الفلك (1)
«أمي، ما ذلك الشيء؟»
«هسّ! لا تنظر إليه مباشرة! قد تُصاب بالعمى!»
«ها قد بدأ الأمر مجددًا... تبًّا...»
ما إن عدت إلى العاصمة الحالية حتى شعرت بأجواء كئيبة، تختلف عما عهدته فيها خلال زيارتي السابقة.
ولم يكن لذلك سوى سبب واحد.
الجرح الذي تركته ديرسيا في السماء.
كان الجميع يرفعون رؤوسهم نحو الخط الأسود الطويل، الذي ظل ظاهرًا حتى في السماء المعتمة، ويتنهدون بيأس.
«في الماضي، حتى لو حدث شيء كهذا، لقال الناس إن أحد السحرة يعبث بهم بمقلب سخيف، ثم واصلوا حياتهم كالمعتاد.»
كانت لينميل تسير إلى جانبي في الشارع الرئيسي، وعلى وجهها تعبير مرير، وهي تراقب المواطنين يغلقون أبواب منازلهم بإحكام وقد استولى عليهم القلق.
«لكن منذ تدمير العاصمة السابقة، وما تبعه من فوضى تسبب فيها الساقطون، أصبح الجميع شديدي الحساسية تجاه الظواهر الغريبة.»
«وخصوصًا التغيرات التي تطرأ على السماء.»
«يبدو ذلك.»
حتى دون استخدام استشعار المد والجزر، كنت أشعر باليأس والإحساس بالهزيمة اللذين خيّما على المدينة بأكملها.
وبالطبع، لم يكن الجميع غارقين في تلك المشاعر.
فقد رأيت بعض الفرسان يهرعون إلى مكان ما، رغم أن الوقت كان منتصف الليل.
كانت تحركاتهم سريعة ودقيقة، خالية من أي حركة زائدة.
ومن السهل أن يدرك المرء من طريقة تصرفهم أن هذه ليست المرة الأولى ولا الثانية التي يواجهون فيها ظاهرة غريبة كهذه.
«سأذهب لأبلغهم بحقيقة ذلك الشيء.»
قالت لينميل ذلك، ثم ترددت قليلًا.
«أما معلمتك، أمم...»
«لا تقولي إنها ماتت. أخبريهم بأنها أُصيبت أيضًا، وأنها تتعافى من جراحها. سيكون ذلك أفضل.»
«حسنًا! فهمت.»
ثم نظرت إليّ وسألت:
«وأنت يا جيرن، أين ستذهب؟»
«هـ... مهلًا، هل تريد أن تأتي إلى منزلي؟»
«لا. في ظل ما يحدث في السماء، لا يمكننا التنبؤ بما قد يقع. سأستريح عند البحيرة الموجودة خلف هذا المكان.»
«... حسنًا. فهمت...»
ودّعت لينميل، التي بدا عليها الإحباط، ثم رفعت رأسي نحو السماء مرة أخرى.
إن بدء ظهور الجرح الذي حفرته ديرسيا في جسد تايهو على صفحة السماء يعني أن ذلك الكائن قد بدأ يفرض سيطرته الكاملة على سماء هذا العالم.
ولم يكن هناك ما يبعث على الأمل سوى أمر واحد.
«ما زال الخط باهتًا.»
كان بالإمكان تمييزه عن سماء الليل لأنه لم يكن شديد السواد مثلها.
بل كان أبهت بكثير من الحبر الذي رأيته في الغابة.
وبعبارة أخرى...
ما زال أمامنا بعض الوقت.
لكن ما يبعث على اليأس أن ذلك الوقت لا يبدو طويلًا.
«أما زلت تحاول فعل شيء؟»
انبعث صوت تشوكيا الفاتر من داخل الكوب، وهي تسخر مني.
«لقد فات الأوان.»
«بل إن هذا أفضل لك. يمكنك ببساطة أن تعزو فشلك إلى تأخرك.»
«المشكلة ليست أنني تأخرت، بل أن الوقت المتبقي قليل.»
أغلقت فتحة الكوب، وتابعت طريقي في العاصمة.
صحيح أنني أخبرت لينميل بأنني سأستريح، لكن كيف لي أن أطمئن في وضع كهذا؟
من الآن فصاعدًا، كان عليّ استغلال كل ثانية.
بل كل خمس ثوانٍ، دون أن أترك مجالًا للندم.
كان هناك شخص...
لا، شيء يشبه الإنسان، ينبغي أن ألتقيه أولًا.
بسطت استشعار المد والجزر على العاصمة بأكملها.
«... ما الذي يفعله هذا الرجل؟»
عثرت عليه.
لكنه كان في مكان غريب.
لماذا يوجد في مكان كهذا؟
أملت رأسي بحيرة، ثم صنعت بركة صغيرة من الماء فوق الأرض.
وما إن ألقيت بنفسي داخلها حتى هبت في وجهي رائحة نتنة نفاذة.
أمسكت بأنفي، وعقدت حاجبيّ، ثم نظرت إلى القزم الذي كان نائمًا مستندًا إلى الجدار، في راحة تامة.
«خرر... خـ... خرر...»
كان بريمدال مستلقيًا هناك، يحتضن سيفه، ويبدو كأنه أكثر المخلوقات راحة في العالم.
تلفتُّ حولي قليلًا، ثم نثرت بضع قطرات من الماء داخل فمه المفتوح على اتساعه.
«لماذا تنام في مكان كهذا؟ استيقظ.»
«غخ! غخ! مـ... ماذا؟ تف!»
فزع بريمدال أكثر مما توقعت.
وقبل أن يدرك حتى أنني جيرن، شحب وجهه وأخذ يتفحص المكان بعينيه.
ثم ضاقت عيناه عندما رآني.
«... ما هذا بحق...؟»
«مضى وقت طويل يا بريمدال. كيف حالك؟»
«......»
رغم تحيتي الودية، ظل بريمدال يحدق إليّ طويلًا.
وكأنه يحاول معرفة هويتي.
خمنت ما سيقوله بعد ذلك، فتنهدت وحككت رأسي.
«إذا كنت ستطلب مني إثبات أنني لست نسخة مزيفة، فلا بأس. سأشرح لك الأمر. أخبرني عندما تكون مستعدًا.»
«... لا.»
أعاد بريمدال سيفه إلى غمده، لكنه لم يتخلَّ عن حذره.
«لا يمكن أن يوجد الكثير من الصغار الذين يحملون على وجوههم تعبيرًا مثل تعبيرك، وكأنهم رأوا كل ما في هذا العالم.»
«إنه أنت يا جيرن.»
«لم أعد طفلًا.»
«... لكنك لا تبدو إنسانًا أيضًا.»
أطلق بريمدال هذه الملاحظة الحادة دون مقدمات.
يبدو أن فارسًا بمستواه يستطيع ملاحظة التغير الذي طرأ عليّ فورًا.
«طوال حياتي، لم أسمع عن شخص يستطيع الاقتراب مني إلى هذه الدرجة دون أن أشعر بوجوده، فضلًا عن أن أرى أحدًا يفعل ذلك.»
«والأغرب أنني لا أستطيع استشعار وجودك حتى ونحن نتحدث، وحتى وأنا أنظر إليك مباشرة.»
اقترب مني، ووضع يده على رأسي بخشونة، ثم أخذ يتحسسني.
وبعد لحظات، شهق بدهشة.
«ما هذا؟!»
«حتى وأنا ألمسك هكذا، لا أستطيع الشعور بوجودك!»
«ما الذي أصبحت عليه بحق السماء؟»
«أصبحت إلهًا لعالم آخر. أنا الآن التجسيد الحي لأعماق البحر.»
«همم. لا أعرف ما الذي أصبحت عليه، لكن الواضح أنك فقدت عقلك.»
«لا بد أنك أمضيت السنوات الخمس الماضية تتعلم نوعًا غريبًا من السحر.»
«لكن هل لديك أدنى فكرة عما حل بهذا العالم خلال غيابك؟»
«... لماذا أنت هنا؟»
شعرت بأن شرحه سيطول، فقاطعته بالسؤال.
فتجعد وجه بريمدال بضيق.
«أنا أتعرض للعقاب.»
«تبا! كل ما حاولت فعله هو إحياء شيء من الأمل في المستقبل.»
«تتعرض للعقاب؟»
«هذا صحيح.»
«أمروني بحراسة هذا المكان، والتأكد من عدم تسلل أيٍّ من الساقطين عبر قنوات المياه.»
«لكنها في الحقيقة مجرد وسيلة للانتقام مني. تبا لهم، يا لهم من أشخاص تافهين!»
«لا أعرف طبيعة العقوبة التي تتلقاها، لكن عليك أن تأتي معي الآن.»
«ماذا؟ وأي عقوبة هذه...؟»
ثم بدا أنه تذكر شيئًا، فسأل:
«مهلًا... هل جئت للبحث عني فور وصولك؟»
«إن كنت تتوقع مني استقبالًا حافلًا بالعواطف، فستخيب آمالك.»
«هناك كثيرون ينتظرون عودتك الآن. اذهب لرؤيتهم أولًا.»
«أنا أيضًا أتوق إلى لقاء مؤثر، لكن ليس لدينا وقت لذلك الآن.»
«ربما لم يبقَ أمامنا حتى ربع سنة.»
«سأفعل ما يجب فعله أولًا.»
«...»
عندما سمع إلحاحي الجاد، تبدلت ملامح بريمدال وأصبح أكثر انتباهًا.
ثم أومأ إيماءة خفيفة.
«تكلم.»
«أريدك أن تعرّفني إلى بعض أصدقائك.»
«... أصدقائي؟»
«نعم. أصدقاؤك من الأقزام. أولئك الذين يعيشون في الكهوف التي يحفرونها.»
«دعني أوضح لك أمرين.»
رفع بريمدال سبابته ووسطاه، ثم ثنى سبابته.
«أولًا، أولئك ليسوا أصدقائي، بل أعدائي. وإذا ذهبت إليهم، فسيحاولون قتلي.»
«فهمت. وما الأمر الثاني؟»
«الأمر الثاني مجرد شتيمة أود توجيهها إليك.»
«وإن أردت صياغتها في صورة سؤال، فهو: لماذا تبحث عن أولئك الرجال أصلًا؟»
«لأننا بحاجة إلى الحفر.»
«الحفر؟ كنت أتساءل عما ترمي إليه.»
ارتسمت على وجه بريمدال ابتسامة واثقة، ثم غرس سيفه في الأرض.
«أمر كهذا أستطيع فعله وحدي.»
«امنحني ساعة واحدة فقط، وسأحفر حفرة تكفي لدفن هذا المبنى بأكمله.»
«يمكنني فعل ذلك خلال ثلاث ثوانٍ.»
«وعندما أقول إننا بحاجة إلى الحفر، فلا أعني مجرد صنع حفرة عميقة وواسعة.»
هززت رأسي، مصححًا فهم بريمدال.
«أقصد أننا بحاجة إلى بناء مدينة في أعماق الأرض.»
«مدينة يستطيع فيها كل إنسان يعيش في هذا العالم حاليًا أن يتنفس ويأكل ويعيش بصورة طبيعية، دون أن يعاني أي مشكلات صحية، لمدة لا تقل عن بضعة أشهر.»
«ولا يكفي أن تكون على عمق بضع عشرات من الأمتار.»
«بل يجب أن تقع على عمق مئات الأمتار تحت الأرض.»
«... ماذا؟»
أمال بريمدال رأسه وهو يستمع إليّ.
«هل تدرك أصلًا ما الذي تقوله؟»
«نعم. أدركه تمامًا.»
«وبصورة أدق... يجب ألا تحدث فيها أي مشكلة حتى لو غُمرت جميع أراضي هذا العالم بمياه البحر.»
«...»
حدق إليّ بريمدال بذهول.
ثم حك رأسه، وأخذ يشرح الأمر كما لو أنه يحاول إقناع أحمق بحقيقة بديهية.
«جيرن، استمع إليّ جيدًا.»
«مشروع بهذا الحجم لم يسبق لجنس الأقزام أن أقدم عليه منذ أن نبتت لحانا لأول مرة.»
«والأهم من ذلك، حتى لو كرّس جميع الأقزام جهودهم لهذا العمل، فلن يستغرق إنجازه سنة واحدة.»
«بل سيحتاج إلى عشر سنوات على الأقل، وقد ننجح بالكاد حينها.»
«إنه مستحيل.»
«يبدو أن الأقزام أمهر بكثير مما توقعت.»
كنت أتوقع أن يقول إن الأمر مستحيل حتى لو مُنحوا مئة سنة.
أما سماعي أنه ممكن خلال عشر سنوات فقط، فقد زاد اقتناعي بصواب قراري.
لا بد أن أعهد بهذه المهمة إلى بريمدال.
وعندما تأكد من أنني أتحدث بجدية تامة، دون أدنى أثر للمزاح على وجهي، عاد يسألني بنظرة ضجر.
«لا أعرف كيف فسرت كلامي، لكن...»
«سأساعدكم.»
قطرة... قطرة... قطرة...
رفعت يدي، فتساقطت منها بضع قطرات من الماء.
نظر بريمدال إلى الأرض بتعبير يكاد يقول: ما الذي يفعله هذا الصغير الآن؟
دَوِّيّ!
«ما هذا بحق...؟»
اتسعت عيناه وهو يرمش مذهولًا.
فقد راحت قطرات الماء القليلة تشق طريقها في باطن الأرض بعنف، وتحفر حفرة بالغة العمق.
«جرّب أن تلقي حجرًا فيها.»
تردد بريمدال المذهول للحظة، ثم التقط حصاة من الأرض المجاورة وألقاها في الحفرة.
مر وقت طويل دون أن يُسمع شيء.
ولم يصل صوت ارتطام خافت بالماء إلا بعد مرور خمس دقائق كاملة.
وكان الصوت ضعيفًا إلى درجة يستحيل على أي شخص غير خارق سماعه.
«أنت...»
عندها فقط بدا أن بريمدال قد رأى حقيقتي فعلًا.
فهو قزم أمضى نصف حياته في الحفر.
ومن المستحيل أن يعجز عن إدراك أن ما رآه معجزة لا يستطيع السحر العادي تحقيقها.
«ما الذي أصبحت عليه؟»
طرح سؤاله بصوت أقرب إلى الهمس.
فهززت كتفيّ وأجبته:
«لقد أخبرتك قبل قليل.»
«... إذن... هل كنت جادًا؟»
«بشأن بناء قاعدة تحت الأرض تتسع لجميع البشر الموجودين في العالم؟»
«نعم.»
«وإذا أمكن، فسيكون من الأفضل أن تتسع للحيوانات أيضًا.»
«وسأساعدكم كلما كان هناك شيء أستطيع فعله.»
«هممم...»
عقد بريمدال ذراعيه، وبدأ يفكر في طلبي بجدية.
ظل يقلب الأمر في ذهنه من كل جانب.
لكن الإجابة التي توصل إليها لم تتغير.
«أنا آسف، لكن إقناعهم مستحيل.»
«على الأقل، لن أستطيع فعل ذلك بنفسي.»
«ماذا؟ لماذا؟»
«عندما غادرت جماعتهم، أمم... ارتكبت بعض الأفعال...»
«ولم تكن أفعالًا يُرجح أن ترضيهم...»
أشاح بريمدال بنظره، وحاول تغيير الموضوع.
«إذا قسنا ما فعلته بمعايير الإمبراطورية، فما مستوى الجريمة التي نتحدث عنها؟»
«همم... لعلها تعادل اغتيال الإمبراطور.»
«...»
يبدو أن بريمدال كان مصدر متاعب أكبر بكثير مما توقعت.
«ماذا أفعل الآن؟»
أجهدت ذهني للحظات.
كان بوسعي تهديد الأقزام بقوتي لإجبارهم على التعاون.
لكن احتمال أن ينقلب ذلك ضدي كان كبيرًا للغاية.
وفوق كل شيء، كان هذا عملًا ينبغي أن يدرك الأقزام ضرورته وينفذوه بإرادتهم.
فإذا حدث أدنى خلل، فستغرق البشرية بأكملها.
ولذلك، كان من الضروري أن يجري العمل وفق شروط يتفق عليها الطرفان قدر الإمكان.
«حسنًا، أستطيع إرشادك إلى مكانهم.»
«أما كيفية إقناعهم، فعليك تدبرها بنفسك.»
أجاب بريمدال ببرود، وكأنه لم يرتكب أي خطأ.
وبينما كنت أفكر في ضربه، خصوصًا بعدما أصبحت أملك القوة اللازمة لذلك، خطرت لي فكرة.
«... إذن يا بريمدال، هل أنت متأكد من أنك ارتكبت جريمة بخطورة محاولة اغتيال الإمبراطور؟»
«كانت حماسة الشباب. إنها ذكرى مخزية.»
«إذن لا بد أنك عدو كبير للأقزام الآن، أليس كذلك؟»
«همم؟ نعم. هذا صحيح.»
«وهل الأقزام ممن لا ينسون الإساءة ولا المعروف؟»
«بالطبع! فنحن لا ننسى أبدًا ما يجب ألا يُنسى...»
أومأ بريمدال برأسه بفخر.
لكن يبدو أنه أدرك شيئًا فجأة.
فتجمد في مكانه، وحدق إليّ.
«...»
«...»
تلاقت أعيننا.
وفهم كلٌّ منا ما يدور في ذهن الآخر.
«بريمدال، من أجل إنقاذ العالم، فلنغمض أعيننا هذه المرة ونضحِّ بك.»
«لا، أيها الوغد المجنون...!»
لكن قبل أن يتمكن بريمدال من الإمساك بمقبض سيفه...
كانت نقرة إصبعي أسرع منه بلحظة.