطأ بكثير. أما لون البخار فكان أورجواني اللون، ويبدو أن السبب في ذلك كله هو الدخان الأورجواني المحيط بالمكان.
بدأ الشخص الجالس أمام إدوارد يظهر بوضوح تدريجيًا بين الدخان الأورجواني.
كان رجلًا قوي البنية، بملامح صارمة وشعر بني قصير، تعكس نظرته الحادة شخصية ثابتة وحازمة لا تعرف التردد. كان يرتدي درعًا فولاذيًا فضي اللون مزينًا بحواف ذهبية، مع وشاح أزرق داكن يلتف حول عنقه وكتفيه.
كانت كتفاه محميتين بصفائح ضخمة مستديرة، تتوسطها أحجار أورجوانية لامعة، مما منحه هيئة فارس من النخبة. وكان يشد خصره حزام عريض يتدلى منه رداء أورجواني طويل، بينما غطت ساعديه وساقيه قفازات وأحذية مدرعة ثقيلة.
كان ذلك الرجل هو رودريك.
تكلم إدوارد بصوت خافت وهو يلهث:
"ماذا الذي أتى بك إلى هنا يا رودريك؟ هل حدث شيء ما في العاصمة؟"
رد عليه رودريك بصوت ثابت:
"توقف عن الكلام وتنفس هذا الدخان بعمق يا سيدي، عليك أن تجعل هذا الدخان يملأ رئتيك جيدًا حتى تشفى سريعًا من إصاباتك هذه."
كان إدوارد يتنفس ذلك الدخان ببطء تمامًا كما قال له رودريك، وبدأت جروحه تتسارع في المثول للشفاء والالتئام بشكل أسرع قليلًا، مع تبخر كل قطرة من دمه.
تنهد رودريك قليلًا، ثم قال:
"في الحقيقة لقد أتيت لأخبرك بأمر مهم جدًا."
وبعد قوله لهذا الكلام، نظر رودريك إلى السماء، ثم قال:
"أشعر بأن هناك من يقترب منا شيئًا فشيئًا، لقد تجاوز حدود الدخان الخاص بي وهو الآن يتجه نحونا بسرعة كبيرة، لكن هذا الشعور الذي أشعر به الآن أعرفه حق المعرفة."
ثم نظر رودريك بنظرات تملؤها الحسرة، وقال:
"إنه هيروشي، معلمي وصديقي وأخي الذي لطالما كان أخًا أفضل منك يا أخي الأكبر إدوارد."
ابتسم إدوارد وقال:
"هل قطعت مئات الكيلومترات وجئت إلى هنا من أجل التكلم عن هذا الموضوع فقط؟"
وفي تلك اللحظة وصل هيروشي إلى المكان الذي يتواجد فيه كل من رودريك وإدوارد.
هبط إلى الأرض على قدميه، ووضع آرلين على الأرض، ثم أسرع نحو إدوارد ليطمئن عليه. وبعد ذلك نظر إلى رودريك وقال:
"كنت على يقين تام بأنك ستأتي لمساندة أخيك الأكبر."
ابتسم رودريك وقال:
"لا أقصد الإساءة إليك أيها المعلم، لكنك أسأت فهمي عن غير قصد، لقد جئت إلى هنا بأمر من الحكام الخمسة شخصيًا، إنهم يريدون عقد اجتماع طارئ مع الابن الأكبر للإمبراطور."
وضع هيروشي يده على لحيته، بينما كان إدوارد يتنفس بعمق ذلك الدخان الأورجواني.
تكلم هيروشي وقال:
"أظن بأنهم سيتكلمون عن كيفية التعامل مع الكائنات القديمة؟ أليس كذلك؟"
رد عليه رودريك وقال:
"هذا صحيح، إنهم يريدون مواجهة التهديدات التي ستشكله الكائنات القديمة على الإمبراطورية بأكملها، لكن الأمر الآخر الذي لا تعرفه يا هيروشي هو أن الحكام قرروا قرارًا مصيريًا لم يتم اتخاذه منذ ثلاثة قرون مضت."
تحرك إدوارد بصعوبة من أجل النهوض، لكنه لم يستطع فعل ذلك، غير أن هيروشي ساعده على الجلوس فقط.
رفع إدوارد رأسه ونظر إلى رودريك وقال:
"لن أجتاز هذا الاختبار أبدًا، الحكام لا يريدون فقط أن أصبح الإمبراطور التالي، لأنني ببساطة سأقوم بمنعهم من أعمالهم الإجرامية التي كانوا يقومون بها في فترة حكم أبي."
قال هيروشي بحزم:
"هذا واضح سيدي وضوح الشمس في كبد النهار، إنهم يريدون عرقلتك حتى لا تصل إلى الحكم وتصبح إمبراطورنا التالي، هذا من حقك بصفتك الابن الأكبر للإمبراطور السابق."
قاطع رودريك كلام هيروشي وقال:
"هناك شرطان أساسيان وضعهما الحكام من أجل أن تصبح إمبراطورًا يا سيدي."
رفع رودريك سبابته وقال:
"أولًا عليك أن تحضر الاجتماع بشكل شخصي."
ثم رفع رودريك إصبعه الوسطى وألصقها مع سبابته وقال:
"أما الشرط الثاني فهو موافقتك على الاختبار بدون تردد، إذا نجحت في الاختبار فسيتم تنصيبك إمبراطورًا على الإمبراطورية بأكملها، أما إذا فشلت فسيتم عزلك نهائيًا وستختار أحد الحكام ليكون إمبراطورًا بدلًا عنك، أما إذا لم توافق على أحد هذين الشرطين فمصيرك هو نفس المصير الذي ستلقاه عند فشلك في الاختبار."
صمت إدوارد.
لم يتكلم ولو بكلمة واحدة.
قال هيروشي بغضب:
"تبًا لهؤلاء الحمقى، ألا ترى بأن أخاك لا يستطيع الحركة، كيف له أن يجتاز الاختبار الآن وهو في هذه الحالة؟"
رد عليه رودريك وقال:
"موعد الاجتماع سيكون بعد أربعة أيام فقط، لكن موعد الاختبار سيكون بعد شهر تقريبًا."
تكلم هيروشي مع إدوارد بصوت خافت وقال:
"هل حقًا ستقبل بهذا الهراء الذي يتكلم عنه هؤلاء الحكام الأوغاد؟"
رد عليه إدوارد بكل ثقة:
"يبدو أنهم قد خططوا لكل شيء قبل مدة طويلة من وفاة أبي، لكن لا بأس."
قاطعه هيروشي وقال:
"لكن سيدي، أنت الوريث الشرعي للقب الإمبراطور."
قاطعه إدوارد بسرعة رافعًا يده:
"هيروشي، هذا يكفي."
ثم نظر إدوارد إلى رودريك وقال:
"عد إلى العاصمة وأبلغ الحكام بأنني موافق على الحضور إلى الاجتماع في الموعد المحدد، بالإضافة إلى قبولي على اجتياز هذا الاختبار مهما كان."
وقف رودريك بكل ثبات وقال:
"حسنًا سيدي، سأفعل ذلك بكل تأكيد."
لوّح رودريك بيده، فتشكلت سحابة سميكة من الدخان الأورجواني بجانب إدوارد.
قام هيروشي بحمل جسد إدوارد، ثم وضعه ببطء شديد على تلك السحابة. وبعد ذلك اتجه نحو آرلين وقام بحمله هو الآخر، ثم وضعه فوق السحابة بجانب إدوارد.
وفي اللحظة التي أراد فيها رودريك المغادرة، قال هيروشي:
"لماذا ما زلت حاقدًا على أخوك الأكبر يا رودريك؟ إنه أخوك وليس سيدك."
التفت رودريك إلى هيروشي، وقال بصوت عميق يملؤه الحزن مع شيء من الغضب:
"أليس هذا خطأه هو؟ لم يعاملني يومًا كأخ أصغر له، بل جعل مني تابعًا وخادمًا له طوال حياتي. وداعًا يا هيروشي، لدي أوامر علي تنفيذها الآن."
وفجأة تحول الجسد السفلي لرودريك إلى دخان أورجواني بشكل كامل، وانطلق نحو السماء محلقًا بسرعة خارج الجزيرة، تاركًا وراءه خطًا طويلًا من الدخان الأورجواني كان يرسم مساره في السماء.
أما السحابة التي كان عليها كل من إدوارد وآرلين، فقد تحركت هي الأخرى، وتبعته بالسرعة نفسها.
وبمجرد خروج رودريك من الجزيرة، كانت السحب الأورجوانية قد تلاشت حول هيروشي، الذي ظل واقفًا في مكانه دون أية حركة، وقد ظهر على عينيه حزن شديد.
لكن هيروشي لم يستمر على هذه الحالة لمدة طويلة جدًا.
حلق هو الآخر في السماء بقدرته، وسلك اتجاهًا مختلفًا عن الاتجاه الذي سلكه رودريك، ثم خرج هو الآخر من الجزيرة، تاركًا وراءه ريڤيرا.
وفي أثناء ابتعاده، قال في نفسه بصوت يملؤه الحزن والأسف:
"آمل أن تكوني بخير يا ريڤيرا، أعرف بأنكي لا تريدين أن أقوم بمساعدتكي، لكنني على يقين تام بأنكي ستكونين قادرة على النجاة."