الكائن القرمزي
كانت منطقة الأشجار العملاقة غارقة في صمتٍ ثقيل، صمتٍ لا يقطعه سوى همسات الرياح وهي تتسلل بين الجذوع الهائلة التي ارتفعت نحو السماء كأعمدةٍ تحمل سقف العالم فوقها.
وسط ذلك المكان الموحش وقفت ريڤيرا أمام قبرٍ بسيط من التراب، قبرٍ دفنت فيه بيديها الشخص الذي كان أقرب إليها من أي إنسان آخر.
كان ذلك قبر رايكر.
وقفت هناك دون حراك، وعيناها الممتلئتان بالحزن تحدقان في التراب الذي يغطي جسده. لم تتوقف دموعها عن الانهمار، كانت تنزل بغزارة شديدة حتى رسمت خطين أسودين طويلين على خديها. سقطت الدموع فوق التراب الرطب، وكأنها تحاول الوصول إليه للمرة الأخيرة.
ارتجف صوتها وهي تتمتم:
"لقد كنت أنت الأخ الذي لم أحظَ به يوماً... منذ اللحظة الأولى التي فتحت فيها عيني على هذا العالم القاسي. بل إن الفريق كله كان بمثابة عائلة لي. لقد عانيت كثيراً على يد رجال لا أعرف حتى وجوههم... لم يكن يحق لي أن أرفع رأسي لأراهم. كل ما كان مطلوباً مني هو السمع والطاعة. تعرضت لأقسى أنواع العذاب كي أتدرب وأصبح أقوى... وكل ذلك فقط لخدمة نفس الرجال الذين أذاقوني مرارة الحياة."
توقفت للحظة، بينما ازداد ارتجاف كتفيها.
"طوال حياتي كنت أقول لنفسي إنني وُلدت لهذا فقط... وأن الحياة ليست سوى تلك القسوة والمعاناة التي عشتها. حتى نسيت أن للحياة معنى أعمق من ذلك كله."
رفعت معصمها الأيمن ومسحت دموعها ببطء. وعلى الرغم من الحزن الذي يمزق قلبها، ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة باهتة.
قالت بصوتٍ دافئ:
"لقد كان من دواعي سروري أن أتعرف عليك. أنت من جعلني إنسانة تشعر وتحس. لم تكن مجرد زميلٍ في الفريق بالنسبة لي... بل كنت دائماً الأخ الأكبر الذي يساندني."
وفجأة...
دوّى صوت تصفيقٍ هادئ وسط الغابة.
التفتت ريڤيرا إلى الخلف دون ذرة خوف.
وهناك رأته.
الشخص الذي تسبب في موت رايكر وكايل.
وقف بين الأشجار شابٌ ذو مظهرٍ بارد وحاد. كان شعره الأبيض الشائك أشبه بشظايا جليدية متناثرة حول رأسه، بينما حملت ملامحه هدوءاً غريباً وثقة لا تهتز. ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة توحي بالدهاء والذكاء، وكانت عيناه الزرقاوان اللامعتان بلون الجليد تشعان ببرودة مخيفة.
ارتدى نظارات دائرية أضفت على هيبته طابعاً علمياً غامضاً، بينما غطت جسده نقوش متشققة بدت كبلورات جليدية متوهجة تحت الجلد. أما معطفه الداكن ذو الياقة الفروية الكثيفة فقد منحه حضوراً ملكياً مهيباً وسط ذلك الجو البارد.
توقف عن التصفيق وقال بسخرية هادئة:
"إنها حقاً قصة مؤثرة جداً... لا أكاد أتمالك نفسي من البكاء."
نهضت ريفيرا بثبات وشدت قبضتيها بقوة.
"من أنت؟"
أجاب الشاب بهدوء مطلق:
"أنا شين... وأنتِ؟"
ازدادت قبضتاها انغلاقاً حتى ابيضت مفاصل أصابعها.
"هل أنت السبب في موت أخوَيَّ؟"
بدأ شين بالتقدم نحوها بخطوات هادئة وثابتة.
ومع كل خطوة كان الجليد ينبت خلفه على الأرض على شكل أشواك حادة.
قال مبتسماً:
"أنا آسف جداً... لم أكن أعلم أنهما أخواكِ. أنا حقاً في غاية الأسف. هل يمكنكِ مسامحتي؟ يمكنني أن أصبح أخاً لكِ إن أردتِ."
ارتجفت عضلات وجه ريفيرا.
برزت العروق على جبينها.
واشتعل الغضب في عينيها.
فتحت يديها ببطء وقالت:
"أريد أن أطلب منك طلباً واحداً يا شين."
رد بهدوء:
"وما هو؟ اطلبي ما تشائين."
قالت بصوت حمل شيئاً من الاحترام رغم غضبها:
"هل يمكننا القتال في مكانٍ آخر؟ أريد الابتعاد عن هذا القبر الذي دفنت فيه أعز صديقٍ لي."
أومأ شين برأسه.
"حسناً... لكِ ما تريدين."
استدارت ريڤيرا وغادرت المكان.
وبدون أي تردد تبعها شين.
وسرعان ما اختفى الاثنان بين الأشجار، مبتعدين تماماً عن قبر رايكر.
---
في مكانٍ آخر من الجزيرة...
فتح راݣنار عينيه ببطء شديد.
كان جسده قد تجدد بالكامل، لكن شيئاً غريباً كان يمنعه من الحركة.
استلقى على ظهره فوق الأرض عاجزاً عن تحريك أي جزء من جسده باستثناء عينيه.
وفجأة سمع صوتاً مألوفاً.
"يبدو أنك استيقظت أخيراً أيها العنيد."
أدار عينيه فرأى هيروشي جالساً بجانبه بهدوء تام.
قال راݣنار باستغراب:
"لماذا لا أستطيع الحركة؟ ماذا فعلت بي؟"
أجاب هيروشي:
"لم أفعل شيئاً. لقد زدت فقط ضغط الجاذبية على جسدك."
قطب راݣنار حاجبيه.
"ماذا؟ لم أفهم شيئاً مما قلته أيها العجوز."
ظهرت علامات القلق على وجه هيروشي.
"هذا ليس مهماً الآن. هناك أمر أخطر بدأ بالفعل."
أصبحت عيناه أعمق من أي وقت مضى وهو يتابع:
"آمل أن أكون مخطئاً فيما أفكر به الآن... وإلا فإن هذا العالم وكل ما فيه سيتلاشى قريباً."
في تلك اللحظة بدأ راݣنار يشم الهواء.
ثم قال:
"ما هذه الرائحة النتنة؟ كأن هناك جثة متعفنة بالقرب منا."
أجاب هيروشي بجدية:
"هذا صحيح. عندما طرت إلى هنا لاحظت مكاناً قريباً وقعت فيه معركة حديثة. كانت هناك أشلاء وعظام متناثرة لكائنٍ ما. في البداية خفت أن تكون لأحد أفراد فريقي، لكن بعد الفحص اكتشفت أنها تعود لوحش."
قاطعه راݣنار فوراً:
"إنه العضو الرابع من مجموعتنا... ذلك الوحش. يبدو أن أحد أفراد فريقك قضى عليه."
هز هيروشي رأسه نافياً.
"لا. الطريقة التي مات بها ليست من أساليب أي شخصٍ في فريقي. إنها من فعل تلك الكائنات التي كنت أخشى دائماً عودتها."
بصعوبة شديدة رفع راݣنار رأسه عن الأرض.
"ماذا تقصد؟ من هذه الكائنات؟"
نظر هيروشي إلى السماء.
"إنها الكائنات القديمة... التي ظهرت في هذا العالم منذ الأزل."
قال راݣنار:
"لقد سمعت الكثير من الأساطير عنها. يقال إنها تظهر كل مئة عام، وتبقى سنة واحدة فقط ثم تختفي."
تنهد هيروشي.
"ما قلته ليس أسطورة... بل حقيقة. لكن ما لا يعرفه الكثيرون هو أن سيد القدرات منح البشر قواهم أصلاً لمواجهة تلك الكائنات."
اتسعت عينا راݣنار دهشة.
"وكيف عرفت أن من قتل ذلك الوحش واحد منها؟"
أجاب هيروشي:
"بعد أن فحصت الجثة وجدت أن عضوين داخليين قد اختفيا بالكامل."
رفع يده ولوح بها فوق جسد راݣنار.
وفجأة زال الضغط الهائل.
قفز راݣنار مبتعداً فوراً، بينما ظل هيروشي جالساً في مكانه.
قال راݣنار:
"أرى أنك ألغيت ضغط الجاذبية. هل تراجعت عن اعتقالي؟ ألم تقل إنني مجرم بسبب تحالفي مع الوحوش؟"
ابتسم هيروشي.
ثم انفجر ضاحكاً.
"لقد أضحكتني حقاً. هل تسمي ما حدث بيننا معركة؟ كنت ألهو معك فقط. أنت ضعيف إلى درجة لا توصف."
ثم أصبحت ملامحه أكثر جدية.
"والأمر الآن أكبر من صراع البشر والوحوش. يجب أن نتحد لإيقاف الكائنات القديمة قبل أن تدمر العالم."
وضع راݣنار يديه على خصره.
"أعترف أنني ضعيف... ولهذا فإن ما سأقوله لك الآن قد يبدو غريباً جدا "
رفع هيروشي نظره نحوه.
"قل ما عندك."
---
وفي منطقة التلال المتموجة...
داخل ذلك المبنى القديم المهجور الذي اختبأت فيه أستريا وآرلين...
كانت أستريا جالسة في إحدى الغرف وهي ترتجف بعنف.
الخوف يسيطر على جسدها بالكامل.
أما آرلين فكان ينظر إليها باستغراب.
وضع يديه فوق يديها قائلاً:
"لا تخافي يا أستريا. سيكون كل شيء بخير. سنبقى مختبئين هنا حتى يزول الخطر ثم نعود إلى الفريق."
رفعت رأسها نحوه.
كانت نظراتها مليئة بالخوف والانكسار والغضب.
"أنت لا تفهم شيئاً. إذا كان ذلك النوع من الوحوش موجوداً على الجزيرة فلن ينجو أحد منا... حتى القائد هيروشي سيجد صعوبة في التغلب عليه."
وضعت يديها على رأسها.
"أشك أن ما أشعر به مجرد وحش من المستوى الأعلى. إنه شيء مختلف تماماً. أشعر بقوة لا نهائية... ونية قتل مظلمة وخبيثة."
تسرب الخوف إلى قلب آرلين.
فاتجه نحو النافذة وبدأ يراقب الخارج.
وفجأة فتحت أستريا عينيها بقوة.
وصرخت:
"إنه قادم! اهرب يا آرلين!"
وفي اللحظة التالية مباشرة...
شق شيءٌ ما السماء.
اخترق السحب المنخفضة بسرعة هائلة.
ثم سقط في قلب المبنى القديم.
انفجارٌ مدوٍ هز الجزيرة بأكملها.
ارتفعت سحابة هائلة من الغبار والحطام.
ووصل صوت الانفجار حتى الساحل الشمالي.
وبعد لحظات...
بدأ الغبار يتبدد.
ظهر ظلٌ ضخم واقف وسط الخراب.
ثم انكشف شكله بالكامل.
كان مقاتلاً هائلاً بلون قرمزي، جسده العضلي بدا كأنه منحوت من القوة نفسها. غطى وجهه قناع مخيف يحمل ابتسامة واسعة وأسناناً حادة وعينين مرعبتين، بينما برز مقبض سيف مغروس في أعلى رأسه. أحاط شعره الأبيض الأشعث بالقناع كألسنة لهب مجنونة، وزاد سرواله الواسع وأسواره المعدنية الثقيلة من هيبته القتالية.
كان حضوره وحده كافياً لإثارة الرعب.
تحت إحدى الصخور الضخمة كان آرلين فاقداً للوعي.
وبعد دقائق فتح عينيه بصعوبة.
ثم نظر أمامه.
وتجمدت أنفاسه.
أمسك ذلك الكائن بعنق أستريا بيده اليسرى.
كان يخنقها ببطء.
دون استعجال.
دون رحمة.
ولم تقاوم أستريا.
كانت تدرك أن نهايتها قد حانت.
اكتفت بالنظر إلى آرلين.
ورسمت على شفتيها ابتسامة يائسة أخيرة.
أما آرلين فلم يستطع الصراخ.
ولم يستطع الحركة.
كل ما استطاع فعله هو مشاهدة ذلك الكابوس الذي سيطارده بقية حياته.
ثم رفع الكائن يده الأخرى.
وأمسك برأس أستريا.
وفي لحظة واحدة...
سحقه.
وتحوّل الرأس إلى كتلة ممزقة بفعل القوة الهائلة.
بعد ذلك مباشرة...
أقدم على فعل أكثر رعباً.
فبدأ بالتهام دماغها بالكامل.
وحين انتهى من فعلته المريعة...
أعاد يده اليمنى نحو جسدها.
ثم اخترق المكان الذي يت
واجد فيه قلبها.
وغرس يده داخل صدرها قبل أن يقتلع القلب من مكانه.
ثم قام بالتهامه هو الآخر.
كان المشهد فظيعاً إلى درجة لا يمكن للكلمات أن تصفه بصورة كاملة.
كان شيئاً يفوق قدرة العقل على الاستيعاب.
ولهذا...
لم يتحمل آرلين ما رآه.
فقد غرق وعيه في الظلام مجدداً.
وسقط فاقداً للوعي من شدة الصدمة والرعب.