الإله الزائف (7)
لم أفهم تمامًا ما قصدته تشوكيا بتحذيرها.
لكن المكان خطير على أي حال. لا بد أن هذا ما كانت تحاول إخباري به.
وإذا كان الخطر هو كل ما في الأمر، فلن يتغير قراري.
«سأدخل.»
«يا لك من أحمق.»
وكأنها كانت تتوقع قراري، اختبأت تشوكيا داخل الكوب.
تساءلت كيف تستطيع فعل ذلك أصلًا، ثم نظرت إلى داخله، فوجدته ممتلئًا بمياه متلألئة.
هل سأتمكن من فعل شيء كهذا يومًا ما؟
عقدت حاجبيّ، ثم وضعت الكوب في جيبي دون اكتراث، واتجهت نحو المكان الذي كان يومًا عاصمة الإمبراطورية.
وسرعان ما واجهت أول مشكلة.
«... هل أطلب منهم فتحها؟»
كانت بوابة العاصمة الضخمة مغلقة بإحكام.
ولأنه لم يكن لديّ ما أخسره، طرقت البوابة.
«إليسيا، هذا أنا. لنتحدث.»
لكن للأسف، لم يصلني أي رد.
حسنًا، كانت المحاولة تستحق العناء.
هززت كتفيّ، فإذا بلينميل تستل سيفها على الفور.
«جيرن، ابتعد قليلًا.»
«يمكنني فتح ثغرة صغيرة بنفسي...»
«لكنها لن تعرف بقدومنا حينها، أليس كذلك؟»
قالت لينميل ذلك وهي توجه سيفها نحو البوابة.
لم أفهم ما تقصده.
وكان هذا آخر ما استطعت رؤيته من حركتها.
«هيّا!»
أطلقت صيحة صغيرة لطيفة، لا توحي بأنها تبذل كامل قوتها.
وفي اللحظة التالية، انقضت ضربة كالصاعقة.
أو بالأحرى، وصل صوتها متأخرًا قليلًا.
دَوَّاااااااي!!!
«...؟»
كل ما فعلته لينميل أنها رفعت سيفها ثم أنزلته.
وبهذه الحركة البسيطة وحدها، انشطرت البوابة وسور القلعة إلى نصفين بدقة مذهلة.
دويّ... قَرْقَرَة...
وبعدما تحطمت البوابة والجدران الحجرية الداعمة لها، بدأ البناء كله ينهار ببطء.
وفي أقل من عشر ثوانٍ، تحولت البوابة الغربية للعاصمة إلى كومة من الأنقاض.
ابتلعت ريقي وأنا أشاهد الكتل الحجرية المتساقطة تسحق البوابة الخشبية بلا رحمة، وتنثر شظايا الخشب ونشارته في كل اتجاه.
ومع ذلك، أنا نصف الإله، ولينميل هي الإنسانة؟
«لا بد أن الرسالة وصلتها الآن.»
تمتمت لينميل بعدائية، وهي تنظر إلى البوابة المحطمة.
يبدو أنها لا تحب إليسيا لسبب ما.
صحيح أن كراهية أحد الساقطين أمر طبيعي، لكن هل سبق أن تقاتلتا؟
«حـ... حسنًا. هل ندخل إذن؟»
كان ما وراء البوابة مطابقًا لما رأيناه من الخارج.
مدينة صامتة، أُعيدت إلى حالتها السابقة بإتقان، حتى إن رؤية الناس يسيرون في شوارعها لم تكن لتبدو غريبة.
باستثناء البوابة التي حطمتها لينميل، بالطبع.
لكن لم يكن هناك إنسان واحد.
وحين خطوت نحو المكتبة، التي لم أتمكن من رؤيتها من خارج العاصمة...
«أليست أسعار الخيار مرتفعة أكثر مما ينبغي؟»
«وهل تظن أننا جمعية خيرية؟ إن لم يعجبك السعر، فلا تشترِ!»
«ماذا تفعلون أيها الصغار؟! كيف تلعبون في طريق العربات؟ ابتعدوا فورًا!»
«مهلًا، عليك توخي الحذر. فبموجب القانون الجديد، ستنال عقوبة شديدة إذا ضُبطت وأنت تعتدي على الأطفال.»
«تبا... إلى أي حال وصل هذا العالم...؟»
ظهر الناس.
«همم.»
«آه... آه؟»
عادت العاصمة التي أعرفها إلى الحياة، كما لو أنها نُسخت من ذكرياتي بكل تفاصيلها.
اختفى الصمت تمامًا.
وحلّت محله ضحكات الأطفال، وأصوات التجار وهم يساومون زبائنهم، وقعقعة العربات المتحركة، واستجداء المتسولين، والكلاب التي تجوب الشوارع.
لم أكن متأكدًا مما إذا كانت لينميل ترى المشهد نفسه.
لكنها كانت تتلفت حولها، عاجزة عن استيعاب ما يحدث.
ثم استدارت فجأة، واتسعت عيناها.
«جيرن، انظر خلفك!»
كانت البوابة التي حطمتها قبل لحظات قد عادت سليمة بطريقة ما.
هذا ما كانت تراه العين.
لكن استشعار المد والجزر كان يخبرني بشيء مختلف تمامًا.
أمسكت بيد لينميل وتراجعت خطوة.
«جيرن؟»
«كل هذا مزيف.»
تراجعنا بضع خطوات أخرى.
وما إن ابتعدنا حتى عاد الصمت.
صمت عميق، يكاد يكون مؤلمًا.
كانت العاصمة، كما تبدو من خارج البوابة، لا تزال مدينة أشباح خالية من البشر.
أما البوابة، فظلت محطمة كما تركناها.
عقدت حاجبيّ وأخرجت تشوكيا، التي اصطحبتها تحسبًا لمواقف كهذه.
«ما هذا؟»
«وكيف لي أن أعرف؟ هل تظنني موسوعة تعرف كل شيء؟»
«ألا تعرفين؟»
«بالطبع لا.»
«هذا المكان مجرد حيز لا ينتمي إلى أي عالم.»
«ولسبب ما، أصبح جزءًا من عالم لا يملكه أي إله خارجي.»
«شيء كهذا لا يمكن أن يوجد في الظروف الطبيعية.»
«حتى في عصري، لم تكن هذه الظاهرة تظهر إلا في حالات نادرة للغاية، على هيئة مساحة صغيرة من الفراغ، ثم تختفي على الفور.»
«هل تظن أن عالمًا يستطيع الوجود دون إله؟»
واصلت تشوكيا حديثها من داخل الكوب، وبدا أنها تجهل حقيقة ما يحدث فعلًا.
«هذا مجرد تخمين، لكن الكائن الذي صنع هذا العالم... ذاك الذي تسمونه الإله الخارجي الذي يحكم أعماق البحر؟»
«تقصدين الساحر الأول. ماذا عنه؟»
«يبدو لي أن هذا العالم كان أداة يستخدمها ذلك الرجل.»
«...؟»
أداة؟
لم يعجبني وقع الكلمة.
وحين عقدت حاجبيّ، تابعت تشوكيا:
«لقد راود الإله الخارجي الذي يحكم أعماق البحر ذلك الوهم السخيف، بأن العالم المثالي هو عالم يخلو منا، نحن الآلهة الخارجية، أليس كذلك؟»
«لكن فكر في الأمر.»
«لقد كان هو نفسه إلهًا خارجيًا.»
«ولكي يستمر ذلك العالم في العمل حتى في غيابه، منحه القوة ورفعه إلى منزلة الإله.»
«عمّ تتحدثين؟»
«لقد حوّل عالمًا لا يملكه أي إله إلى كيان إلهي بالقوة.»
«أما صديقتك، فيمكن وصفها بأنها...»
توقفت تشوكيا لحظة، وكأنها تبحث عن الكلمات المناسبة.
ثم أطلقت ضحكة ساخرة.
«إنها أشبه بممحاة.»
«تخيل أن صراع الآلهة، حين يبسط كل منها مجاله فوق مجال الآخر، يشبه طلاء لوحة بألوان مختلفة، بحيث يطغى كل لون على سابقه.»
«أما الإله الخارجي الذي يحكم أعماق البحر، فقد أدخل الفراغ إلى أحد العوالم، وقتل الآلهة الخارجية الأخرى، ثم محا عوالمها.»
«محوها تمامًا، حتى بدا وكأنها لم توجد من الأساس.»
«يا له من ذوق سيئ، أليس كذلك؟»
ممحاة.
أخذت أتأمل تلك الكلمة.
لكن تشوكيا تابعت بنبرة أقرب إلى الترنم:
«المشكلة أن تلك الممحاة لم تعد ضرورية بعدما انتهى من صنع هذا العالم.»
«ولذلك، لم يكن ينبغي لها أن تبقى موجودة أصلًا.»
«ولعل الإله الخارجي الذي يحكم أعماق البحر فكر بالطريقة نفسها، فحاول التهامها بنفسه.»
«لكنه لم يتخيل قط أنها ستظهر مجددًا من سلالة أحد أحفاده.»
«إذن، تقصدين أن الوضع سيئ.»
«سيئ؟ آهاها!»
انفجرت تشوكيا ضاحكة بسخرية، وأخرجت رأسها من الكوب لتنظر إلى العاصمة.
«ذلك الشيء أشبه بورم سرطاني لا يمكن قتله، ولا استرضاؤه، ولا حتى ابتلاعه.»
«إنه عدو مشترك للبشرية، ولتايهو، ولك أنت أيضًا.»
«إذا تُرك وشأنه، فسينتشر حتى يغطي العالم الذي تعيش فيه البشرية.»
«ربما يستطيع تايهو عزله بطريقة ما، لكنه لن يرغب في الاقتراب منه دون ضرورة.»
«أما أسوأ ما في الأمر، فهو وضعك أنت.»
«فأنت مضطر إلى الدخول إلى هناك.»
«...»
«ماذا لو بدأت قوتك تتضاءل؟»
«ماذا لو طمر ذلك العالم المجال الذي وسعته حتى الآن، ومحاه تمامًا؟»
«هل تنوي تحدي تايهو بجسد لم يعد حتى جسد إله؟»
«حسنًا، الأمر ليس مستحيلًا.»
«آخ!»
دفعت رأس تشوكيا، التي كانت تثرثر بحماس، إلى داخل الكوب بإصبعي، ثم تقدمت خطوة أخرى نحو العاصمة.
لكن لينميل هي من أوقفتني هذه المرة.
«همم؟ لينميل، ما الأمر؟»
«جيرن، سأذهب أنا.»
«... ماذا؟»
كانت لينميل لا تزال تمسك بيدي.
ونظرت إليّ بثقة وهي تجيب:
«مما سمعته، يبدو أن مكروهًا قد يصيبك إذا دخلت إلى هناك، أليس كذلك؟»
«ربما. لكن الأمر غير مؤكد.»
لم أتصور أن إليسيا ستؤذيني حقًا.
وما تخشاه تشوكيا على الأرجح لن يحدث.
وبينما كنت أفكر في ذلك، ضربت لينميل صدرها بثقة.
«إذن، ثق بي.»
«لن تكون هناك مشكلة إذا دخلت أنا، أليس كذلك؟ أم أنني مخطئة؟»
«... آه...»
هل هذا صحيح؟
راودتني الرغبة في الموافقة للحظة.
لكنني سرعان ما هززت رأسي.
«لا، لا يمكنك. الأمر خطير للغاية.»
«خطير؟»
أمالت لينميل رأسها.
وخلفها، كانت البوابة التي حطمتها لا تزال ظاهرة.
ذلك الدمار الهائل كان من صنع هذه اليد الصغيرة البيضاء التي تمسك بمعصمي الآن.
«حـ... حسنًا، قد تكون إليسيا خطيرة...»
«لا تقلق. لن أقتلها أبدًا.»
«ولا يجوز أن تُصاب بعاهة أيضًا. يجب أن تبقى ذراعاها وساقاها سليمة تمامًا.»
«بالطبع!»
«إذا قاومت بعنف شديد، فقد تُصاب ببضع ندوب في وجهها، لكن ذلك لا يهم، أليس كذلك؟»
«بل يهم...»
«ثق بي يا جيرن.»
نظرت في عينيّ بجدية.
«حين كنت تعاني في ذلك المكان الذي تسميه أعماق البحر من أجلنا، كنت أنا أيضًا أبذل جهدي.»
«ربما لم أعانِ بقدر ما عانيت أنت، لكنني اجتهدت رغم ذلك.»
«كنت أريد أن أصبح قوة تستطيع الاعتماد عليها عندما تعود.»
«أعرف ذلك. بل يبدو أنك أصبحت أقوى مني.»
«ليس هذا ما أقصده يا جيرن.»
«أنا أعرف جيدًا ما أراه.»
نظرت لينميل إليّ.
وكان هناك شيء آخر ينعكس في عينيها.
«جيرن، لقد تغيرت.»
«تغيرت كثيرًا.»
«كثيرًا جدًا.»
«...»
عند سماع كلماتها، شعرت بقشعريرة باردة تسري ببطء على طول ظهري.
«لينميل... ماذا ترين عندما تنظرين إليّ؟»
«جيرن هو جيرن.»
«مهما تغيرت، فلن تتغير هذه الحقيقة.»
«... تبا.»
ربما كانت لينميل تعرف منذ اللحظة التي عدت فيها.
ربما كانت ترى، منذ البداية، أنني أصبحت كائنًا غير بشري.
يبدو أنني استهنت بحدسها أكثر مما ينبغي.
كيف سيكون شعور المرء حين يكتشف أن الشخص الذي أمضى معه نصف عمره لم يعد إنسانًا؟
فتحت فمي لأشرح لها الأمر.
لكنها هزت رأسها، وكأنها تخبرني بأن الشرح غير ضروري.
«أنا بخير.»
«لكن في مواقف كهذه، أريدك أن تعتمد عليّ.»
«فإذا لم أستطع مساعدتك في أمور كهذه، فلا أظن أنني سأكون عونًا لك في أي شيء.»
«أعدك بأنني سأعود سالمة.»
كان لديّ الكثير مما أردت قوله.
لكن عبارة واحدة فقط خرجت من فمي.
«... أعتمد عليك.»
«حسنًا!»
وكأن سماع تلك الكلمات كان كافيًا، تراجعت لينميل خطوة، ثم دخلت عبر البوابة.
وفي اللحظة التالية، لم أعد قادرًا على رصدها باستخدام استشعار المد والجزر.
شعرت بانقباض شديد وجلست حيث كنت.
عندها انبعث صوت متفاجئ من داخل الكوب.
«إذن، كان هناك سبب يجعلك معجبًا بها.»
«اصمتي، وإلا قتلتك.»
«وما المشكلة؟»
«هناك كائنات كثيرة تستطيع رؤية المجالات التي لا يُسمح للفانين بإدراكها.»
«وفيما بعد، قد تعترف الآلهة ببعض تلك الكائنات رسلًا لها.»
«أن يمتلك مجرد إنسان مؤهلات رسول لإله، فهذا أمر مذهل حقًا.»
«فعلى الأقل، البشر الذين أعرفهم أشبه باليرقات، ولذلك كنت أظن أن امتلاك مثل هذه المؤهلات مستحيل على أي كائن أدنى مرتبة من الإلف...»
أحكمت إغلاق الكوب وربطت غطاءه حتى لا تستطيع تشوكيا الخروج، ثم دسسته في أعماق حقيبتي.
حتى لو أصبحت إليسيا واحدة من الساقطين، واكتسبت مجالًا من نوع ما، فلن تتمكن من هزيمة لينميل الحالية.
«حتى سويراك كان سيموت أمامها.»
قوتها الهائلة...
وقدرتها على إدراك جوهر الأشياء.
يبدو أنها تفوقت حتى على نصف إله مثلي.
بهذه الأفكار، جلست فوق تل قريب من العاصمة، وانتظرت عودة لينميل.
مرت بضع ساعات.
وبدأت الشمس تميل إلى المغيب، بينما امتدت أشعة الشفق فوق العاصمة.
«...»
التقط استشعار المد والجزر شيئًا.
طَخّ!
اندفعت من داخل البوابة كتلة معدنية ملتوية، وكأن أحدهم لفظها بعنف.
«هاه... لقد وقعنا في ورطة.»
كانت تشوكيا قد تمكنت من التسلل خارج الحقيبة.
وعندما رأت الكتلة المعدنية، عقدت حاجبيها.
كانت تنظر إلى ما تبقى من سيف.
السيف الذي كانت لينميل تحمله قبل ساعات قليلة.
اقتربت منه، والتقطته، وبدأت أتفحصه.
لكن تشوكيا سارعت إلى الكلام بنبرة قلقة.
«ومع ذلك، لمَ لا تنتظر قليلًا بعد؟»
«ربما رمته فقط لأنه أصبح يعيق حركتها.»
«لا.»
«إياك أن تتظاهري بالتعاطف البشري. حقًا.»
«لقد صبرت بما فيه الكفاية.»
إذا كانوا يراقبون، فليواصلوا المراقبة.
أزلت جميع القيود التي كنت أكبح بها قوتي، ثم تقدمت خطوة.
وحين رأت تشوكيا المياه تبدأ بالتسرب ببطء من أثر قدمي، أطرقت برأسها.
«... أنهِ الأمر بأسرع ما تستطيع.»
«فما دمت لم تُكتشف عندما جئت إلى هنا وصنعت بحيرة، فلا أحد يدري ما قد يحدث...»
لينميل.
إليسيا.
حان الوقت لإخراجكما من هناك، ولو اضطررت إلى جركما بنفسي.