الفلك (5)
في صباح اليوم التالي...
كان الأقزام، وقد أثقلهم الشراب، يطرقون كتل الحديد فوق سنداناتهم بلا توقف.
«اليوم سنقطع ذلك السيف اللعين مهما كلف الأمر...»
«لماذا لا نجعل النصل على هيئة منشار وننتهي من الأمر؟ من يهتم بالكبرياء في هذه المرحلة؟»
يبدو أن عجزهم عن التفوق على سيف صنعه مجرد إنسان خلال عشر دقائق، رغم محاولاتهم المتواصلة طوال الأيام الماضية، قد جرح كبرياءهم بوصفهم أقزامًا جرحًا عميقًا.
وكان الاستياء باديًا على وجوههم جميعًا.
صفقة!
وسط تلك الأجواء الكئيبة، شق صوت تصفيقة حادة سكون المكان.
فالتفتت أنظار الأقزام جميعًا نحو مصدر الصوت.
«أنصتوا جميعًا.»
«ما الأمر، أيها العجوز كالدراك؟»
«وما بال عينيك؟»
كان كالدراك، القزم العجوز الذي أمضى ساعات طويلة بالأمس يناقش معي مستقبل الأقزام، يعاني احمرارًا في عينيه لا يقل عن احمرار عيون رفاقه.
لكن السبب لم يكن الشراب.
بل إنه لم يغمض له جفن طوال الليل.
نظر إلى الأقزام الذين بدت الحيرة على وجوههم، وتنحنح قبل أن يبدأ كلامه.
«أيها الحمقى المثيرون للشفقة!»
«أما زلتم عاجزين عن قطع سيف صنعه إنسان واحد؟»
«ثم تجرؤون على تسمية أنفسكم أقزامًا؟»
«...»
«...»
كان كالدراك يحظى باحترام كبير بين الأقزام، ولذلك لم يعترض أحد على إهاناته الصريحة.
لكن أحدهم، وقد شعر على ما يبدو بأن كلام العجوز ينطوي على شيء من الظلم، احتج قائلًا:
«أيها العجوز، لقد حاولنا بكل ما نستطيع.»
«وبصراحة، أنا واثق من أننا تجاوزنا جودة ذلك السيف بالفعل.»
«إذن، لماذا ما زال ذلك الفتى يتسكع في مدينتنا؟»
«... لأن المادة التي صُنع منها غريبة.»
أجابه قزم آخر، وهو يتحسس لحيته بارتياب.
«قد تظن أنني أختلق الأعذار، لكن ذلك السيف... ليس مصنوعًا من معدن عادي.»
«بل لا يبدو أنه جماد من الأساس.»
«هل شعرت بذلك أيضًا؟ وأنا كذلك.»
«في العادة، عندما تتصادم السيوف، لا بد أن تترك الضربات آثارًا عليها، حتى لو كانت تحفًا فنية.»
«لكن ذلك السيف لا يحمل أثرًا واحدًا.»
«وكأن الجروح التي يتعرض لها تلتئم من تلقاء نفسها.»
«كان غريبًا بالتأكيد. ليست المشكلة في جودة حدادتنا، لكن...»
وكما يُتوقع من أقزام أمضوا حياتهم بأكملها يتعاملون مع السيوف، فقد لاحظوا أن هناك شيئًا غير طبيعي في السيف الواعي الذي صنعته من تشوكيا.
وما إن تحدث أحدهم عن شكوكه حتى بدأ الآخرون يؤيدونه.
لكن قبل أن تتحول تلك الشكوك إلى يقين، نقر كالدراك بلسانه، ورمق الأقزام بنظرة ازدراء.
«وماذا في ذلك؟»
«لو استخدمنا المادة نفسها، لكنا قد انتصرنا منذ زمن...»
«وما هذا إلا عذر!»
«لو كان لديكم أدنى شعور بالفخر بانتمائكم إلى الأقزام، لكان عليكم التفوق على إنسان حتى لو لم تجدوا سوى أوراق الأشجار مادةً لصناعة سيوفكم!»
«أم أنني مخطئ؟»
«حـ... حسنًا، هذا صحيح.»
«يا له من منظر مخزٍ!»
«إن ما هو أقبح من الهزيمة نفسها هو رفض الاعتراف بها.»
«وهذا بالضبط ما تفعلونه الآن.»
بعدما أسكت الأقزام ببضع كلمات، أخرج كالدراك عدة كتل معدنية من جيبه، وألقاها أمامهم، وكأنه وصل أخيرًا إلى الموضوع الذي جاء من أجله.
«ومع ذلك، كان تخمينكم صحيحًا.»
«ذلك الفتى يستخدم معادن جديدة تمامًا.»
«وربما كان هذا سبب عجزكم عن قطع سيفه.»
«ما هذا...؟»
أخذ الأقزام يتفحصون قطع الخام المتناثرة أمامهم من مختلف الجهات.
وسرعان ما امتلأت عيونهم بالدهشة.
«هاه؟ ما هذا؟ إنه ليس فولاذًا حتى!»
«من أين حصل على شيء كهذا؟»
«قال إنه بدأ استغلال منجم جديد سرًا.»
«وجميع هذه المعادن مستخرجة منه.»
«ويبدو أن هدفه منذ البداية لم يكن أخذ السيف والمغادرة، بل إظهار مدى تفوق ذلك المعدن أمامنا.»
«ذلك الشقي الوقح...»
«تبا! لقد نجح في مخططه.»
ظل الأقزام يفحصون الخامات المعدنية كأطفال حصلوا على ألعاب جديدة.
لكنهم سرعان ما رفعوا رؤوسهم، وقد بدا القلق على وجوههم.
«... إذن، أيها العجوز، هل رفضت طلبه؟»
«هل تنوي التعاون مع البشر؟»
«لا، حسنًا... ليس الأمر أنني أريد التعاون معهم...»
تبادل الأقزام النظرات، ثم أخذوا يدسون قطع الخام في جيوبهم خلسة.
«بصراحة، لقد سئمنا صناعة السبائك نفسها وطرقها طوال هذه السنوات.»
«بل إننا نعود إلى صهر الأسلحة التي نصنعها.»
«ليس الأمر أنني أريد التجارة مع البشر، لكن... أظن أن الاستماع إلى ما لديهم يستحق المحاولة.»
«صحيح. إذا كانوا بحاجة إلينا إلى هذه الدرجة، وبما أننا استفدنا من مساعدتهم، فلا بأس أن نقدم بعض التنازلات.»
كانت خصائص تلك المعادن وحدها تفوق مستوى المهارات التي أمضوا حياتهم بأكملها في صقلها.
وكان ذلك كافيًا لإشعارهم باليأس.
لكن فكرة الحصول على تلك المعادن بدت كافية لإثارة طمعهم.
انتظر كالدراك حتى رأى اللهفة تشتد على وجوه الأقزام، ثم تنهد وكأنه لا يملك خيارًا آخر.
«الشرط الذي عرضوه هو بناء مدينة.»
«هذا سهل. أستطيع فعل ذلك بمفردي.»
«لكنها مدينة ضخمة، تتسع لجميع الكائنات الحية.»
«... جميع الكائنات الحية؟»
«نعم.»
«طلبوا منا بناء مدينة تحت الأرض، تستطيع الحيوانات والنباتات والبشر، بل نحن أيضًا، الإقامة فيها مدة طويلة.»
«ولماذا يريدون بناء شيء كهذا؟»
«وكيف لي أن أعرف؟»
تردد الأقزام للحظات، ثم ارتسمت على وجوههم ابتسامات واثقة.
«حسنًا، سيكون الأمر صعبًا، لكنه ليس مستحيلًا.»
«يبدو شرطًا مقبولًا، أليس كذلك؟»
«خلال ثلاثة أشهر.»
«... لا، هذا غير معقول!»
«هذا أشبه بالقول إنهم لا يريدون منحنا المعادن أصلًا!»
«لكنهم قالوا إن المساحة وأعمال الأساسات قد جُهزت بالفعل، وإنهم سيوفرون لنا ملايين المساعدين.»
«لقد جهزوا الأساسات...؟»
«هل هذا ممكن أصلًا؟ همم...»
عقد الأقزام حواجبهم، وأخذوا يتأملون مختلف الشروط.
وفي النهاية، أومؤوا برؤوسهم إيماءات خفيفة مترددة.
«ربما يكون ممكنًا...»
«هاه... لكن هل نستطيع إنجازه خلال ثلاثة أشهر؟»
«إذن، فلنحسم الأمر بالتصويت.»
رفع كالدراك يده، وكأنه لم يعد راغبًا في مواصلة النقاش.
«إذا اعترض شخص واحد فقط، فسأرفض العرض فورًا.»
«من يعارض بناء المدينة تحت الأرض؟»
لم يرفع أحد يده.
«تبا لكم، أيها الحمقى الجشعون.»
نقر كالدراك بلسانه مستاءً، ثم لوّح بيده وانصرف.
«استعدوا. سنغادر فورًا.»
«هاه... مدينة تحت الأرض تستطيع جميع الكائنات الحية العيش فيها!»
«أظن أننا سنحتاج إلى صنع عشرات الآلاف من المجارف، أليس كذلك؟»
وبينما تفرق الأقزام، الذين أعمتهم الرغبة في الحصول على الخامات الجديدة، إلى منازلهم لجمع أدواتهم...
كنت أراقب المشهد من بعيد باستخدام استشعار المد والجزر.
فأوصلت صوتي إلى أذن كالدراك.
[لقد بذلت جهدًا كبيرًا. أقنعتهم بسهولة.]
«أنا من كان يغيّر حفاضات أكبرهم سنًا هنا. وأنت...»
قطب كالدراك حاجبيه، ونظر نحو التل الذي كنت أقف عليه داخل المدينة.
«أنت تعرف أن تجهيز الأساسات هو أهم جزء في المشروع، أليس كذلك؟»
«السبب الذي دفع أولئك الحمقى إلى قبول الشروط هو أن أعمال الأساسات تستغرق أطول وقت في المشروعات الضخمة كهذه.»
«وإذا انهارت المدينة تحت الأرض فيما بعد، فسيكون ذلك...»
[لا داعي للقلق. أنا أتولى الأمر الآن.]
«... تتولاه الآن؟»
«أي هراء هذا؟ أعمال الأساسات تحتاج إلى عدة أشهر على الأقل...»
[لا تقلق. أوشكت على الانتهاء.]
أجبته بينما كنت أدفع آخر كميات التراب والرمال إلى الأعلى ببطء.
قرقعة!
«... آه، أصابعي تؤلمني.»
في الصحراء، على مسافة آلاف الأمتار من هنا...
كانت كميات التراب والرمال التي اندفعت من باطن الأرض تتراكم، لتشكل جبلًا ثامنًا.
تأوهت وأنا أفرك ظهري الذي بدأ يؤلمني تدريجيًا.
فقد كنت أعمل على هذا الأمر منذ عدة ساعات، بدءًا من الليلة الماضية.
كنت أجهز مساحة شاسعة في أعماق الأرض، لن تصل إليها مياه البحر أبدًا، حتى لو غُمر سطح العالم بأكمله.
وفي الداخل، كانت مياه البحر تحفر الأرض بجنون، وتضغط التربة لتوسيع الحيز وتجهيزه.
أما النموذج الذي اعتمدت عليه، فكان مدينة الأقزام نفسها.
لقد صمم الأقزام مدينتهم الموجودة تحت الأرض بدقة وتعقيد بالغين.
ولذلك، لم يكن عليّ سوى توسيع المساحة التي تفحصتها باستخدام استشعار المد والجزر ملايين المرات.
كان الأمر بسيطًا من حيث المبدأ.
وإن استغرق اثنتي عشرة ساعة كاملة.
«ما رأيك؟ هل يبدو المكان واسعًا بما يكفي لاستيعاب سكان العالم جميعًا؟»
صنعت بركة صغيرة من الماء على الأرض، وغمست فيها تشوكيا، التي ما زالت تتخذ هيئة سيف، ثم أخرجتها.
ظلت صامتة لبعض الوقت.
ثم صرّت على أسنان لا تملكها أصلًا، ووجهت إليّ سؤالًا.
«هذا... ظلم قليلًا. لا، بل ظلم شديد!»
«ما الذي تقصدينه؟»
«الأمر لا يتعلق بمجرد اختلاف العوالم التي نحكمها!»
«طوال حياتي بوصفى إلهة، لم أحلم حتى بفعل شيء كهذا.»
«ربما استطعت إنجازه لو استغرقت الوقت الكافي، لكن... أنت صنعت كل هذا خلال ليلة واحدة؟»
يبدو أن إنشاء مساحة تحت الأرض تتسع لجميع الكائنات الحية خلال ليلة واحدة إنجاز يقترب من المعجزة حتى بمقاييس الآلهة الخارجية.
فقد عجزت تشوكيا عن إخفاء دهشتها.
«منذ متى أصبحت قادرًا على فعل هذا؟»
«قبل بضعة أشهر فقط، كنت مجرد إنسان...»
«لأنني تناولت طعامًا جيدًا ونشأت نشأة حسنة.»
أعدت تشوكيا المستاءة إلى غمدها، ثم مددت أطرافي لأريح عضلاتي.
كانت أعماق الأرض مكانًا لا يُخشى فيه أن تكتشف السماء وجودنا.
وربما لهذا السبب، أُتيحت لي فرصة كافية لإطلاق قدراتي بحرية، وتجربتها بطرق مختلفة، واكتشاف حدودها بنفسي.
أما ما اكتشفته...
فهو أنني، من حيث المبدأ، لا أملك حدودًا.
«لحسن الحظ أنني ابتلعت إله المحاكاة.»
إذا أردت، استطعت التحول إلى قطرة ماء واحدة.
وفي اللحظة التالية، أمكنني إغراق مدينة بأكملها تحت الماء.
ومجرد التخلي عن الفكرة المسبقة القائلة إن شيئًا ما مستحيل، كان كافيًا لزيادة الأمور التي أستطيع فعلها أضعافًا مضاعفة.
لقد وصلت إلى درجة جعلتني أشك في أنني كائن يمكن أن يموت أصلًا.
لم يكن ينبغي لي أن أصبح مغرورًا.
لكن في المقابل، لم يكن من الصواب أن أعجز عن فعل ما أستطيع فعله لمجرد أنني أستخف بقدراتي.
وبينما كنت غارقًا في هذه الأفكار، وصل كالدراك إلى التل، وعلى وجهه تعبير عابس.
«اتبعني.»
لم يقل شيئًا آخر.
اكتفى بالإشارة إليّ لأتبعه، ثم قادني إلى ورشة الحدادة الخاصة به على التل.
سرت خلفه بصمت.
كانت ورشته بسيطة ومتواضعة على نحو فاجأني.
وكنت على وشك اللحاق به إلى الفرن عندما توقفت فجأة.
«ماذا تفعل الآن؟»
كدت أشك فيما تراه عيناي.
كان كالدراك يستعد لإلقاء نفسه داخل الفرن.
«كائن يشبه الآلهة مثلك لن يخاف من مجرد حديد منصهر يغلي، أليس كذلك؟»
«أنا لن أتأذى، لكنك أنت...»
«أنا أيضًا لا مشكلة لديّ.»
«ثم إن الأشياء التي تريد إخفاءها عن وحوش مثلك ينبغي وضعها في أماكن لا يخطر ببالهم حتى أن يبحثوا فيها.»
... صحيح.
فأنا لم أكلّف نفسي عناء تفحص داخل الفرن باستخدام استشعار المد والجزر.
حككت رأسي، ورأيت كالدراك يغوص في المعدن المنصهر دون أدنى اكتراث.
كان المشهد غريبًا بحق.
فأنشأت حاجزًا مائيًا خفيفًا حول جسدي لحمايته، ثم قفزت خلفه.
واصلنا الغوص عشرات الثواني، حتى اجتزنا قاع الفرن.
وعندما خرجت من المعدن المنصهر، رأيت بابًا صغيرًا.
نفض كالدراك المعدن المنصهر عن رأسه، ثم أخرج مفتاحًا.
وبينما كان يفتح الباب الذي أُحكم إغلاقه بأقفال معقدة، تمتم:
«من كان يتخيل أنني سأُري إنسانًا شيئًا لم أُره حتى لرفاقي الأقزام طوال حياتي؟»
«يبدو أن المرء لا يستطيع التنبؤ بما تخبئه له الحياة.»
طَقّ.
كنت قد امتنعت عن استخدام استشعار المد والجزر لمعرفة ما وراء الباب، حتى لا أفسد المفاجأة بتصرف يفتقر إلى روح المغامرة.
ولذلك، عندما رأيت المكان السري الذي أخفاه كالدراك، أطلقت ضحكة جوفاء.
«هاه! ألم تقل إنكم تصهرون كل ما تصنعونه؟»
«أحيانًا، تُصنع أشياء أثمن من أن نعيد صهرها.»
«ربما يحدث ذلك مرة كل بضع سنوات.»
كان المكان مخزنًا.
مخزنًا للأسلحة.
حتى بعينيّ اللتين لا تملكان خبرة واسعة في تقييم الأسلحة، استطعت إدراك أن الجدران ممتلئة بتحف فنية لا تتكرر إلا مرة في القرن.
كانت براعة صنعها وفاعليتها العملية بارزتين إلى درجة تبعث على شعور غريب بعدم الارتياح.
«ألم تقل إنك ستقاتل إلهًا خارجيًا آخر؟»
«آه، بلى. لكنني لم أكن أنوي استخدام سلاح.»
دون أن ينبس بكلمة، مد كالدراك يده إلى خنجر من النحاس الأصفر، كان معلقًا في منتصف المخزن تمامًا.
لم يكن في مظهره ما يثير الإعجاب.
«...»
عقدت حاجبيّ ببطء.
كان الشعور الذي يبعثه في نفسي سيئًا.
لم أعرف السبب.
لكن ذلك الخنجر بدا وكأنه العيب الوحيد بين كل تلك التحف الفنية.
وكان منفّرًا إلى درجة جعلت مجرد النظر إليه بعينيّ أمرًا يثير الاشمئزاز.
«إذن، غيّر رأيك.»
أعاد كالدراك الخنجر إلى غمده ببطء، وكأنه يتعامل مع كنز ثمين، ثم ناولني إياه.
«هذا الخنجر سيكون فعالًا حتى ضد عدوك.»
«ما هذا؟»
«خنجر قتل ساحرًا.»
«لكن عدوي ليس ساحرًا...»
أملت رأسي بحيرة وأنا أسأله.
فأجابني بابتسامة ماكرة:
«يبدو أن شرحي لم يكن كافيًا.»
«هذا هو الخنجر الذي قتل السحرة الأوائل.»