إدوارد ضد ماݣنوس - 3
في المكان الذي تدور فيه أحداث المعركة على الجزيرة، كان التوتر مسيطرًا على الأجواء بشكلٍ خانق، وكأن الهواء نفسه أصبح ثقيلاً لا يُحتمل.
وقف ماݣنوس في مكانه دون أن يتحرك، عيناه مثبتتان على إدوارد، وجسده متصلب، تتداخل في داخله مشاعر التردد والحيرة بشكل واضح، وكأنه عالق بين الهجوم والتراجع دون أن يملك القدرة على اتخاذ قرار.
أما في الجهة المقابلة، فقد كان إدوارد جالسًا بهدوء تام، ممسكًا بسيفه الذي يتوهج بطاقة صفراء شديدة اللمعان. لم يُبدِ أي نية للحركة، بل كان ثابتًا تمامًا، وكأنه ينتظر… ينتظر خطوة واحدة فقط من خصمه ليكرر ما فعله سابقًا.
وفي داخل عقل ماݣنوس، بدأت الأفكار تتزاحم دون توقف.
قال في نفسه:
" علي أن أفهم ما يحدث الآن مع هذا الرجل الجالس والهادئ أمامي… لما لا يتحرك أو يهجم علي ? هل ينتظرني الآن كي أهجم أم ماذا ? لقد تغير كثيرا عن الرجل الذي كان عليه قبل أن يجلس ، وكأن شخصيته تغيرت بالكامل… "
وبينما كان غارقًا في أفكاره، قطع إدوارد ذلك الصمت بصوته الهادئ.
قال:
" هيا يا ماݣنوس… ألن تتقدم إلي… لا أظنك جبانا إلى هذه الدرجة… أنت وحش ذكي جدا وجيد في التخطيط… ستصل إلى حل ما واستنتاج لما يحدث الآن… "
اشتدت نظرة ماݣنوس، ورد بصوت ثابت يخفي غضبه:
" لقد تدربت لسنوات عديدة تحت إشراف المرشد بنفسه… لن تخيفني حشرة مثلك… لقد وصلت للتمكن الكامل أيضا من قدرتي وأستطيع مجاراتك في لعبتك هذه… بل وحتى التفوق عليك إن أردت ذلك… "
بقي إدوارد على هدوئه، ثم قال بنبرة باردة:
"هذا مجرد كلام فارغ يا ماݣنوس… فلو كان ما تقوله الآن صحيحا لاستخدمت مهارتك الآن دون أي تأخير أو تردد… أنت تعلم جيدا بأنني أستخدم الآن مهارتي وهذا يدل على تمكني الكامل من قدرتي… ألم يعلمك مرشدك كيفية ابتكار المهارة ? … أم أنه قد عرف بأنك لست أهلا لتعلمها… "
اشتعل الغضب في عيني ماݣنوس، وقبض يده بقوة وهو يقول:
" أيها الوغد الأعمى… هل تسخر مني الآن كي أهجم عليك وتحولني إلى قطع كما فعلت مع وحوشي قبل قليل ? … هذا لن يحدث أبدا… سأحاول التوصل إلى كيفية سحقك بأي طريقة ممكنة ولن أتهور أبدا مهما حصل… "
أغلق إدوارد عينيه للحظة قصيرة، ثم قال بهدوء:
" حسنا… لكن قبل أن يحدث ذلك… أريد منك إخباري بالمزيد عن مرشدك هذا وعن هدفكم من هذه الجزيرة النائية أصلا… "
ضحك ماݣنوس ضحكة خافتة قبل أن يقول:
" حسنا… بما أنك لن تخرج من هذا المكان حيا… والخطة الآن صارت علنية… فستنال شرف معرفة المرشد وهدفنا وراء ظهورنا في هذه الجزيرة… "
ثم بدأ بالكلام، وصوته يحمل ثقل سنوات طويلة من الألم:
" البشر الذين تم تشويه مظهرهم بسبب سيد القدرات اللعين ذاك ، قد تم نفيهم من أي مكان وقعت سيطرة الإمبراطور عليه، بالإضافة إلى محاربتهم أيضا من طرف البشر الذين سلمت أجسادهم من تأثير قدراتهم بأمر من الإمبراطور نفسه، وهذا بسبب انتشار إشاعة أن من تُشوَّه مظاهرهم بسبب القدرة فهم أشرار خطيرون في الأصل بطبعهم بعد ولادتهم مباشرة ويجب إبادتهم على الفور. "
توقف لحظة، ثم تابع:
" كان البشر المتحولون منتشرين بشكل عشوائي في كل مكان في العالم ومتخفين عن الأنظار لسنوات عديدة، وأي بشري متحول يتم قتله على الفور بعد ولادته غصبا عن والديه، وهذا ما زاد الحقد الذي تغلغل في قلوبنا تجاه البشر غير المتحولين. "
اشتدت نبرته أكثر:
" فكان لابد من وجود بشري متحول يوحد كل البشر المتحولين من حوله على محاربة البشر غير المتحولين، فظهر ذلك الذي يسمى نفسه بالمرشد، وهو من سيرشد باقي البشر المتحولين إلى النور ورد اعتبارهم والانتقام من الإمبراطور وكل من يحاول إبادتنا. "
استمر ماݣنوس في حديثه دون توقف:
" كان مرشدنا يجهز خطة محكمة في الخفاء من أجل تحقيق ذلك الهدف لسنوات طويلة، وفي تلك السنوات كان يوحد البشر المتحولين في الخفاء ويدربهم على إتقان قدراتهم، ويغرس فيهم فكرة أنكم أيها البشر غير المتحولين من أخطأتم في حقنا وتماديتم في ذلك. "
ثم قال بثبات:
" وقد وعدنا المرشد بأنه عندما يصبح إمبراطورا للعالم لن يتم قتل أو إبادة أي بشري متحول آخر، وسيُعامل كل البشر بمساواة دون تمييز بين المتحولين وغير المتحولين. "
تنفس ببطء، ثم تابع:
" وبعد موت الإمبراطور مباشرة، أي قبل ست سنوات بالضبط، بدأنا بتنفيذ الخطة عن طريق تكوين مجموعات مكونة من أربعة أفراد، اثنان من البشر غير المتحولين المتحالفين معنا واثنان من البشر المتحولين، وتم إرسال كل مجموعة إلى مكان لازال غير مكتشف من أجل السيطرة عليه، كما تم تكليف كل شخص بمهمة عليه تنفيذها ولو عنى ذلك موته، طاعة للمرشد وسبيلا لتحقيق الهدف الأسمى، وهو إعطاء فرصة للأجيال القادمة من البشر المتحولين للعيش في عالم يسوده السلام وعدم التمييز والعنصرية. "
انتهى كلامه.
ساد الصمت للحظات.
ابتسم إدوارد ابتسامة خافتة، ثم قال:
" تبدو هذه القصة جميلة وحزينة في نفس الوقت… لقد أثار إعجابي أن للوحوش أيضا مبادئ وأهداف نبيلة… لكن هذه القصة صعبة التصديق… والوحوش تبقى وحوشا مهما اختلفت أهدافهم ونظرتهم للعالم… لأن الشر الذي يسيطر على قلوبهم لن يدعهم يرتقون ليصبحوا بشرا أخيارا… "
ثم شد قبضته على سيفه وقال:
" لذلك أنا آسف على تخييب أملك… لن أصدق أي كلمة مما تقوله أيها الوحش… بل لقد زدتني إصرارا وحرصا على إبادتك فقط… "
ضحك ماݣنوس مرة أخرى، وقال بنبرة مظلمة:
" أنا لا أحتاج إلى أن تصدقني أيها البشري المتعجرف… لقد قلت لك سابقا بأنك لن تخرج من هنا حيا… وإن أردت ذلك فعلى جثتي "
ثم أضاف بحدة:
" لقد ظننت بأنك أعمى من عينيك فقط… لكنني أدركت الآن أنك أعمى من قلبك أيضا وعقلك… "
وفي تلك اللحظة، اتخذ ماݣنوس وضعية قتالية.
توهجت عيناه بتوهج أزرق هائل، وبدأت تلك الطاقة الزرقاء تحيط بجسده تدريجيا، ترتفع وتلتف حوله، بينما أخذت تتسرب من عينيه إلى الخارج بشكل واضح.
اهتزت الأرض من حوله.
وتغيرت الأجواء.
أما إدوارد ، فبقي جالسا في مكانه…هادئا…يمسك بسيفه بإحكام منتظرا ...
شدّ ماݣنوس قبضتيه الصخريتين بقوة، ثم ضرب إحداهما بالأخرى، فاندفعت تلك الطاقة الزرقاء من جسده وأحاطت به بالكامل، كأنها غلاف كثيف من القوة المتفجرة.
توهجت عيناه المدورتان بشكل مرعب، حتى بدأ ذلك الضوء الأزرق يتسلل خارج عينيه بوضوح.
ونتيجة لذلك، بدأ كل حجر في المكان يهتز ويتحرك، سواء كان صغيرًا أو كبيرًا. ارتفعت الصخور من الأرض، واندفعت في الهواء، ثم تجمعت بسرعة هائلة، لتتشكل منها أعداد هائلة من الوحوش الصخرية المشابهة تمامًا لهيئة ماݣنوس.
امتلأ المكان عن آخره بتلك الوحوش.
كان بعضها يملك ذراعين ضخمتين كالمطارق، وبعضها يحمل سيوفًا صخرية طويلة، بينما بدت أخرى كأنها جدران متحركة من شدة ضخامتها.
بقي ماݣنوس واقفًا، ملصقًا قبضتيه ببعضهما، وعيناه تتوهجان بلا توقف، ثم بدأت جميع الوحوش بالتقدم نحو إدوارد، متجهة إلى مكان جلوسه من كل جانب.
أحاطت به بالكامل.
وفي تلك اللحظة، بدأت ملامح القلق تظهر على وجه إدوارد، لكنه لم يتحرك قيد أنملة، بل ظل جالسًا في مكانه، منتظرًا هجومهم.
اندفعت الوحوش الصخرية نحوه وهي تجري بسرعة هائلة، وبدأت الأرض تهتز بعنف تحت أقدامها، حتى بدا وكأن الجزيرة بأكملها ترتجف.
اقتربت…أكثر…حتى وصلت إلى مسافة دائرية حوله، لا يتجاوز قطرها مترًا واحدًا.
وفجأة—
حدث شيء لم يكن في الحسبان.
بلمح البصر، ظهرت ثلاث نسخ أخرى مطابقة تمامًا لإدوارد، جلست إلى جانبه، ليصبحوا أربعة. كانوا متلاصقي الظهور، كل واحد منهم يواجه اتجاهًا مختلفًا.
وفي اللحظة التالية—
لوّحوا جميعًا بسيوفهم في آنٍ واحد، بنفس السرعة، بنفس التوقيت.
انبعثت أقواس هلالية صفراء ضخمة، انطلقت من النسخ الأربعة في جزء من الثانية، واجتاحت كل الوحوش القادمة من جميع الجهات.
وفي لحظة—
تقطعت.
تحولت جميع الوحوش إلى مكعبات صخرية صغيرة جدًا.
سقطت على الأرض.
وامتدت دائرة الدمار لتصل إلى قطر لا يقل عن عشرة أمتار.
واختفى كل شيء.
لم يبقَ سوى مكعبات حجرية صغيرة متناثرة في كل مكان.
وقف ماݣنوس في مكانه، وعيناه متسعتان من الصدمة.
وقال في نفسه:
" هذا لا يُصدق… كيف فعل ذلك؟ لم أرَ أي شيء مما قام به… هل السر في سرعته الخارقة؟ عليّ أن أكون حذرًا جدًا… إن لم أبتعد عنه بما فيه الكفاية، فسوف يحولني أنا أيضًا إلى مكعبات صغيرة كما فعل مع وحوشي… "
وفي هذه الأثناء، بينما كان ماݣنوس غير مستوعب لما حدث، كان إدوارد يفكر في صمت.
قال في نفسه:
" أشك في أنني سأبقى على هذه الحالة لفترة طويلة… يمكنني استخدام هذه المهارة ثلاث مرات فقط… استخدمتها في المرة الأولى عند قطع الوحشين… واستخدمتها مرة ثانية الآن… "
توقف لحظة، ثم تابع:
" تبقت لي مرة واحدة فقط… بعدها سأفقد الوعي لثلاثة أيام متواصلة بسبب استنزاف كل طاقتي… لم أتوقع يومًا أن أواجه وحشًا بهذا المستوى من القوة… "
ثم أضاف:
" يمكنني استخدام مهارة الأقواس الألف… لكنها لا تُستخدم إلا مرة واحدة… وستستنزف ما تبقى من طاقتي… بل قد تستهلك طاقتي الحياتية إن لم تكفها طاقة قدرتي… لا أعلم إن كنت سأبقى حيًا بعدها أم لا… "
وفي الجهة المقابلة، قال ماݣنوس في نفسه:
" لا خيار لدي… ولا مجال للتراجع الآن… إما أن أفوز… أو أموت وأنا أحاول… سأجرب مرة أخرى… "
شدّ قبضتيه الصخريتين مجددًا، وضربهما ببعضهما.
لكن—
المكعبات الصغيرة المنتشرة في كل مكان لم تتحرك.
لم تتجدد.
بقيت ساكنة تمامًا.
لكن ما حدث بعد ذلك كان أكثر رعبًا.
خرجت أيادٍ صخرية من الأرض…
من كل مكان.
ثم بدأت وحوش جديدة بالظهور.
واحدة تلو الأخرى.
تشبه ماݣنوس تمامًا.
كأنها زومبي خرجوا من قبورهم.
بأذرع ضخمة كالمطارق، وسيوف حجرية هائلة.
امتلأ المكان مرة أخرى.
نظر إدوارد إلى المشهد، وقال في نفسه:
" حسنًا… فليكن ذلك… أنا مستعد تمامًا لما هو قادم… لست نادمًا على أي قرار اتخذته في حياتي… أتمنى فقط أن يكون أخي الصغير بخير… "
توقف لحظة، ثم أضاف بصوت داخلي مثقل:
" إن لم أقضِ عليه الآن… فسيكون خطرًا حقيقيًا يهدد الجميع… بما فيهم أخي… لكن… ما أندم عليه حقًا… أنني قسوت عليه كثيرًا… ربما ظن أنني أكرهه… أردت أن أجعله أقوى مني… حتى نسيت نفسي… لم أطور قدراتي كما يجب… "
اشتدت قبضته على سيفه.
ثم وقف.
وفي اللحظة نفسها، وقفت نسخه الثلاثة معه، وكأنهم جسد واحد.
اتخذت كل نسخة وضعية قتالية، وأمسكت بسيفها بإحكام.
ثم صرخ إدوارد بصوت عالٍ هزّ المكان:
" مهارة الأقواس الألف "
وفي لحظة واحدة—
لوّحوا جميعًا بسيوفهم بسرعة خارقة، في زمن لا يُرى.
وانبعثت أقواس ذهبية عملاقة، بلغ طولها أربعين مترًا، انطلقت من كل نسخة من النسخ الأربعة.
اجتاحت كل شيء.
دمرت الوحوش.
مزقت الأرض.
اقتعلت الأشجار.
وسحقت كل ما في طريقها.
امتد الدمار في دائرة هائلة، بلغ قطرها عشرين كيلومترًا.
كل شيء داخلها—
تحول إلى مكعبات صغيرة.
كل شيء.
وقف ماݣنوس في مكانه، يتلقى ذلك الهجوم المدمر.
ونظر أمامه، وقال بصوت مرتجف:
لا… هذا مستحيل… إنها النهاية…
وفي اللحظة التالية—
دوّى انفجار هائل، مدوٍ بشكل مرعب.
اهتزت له الجزيرة بأكملها.
ووصل صوته إلى مسافات بعيدة، عبر الأرض… والبحر… وحتى السماء.