الفلك (3)
«من الأفضل أن تشاهد عملية الصنع بنفسك. تعال من هنا.»
اقتادني الأقزام إلى ورشة الحدادة الخاصة بهم.
كانت تُسمى ورشة حدادة، لكنها في الحقيقة لم تكن سوى منزل عادي، تكدست بداخله منافخ الهواء والأفران والمطارق وشتى أنواع الخامات المعدنية.
وبالنظر إلى أن الأقزام يشتهرون بمهارتهم التي لا تُضاهى في الحدادة، فقد بدا المكان أقل احترافية وتنظيمًا من ورش الحدادين في الإمبراطورية.
فهم لم يفصلوا بين أماكن معيشتهم وأماكن عملهم.
لكن تلك الأفكار تبخرت تمامًا عندما رأيتهم يُدخلون أيديهم في الفرن دون أدنى تردد.
«؟»
«همم...»
كدت أشك فيما تراه عيناي.
فقد كانوا يلمسون المعدن المنصهر بأيديهم العارية!
وفي تلك اللحظة، قطب أحد الأقزام حاجبيه.
لم يكن ذلك بسبب الألم الذي تسببه الحرارة، بل لأنه بدا مستاءً من شيء ما.
رمق أحد زملائه بطرف عينه، ثم تذمر:
«لقد صهرت شيئًا غريبًا مجددًا، أليس كذلك؟ لماذا الحرارة منخفضة إلى هذا الحد؟»
«لماذا تلقي اللوم عليّ دائمًا؟ لم أدخل هذه الورشة اليوم أصلًا!»
ودون حاجة إلى مزيد من الكلام، بدأوا يتقاسمون العمل فيما بينهم بصورة تلقائية.
كانت سرعتهم أقرب إلى خط إنتاج في مصنع منها إلى عمل حرفيين يصنعون سيفًا واحدًا.
فكل حركة محسوبة بدقة تصل إلى الثانية.
«إذا كان إنسان سيستخدم هذا السيف، فلا ينبغي أن نستعمل سبيكة ثقيلة أكثر من اللازم...»
«مهلًا، اجعل النصل حادًا باعتدال. لا أريد أن أقطع ساقي عندما أعيده إلى غمده.»
«أيها الأحمق، بهذا القدر من الحدة لن يستطيع حتى قطع الخيزران!»
فششش!
صُهر المعدن، ثم طُرق وصُقل وشُكّل.
وفي أقل من عشر دقائق، تحولت كتلة الفولاذ التي أحضرتها إلى سيف.
في ورش الإمبراطورية، كان الحدادون سيقضون أكثر من ساعة في عملية التقسية وحدها، ويعدون ذلك من مظاهر إتقانهم للحرفة.
أما هؤلاء الأساتذة الحقيقيون، فقد اكتفوا بغمس السيف بضع مرات في سائل يشبه الزيت، ثم لفوا مقبضه بالجلد بمهارة، وناولوني إياه.
«سيكون هذا أكثر من كافٍ لإنسان.»
«... وهل جودته مقبولة؟»
«هه.»
عندما طرحت سؤالي، ارتسمت على شفاه الأقزام ابتسامات ساخرة، ثم أشاروا بأذقانهم إلى السيف، وكأنهم يطلبون مني التحقق بنفسي.
«بصراحة، لم تتح لي فرص كثيرة لفحص السيوف...»
«إذن، أنت على وشك أن تعرف.»
«...؟»
لم أفهم ما قصدوه.
لكنني تناولت السيف القصير، الذي كانت تعلو نصله مسحة غريبة من الحمرة.
وما إن رفعته حتى أدركت معنى كلماتهم.
«...»
«ما رأيك؟»
نسيت ما كنت أنوي قوله، واكتفيت بالتأمل في روعة صنعه.
مهما كررت فحصه باستخدام استشعار المد والجزر، لم أتمكن من العثور على أدنى عيب فيه.
ولا حتى أصغر خلل.
لقد كان تحفة فنية لا تتكرر إلا مرة في القرن.
كان وزنه موزعًا بين اليمين واليسار، والأعلى والأسفل، بتوازن بالغ الدقة يكاد يصل إلى حد الهوس.
إلى درجة أنني استطعت الجزم بأن كل فارس في العالم سيكون مستعدًا لدفع ثروة للحصول على سيف كهذا.
وبعدما تفحصته جيدًا، استعدت رباطة جأشي أخيرًا، ورسمت ابتسامة على وجهي.
«همم، شكرًا لكم.»
«... لا تبدو مسرورًا للغاية.»
أمال الأقزام رؤوسهم عندما رأوا ابتسامتي المترددة.
فضرب أحدهم رفاقه على مؤخرات رؤوسهم، ثم اقترب مني بابتسامة ودودة.
«أيها الحمقى، ألم تسمعوه يقول إنه لا يعرف الكثير عن السيوف؟ إنه مجرد فتى صغير، وربما لا يدرك قيمة ما بين يديه.»
«آه، أهذا هو السبب؟»
ثم خاطبني القزم قائلًا:
«أيها الفتى، ما تحمله الآن تحفة فنية لا تُصنع إلا مرة في القرن.»
«لم يسبق لأي إنسان أن صنع تحفة كهذه أو امتلك مثلها.»
«إذا أخذتها إلى ملكك، فلا شك أنه سيمنحك مكافأة عظيمة.»
عندما سمعت ذلك، أومأت برأسي وأجبته:
«آه، إذن هذا ما تسمونه تحفة فنية.»
«...»
اختفت الابتسامة الودودة من وجه القزم في لحظة، وتجعدت ملامحه.
بدا وكأنه ينتظر مني تفسيرًا.
فانحنيت قليلًا، وأعدت إليه السيف بكلتا يديّ.
«أعتذر منكم. فالسيوف بهذا المستوى شائعة في موطني.»
«ولن يكون منتج بهذه الجودة كافيًا لإقناع جلالته.»
«مـ... منتج؟!»
اتسعت عيون الأقزام من الصدمة.
وكانت كلمة «منتج» تحديدًا هي التي أثارت غضبهم.
حدقوا إليّ بنظرات حادة.
«ما نصنعه ليس منتجات، بل أعمال فنية!»
«ثم إن البشر عاجزون عن صنع الأعمال الفنية!»
«يمكنني التغاضي عن جهلك، لكنني لن أتسامح مع الإهانة!»
«آه، أعتذر. لم أقصد الإساءة إلى شرفكم.»
«لكنني أستطيع إثبات أن هذا السيف لا يتجاوز مستوى المنتج العادي.»
«ماذا؟»
«هل تتكرمون بالخروج للحظة؟»
التقطت قطعة من الفولاذ الخام كانت ملقاة بالقرب مني، ثم تحدثت بهدوء.
«صحيح أنني لم أفحص الكثير من السيوف، لكنني راقبت حدادي الإمبراطورية سرًا، وتعلمت شيئًا من مهاراتهم.»
«امنحوني عشر دقائق، وسأصنع منتجًا يتفوق كثيرًا على السيف الذي صنعتموه للتو.»
تعمدت التشديد على كلمة «منتج».
فأخذ الأقزام يضحكون غير مصدقين ما سمعوه.
«هل تدرك ما تقوله أصلًا؟»
«فتى بالكاد رأى بضعة سيوف في حياته، يدّعي أنه يستطيع صنع تحفة أفضل مما نصنعه نحن، الذين قضينا أعمارنا بأكملها وسط المعادن المنصهرة؟»
«نعم. هذا بالضبط ما أقوله.»
«... حتى الآن، كان بوسعي التغاضي عن كلامك بوصفه نزوة طفل جاهل.»
«لكن تلك العبارة لا يمكن تجاهلها.»
تقدم من بين الأقزام رجل كثيف اللحية، وحدق في عينيّ بشراسة.
«من هذه اللحظة فصاعدًا، يجب أن تكون كلماتك أثقل من أي معدن. هل تفهم؟»
«أفهم.»
أومأت برأسي، وأجبته بابتسامة خفيفة.
«يبدو أنكم بقيتم محبوسين تحت هذه الصحراء طويلًا إلى درجة أفقدتكم مهارتكم.»
«..........»
أخذت ملامح الأقزام تتحول إلى تعبيرات مخيفة.
فسارعت إلى متابعة كلامي.
«وبما أنكم لا تصدقونني، فما رأيكم أن نعقد رهانًا؟»
«الفولاذ الذي أهدتكم إياه بلادنا هو في الحقيقة خام مستخرج من منجم جديد.»
«نعرف ذلك. لقد حفرنا في جميع أراضي هذا العالم، لكننا لم نسمع قط بمعدن يمتلك مثل هذه الخصائص الغريبة، ولم نرَ مثله.»
«لم تروه لأنكم لم تحفروا إلا في اليابسة.»
«فذلك المنجم يقع تحت البحر.»
«تـ... تحت البحر؟»
ما إن قلت ذلك حتى بدأ الأقزام يتهامسون فيما بينهم.
«تحت البحر؟ صحيح أننا لم نحفر في مكان كهذا من قبل...»
«ربما يكون تحت بحيرة؟»
«أيها الأحمق، ما تحت البحيرة ليس سوى باطن الأرض!»
«لا بد أنهم استعانوا بذلك السحر الذي يستخدمه البشر للوصول إلى مثل هذا العمق. يا لهم من مخلوقات غريبة.»
صفقة!
صفقت مرة واحدة لجذب انتباههم، ثم قلت ما كانوا يتوقون إلى سماعه أكثر من أي شيء آخر.
«لكن ما نملكه حاليًا ليس سوى كمية ضئيلة من الخام الذي جمعناه من مدخل المنجم.»
«فأعمال التنقيب لم تبدأ بعد.»
«وقد كشفت تحقيقاتنا أن المنجم مليء بمعادن لم يسبق لنا أن رأيناها أو سمعنا عنها.»
«... لم يسبق لكم؟»
«نعم. وإذا كان السيف الذي صنعتموه أعلى جودة من السيف الذي سأصنعه، فسأمنحكم ملكية ذلك المنجم.»
ظهر بريق اهتمام في عيون الأقزام.
لكن أولئك الأقزام سريعي الغضب لم يكونوا ممن يسهل استمالتهم بهذه البساطة.
«هذا مستحيل أصلًا، لكن ماذا لو كان سيفك أعلى جودة من سيفنا؟»
«همم.»
أملت رأسي وكأن السؤال لم يخطر ببالي.
«اصنعوا لي سيفًا آخر فحسب.»
«... ماذا؟»
«كما قلت سابقًا، يجب أن أثبت أنني التقيتكم.»
«ولذلك يكفي أن تصنعوا لي سيفًا آخر بجودة ترضيني.»
«لا أريد شيئًا غير ذلك.»
«هل فقد هذا الفتى عقله؟ وهل تملك حقًا ذلك المنجم؟»
«أنا مسؤول رفيع المستوى في بلادي أيضًا.»
«لو كنت أكذب، فكيف استطعت إحضار مجرم شنيع كهذا إليكم مكبلًا بالأغلال؟»
«هاه، هذا صحيح على ما يبدو.»
ما إن ذكرت لهم أنني قبضت على بريمدال حتى اقتنع الأقزام على الفور.
«وما شروط الرهان؟»
«المدة نفسها.»
«سأصنع سيفًا هنا خلال عشر دقائق.»
«ثم سنضرب السيفين أحدهما بالآخر بقوة متساوية.»
«والسيف الذي يتعرض للخدش أو ينكسر أولًا يكون صاحبه الخاسر.»
«ما رأيكم؟»
«دعني أخبرك مسبقًا.»
«مهما استخدمت من حيل، ومهما أجريت من أعمال سحرية على المعدن، فلن تستطيع هزيمة تحفتنا الفنية.»
«لقد صنعنا ذات مرة سيفًا من النحاس، واستطعنا به قطع سبيكة فولاذية كما لو كانت قطعة من الحلوى الطرية.»
«في هذه الحالة، يجدر بكم الاستعداد لاستخراج خامات جديدة من المنجم.»
وما إن قلت ذلك حتى تغيرت نظرات الأقزام.
فلم تعد عيونهم تشتعل غضبًا.
بل أخذت تتلألأ بالطمع.
وبدؤوا يغادرون غرفة الأفران واحدًا تلو الآخر.
«إياك أن تتراجع عن كلامك!»
«يا له من إنسان أحمق...»
«لا بد أنه مغرور لأنه يظن أنه يمتلك شيئًا من المهارة.»
«أليس البشر جنسًا يعيش على غروره؟»
«إنهم مجرد إلف قبيحين وقصيري العمر، ولا ميزة لديهم.»
... كانت الملاحظة الأخيرة أشد إيلامًا مما توقعت.
ظل القزم كثيف اللحية في مكانه، يراقب الآخرين وهم يغادرون.
ثم حك عنقه بضيق، ورمقني بنظرة حادة مرة أخرى.
«ما الذي تخطط له؟»
«عفوًا؟»
«القبض على بريمدال، وإحضار خام لم يسبق لنا نحن الأقزام أن رأينا مثله، ثم انتقاد سيف لا تشوبه شائبة...»
«لا أستطيع تفسير كل ذلك إلا بأن وراء تصرفاتك غرضًا خفيًا.»
«لكن لو كان الأمر كذلك، ألا تظن أن شروط رهاني كانت ستختلف؟»
بسطت ذراعيّ، وكأنني أؤكد براءتي.
«لم أطلب منكم تحقيق أي أمنية إذا فزت.»
«بل طلبت أن تصنعوا لي سيفًا جديدًا فحسب.»
«إذا فزتم، حصلتم على منجم كامل.»
«وإذا خسرتم، فلن تضطروا إلا إلى قضاء عشر دقائق أخرى في صنع سيف.»
«فأين المشكلة؟»
«همف...»
ظل القزم ينظر إليّ باستياء.
لكنه لم يجد في النهاية ما يستطيع الاعتراض به، فغادر غرفة الأفران على مضض.
طَقّ.
أُغلق الباب.
وبقيت وحدي داخل الورشة.
«... يا له من أمر مرهق.»
تنهدت، ثم اتجهت نحو الفرن.
لقد نجحت الخطوة الأولى.
تمكنت من استفزاز الأقزام.
أما الخطوة التالية، فكانت هزيمتهم بجودة السيف وحدها.
لكن هل كان ذلك ممكنًا؟
مستحيل تمامًا.
فالسيف الذي صنعوه كان أفضل سيف رأيته في حياتي.
كيف يمكن لشخص مثلي، بالكاد لمس الفولاذ بعد تصلبه، فضلًا عن المعدن المنصهر، أن يتفوق على أولئك الحرفيين؟
كما أن استخدام مياه البحر سرًا لقطع سيفهم عند تصادم النصلين لن يكون سهلًا.
فإذا انتصر سيف واضح الرداءة على سيف متفوق، فسيدركون أن هناك أمرًا غير طبيعي.
كان عليّ صنع تحفة فنية يستطيعون الاعتراف بجودتها.
ثم خوض منافسة حقيقية أقطع فيها تحفتهم الفنية بتحفتي.
وكان ذلك ممكنًا.
لأن المادة التي سأستخدمها لم تكن مجرد معدن.
«... ماذا هناك؟»
مددت يدي إلى داخل الكوب، وأمسكت تشوكيا من قفا عنقها، ثم سحبتها إلى الخارج.
يبدو أنها استشعرت شيئًا مريبًا في تعبير وجهي الجامد.
فقد تدلت من بين أصابعي بقلق، وارتسم التوتر على ملامحها.
«تستطيعين الدخول في أي شيء، أليس كذلك؟»
«لماذا تسحبني فجأة؟ وعمّ تتحدث أصلًا؟»
«لا أستطيع الدخول في أي شيء كما أشاء!»
«على أي حال، الهيئة التي تتخذينها الآن ليست سوى نسخة مزيفة من لينميل، استُخرجت من ذكرياتي.»
«وهذا يعني أنك تستطيعين تقليد أشياء أخرى أيضًا.»
«... لم أعد إلهة خارجية.»
«ما تبقى مني ليس سوى جزء ضئيل للغاية مما كنت عليه.»
«لا أعرف ما الذي تفكر فيه، لكن من الأفضل أن تتوقف.»
«أنا لست بارعًا في صناعة السيوف.»
«ولذلك أنوي استخدام مادة أفضل.»
أمسكت تشوكيا مستعينًا بقدرة الخلق.
أخذت تتلوى بجنون محاولة المقاومة، وقد ارتسم الذعر على وجهها.
فنقلتها هذه المرة إلى أمام المعدن المنصهر.
«إذا كنتِ تفضلين أن تصبحي جرس إميل، فافعلي ما تشائين.»
«...»
منذ اللحظة التي وافق فيها الأقزام على الرهان، لم تعد لديهم أي فرصة للفوز.
وكان ذلك طبيعيًا.
فمن أين لأولئك الأقزام الذين يجهلون هذه الأمور أن يعرفوا بقطعة أثرية متطورة مثل السيف الواعي؟