أنا آسف
في اللحظات التي سبقت سقوط ذلك الكائن القرمزي على المبنى الحجري، كان هيروشي وراݣنار يقفان في مكانٍ بعيد عن تلك الفوضى. وهناك، لم يستطع هيروشي إخفاء الصدمة التي ارتسمت على ملامحه بعدما سمع ما قاله راݣنار، فبقي يحدق فيه بدهشة، وكأن الكلمات التي وصلت إلى مسامعه كانت أبعد من أن تُصدق ، ثم قال بصوت هادئ، لكنه يحمل قدراً كبيراً من الاستغراب:
"أعد ما قلته للتو."
لم يتردد راݣنار لحظة واحدة، بل رفع رأسه بثقة كاملة، وقال بنبرة ثابتة لا يشوبها تردد:
"أجل، مثل ما سمعت، أريد أن أصبح تابعًا لك وتلميذًا عندك لتقوم بتدريبي وتجعلني أقوى مما أنا عليه الآن."
ساد صمت قصير، قبل أن يتابع راݣنار حديثه، وكأن الكلمات التي ظل يخفيها سنوات طويلة قد وجدت أخيراً طريقها إلى الخارج.
"أنا لست متفقًا أبدًا مع خطة المرشد، لقد انضممت إليه أصلًا من أجل أن أترقى وأصير أقوى، لكن بعد المعركة التي خضتها ضدك استنتجت بأنني لن أصل إلى هدفي أبدًا إن استمررت في تضييع وقتي مع هؤلاء الوحوش."
تنهد ببطء، بينما كانت عيناه لا تفارقان هيروشي.
"لقد عرفت أخيرًا حجم الفرق الكبير الذي بيني وبينك في القوة القتالية وفي التفكير أيضًا، لكن وبالرغم من أني لم ألتقِ بالمرشد نهائيًا، إلا أنني لن أجعله أبدًا قدوتي في الحياة ومثلي الأعلى."
وما إن انتهى من كلامه، حتى هبط على ركبتيه بقوة، ثم هوى بقبضتيه العاريتين على الأرض الصلبة.
ارتجفت التربة تحت الضربة، بينما انحنى بجسده إلى الأمام وهو يصرخ بحرقة:
"أرجوك يا هيروشي... أنت أملي الوحيد بأن أتغير وأصير أفضل نسخة من نفسي. لقد سئمت من كوني نكرة في هذا العالم، منذ أن كنت صغيرًا وأنا أرى نظرات من حولي تستحقرني، وتقول لي من دون أن تتكلم بأنني عار على الجنس البشري بأكمله."
لم يكتفِ بذلك.
واصل ضرب الأرض بقبضتيه المجردتين مرة تلو الأخرى، بعنفٍ متزايد، حتى بدأت الجروح تتفتح في يديه، وسال الدم منهما بغزارة، بينما كانت الدموع تتطاير من عينيه مع كل ضربة، وكأن سنوات طويلة من الألم والإحباط كانت تتحطم مع كل ارتطام.
أما هيروشي، فقد بقي واقفًا في مكانه بكل هدوء.
رفع يده اليمنى ووضعها على لحيته البيضاء الكثيفة، وأخذ يتأمل الشاب الراكع أمامه بنظرة يصعب قراءة ما يدور خلفها.
وبعد لحظات من الصمت، قال بصوت رزين:
"إن كنت حقًا صادقًا في ما تقوله أيها الشاب، فلا مانع عندي من ضمك إلى فريقي، مع أنه من الصعب جدًا علي تصديق أشخاص متحالفين مع الوحوش مثلك. لهذا، إن كنت تريد حقًا أن أشرف على تدريبك وتصير أقوى، فلابد لي من اختبارك أولًا."
رفع راݣنار رأسه بسرعة.
وفي لحظة واحدة تبدلت ملامحه بالكامل، لتحل السعادة مكان الانكسار، وارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة لم يستطع إخفاءها.
نظر إلى هيروشي بعينين تلمعان بالأمل وقال بحماس شديد:
"أنا موافق على اجتياز أي اختبار تأمرني به أيها المعلم، أعدك بأني سأبذل ما في وسعي لأكون عند حسن ظنك أيها المعلم، العزيمة والرغبة تتملكان كل جوارحي أيها المعلم، سأسخر قدرتي في خدمتك."
لم تتغير ملامح هيروشي.
بل قال ببرود المعتاد:
"الكلام لا يجدي نفعًا أبدًا معي، أفعالك هي من ستثبت لي صحة كلامك."
قفز راݣنار واقفًا على الفور، وكأن الحياة قد دبت فيه من جديد، ثم قال بسرعة:
"إذًا ما هذا الاختبار الذي علي اجتيازه؟"
أدار هيروشي جسده قليلًا، ووضع يديه خلف ظهره، ثم قال بصوت هادئ:
"هل تعلم بأن هذه الجزيرة معروفة عند الكثيرين باسم «الجزيرة المحرمة»؟"
أجاب راݣنار بعفوية:
"أجل، أعلم ذلك، لكن لا أدري ما السبب."
قال هيروشي:
"لأن هذه الجزيرة تعتبر موطن أحد أكبر الكائنات القديمة خطورةً وقوة. لقد كان يطلق عليه لقب «المقنع القرمزي»، ولعنة هذا الكائن تتمثل في سحب قدرة وذكريات أي شخص يتم التهام دماغه وقلبه من طرف هذا الكائن."
ثم رفع سبابته اليمنى وأشار بها نحو صدره، تحديدًا إلى موضع القلب.
وقال:
"لأن مصدر القدرة هو القلب."
بعدها نقل إصبعه نحو رأسه، وأضاف:
"أما مصدر الذكريات فهو العقل."
وفي اللحظة نفسها...
دوّى انفجار هائل هز أرجاء الجزيرة بأكملها.
ارتجفت الأرض بعنف، وتمايلت الأشجار، بينما اندفع صوت سقوطٍ مرعب جعل الهواء نفسه يهتز، وكأن زلزالًا قد ضرب الجزيرة لتوه.
رفع هيروشي رأسه مباشرة، ثم بدأ جسده يطفو عن الأرض ببطء، وعيناه تحدقان في اتجاه مصدر ذلك الصوت.
وقال بصوت امتزج فيه اليقين بالقلق:
"يبدو أني كنت محقًا تمامًا في ما قلته... إنه المقنع القرمزي بدون شك."
لم يكن راݣنار قد سمع باسم ذلك الكائن إلا قبل لحظات، لذلك ما إن رأى التغير الذي طرأ على ملامح هيروشي، حتى سارع إلى مقاطعته قائلًا:
"هل تنوي مواجهته أيها المعلم؟"
التفت هيروشي إليه ببطء.
وعلى غير عادته...
ارتسمت على شفتيه ابتسامة غريبة، ابتسامة لم يكن فيها أثرٌ للثقة التي اعتاد راݣنار أن يراها عليه، بل كانت أقرب إلى ابتسامة رجل يعرف حقيقةً لا يرغب أحد في سماعها.
ثم قال بهدوء:
"لا يمكن لأي بشري في هذا العالم كبح جماح هذا الكائن أبدًا، حتى أنا لا أستطيع مقارعته مهما فعلت، لأن قوته وتفكيره يتطوران بشكل رهيب جدًا على مر التاريخ."
توقفت كلماته لحظة، بينما ظل بصره ثابتًا نحو المكان الذي صدر منه الانفجار، ثم أضاف:
"كل ما يمكنني فعله الآن هو إنقاذ ما يمكن إنقاذه من فريقي."
بعدها أدار رأسه نحو راݣنار، وقد تبدلت نبرته إلى نبرة المعلم الذي يصدر أوامره لتلميذه لأول مرة.
وقال بحزم:
"أما أنت يا راݣنار، فعليك الابتعاد عن هذه الجزيرة قدر الإمكان، والاتجاه إلى معبد يوجد فوق قمة جبل كريستالي... سنلتقي هناك."
ساد الصمت بينهما لثوانٍ.
كان راݣنار يدرك من خلال كلمات هيروشي أن الأمر أخطر بكثير مما كان يتصور، ومع ذلك لم يُبدِ أي اعتراض، بل انحنى احترامًا، وقال بصوت ثابت:
"حاضر، أنا مستعد لفعل أي شيء تأمرني به، لكن الجبال الكريستالية كثيرة جدًا أيها المعلم."
ابتسم هيروشي ابتسامة خافتة، وكأن الإجابة كانت واضحة بالنسبة إليه منذ البداية، ثم قال بهدوء:
"إذًا عليك الصعود إلى كل قمة من قممها حتى تجد المعبد."
لم يضف شيئًا آخر.
بدأ جسده يرتفع عن الأرض تدريجيًا، حتى صار معلقًا في الهواء، ثم تابع صعوده ببطء، بينما كان راݣنار يتابعه بعينيه دون أن ينطق بكلمة. وما هي إلا لحظات حتى ابتعد هيروشي عنه تمامًا، تاركًا إياه وحده أمام أول اختبار حقيقي في حياته الجديدة.
واصل هيروشي الارتفاع حتى بلغ ارتفاعًا شاهقًا، يقارب ثمانين مترًا فوق سطح الأرض.
هناك...
توقف في السماء.
وضع يده اليمنى على لحيته البيضاء الكثيفة، وأخذ يحدق في الجزيرة بأكملها من ذلك العلو، محاولًا استيعاب المشهد الممتد أمام ناظريه.
لكن ما رآه جعله يعقد حاجبيه على الفور.
كان هناك موقعان على الجزيرة قد تعرضا لدمارٍ هائل، دمار يفوق كل ما توقعه، حتى بدا وكأن قنبلتين نوويتين قد سقطتا فوقهما.
الموقع الأول...
كان المكان الذي دارت فيه سابقًا معركة إدوارد وماݣنوس.
أما الموقع الثاني...
فكان ذلك المبنى الحجري المدمر، حيث سقط المقنع القرمزي.
ظل هيروشي يحدق في المشهد للحظات، ثم تمتم بذهول:
"ما الذي يحدث هنا بحق الجحيم؟... لما الجزيرة مدمرة لهذه الدرجة؟... آمل فقط أن يكون السيد إدوارد على أحسن ما يرام، بما أنه قد استعمل الأقواس الذهبية فلا شك بأن خصمه كان أقوى مما توقعت."
وبينما كان يتفحص الجزيرة بعينيه الخبيرتين، لفت انتباهه أمر آخر.
وسط تلك الأشجار العملاقة، التي كانت قمم أوراقها تلامس تقريبًا مستوى تحليقه، انبعث إحساس غريب.
برودة...
برودة غير طبيعية، تسللت إلى جسده فجأة، حتى شعر بها تخترق الهواء من حوله.
لم يكن ذلك مجرد انخفاض في درجة الحرارة، بل كان شعورًا غامضًا ينذر بوجود شيء خطير داخل تلك الغابة.
وفي اللحظة التالية، انطلق هيروشي بسرعة هائلة نحو مصدر ذلك الإحساس.
كان يطير بين جذوع الأشجار العملاقة بانسيابية مذهلة، حتى مر في طريقه بجوار قبرٍ حديث.
ألقت عيناه نظرة سريعة عليه...
ثم تجمد للحظة.
كان ذلك قبر رايكر.
قبض قلبه بقوة، وتسرب إليه خوف شديد من احتمال أن تكون ريڤيرا هي الأخرى تحت ذلك التراب.
لكن ذلك القلق لم يدم طويلًا.
فبفضل إحساسه القوي، أدرك فورًا وجود ريڤيرا على مقربة منه، ولا تزال على قيد الحياة.
تنفس الصعداء.
غير أن ارتياحه لم يكتمل...
إذ كان هناك شخص آخر معها.
شخص مجهول بالنسبة للمشهد، لكنه معروف بالنسبة لهيروشي.
واصل التحليق حتى وصل إلى مكانها.
وحين رأى ذلك الرجل الواقف أمامها، اتسعت عيناه قليلًا.
كان شين.
أما شين، فما إن وقع بصره على هيروشي، حتى ارتسمت على شفتيه ابتسامة واسعة، وقال بسخرية ممزوجة بالحماس:
"لا أصدق هذا... لقد ظهر القائد الأسطوري شخصيًا... أظن أن الأمور ستكون ممتعة جدًا الآن."
هبط هيروشي إلى الأرض بهدوء.
كانت خطواته ثابتة وهو يتقدم نحو ريڤيرا، مستعدًا لمساعدتها في قتال شين.
لكن قبل أن يقترب أكثر...
رفعت ريڤيرا يدها فجأة.
إشارة واحدة كانت كافية لتأمره بالتوقف.
تجمد هيروشي في مكانه، ثم نظر إليها باستغراب وقال:
"لماذا؟"
لم تجبه.
بل رفعت رأسها ببطء، وحدقت فيه بنظرات عميقة للغاية، يغمرها تصميم لا يتزعزع، دون أن تنطق بكلمة واحدة.
وكان ذلك الصمت...
أبلغ من أي حديث.
قرأ هيروشي ما في عينيها فورًا.
لقد فهم.
أدرك أن ريڤيرا عازمة على مواجهة شين وحدها، وأن قرارها هذا مرتبط بذلك القبر الذي رآه في طريقه.
لم يحاول الاعتراض.
ولم يحاول إقناعها.
اكتفى بالنظر إليها للحظات، ثم بدأ جسده يطفو ببطء مبتعدًا عن الأرض، قبل أن ينطلق بسرعة هائلة نحو السماء، مغادرًا الغابة بالكامل.
بقي شين ينظر إليه مذهولًا.
لم يكن يتوقع أن يغادر هيروشي دون أن يتدخل.
ثم أعاد نظره إلى ريڤيرا وقال بجدية:
"هل تظنين حقًا بأنكي قادرة على هزيمتي؟"
أجابته ريڤيرا دون أدنى تردد:
"أنت لا تعرف شيئًا عني أيها المجرم."
اتخذت وضعية قتالية، وانخفض مركز ثقلها استعدادًا للمواجهة، ثم قالت بصوت امتزج فيه الغضب بالإصرار:
"ستكون أول من يرى حقيقة قدرتي الكاملة، ربما ستكون مصحوبة بالتضحية بما تبقى من حياتي التعيسة، لكن من يهتم، طالما سأنال انتقامي منك فسأكون راضية تمامًا."
ثبت شين نظره عليها، ثم قال بنبرة جادة:
"أنتِ مجنونة حقًا... مثلي."
فردت عليه دون أن تهتز:
"استعد لما سيأتي لاحقًا."
ابتسم شين ابتسامة خفيفة وقال:
"حسنًا... أنا دائمًا مستعد... أريد أن أرى أقصى ما لديكي."
غادر هيروشي الغابة بسرعة خاطفة، يشق السماء كالسهم، بينما كان عقله يحاول أن يربط بين الأحداث المتسارعة التي تعصف بالجزيرة.
لم يكن يملك رفاهية التوقف.
فكل لحظة تمر كانت تعني احتمال سقوط شخص آخر.
اتجه مباشرة نحو الموقع الذي دارت فيه المعركة بين إدوارد وماݣنوس.
وما إن اقترب من المكان حتى بدأت سحب كثيفة من الدخان الأرجواني تملأ الأفق، حتى غطت معظم ساحة القتال.
توقف قليلًا في الهواء، ثم تأمل ذلك الدخان بعينين هادئتين.
وسرعان ما ارتسمت على وجهه علامات الاطمئنان.
تمتم مع نفسه بصوت منخفض:
"لقد كنت أعرف بأنه سيأتي للمساعدة عاجلًا أو آجلًا."
لم يمكث هناك طويلًا.
بل غيّر اتجاهه فورًا، وانطلق بسرعة هائلة نحو منطقة التلال المتموجة، حيث كان المبنى الحجري الذي سقط عليه المقنع القرمزي.
كانت الرياح تعصف بثيابه البيضاء وهو يطير بأقصى سرعة، حتى بلغ أخيرًا ذلك الخراب الممتد فوق التلة.
لكن...
ما إن وقعت عيناه على المشهد حتى تجمد في مكانه.
كانت الصدمة أقوى من أن تُخفى.
هناك...
وسط الركام والحجارة المحطمة، كان المقنع القرمزي يقف بهيئته المرعبة، متجهًا بخطوات ثابتة نحو آرلين ، و الذي كان ممددًا على الأرض فاقدًا للوعي، عاجزًا عن الدفاع عن نفسه.
ولم يكن ذلك وحده ما صدم هيروشي.
فإلى جانب ذلك المشهد...
رأى جثة أستريا .
كانت ملطخة بالدماء.
ساكنة بلا حراك.
وكأن الحياة قد غادرتها منذ وقت قصير.
هبط هيروشي إلى الأرض بهدوء.
ثم اعتلى صخرة قريبة من المقنع القرمزي، بينما كانت عيناه تمتلئان بالغضب والحقد إلى أقصى درجة.
في تلك اللحظة...
لم يكن يفكر إلا في شيء واحد.
قتل ذلك الكائن.
اتخذ وضعية قتالية بكل حزم، ثم رفع يديه نحو السماء، مستعدًا لتنفيذ هجوم ما.
لكن...
قبل أن يتحرك.
توقف.
تجمدت حركته فجأة.
وبدأت دموعه تنساب ببطء من عينيه، لتتساقط فوق لحيته البيضاء الكثيفة.
خفض بصره نحو جثة أستريا .
وظل يحدق فيها طويلًا.
كانت نظراته مليئة بالحزن، حزن رجل رأى الكثير من الموت في حياته، لكنه لم يستطع أن يعتاد عليه يومًا.
أنزل يديه ببطء.
ثم أطلق صرخة مدوية مزقت سكون المكان.
انهار هيروشي باكيًا.
ولم يعد قادرًا على حبس الكلمات التي كانت تثقل قلبه.
قال وهو يخاطب نفسه وسط دموعه:
"أنا آسف حقًا يا آستريا لأني لم أستطع التواجد في الوقت المناسب من أجل حمايتكي وإنقاذكي من مصيركي هذا... أشعر بأني السبب في ما حصل لكي الآن... أعرف أني لم أكن مدربًا جيدًا بالنسبة لكي... لقد كنت دائمًا قاسيًا معكي ولم تشعري بأي ذرة رحمة مني... أنا آسف... أنا آسف."
كانت كلماته تخرج بصعوبة، يقطعها البكاء، بينما ظل غارقًا في تأنيب نفسه.
وفي الوقت الذي كان فيه هيروشي غارقًا في حزنه، ومستسلمًا لذكرياته مع أستريا ...
كان المقنع القرمزي يواصل تقدمه.
بخطوات بطيئة...
ثابتة...
دون أن يلتفت إلى هيروشي مطلقًا.
كل اهتمامه كان منصبًا على آرلين .
لاحظ هيروشي ذلك.
رفع رأسه ببطء، وقد اختلط الحزن بالاستغراب في عينيه.
لماذا...
لماذا يتجاهله هذا الكائن؟
لم يستغرق وقتًا طويلًا في التفكير.
مسح دموعه بسرعة بطرف يده، ثم اندفع بكل قوته نحو آرلين .
وصل إليه في لحظة واحدة.
أزاح الحطام الذي كان يطبق على جسده، ثم حمله بين ذراعيه بحذر.
نظر إليه للحظات.
ثم ابتسم ابتسامة خافتة، امتزج فيها الحزن بالفخر، وقال بصوت متهدج:
"أنا ممتنة لكي يا أستريا ... لقد ضحيتي بنفسكي من أجل حماية هذا الفتى... لقد قمتي بشيء لم أستطع القيام به... أنا فخور جدًا بكي."
بعدها رفع رأسه نحو المقنع القرمزي.
كانت نظراته هذه المرة حادة كالسيوف.
ثم قال وهو يراقب الكائن بحذر شديد:
"لا يمكنني معرفة مقدار القوة والمعرفة التي يمتلكهما هذا الكائن، ولا أستطيع أيضًا معرفة ما يدور داخل رأسه، لذلك فالانسحاب هو الأفضل بالنسبة لي في هذه الحالة... لحسن حظي أن هذا الكائن غير قادر على الطيران."
وبمجرد أن أنهى كلامه...
ارتفع عن الأرض حاملًا آرلين بين ذراعيه، ثم انطلق بسرعة هائلة نحو السماء، مبتعدًا عن المقنع القرمزي.
وخلال تحليقه...
التفت إلى الخلف، يريد أن يعرف إن كان ذلك الكائن قد قرر مطاردته.
لكن ما رآه كان أغرب مما توقع.
فور ابتعاد هيروشي...
توقف المقنع القرمزي عن الحركة تمامًا.
ظل واقفًا بثبات فوق تلك التلة المتموجة.
لا يتحرك.
لا يلاحق أحدًا.
وسط الخراب الذي خلفه سقوطه العنيف، وإلى جوار جثة آستريا ، والتي فارقت الحياة على يد أحد أقوى الكائنات القديمة وأشدها خطورة بشهادة هيروشي ، إنه المقنع القرمزي .