هدوء ما قبل العاصفة
بعيدًا عن موقع الانفجار الهائل الذي أحدثه هجوم إدوارد الأخير ضد ماݣنوس، كانت الجزيرة تبدو وكأنها تنقسم إلى عوالم مختلفة، لكل منها خطره الخاص وصمته المريب.
في منطقة التلال المتموجة، ارتسم ظل كائن ضخم فوق إحدى القمم المرتفعة، في نفس الموضع الذي وقف عليه كل من آرلين وأسترا سابقًا. لم يكن من ذلك الكائن ظاهرًا سوى لونه القرمزي الداكن، ككتلة من الدم المتجمد تقف بثبات، تراقب بصمت. لم يتحرك، ولم يُصدر أي صوت، لكنه كان حاضرًا بثقلٍ مرعب… وكأنه تجسيد حي للخطر الذي حذرت منه أسترا من قبل.
وفي الأسفل، كانت أسترا وآرلين يتقدمان بين التلال، يسيران بسرعة حذرة نحو الشمال، حيث يقتربان تدريجيًا من الساحل الشمالي للجزيرة.
قطع آرلين الصمت أخيرًا، وقد بدا عليه الإرهاق: "لقد مرت مدة طويلة ونحن نسير هكذا… أريد أن أعرف شيئًا واحدًا فقط يا أسترا… إلى أين نحن ذاهبان الآن؟"
لم تتوقف أسترا عن السير، لكنها التفتت إليه قليلًا وقالت بنبرة جادة: "ذلك لا يهم الآن… المهم أن نكون في أمان، وبعيدين تمامًا عن مواقع تلك الانفجارات… ألم تسمع صوت الانفجار الهائل الذي حدث قبل قليل يا سيدي؟ هذه الجزيرة أصبحت خطيرة جدًا… ومهمة الاستكشاف التي جئنا من أجلها تحولت إلى صراع من أجل البقاء."
تنهد آرلين قليلًا، ثم قال: "نعم… لقد سمعت ذلك الصوت المرعب… ومن الواضح أن القائد هيروشي والبقية يخوضون معارك ضد وحوش من المستوى الأعلى… لكنني ما زلت أريد المساعدة… لا أريد أن أبقى مجرد عبء… أريد أن أتعلم، أن أقاتل، أن أكتشف هذا العالم بنفسي… لهذا انضممت إلى هذه الفرقة أساسًا."
توقفت أسترا للحظة، ثم نظرت إليه بنظرة تجمع بين الحزم والقلق: "أعلم ذلك… وأفهمك جيدًا… لكن بقوتك الحالية، لن تصمد أمام وحش من المستوى الأعلى… لهذا علينا أن نتحرك بذكاء، لا باندفاع… سنتجه نحو الساحل، ثم نلتف حول الجزيرة حتى نصل إلى النقطة التي افترقنا فيها عند وصولنا أول مرة… ربما نجد هناك أحدًا من الفريق."
لكن قبل أن تُكمل كلماتها، تجمدت فجأة.
اتسعت عيناها بشكل مخيف، وارتجف جسدها بالكامل، ثم سقطت على ركبتيها دون سابق إنذار. بدأت ساقاها ترتعشان بعنف، وكأنها فقدت السيطرة عليهما.
انحنى آرلين بسرعة نحوها، وقد بدا عليه الذعر: "أسترا! ماذا بكِ؟ لم أركِ هكذا من قبل!"
حاولت أسترا التقاط أنفاسها، ثم دفعت نفسها بصعوبة حتى وقفت مجددًا، وقالت بصوت مرتجف: "إنه… يقترب… لقد لحق بنا… إنه قريب جدًا… أقوى مما توقعت… ربما… هذه نهايتنا."
رفع آرلين رأسه بسرعة، وبدأ يتفحص التلال من حوله، حتى وقعت عيناه على تلة مرتفعة بشكل واضح عن باقي التلال.
أشار بيده نحوها وقال بسرعة: "انظري هناك! يوجد مبنى فوق تلك التلة… ربما نستطيع الاختباء فيه!"
نظرت أسترا في الاتجاه الذي أشار إليه، ثم قالت دون تردد: "هيا… بسرعة! لا وقت لدينا… سيصل في أي لحظة!"
انطلق الاثنان بأقصى سرعة، يركضان بين التلال صعودًا نحو ذلك المبنى الغامض. كانت أنفاسهما تتسارع، وخطواتهما تضرب الأرض بقوة، وكأنهما يهربان من ظل الموت نفسه.
وبعد جهدٍ شاق، وصلا إلى القمة.
هناك… كان المشهد مختلفًا تمامًا.
أطلال بناء حجري قديم كانت تنتشر فوق التلة، جدرانه المتهدمة متناثرة بين أعشاب خضراء كثيفة، وكأن الزمن قد مرّ عليه ببطء قاسٍ، تاركًا خلفه آثارًا لا تُمحى. أقواس عالية متشققة، ونوافذ فارغة تطل على الفراغ، توحي بأنه كان يومًا ما معبدًا عظيمًا أو قصرًا مهيبًا.
تسلقت النباتات جذوره وجدرانه، فامتزجت الحياة بالخراب في لوحة صامتة آسرة.
أشعة الشمس تسللت بين الغيوم، فغمرت المكان بضوء دافئ أضاء تفاصيل الحجارة المتآكلة.
ساد هدوء غريب…
هدوء لا يُسمع فيه سوى همسات الرياح.
هدوء… يخفي شيئًا ما.
---
وفي منطقة أخرى من الجزيرة، وسط غابة الأشجار العملاقة، وقفت ريڤيرا فوق أحد الأغصان الضخمة، تضع يدها اليسرى على الجذع، واليمنى على جبينها، تحدق نحو الأفق حيث وقع الانفجار.
قالت بصوت منخفض: "لا شك أن هذا الانفجار سببه مهارة اللورد إدوارد… لقد رأيت تلك الأقواس الذهبية… لكن… بهذه القوة؟ هل واجه وحشًا من المستوى الأعلى؟"
توقفت لحظة، ثم أضافت: "أنا أثق بقوته… لكن… أتمنى فقط أن يكون بخير."
فجأة، التفتت نحو يمينها، وعيناها تضيقان: "هناك شيء… أحد محاربي تحرك بشكل غير طبيعي."
لم تتردد.
قفزت بسرعة هائلة إلى غصن آخر، ثم واصلت القفز بين الأشجار العملاقة، تتحرك بخفة مذهلة رغم المسافات الكبيرة بين الأغصان.
وعندما وصلت إلى الموقع الذي استشعرت منه الخطر…
تجمدت في مكانها.
المحارب العظمي الخاص بها كان واقفًا هناك… ينظر في نفس الاتجاه.
وبين جذوع الأشجار…
كان هناك شاب.
شاب قوي البنية، شعره الأسود القصير مبعثر، يرتدي لباسًا أسود ضيقًا يبرز عضلاته، وسروالًا واسعًا وحذاءً داكنًا.
كان مستندًا إلى جذع شجرة…
جسده مغطى بالدماء…
يده اليمنى… مقطوعة بالكامل.
كان يتنفس بصعوبة… ويسعل دمًا.
قفزت ريڤيرا إلى الأرض بسرعة، واندفعت نحوه، وضعت يدها خلف عنقه وأخرى على وجهه، وصاحت بصوت مرتجف: "رايكر! من فعل بك هذا؟! هل أنت بخير؟! أين كايل؟!"
فتح رايكر عينيه بصعوبة، ونظر إليها، ثم قال بصوت متقطع: "إنه… ليس… وحشًا… كنا مخطئين… إنه بشري… لكن… قوته… تفوق ما تخيلناه… أنا… وكايل…"
توقف لثوانٍ، ثم أكمل بصعوبة: "كايل… ضحى بنفسه… لكي أهرب… وأخبرك… أن هناك بشرًا… تحالفوا مع الوحوش… كل هذا… بسبب… المرشد…"
شد على معصمها بيده اليسرى، وقال بصوت خافت: "سيأتي… سيتبع الدم… اهربي… إنه قوي… لا يمكنكِ مواجهته… حذّري الآخرين… وغادري هذه الجزيرة… بسرعة…"
سقطت يده فجأة.
توقف جسده عن الحركة.
وثبتت عيناه…
دون رمش.
كان ذلك… آخر ما قاله.
"رايكر…؟"
لكن لا إجابة.
انفجرت ريڤيرا بالبكاء، واحتضنت جسده وهي تصرخ بألمٍ حاد اخترق صمت الغابة.
"رايكر!!!"
صوتها تردد بين الأشجار…
لكن لم يجبها أحد.
وفي مكان غير بعيد…
كان هناك شيء يتحرك.
ظل بشري… يسير ببطء بين الأشجار.
يتبع أثر الدم.
يقترب… خطوة… خطوة…
ومن تحت قدميه…
كانت الأرض تتجمد.
تتكون أشواك حادة من الجليد…
تخلف وراءه أثرًا باردًا…
مميتًا.
كان قادمًا.