الإله الزائف (9)
في صباح ذلك اليوم.
عُلّقت إعلانات رسمية في جميع أنحاء العاصمة.
وكان الأمر يقضي بأن يطّلع الجميع عليها، ولذلك لم يستطع المواطنون الذين قرؤوا الإعلانات الموزعة على عجل إخفاء ذهولهم.
فقد كان مضمونها...
«هـ... هل تناولت صاحبة السمو شيئًا غريبًا على الإفطار؟»
«أي مجنون أصدر هذا الأمر؟ من يظنون أنفسهم...؟»
إخلاء العاصمة.
على الجميع حزم الضروريات وحدها ومغادرة العاصمة، بأي وسيلة ممكنة، خلال أربع وعشرين ساعة.
دون استثناء، سواء كانوا من النبلاء أم عامة الشعب.
لم يكن من السهل على المواطنين تقبّل هذا القرار.
فقد عاشت عائلاتهم في العاصمة جيلًا بعد جيل، طوال قرون.
وكان الإعلان مفاجئًا وغير معقول إلى درجة أنه لو صدر في ظل حكم ملكي عادي، لربما أشعل تمردًا أو انتفاضة.
ولولا أن شارميا هي من أصدرته، لما كان لإعلان مقتضب كهذا أي تأثير يُذكر.
«حسنًا، لا بد أن هناك سببًا.»
«لا يُعقل أنها تطلب منا هجر العاصمة إلى الأبد... ربما يكفي أن نغادرها ليوم واحد؟»
«أظن أن هناك الكثير من الجواسيس المختبئين في العاصمة. لا بد أنها تأمرنا بالخروج حتى تتمكن من التخلص منهم.»
نظريات مؤامرة، وشائعات، وتذمر.
عبّر الناس عن استيائهم كلٌّ بطريقته.
لكنهم كانوا يعرفون إنجازات شارميا المذهلة، ولذلك لم يترددوا في الامتثال لأوامرها.
ثم انتشرت شائعة غريبة مفادها أن كل من يبقى داخل العاصمة سيُعدم.
وكانت كافية لدفع المترددين إلى الرحيل أيضًا.
وهكذا، شهدت بوابات العاصمة منظرًا غير مألوف، إذ تدفقت منها حشود هائلة من الناس كأمواج المد.
لكن النبلاء لم يكونوا بمثل طاعة عامة الشعب.
«ما معنى أن نهجر العاصمة...؟»
«... هل تنوي نقل العاصمة إلى مكان آخر؟»
«كيف يُعقل هذا، بعدما بذلنا كل ذلك الجهد في تحصينها...؟»
ارتفعت أصوات الاحتجاج بينهم بشدة.
فالنبلاء، الذين تابعوا تحركات شارميا عن قرب أكثر من غيرهم، كانوا أشد اقتناعًا بأن القرار يمهد لنقل العاصمة.
ونقل العاصمة يعني أن الأراضي والثروات والإرث الذي راكموه فيها طوال أجيال سيصبح بلا قيمة.
ومن الطبيعي أن يعترض من لديهم الكثير ليخسروه.
حتى أتباع شارميا المقربون لم يستطيعوا التزام الصمت.
وكانت مهمة تهدئتهم من نصيب الفرسان.
«صدر أمر إمبراطوري ينص على أننا سنعود إذا لم يحدث شيء.»
«همم...»
كانت إليسيا أيضًا ضمن موكب النبلاء المغادرين، تراقب العاصمة من داخل عربتها.
لكنها، بخلاف بقية النبلاء، لم تكن تحمل رأيًا في المسألة.
أو بالأحرى، لم يكن لديها متسع من الوقت للاهتمام بأمور تافهة كهذه.
«هناك شيء مختلف.»
مؤخرًا، بدأ العالم يبدو غريبًا بعض الشيء في عينيها.
كان اختلافًا دقيقًا إلى درجة أنها لو سُئلت عما تغير، لما استطاعت الإجابة.
لكن شيئًا ما تغير بالتأكيد.
وكان يراودها شعور بأن فهم ذلك الاختلاف سيؤدي إلى تغير شيء آخر.
ما حقيقة هذا الإحساس؟
ظلت إليسيا تحدق بشرود نحو العاصمة، بينما تستخدم التحريك الذهني لحل أحجية أمامها.
ولما رأت إحدى الخادمات وجه سيدتها يطل من نافذة العربة، أسرعت نحوها وسألتها:
«سيدتي، هل أنت بخير؟»
«همم؟ ما الأمر؟»
«الـ... النجوم...»
أخرجت الخادمة مرآة من ثيابها بحذر.
وفي انعكاسها، رأت إليسيا النجوم التي تميز السحرة تتلألأ داخل عينيها.
لكن بريقها أصبح أخفت بكثير مما كان عليه.
«... لا بد أنني لست في أفضل حال اليوم.»
وضعت إليسيا قطع الأحجية التي كانت تحركها على الفور، وهزت كتفيها.
«سأتحسن بعدما أرتاح قليلًا. لا بأس.»
«حسنًا...»
بالطبع، كانت إليسيا تعرف شيئًا عما يحدث.
فتلاشي النجوم يعني أنها تبتعد تدريجيًا عن كونها ساحرة.
كان جيرن حالة استثنائية.
أما في الظروف العادية، فعندما يصبح الساحر من الساقطين، يفقد جميع نجومه، ولا يعود قادرًا على استخدام السحر.
أما هي، فكانت تبتعد عن السحر شيئًا فشيئًا.
وكانت تعرف السبب أيضًا.
قدرتها الخاصة.
«هذا خطير.»
فكلما اعتادت استخدام قدرتها، وكلما اشتدت قوة ذلك التأثير الذي يقمع العالم ويصيب الساقطين بالتشنجات، خفت بريق نجومها أكثر.
السقوط.
أن تصبح مثل أولئك الأسرى الذين يُنقلون داخل أقفاص في مؤخرة الموكب.
كانت إليسيا تعرف أن أحد النبلاء الذين سبق أن التقت بهم موجود بين أولئك الأسرى.
وكانت تدرك أنها تقف الآن على الحد الفاصل بينها وبين مصيره.
هل ينبغي أن أتوقف؟
خطر لها للحظة أن جيرن سيحزن كثيرًا إذا عاد ووجدها قد أصبحت من الساقطين.
«... لا.»
لم تكن سوى فكرة عابرة.
فقد تعاملت مع الساقطين مرات كثيرة، ورأت بأم عينيها كيف تلتهمهم عوالمهم، فلا يستطيعون البقاء أحياء سنة كاملة، بل إن بعضهم لا يعيش أكثر من نصف عام.
وقد رأت أيضًا مقدار العذاب الذي يقاسونه.
عضّت إليسيا شفتها.
بالأمس فقط، نجحت في استخدام قدرتها لإعادة أحد الساقطين إلى حالة تقترب كثيرًا من حالة الإنسان الطبيعي.
صحيح أنه أصبح أقل فطنة بقليل، لكن التجربة أثبتت أن بوسعها إنقاذ جيرن بهذه القدرة.
وبعدما جددت عزمها، مدت يدها نحو الأحجية مرة أخرى.
«آه... آه...»
«آآآآه!!!»
سمعت صرخات تتعالى من الخارج.
فتحت إليسيا نافذة العربة مجددًا ونظرت.
كان مشهد عجيب يتكشف أمامها.
حشد هائل من النبلاء والعامة، جميعهم يحدقون في اتجاه واحد.
نحو العاصمة.
أدارت إليسيا رأسها هي الأخرى، ثم عقدت حاجبيها.
«... ما هذا؟»
قَرْقَرَة... دَوِيّ...
كان هناك شيء يتساقط من السماء.
كتل من التراب والصخور، وأغصان أشجار مشتعلة...
ثم وصلت رائحة الكبريت النفاذة.
وبدأ الرماد الأبيض يهطل كالمطر.
وازدادت كثافته شيئًا فشيئًا.
واشتد تساقطه أكثر فأكثر.
«أيـ... أيها الفرسان! عودوا! فورًا!»
«عودوا إلى العاصمة! عليكم إخماد الحرائق!»
كانت الأغصان المشتعلة تتساقط تباعًا، وتشعل النيران في مباني العاصمة التي أخلاها سكانها.
ولما رأى بعض النبلاء مبانيهم تحترق، أصابهم الذعر.
لكن ذلك الذعر لم يدم طويلًا.
فبعد لحظات، أخذت السماء تظلم.
ثم ظهر ذلك الشيء.
«جـ... جبل؟»
«يبدو أنه... بركان.»
«ومن لا يعرف ذلك؟ السؤال هو: لماذا يوجد هناك...؟»
في السماء التي أظلمت حتى بدت كأنها سماء الليل، كان شيء هائل يخيّم فوق العاصمة.
بركان تتدفق الحمم على جوانبه، يمتد من أعالي السماء.
كانت فوهته مقلوبة، وتتجه مباشرة نحو القصر الإمبراطوري.
جبل يظهر رأسًا على عقب في السماء.
مشهد يستحيل على أي سحر إحداثه.
لكن حتى هذا المشهد العجيب لم يكن كافيًا لردع النبلاء الذين أصبحت ثرواتهم كلها معرضة للضياع.
«إن كنتم ترفضون العودة، فسأعود بنفسي!»
تألقت خمس نجوم داخل عيني أحد النبلاء.
وبين يدي ذلك الرجل، الذي وُلد ساحرًا، بدأت تتشكل صاعقة شديدة السطوع حتى كادت تعمي الأبصار.
«لماذا ترتعبون من مجرد جبل؟! لقد كنت أحطم عدة جبال في شبابي!»
طَقْ... طَقْطَقْ... قَرْرْرَع!
ضربت صاعقة هائلة جانب الجبل.
وتناثر بعض التراب والغبار فوق العاصمة، لكن الصاعقة نجحت في نسف نصف الجبل.
«...»
«...»
«......»
ورغم نجاح الهجوم، تجمد الجميع في أماكنهم.
حتى النبيل الذي أطلق الصاعقة.
فقد أدركوا شيئًا لم ينتبهوا إليه من قبل.
لم يكن الجبل معلقًا في السماء من تلقاء نفسه.
كان هناك شيء يمسك به.
«هـ... هذا...»
لم تقتصر الصاعقة على ضرب الجبل.
فقد كشف وميضها، للحظة وجيزة، عن جسم عملاق يحمل الجبل.
جسم لا يمكن وصفه إلا بأنه يد.
كانت يد هائلة تقبض على البركان.
لكن أحدًا لم يستطع تحديد المادة التي تتكون منها.
لم تكن لحمًا أو عظامًا أو جلدًا.
ولم تكن سحابًا أو ضبابًا أو حجرًا أو زجاجًا.
لم تكن أيًا من تلك الأشياء.
بل بدا الأمر وكأن جزءًا من سماء الليل قد اتخذ هيئة يد، وأطبق أصابعه حول البركان.
وقبل أن يتمكن النبيل من التفوه بكلمة أمام مشهد لم يرَ مثله طوال حياته...
تحركت اليد.
لم تفعل شيئًا معقدًا.
كل ما فعلته أنها أطبقت قبضتها.
لكن البركان لم يستطع تحمل ذلك.
تحطم في مكانه، وتناثرت منه كتل التراب والصخور والحمم والرماد البركاني، كما تتناثر الأحشاء من جسد ممزق.
وتحول كل ما تناثر منه، دون استثناء، إلى مقذوفات مدمرة انهمرت على العاصمة.
دَوَّااااااااااي!!!
«آه...»
لم يجد النبلاء ما يقولونه.
لم تخرج من أفواههم سوى أنين خافت، وهم يشاهدون كل ما بنوه طوال حياتهم يتحطم أمام أعينهم.
أما اليد التي سحقت البركان ودمرت العاصمة، فقد اختفت بلا اكتراث، وكأنها أنهت عملها.
ساد صمت مطبق.
وكان الجميع يحدقون دون كلام في العاصمة التي تحولت إلى أنقاض.
ثم نطق أحدهم أخيرًا:
«هل هذا... هو العدو؟»
العدو.
إذا كان عدوًا، فهذا يعني أنه ينبغي الانتصار عليه.
أن يقاتلوه.
أن يجعلوه ينزف.
أن يفرضوا عليه الاعتراف بالهزيمة.
لكن كيف يمكنهم فعل ذلك أمام كائن يستطيع تدمير عاصمة شُيدت عبر مئات السنين بهذه البساطة؟
مستحيل.
«......»
وبينما كان اليأس نفسه يتسلل إلى قلوب الجميع...
كانت هناك فتاة واحدة تضغط بيدها على صدرها، حيث يخفق قلبها بعنف.
لكن ما ملأ قلبها لم يكن اليأس.
بل نشوة عارمة.
«هذا هو.»
تلألأت عينا إليسيا وهي ترفع بصرها نحو السماء التي ظهرت فيها اليد قبل قليل.
لقد عرفت فور رؤيتها.
ذلك هو عدو جيرن.
عدوه الوحيد.
وهو أيضًا السبب الذي منعه من العودة حتى الآن.
لا بد أن جيرن أدرك منذ البداية طبيعة العدو الذي يواجهه.
وإذا كان عدوه كائنًا بهذه القوة، فلا عجب أن يجد حتى جيرن صعوبة في مواجهته، وأن يعجز عن العثور على وسيلة للتغلب عليه.
ولهذا اختفى عن أنظارها.
ولهذا لم يظهر أمامها ولو مرة واحدة طوال تلك المدة الطويلة.
وفي الوقت نفسه...
«... أستطيع قتله.»
قبضت إليسيا يدها بقوة.
لقد تعلمت الكثير من دراسة أعداد لا تُحصى من الساقطين، تحت ستار علاجهم.
فقد اكتشفت أن قدرتها تستطيع قمع عوالمهم، وإزالة أجزاء منها، بل إبادتها تمامًا.
أما ذلك الشيء الذي ظهر في السماء...
فهو تجسيد للعالم نفسه الذي جعل الساقطين على حالتهم.
وبعبارة أخرى...
يمكنها محوه.
كانت واثقة من أن قدرتها تستطيع القضاء على تلك اليد.
«أنا وحدي أستطيع فعل هذا.»
هذه القدرة...
القوة التي عذبتها منذ طفولتها.
القدرة على محو السحر.
بل القدرة على محو عوالم الساقطين أيضًا.
ذلك العيب الذي جعلها تسخط على السماء مرارًا، وتتساءل لماذا وُلدت هي وحدها ناقصة.
لقد كان لوجود ذلك العيب سبب.
كانت إليسيا على وشك ركل باب العربة والخروج مسرعة.
لكنها توقفت فجأة، ويدها على المقبض.
ربما كانت تتسرع في حكمها.
صحيح أن قدرتها تستطيع قتل العدو.
لكن ماذا لو ارتكبت خطأ ولم تتمكن حتى من لمسه؟
سيكون موتها عندئذ بلا جدوى.
عندما يعود جيرن...
عندما يعود سالمًا، يمكننا التحدث عن الأمر، ثم...
«لا، لا، لا...»
أطبقت إليسيا على أسنانها.
لقد مرت سنة كاملة.
ومهما حاولت إقناع نفسها، فإن غيابه طوال تلك المدة أمر غير طبيعي.
هناك شيء خاطئ.
شيء خاطئ جدًا.
ربما يكون قد...
«لا...»
قبضت على مقبض الباب بقوة حتى نزفت يدها، وحاولت ترتيب أفكارها.
«جيرن لم يعد لأن تلك اليد ما زالت موجودة.»
فهي تعرف طبيعة جيرن.
إذا كان يرفض العودة قبل أن يجد طريقة لهزيمة عدوه...
فكل ما عليها فعله هو هزيمة ذلك العدو بنفسها.
طَقّ.
وبعدما حسمت أمرها، أدارت مقبض الباب.
«... إليسيا، هل أنت بخير؟»
بعد نحو ساعة.
عاد أليتوس إلى العربة، وعلى وجهه علامات الإرهاق، بعدما حضر اجتماعًا طارئًا للنبلاء.
وكان يبحث عن إليسيا.
«أولًا، قررنا نقل العاصمة إلى موقع جديد اختارته صاحبة السمو الأميرة مسبقًا.»
«ستكون الرحلة طويلة بعض الشيء، لكن...»
فتح باب العربة وهو يتحدث بتعب.
ثم توقف.
كانت العربة خالية.
أمال رأسه بحيرة، ثم التفت إلى سائق كان يعتني بالخيول بالقرب منه.
«أنت، أين إليسيا؟»
«هاه؟ لقد قالت قبل قليل إنها ذاهبة لرؤية والدها...»
تبادل الرجلان نظرات الحيرة.
لكن اختفاء إليسيا لم يتحول إلى قضية كبيرة.
فبعد تدمير العاصمة، لم يكن اختفاء فتاة نبيلة واحدة، حتى وإن كانت ابنة أليتوس، سوى أمر ضئيل الأهمية وسط الكارثة.
«... آه، سيدتي! أرجوكِ، ضعي السيف جانبًا!»
وبعد أسبوعين...
ظهر ساقط جديد.