الأعماق (21)
انشقت السماء.
ومن وراء الشق، ظهرت عين حمراء هائلة بحجم قرية متوسطة، وأخذت تتحرك في كل اتجاه، وكأنها تبحث عن شيء.
عين واحدة، ثم اثنتان، ثم ثلاث...
حتى بلغ عددها العشرات.
أخذت تلك العيون تخترق السماء ببطء، وتتفحص ما تحتها.
«... هذه أول مرة أراه فيها.»
ابتلعت تشوكيا ريقها بصعوبة وهي تراقب المشهد.
«إذن، هذه هي هيئته.»
امتد مجس طويل من بين العيون الحمراء، وتدلى من الأعلى ببطء حتى لامس سطح أعماق البحر.
وفي اللحظة نفسها، شعرت باستشعار المد والجزر ينتشر عبر الماء حتى مسّ جسدي.
[!!!!!]
استدارت العيون الحمراء العشرات، التي كانت تتحرك في شتى الاتجاهات، نحوي دفعة واحدة.
ثم أصبح لجميع مجسات ذلك الكائن هدف واحد.
الإمساك بي...
أو قتلي والاستيلاء على جثتي.
«كيف تجرؤ...!»
وقبل أن أتمكن من فعل أي شيء، قطّبت تشوكيا حاجبيها ومدت يدها.
وفي لحظة واحدة، اختفت المجسات المتلوية، وكأن شيئًا امتصها إلى مكان مجهول، ولم يبقَ منها سوى أطرافها المبتورة.
اندفع الدم بغزارة من المقاطع الحمراء المكشوفة.
وراقبت بقع الدم وهي تُمحى بدورها من أعماق البحر، ثم سألت بدافع الفضول:
«ماذا فعلتِ؟»
«العزل.»
قالت ذلك، ثم واصلت التخلص من المجسات القادمة واحدًا تلو الآخر، بينما تحاول في الوقت نفسه إغلاق عالمها.
وصرخت نحو السماء:
«ابتعد!»
«لا يهمني ما بينك وبين هذا الكائن من عداوة، لكن إذا أقحمتنا في الأمر، فلن أتغاضى عن ذلك!»
«كيف تجرؤ على تعقبي ومحاولة تدمير العالم الذي بالكاد تمكنت من بنائه؟!»
«هل فقدت عقلك؟!»
[...]
«وأنا أيضًا لا أريد أن نصل إلى مواجهة حتى النهاية.»
«إذا تراجعت الآن، فلن أطرح عليك المزيد من الأسئـ... آآه!»
أجابها إله المحاكاة بضغط الماء.
سقطت تشوكيا على ركبتيها في لحظة، وبدأ جسدها يُسحق ببطء.
فسحبتها بعيدًا عن نطاق الضغط، وخففت القوة الواقعة عليها.
اتسعت عيناها وهي تلتقط أنفاسها.
ثم...
«أيها الـ...!»
تحولت ملامحها إلى ما يشبه وجه شيطان غاضب، وأطلقت سيلًا من الشتائم بلغة لم أفهمها، رغم أنني أصبحت قادرًا على فهم لغة الآلهة الخارجية.
تحكمت في ضغط الماء لأخفف عنها ما تبقى من أثره، ثم شرحت الموقف بهدوء:
«لا فائدة من محاولة التفاهم معه. إذا لم نقاتله، فستنتهي حياتنا نحن الاثنين.»
«أنت... أنت... ما الذي تكونه بحق السماء؟! لماذا يتصرف بهذه الطريقة بسببك؟»
«لا أعرف. سنسأله بعد أن نُخضعه.»
«هذا مستحيل.»
وكما يُتوقع من كائن يُسمّى إلهًا، ظل ردها عقلانيًا حتى وهي غاضبة.
«لقد أخبرتك. المحاكاة ليس...»
«أعرف.»
«في الظروف العادية، لن نستطيع فعل شيء ضده حتى لو تعاونّا. لكن هذه ليست ظروفًا عادية.»
فكسر الجدار الفاصل بين عالمين ليس بالمهمة السهلة.
ومهما كان هذا العالم قد أُنشئ على عجل، فلا يمكن أن يكون اختراقه بهذه البساطة.
أما محاولة اختراقه بالقوة بينما يقاوم صاحبه، فكانت أشبه بدفع اليد عنوة داخل حفرة مليئة بالأشواك.
وفوق ذلك كله...
فالمكان الذي كابد إله المحاكاة كل ذلك العناء لاقتحامه كان عالمًا صنعته بنفسي.
مجالي الخاص.
«ثم إنك رأيتِ ما حدث للتو، أليس كذلك؟»
«لم يعد أمامنا خيار ثالث.»
«إما أن نقضي مئة سنة أخرى في بناء عالم وسط ضغط الماء هذا، وإما أن نُخضع المحاكاة.»
«اختاري.»
«...»
بدت تشوكيا مترددة، وأخذت تنقل نظرها بيني وبين إله المحاكاة.
لكن لم يكن أمامها سوى خيار واحد.
«... ستشرح لي كل شيء بعد انتهاء هذا.»
«حسنًا.»
أطبقت تشوكيا قبضتيها الصغيرتين من جديد، وحدقت في السماء بغضب.
«لقد منحتك فرصة!»
«أنت من اختار هذه النهاية!»
تلألأ سطح أعماق البحر.
زززز... قَرْش!
«أوه.»
انفلتت مني صيحة إعجاب.
فحتى تلك اللحظة، لم تكن سوى المجسات التي تقترب منا تتعرض للتمزيق.
لكن ما إن أخذت تشوكيا الأمر على محمل الجد حتى أصبح كل مجس يلامس سطح البحر، مهما بلغ حجمه، يُشق إلى نصفين.
اكتسب سطح الماء الهادئ قوة تقطيع أشبه بشفرات آلة فرم هائلة.
وبينما كنت أراقب المياه تتحول تدريجيًا إلى اللون الأحمر، بدأت أتساءل عما إذا كانت تشوكيا تستطيع التصدي له وحدها.
لكنها قالت فجأة:
«كن حذرًا. لا نعرف ما الذي سيفعله بعد ذلك.»
كانت لا تزال تنظر نحو السطح بعينين يملؤهما القلق.
«لقد التهم ذلك الشيء عددًا لا يُحصى من الآلهة الخارجية.»
«وإذا بدأ القتال بجدية، فسيشرع قريبًا في استخدام القوى التي ابتلعها.»
ولم تكد تُنهي كلامها حتى...
بدأ أحد المجسات التي لم تكن تلامس سطح الماء يتلوى فجأة من الألم.
وبصورة أدق، بدا وكأن جانبًا من جلده يتشنج بعنف.
تمزّق!
«... ما هذا؟»
انشق الجلد، وظهرت من تحته شفتان ولسان وأسنان.
وبعبارة أخرى...
ظهر فم.
كان فمًا هائلًا بحجم بحيرة صغيرة تقريبًا.
وأخذ ينشد شيئًا بصوت متألم، وكأن سكينًا قد غُرس في حلقه.
[هذا العالم... جحيم بارد متجمد، لا حياة فيه...]
وعندها، تجمد الهواء أمامه.
وببطء، تشكل رمح عظيم من الجليد.
كانت الغاية منه واضحة.
لكن تشوكيا أمالت رأسها بحيرة.
«مجرد رمح جليدي؟ لماذا يستخدم شيئًا كهذا...»
«... الصقيع المطلق.»
«آه.»
ما إن تمتمت بذلك حتى تبدلت ملامح تشوكيا.
اتسعت عيناها فجأة، وكأنها أدركت شيئًا مرعبًا.
«آخ! لا!»
لكن الرمح الجليدي كان قد انطلق بالفعل، وغاص في البحر.
طَشّ!
ارتفعت نافورة هائلة من المياه.
وبمجرد أن غاص الرمح تحت السطح، بدأ يلتهم محيطه ببطء، محولًا كل ما يلامسه إلى جليد.
حاولت تشوكيا طحن بقاياه وتفتيتها، لكن ذلك لم يجدِ نفعًا.
بل تناثرت الشظايا إلى مسافات أبعد، وأخذ البحر يتجمد حيثما وصلت.
وراقبت تشوكيا طبقة الجليد تمتد فوق سطح البحر حتى أخفته، ثم أطبقت على أسنانها.
«لا...!»
«لقد قال إنه لم يلتهم الصقيع المطلق من قبل!»
«إذن، كان يكذب!»
«كان يخطط لالتهامي يومًا ما، ذلك الوغد الـ...!»
«يبدو ذلك.»
«ولماذا لم تخبرني إلا الآن؟! لا، الأهم من ذلك، كيف تعرف الصقيع المطلق أصلًا...؟»
أجبت عن سؤالها بالفعل بدلًا من الكلام.
مددت يدي، وركزت انتباهي على المنطقة المحيطة بقلبي، واستحضرت مشاعري.
في الحقيقة، لم أكن بحاجة إلى استحضار شيء.
فقد ظل عدائي لذلك الكائن يتأجج في داخلي منذ زمن طويل.
طَقّ...
«... هاه؟»
وببطء، أخذت طبقة جديدة من الجليد تغطي الجليد الموجود.
ثم بدأ الجليد يذوب ويتلاشى.
ظلت تشوكيا تحدق في المشهد بشرود، قبل أن تلتفت نحوي غير مصدقة.
«الـ... الصقيع المطلق؟!»
«هل أنت الصقيع المطلق؟! لا، هذا مستحيل!»
«إذن أنت... آه، المحاكاة؟!»
«تماسكي. المحاكاة هناك.»
وبينما كنت أحاول تهدئة تشوكيا المذهولة، واصلت المجسات فتح أفواه جديدة، وكأن تصديّ للصقيع المطلق لم يؤثر فيها إطلاقًا.
[هذا العالم... جحيم مستعر، تحترق فيه الحياة...]
[هذا العالم... قبر تنتشر فيه الأمراض، ولا يجد أحد فيه سبيلًا للهرب...]
[هذا العالم... هاوية تبتلع كل خطوة...]
«... لا نهاية لهذا.»
كم عالمًا التهم ذلك الكائن؟
لقد تمكنت من صد الصقيع المطلق بالمصادفة، لكنني لم أبتلع شيئًا من القوى الأخرى التي يستخدمها.
وإذا قرر إغراق أعماق البحر بها جميعًا، فلن أستطيع فعل شيء.
«هل يسبب قطع أطرافه أي ضرر له أصلًا؟»
«على الأرجح لا. يبدو أنه لا يخسر سوى أجزاء من جسده المادي.»
«ومن المحتمل أنه يستطيع صنع عدد يكاد يكون غير محدود منها.»
كانت أعماق البحر تتعرض للتلوث والالتهام باستمرار.
ولو كانت هذه أعماق البحر الحقيقية، لكان الأمر مختلفًا.
لكن هذا المكان لم يكن سوى عالم اصطناعي صنعته في أعمق الطبقات.
ولذلك كان حجمه محدودًا.
راقبت سيل المجسات المتواصل، ثم تحدثت بهدوء.
«تشوكيا.»
«آخ، ماذا تريد؟ أنا منشغلة أصلًا بمنعها من الاقتراب!»
«لقد قلتِ إنك تستطيعين عزل الأشياء، صحيح؟»
«... نعم. وماذا في ذلك؟»
«أريدك أن تعزلي ذلك الكائن في عالم آخر.»
«بعيدًا عن هذا المكان.»
«ولو للحظة واحدة فقط. هل تستطيعين؟»
«وما الفائدة من ذلك؟»
عقدت تشوكيا حاجبيها، عاجزة عن فهم مقصدي.
«ألا ترى بنفسك؟ إنه خبير في تدمير العوالم.»
«حتى لو عزلته، فلن أفعل سوى إهدار قوتي، وسيتمكن من الخروج خلال لحظات.»
«تشوكيا.»
خلال علاقتي الطويلة والمشؤومة بإله المحاكاة، لم أتمكن من معرفة الكثير عنه.
لكن إذا كان هناك استنتاج واحد أستطيع استخلاصه من تلك المعلومات القليلة...
فهو أن ذلك الكائن يستخف بأعماق البحر.
فالآلهة الخارجية لا تعرف حقيقتها.
«لديّ طريقة.»
نظرت إلى تشوكيا من علٍ، كما اعتدت النظر إلى لينميل.
ظلت مترددة، وكأنها لا تستطيع تصديقي.
لكنه كان ترددًا قصيرًا.
[هذا العالم... ليس سوى صورة باهتة تتلاشى. انظر إلى الكذبة المنعكسة...]
وفي اللحظة التالية...
وكأن كل ما حدث لم يكن سوى وهم، اختفت جميع آثار إله المحاكاة.
المجسات.
والعيون الحمراء.
لم يبقَ ما يدل على أنه كان هنا سوى الشق الممتد في السماء.
وعاد البحر الذي اصطبغ بالأحمر إلى لونه الأزرق، وراحت مخلوقات الأعماق تسبح فيه بمرح.
وفي السكون الذي عاد إلى المكان، تردد صوت واهن.
«وماذا بعد؟»
كانت تشوكيا لا تزال تتخذ هيئة لينميل.
لكن وجهها شحب إلى درجة جعلت إنهاكها واضحًا تمامًا، ثم انهارت على الأرض.
«لا أستطيع إبقاءه معزولًا طويلًا.»
«ماذا ستفعل الآن؟»
«الأمر بسيط. أرسليني إلى هناك أيضًا.»
«... ماذا؟»
«دعيني أحسم الأمر مع ذلك الكائن.»
رمشت تشوكيا بعينيها للحظة، ثم صرخت بعنف.
«هل جننت؟! أي نوع من الخطط هذه؟!»
«أنت ذاهب إلى هناك لتموت فحسب!»
«ليس لديك ما تخسرينه.»
«فمن الواضح أنه يطاردني أنا على أي حال.»
«لذلك سأدع نفسي تقع في يده.»
«هل تنوي التضحية بنفسك؟»
«هل أبدو لك إلهًا نبيلًا إلى هذه الدرجة؟»
أجبتها بابتسامة ساخرة.
«أنا أعرف أفضل منك طبيعة الوحش الذي نواجهه.»
«وأعرف أيضًا أنني لا أستطيع الانتصار عليه.»
«إذن لماذا...؟»
«لم يبقَ سوى حل واحد.»
«سأجعله يدمر نفسه بنفسه.»
ثم قلت لتشوكيا، التي ظلت مترددة، أمرًا أخيرًا:
«عندما ينتهي هذا، سيكون لديّ ما أقوله بشأن خطتك.»
«أراك حينها.»
«... يبدو أن لديك خطة ما.»
ظلت تشوكيا تحدق إليّ غير مصدقة، بعدما تحدثت عن المستقبل وكأن عودتي أمر مضمون.
ثم تنهدت أخيرًا، ورفعت يدها.
«سأدعو لروحك.»
«أيها الإله الخارجي الأكثر حماقة في العالم.»
اضطرب العالم أمام عينيّ.
كان بإمكاني مقاومة ما يحدث...
لكنني تقبلته.
وحين رمشت مجددًا، لم أرَ أي نور.
ظلام.
وسكون.
وصوت فقاعة يتردد بين حين وآخر.
وبينما كنت أتساءل عما إذا كانت تشوكيا قد نفتني إلى أعماق البحر...
[...]
[لقد طال الانتظار...]
سمعت صوتًا مألوفًا.
[طال كثيرًا... حتى أوشك أن يدفعني إلى الجنون...]
[كل ذلك الانتظار... من أجل اللحظة التي تصل فيها إلى هنا...]
كان صوتًا ثقيلًا متشققًا.
ورغم وقاره الظاهر، لم يستطع إخفاء نشوة مرتجفة تتخلله.
ظهر شيء داخل نطاق استشعار المد والجزر.
تارة بدا دودة تتلوى.
وتارة أخرى عطرًا فائحًا يفيض في المكان.
ثم أسدًا مجنحًا.
وفي لحظة أخرى، إنسانًا.
لم يكن استشعار المد والجزر قد اختل.
بل على العكس.
فبعدما بلغت مستوى يقارب مرتبة الآلهة الخارجية، أصبح استشعاري بالغ الدقة.
وكان يرصد خصمي كما هو تمامًا.
المشكلة أن خصمي...
كان كل تلك الأشياء مجتمعة.
[آآه...]
امتد نحوي مجس.
أو شيء يشبه المجس.
لكنه تشوه فجأة حين لامس شيئًا ما.
لم أكن أنا من فعل ذلك.
فقد أقامت تشوكيا حاجزًا غير مرئي بيني وبين إله المحاكاة.
لمنعه من الاقتراب مني.
مع أنني طلبت منها أن ترسلني إليه فحسب.
ما سر هذا الحرص المفاجئ؟
[عليّ الانتظار... قليلًا بعد...]
[لحظة واحدة فقط... حقًا، مجرد لحظة...]
واصل إله المحاكاة خدش الحاجز، تاركًا عليه آثارًا متتابعة.
وبدا وكأن تشوه مجساته عند ملامسة سطحه لا يقلل من سعادته، بل يزيدها.
كانت نظرته الحانية، الشبيهة بنظرة عاشق إلى حبيبته، تبعث القشعريرة في جسدي.
ولم أعد أحتمل ذلك.
فبادرت إلى الكلام.
«لا داعي للانتظار.»
[...؟]
شعرت بحيرة إله المحاكاة.
ثم صنعت رمحًا من ضغط الماء.
كان إعلانًا واضحًا عن نيتي القتال.
لكن إله المحاكاة استقبله بتعبير مختلف تمامًا.
[أوه... هو... ها...]
ضحك برضا.
ولم تكن ضحكة سخرية.
فبطل العالم في الملاكمة لا يضحك استهزاءً إذا رأى طفلًا صغيرًا يرتدي قفازي الملاكمة.
بل يضحك لأن منظر الطفل يبدو لطيفًا.
وكانت ضحكته من هذا النوع تمامًا.
[تعال...]
[يا سبيل تحرري...]
[أرني... كل ما لديك...]
«لم آتِ من أجل ذلك.»
[...]
شِقّ!
خدش طرف الرمح الجلد خدشًا طفيفًا.
جلدي أنا.
ظهرت قطرات حمراء من الدم، وانتشرت في مياه أعماق البحر.
جمعت الدم بلا اكتراث، ثم رفعته أمامه.
«هذا هو الشيء الذي أردته بشدة، أليس كذلك؟»
«لقد كانت مخلوقات الأعماق تفقد صوابها تمامًا بسببه.»
[.........]
توقفت ضحكة إله المحاكاة.
وساد صمت، وكأنه يزن أمرًا في ذهنه.
لكن ذلك لم يكن سببًا يدفعني إلى التوقف عن الكلام.
«لا بد أنك أدركت أنك لن تستطيع الهرب اعتمادًا على الأجزاء التي تنقلها إليك مخلوقات الأعماق وحدها.»
«كنت بحاجة إلى التهامي بنفسك حتى تشعر بالرضا.»
«فما رأيك الآن؟»
«ألا أبدو شهيًا بعدما أصبحت نصف إله؟»
[... فهمت...]
«حسنًا إذن، بما أنك بذلت كل هذا الجهد...»
مددت كتلة الدم نحو إله المحاكاة.
عبر الحاجز، إلى الجهة الأخرى.
كنت أظنه سيبتلعها بنهم فورًا.
لكنه ظل يحدق في قطرات الدم بصمت.
ولم يدم صمته سوى لحظات.
[ما الذي... تخطط له؟]
«ماذا؟ أتظن أنني وضعت فيها سمًا؟»
«هل هناك سم يمكنه التأثير في إله خارجي أصلًا؟»
[...]
«إذا كنت لا تريد تناولها، فلا داعي لذلك...»
وحين هممت بسحب قطرة الدم...
اختفى الدم من الماء في لحظة.
وكأنه تبخر دون أن يترك أثرًا.
[أوه... أووه...]
وكانت تلك البداية.
العطر.
والحيوان.
والإنسان.
والحرارة.
والزمن.
أخذ عدد الأشياء التي يتكون منها إله المحاكاة يتناقص ببطء.
اختفى العطر والحرارة.
ثم اختفى الزمن.
واختفى الحيوان.
وفي النهاية، لم يبقَ سوى إنسان.
إنسان أعرفه جيدًا.
[آه... ها...]
«ها... ها...»
«...»
تحول صوت الإله إلى صوت إنسان.
كان المشهد أشبه بالنظر في مرآة.
وهذا طبيعي.
فقد كنت أرى نفسي هناك.
«هذه هي... قوة الإله الخارجي الذي يحكم أعماق البحر.»
«قوة عجزت حتى تلك السماء البغيضة عن إخضاعها...»
جيرن.
وبعبارة أخرى...
كنت أنا من يقف هناك.
يستخدم ضغط الماء، ويخلق مخلوقات الأعماق وكأن الأمر لا يتطلب منه أي جهد.
أطبق إله المحاكاة، الذي استولى عليه الجنون، قبضته ورفع بصره نحو السماء.
«أشعر بها...!»
«هذا المكان... هناك سبيل للخروج منه...!»
«آه، صحيح. تهانينا.»
«إذن، هل ستتركني حيًا؟»
«... لقد تمنيت النجاة.»
نظر إليّ إله المحاكاة بتعبير مغرور، وكأنه أدرك أمرًا للتو.
«جسد بشري، في نهاية المطاف.»
«ليس خالدًا... ولهذا كنت تخشى الموت...»
«هذا صحيح. سيكون كذبًا أن أقول إنني لا أخاف الموت.»
«اطمئن.»
«ستنال مكافأتك، وتعيش إلى الأبد...»
«في داخلي.»
مد إله المحاكاة يده نحوي.
واستدعى أقصى ضغط مائي أستطيع توليده، وخلطه بقوته، مشكلًا دوامة هائلة.
حسنًا، كان ذلك متوقعًا.
فإذا كان قد تحول إلى هذه الهيئة بمجرد ابتلاع بضع قطرات من دمي، فمن الطبيعي أن يرغب في التهام جسدي كله.
رفعت يديّ الاثنتين، وكأنني أستجدي رحمته، ثم واصلت الكلام.
«سمعت من تشوكيا عن خطتها للهرب من أعماق البحر.»
«...؟»
«وبعد سماعها، شعرت بأن هناك شيئًا غريبًا.»
«لكن بعدما عرفت أنك إله المحاكاة، وأنك تنوي الهرب بالتهامي، بدا الأمر أكثر غرابة.»
«كيف يُعقل ذلك؟»
في البداية، ظننت أنه يريد صنع فقاعة من هواء العالم المادي ليتمكن من الهرب.
لكنني كنت مخطئًا.
فما يريده هو الخروج من أعماق البحر.
أما العالم المادي، فلا يعني له شيئًا.
ولو كان يسعى إلى الوصول إلى ذلك العالم، لما حاول قتلي، أنا ساحر أعماق البحر.
بل كان سيبحث عن أشياء تنتمي إلى العالم المادي.
وفوق ذلك...
هؤلاء الأوغاد لا يعرفون أصلًا بوجود العالم المادي.
لقد افترضت تشوكيا أن تايهو قد مات، لأن الآلهة الخارجية توقفت عن السقوط إلى هذا المكان.
نعم.
لقد افترضت ذلك فحسب.
كانت تلك الكائنات تجهل الكثير من الأمور.
بل وكانت مخطئة في كثير مما تظنه صحيحًا.
«بعدما أعدت التفكير في الأمر، فهمت أخيرًا.»
«وقد بدا لي الأمر سخيفًا إلى درجة جعلتني أتساءل: هل يُعقل أن تكون الكائنات التي تُسمّى آلهة جاهلة بشيء كهذا؟»
«... ما الذي تكونه؟»
«لقد قلتها بنفسك للتو.»
«الإله الخارجي الذي يحكم أعماق البحر.»
هززت رأسي ببطء.
«لكن لا وجود لإله خارجي يحكم أعماق البحر هذه.»
«فما التهمته مخلوقات الأعماق لم يكن آلهة خارجية.»
«بل سحرة بؤساء غرقوا في أعماق البحر.»
«...؟»
«حسنًا، ربما لن تفهم حتى لو شرحت لك.»
«فأنت لا تعرف أصلًا من كانوا السحرة الأوائل.»
«كل ما تعرفه أن بشرًا يسقطون إلى أعماق البحر، ويتحولون إلى كائنات تشبه الآلهة الخارجية.»
«هذا تقريبًا كل ما تمكنت من فهمه، أليس كذلك؟»
التوت ملامح إله المحاكاة.
لم أعرف إن كان ذلك لأنه لم يفهم ما أقوله، أم لأنه لم يعد يحتمل سماعي.
وفي اللحظة التالية، اندفع ضغط الماء نحو جسدي.
«كخ!»
شعرت بأضلعي تتحطم على الفور، وسعلت دمًا.
كانت قوة هائلة.
هبطت على ركبة واحدة.
لكنني ابتسمت، وواصلت حديثي.
«يكفي أن تعرف شيئًا واحدًا.»
«...»
«أنا لست إلهًا خارجيًا لأعماق البحر، ولا حاكمها.»
«أنا مجرد سجين، مثلك تمامًا.»
«وحتى لو التهمتني، فلن يختفي العبء الواقع عليك.»
«......»
«وفوق ذلك، فأنا سجين محكوم عليه بالمؤبد، لكن وضعي يختلف تمامًا عن وضعكم.»
«أنا السجين الذي تكرهه أعماق البحر وتمقته أكثر من أي كائن آخر.»
ساحر أعماق البحر.
ذلك هو اسم الكائن الذي تبغضه أعماق البحر أكثر من سواه.
«لقد اخترت الشخص الخطأ لتحاكيه.»
«اخرس...»
حدق إله المحاكاة نحوي، وهو يحاول زيادة ضغط الماء لسحقي.
لكن...
«آه... آآآآخ...!!»
اندفع دم أحمر داكن من فمه.
ارتجف جسده، عاجزًا عن فهم ما يحدث، وأخذ يتلوى وهو يراقب جسده يتداعى.
وبصفتي أسبقه خبرة في التعامل مع هذه القوة، قررت تقديم نصيحة له.
«القاعدة الأولى للعيش بوصفك ساحر أعماق البحر.»
«لا تستخدم ضغط ماء يتجاوز قدرة جسدك على التحمل.»
«وإلا...»
«فهذا بالضبط ما سيحدث لك.»
«.............»
خفض إله المحاكاة نظره نحو جسده.
وأخذت يداه ترتجفان.
«آسف إن كنت قد انخدعت.»
«لكن ما العمل الآن؟»
هززت كتفيّ، ورفعت بصري نحو السماء.
«هيا، حاول الخروج إذن.»
«من يدري؟ ربما كنت أكذب.»
«وربما لن تشعر بأي ضغط ماء بمجرد مغادرة هذا المكان، وتصبح أعماق البحر كلها ملكًا لك.»
سيكون رائعًا لو صدّق ذلك.
«آه... آه...»
لكن للأسف...
يبدو أنه لم يكن أحمق إلى درجة تعجزه عن إدراك أن حياته كلها قامت على خدعة.