الأعماق (5)
ظللت لبعض الوقت ممسكًا برأسي، وقد شعرت بأنه على وشك الانفجار.
وأخيرًا، تمكنت من استعادة رباطة جأشي وترتيب أفكاري.
«إذن، لهذا السبب...»
لقد فهمت أخيرًا سبب إصابة مخلوقات أعماق البحر بالجنون بمجرد اكتشاف وجودي.
وبصورة أدق، فهمت لماذا كانت تنتابها تلك التشنجات في اللحظة التي تنتشر فيها قطرة واحدة من دمي في مياه أعماق البحر.
يبدو أن الفيرومون الذي أطلقه كان شيئًا يصعب على تلك المخلوقات احتماله.
«آخ...»
وبينما كنت أفكر في ذلك، أعادني صداع نابض إلى الواقع.
كانت الحقيقة سخيفة، لكن الأمر نفسه ينطبق عليّ أيضًا.
فمن الناحية الفعلية، لم يكن ذلك سوى رائحة جسدي.
ومع هذا، فإن مجرد استنشاق الفيرومون الذي أفرزه بنفسي كان يثير داخلي مزيجًا من المشاعر التي لم أختبرها من قبل.
الرهبة.
والغضب.
والرغبة في القتل.
وسعادة لا حدود لها.
لم أتعاطَ المخدرات في حياتي، لكنني تخيلت أن تناول أردأ أنواعها قد يولّد إحساسًا شبيهًا بهذا.
ومع ذلك، لم يكن بوسعي مواصلة رحلتي وأنا أسد أنفي.
لذلك أمضيت عدة دقائق أحاول تهدئة نفسي والتعود على الفيرومون الذي أتركه خلفي.
«هذا لا يجدي نفعًا...»
لكن للأسف، بدا أن التعود عليه أمر غير ممكن.
فالفيرومون يختلف عن الروائح العادية اختلافًا جوهريًا.
تنهدت، وقررت الاكتفاء بتجنب استنشاقه عمدًا، ثم هززت رأسي.
«أولًا، عليّ استعادة قدراتي.»
فلم يكن بوسعي التوقف تمامًا عن الاستفادة من حاسة استشعار الفيرومونات.
وبعدما تحملت بضع نوبات أخرى من الصداع، بدأت الصيد مجددًا.
تتبعت هذه المرة أثر فيرومون لم يسبق لي أن شممته.
أثر تركه نوع جديد من مخلوقات أعماق البحر.
قَرْش!
[... غخ...]
[...!!]
ولحسن الحظ، لم تخذلني الفيرومونات ولو مرة واحدة.
فكلما تتبعت أثرًا، عثرت بعد وقت قصير على المخلوق الذي تركه.
وبالتهام كتل تلك المخلوقات، تمكنت من استعادة قدراتي تدريجيًا.
وفوق ذلك، كلما ازداد عدد المخلوقات التي اصطدتها، ازدادت قوة قدرتي على استشعار الفيرومونات.
حتى إنني أصبحت قادرًا على تقدير المسافة التي تفصلني عنها من خلال تركيز الفيرومونات التي تخلفها.
«حسنًا، بعدما أنتهي من هذا، سيكون التالي...»
حدقت في مسارات الفيرومونات التي لا تُحصى، والمتداخلة في مياه البحر، وأخذت أحسب الطريق الأمثل لاتباعه.
وبعد ذلك، لم يعد شيء يعرقل تقدمي.
فما إن بدأت أتنقل بين المسارات التي حددتها حتى تمكنت من اصطياد أكثر من خمسين مخلوقًا من مخلوقات الأعماق والتهامها خلال ثلاث ساعات فقط.
ونتيجة لذلك، استعدت نحو سبعين بالمئة من قوتي المعتادة.
«هاه...»
هذا أفضل بكثير.
تمددت بارتياح، وعلى وجهي تعبير راضٍ، ثم استخدمت استشعار المد والجزر لتفحص أعماق البحر التي أصبحت الحركة فيها أكثر سهولة.
لقد اتسع نطاق استشعاري إلى درجة أنني صرت قادرًا على اكتشاف أنواع جديدة من المخلوقات دون الاستعانة بالفيرومونات.
والأهم من ذلك كله...
لم يعد هناك ما يدعوني إلى الخوف من التعرض لهجوم مباغت وسط الظلام.
تنفست الصعداء، وشعرت وكأنني فتحت عينيّ أخيرًا بعدما أبقيتهما مغمضتين طوال الوقت.
لكنني لاحظت شيئًا غريبًا في اللحظة نفسها.
«لماذا أشعر أنني بخير إلى هذا الحد؟»
ضيقت عينيّ، وأخذت أراقب يدي وأنا أفتح قبضتي وأغلقها مرارًا.
لم أكن أشعر بألم يُذكر.
كان العبء الواقع عليّ محتملًا، ولم أجد مقاومة تُعيق حركة جسدي.
وهنا تكمن المشكلة.
فقد مضت بالتأكيد أكثر من عشر ساعات منذ دخولي أعماق البحر.
وطوال ذلك الوقت، كنت أواصل الهبوط إلى أعماق أشد سحيقًا.
صحيح أنني تمكنت من الصمود لأكثر من عشر ساعات في مرات سابقة.
لكن العبء الذي كان يتزايد باستمرار مع مرور الوقت كان ينبغي أن يُخضع جسدي لضغط يكفي لتحطيم جميع عظامي.
أما الآن...
«... إنني أشعر براحة تفوق المعقول.»
لم يكن ذلك يعني أن العبء اختفى تمامًا.
فقد ظل ضغط الماء يثقل جسدي بأكمله، وكانت شدته تزداد كلما هبطت أكثر.
لكن العبء الذي كان يتراكم بمرور الوقت قد اختفى.
ومن الناحية العملية، كان هذا أمرًا جيدًا.
إذ يعني أن المهلة الزمنية التي تقيد بقائي هنا لم تعد موجودة.
لكن لسبب ما، بدأ شعور بالقلق يتسلل إلى نفسي.
هل كانت أعماق البحر مكانًا يمكن أن تتغير قوانينه بهذه السهولة؟
فالقواعد التي لم تتبدل قط من قبل بدت وكأنها اختلت بطريقة ما خلال هذه الرحلة تحديدًا.
مخلوقات الأعماق التي أصبحت قادرة على اكتشافي.
واختفاء الحد الزمني لبقائي هنا.
والفيرومونات.
ثم قدرتي المستجدة على استشعارها...
«لا أفهم.»
لن أصل إلى إجابة مهما شغلت نفسي بالتفكير في الأمر الآن.
تنهدت، وسمحت لنفسي باستنشاق الروائح من جديد.
يمكنني التفكير في هذه المسائل بعدما أستعيد كامل قدراتي.
أما الآن، فلم أستعد سوى سبعين بالمئة منها.
وبينما كنت أتتبع الفيرومونات، باغتني صداع آخر.
«؟»
بعد اصطياد كل تلك المخلوقات، أصبحت قدرتي على استشعار الفيرومونات قوية للغاية.
حتى إنني صرت قادرًا على اكتشاف أن مخلوقًا مرّ بمكان ما قبل عدة أيام، ولو كنت على بعد مئات الكيلومترات منه.
ومع ذلك، وصلت إلى أنفي رائحة دم زفرة، لكنها واضحة ومميزة.
ولم تكن رائحة الدماء الغريبة المتعددة الألوان التي تجري في أجساد مخلوقات الأعماق.
بل كانت رائحة دم بشري أو حيواني، من النوع الذي اعتدت شمه في العالم المادي.
هل يوجد إنسان في مكان ما داخل أعماق البحر؟
أملت رأسي وأخذت أفكر، حتى خطر ببالي احتمال.
«صحيح... إذا كان هناك أشخاص آخرون سقطوا إلى أعماق البحر غيري، فمن الممكن أن يتركوا رائحة دمائهم خلفهم.»
مع أنهم سيتعرضون للسحق فورًا على الأرجح.
فإذا كانت الرائحة صادرة عن بقايا جثثهم، فلن يكون الأمر غريبًا.
وكنت على وشك تجاهلها باعتبارها شيئًا لا يستحق الاهتمام، خاصة أنني أصبحت قادرًا على استشعار الروائح من مسافات شاسعة...
لكن فجأة...
[ألا يوجد أحد؟]
بدأت أشعر بإرادة تحملها رائحة الدم.
[أحد ما... ألا يوجد أحد...]
«ما هذا؟»
عقدت حاجبيّ وغطيت أنفي.
كانت هناك إرادة واضحة داخل رائحة الدم.
وبعبارة أخرى...
كان ذلك فيرومونًا.
إذن، لم يكن مصدره إنسانًا.
رائحة دم.
وفيرومون.
لم يكن معنى اجتماعهما خافيًا عليّ.
إنه فيرومون تركه مخلوق من أعماق البحر ينزف دمًا بشريًا.
[ألا يوجد أحد؟ أحد يستطيع الفهم... والاتباع...]
«...»
«...»
وفوق ذلك، كان يطلب المساعدة.
وهذا يعني أنه، خلافًا لمعظم مخلوقات الأعماق، يمتلك قدرًا من الذكاء.
ترددت للحظة، محاولًا تحديد كيفية التعامل مع هذا الموقف.
ولم يكن السبب أن وجود مخلوق كهذا أمر غير مسبوق.
فأنا أعرف بالفعل كائنات تستطيع العيش داخل أعماق البحر وإجراء محادثات مفهومة.
«إله خارجي.»
لكن هل يمكن أن يطلب إله خارجي المساعدة؟
إذا فكرت في الأمر بعقلانية، فقد تكون هذه حيلة لاصطياد الحمقى الذين يستطيعون فهم الإرادة الكامنة في رائحة الدم، فيندفعون بحثًا عن مصدرها.
غير أن الرائحة كانت تنبعث من جهة جانبية، لا من الأعماق التي تقع تحتي.
وكان الموضع الذي تأتي منه أقل عمقًا بكثير مما ينبغي لوجود إله خارجي فيه.
«هاه...»
أو ربما كان الأمر نوعًا من الصيد المعاكس.
فكما يُلقي البشر على اليابسة بخيوط الصيد في البحر، ربما كان أحد الكائنات القابعة في الأعماق السحيقة يمد طرفًا من جسده نحو هذه المنطقة الأقل عمقًا، محاولًا اصطياد فريسته.
وبالطبع، لن أستطيع التأكد من شيء قبل الذهاب إلى هناك بنفسي.
[ألا يوجد أحد...]
فالفيرومونات، في نهاية المطاف، أقرب إلى وسيلة لبث رسائل من طرف واحد منها إلى أداة للتواصل المتبادل.
ولم أستطع استنتاج أي معلومات إضافية تتجاوز ما حملته الرائحة.
وهكذا، أصبح القرار بيدي.
وفي النهاية، حككت رأسي وبدأت التحرك.
«تسك... كأنني أفهم شيئًا مما يحدث أصلًا.»
فكل ما شعرت به حتى الآن هو غرابة التغيرات التي طرأت على أعماق البحر، حتى بدا لي المكان مختلفًا تمامًا عما عرفته.
وحتى لو أدى تحقيقي في مصدر رائحة الدم إلى إثارة المزيد من الأسئلة، فلن يتغير الكثير.
[غاه...]
وفي الطريق، واصلت اصطياد مخلوقات الأعماق، وتحويلها إلى كتل، واستعادة أكبر قدر ممكن من قوتي.
وكلما اقتربت من وجهتي، ازدادت رائحة الدم كثافة.
[ألا يوجد أحد؟]
[ألا يوجد أحد؟]
[ألا يوجد أحد...]
وكأن صاحبها يستغيث بكل ما أوتي من قوة.
لكن إحساسي بأن الأمر فخ لم يفعل سوى الازدياد.
فإذا كان هذا المخلوق قادرًا على إطلاق نداء استغاثة بهذه الطريقة، فلا بد أنه كائن قوي.
فهل يُعقل أن يبلغ به الضعف حد الاحتضار في هذا العمق؟
تحسبًا لأي طارئ، أحطت جسدي بضغط الماء مسبقًا.
وعندما وصلت إلى وجهتي، وجدت بركانًا.
«ما هذا...؟»
كان بركانًا هائلًا بكل معنى الكلمة.
بلغت مساحة قاعدته حدًّا جعل استشعار المد والجزر عاجزًا عن الإحاطة بها بالكامل.
صخور سوداء، وفوهة بركانية تتدفق منها مياه تغلي بحرارة يمكن تمييزها بالعين المجردة.
وكانت أشكال غريبة ومتنوعة من الحياة تتلوى في محيطه، مشكلة نظامًا بيئيًا متكاملًا.
في الماضي، ربما كنت سأقف مذهولًا أمام هذا المشهد.
لكنني بعدما شاهدت ما يشبهه في الوادي، اكتفيت بعقد حاجبيّ بشدة.
ربما كان هذا أيضًا ظهر مخلوق عملاق.
فهل كان ذلك المخلوق هو مصدر رائحة الدم؟
تفحصته بعناية أكبر.
لكن يبدو أن الأمر لم يكن كذلك.
فالرائحة كانت تتصاعد من موضع محدد في الجبل.
اقتربت بحذر من مصدرها، ووسعت نطاق استشعار المد والجزر.
انسابت التيارات المائية حول الجبل، وكشفت لي تضاريسه.
وكان هناك كهف في منتصفه.
وقد سدت مدخله صخرة هائلة.
لكن من شق في الصخرة التي تسد الكهف، كان الدم يتسرب بكثافة جعلته مرئيًا حتى بالعين المجردة.
«...»
«...»
اقتربت بحذر من مدخل الكهف.
كنت قد رجحت بالفعل أن الأمر فخ، ولذلك حرصت على ألا أقترب أكثر مما ينبغي.
وخاصة أن استشعار المد والجزر لم يكن يعمل داخل الكهف.
فقد كان يرصد فراغًا لا غير، رغم وضوح وجود شيء ما في الداخل.
وكأن فارسًا من الطراز الأول يختبئ هناك، ويمنعني من اكتشافه.
هل أبادر بالهجوم؟
أم أنتظر لأرى ما سيحدث؟
بعد شيء من التفكير، قررت أن أتحدث أولًا.
«هل أنت من ظل يطلب المساعدة من داخل هذا الكهف؟»
[...]
«إذا كنت عالقًا هناك ولا تستطيع الخروج، فسأحطم الصخرة لأجلك. ابتعد عنها إذا كنت خلفها.»
كثفت ضغط الماء إلى أقصى حد استطعت بلوغه.
وما إن بدأ نصل حاد تشكّل من ضغط الماء يحتك بالصخرة حتى جاءني رد متعجل من الداخل.
[مـ... من... أنت...]
كان الصوت أشبه بكلام يصدر عن لسان قصير وسميك على نحو غير طبيعي.
صوت أُجبر على الخروج من فم غير مهيأ أصلًا لتقليد الكلام البشري.
[مـ... من... من هناك...]
حسنًا، كان نطق مخلوقات الأعماق مشوهًا على هذا النحو عادةً، ولذلك لم أُعر الأمر اهتمامًا كبيرًا.
وبدلًا من ذلك، أوقفت نصل ضغط الماء مؤقتًا، وأجبته بصوتي.
«لقد جئت لأنك أنت من ناديت طلبًا للمساعدة، لذلك أجبني أولًا. أي نوع من المخلوقات أنت حتى توجد في مكان كهذا؟»
[...]
«ألن تجيب؟»
وحين حركت نصل ضغط الماء نحو الصخرة مجددًا...
جاءني رد لم أتوقعه إطلاقًا.
[... عُد أدراجك.]
«هاه؟»
كنت أتوقع أن يهاجمني في اللحظة التالية، ولذلك عقدت حاجبيّ حين أمرني فجأة بالمغادرة.
ظننت في البداية أنها مجرد كلمات.
لكن رائحة الدم اختفت فجأة، وانغلق حتى الشق الذي كانت تتسرب منه.
انتظرت قليلًا، لكن لم يقع أي هجوم.
حككت رأسي في حيرة، وقد كان واضحًا أن المخلوق يطردني من المكان.
إذن، لم يكن فخًا؟
لقد جئت مستعدًا لمواجهة أي شيء، حتى لو كان فخًا نصبه أحد الآلهة الخارجية.
لكن هذا المخلوق كان غريبًا أكثر مما ينبغي لأترك الأمر ينتهي هكذا.
فقررت أن أضغط عليه مرة أخرى.
«مهلًا، ما الذي تفعله؟ لقد ناديتني إلى هنا، ثم تطلب مني الرحيل؟ هل تعرف أصلًا كم قطعت من المسافة لأصل إليك؟»
[...]
مرت بضع دقائق من الصمت.
ثم بدا أن المخلوق رضخ لإلحاحي على مضض، وفتح فمه مجددًا.
[لست... من أبحث عنه. لقد... تأخرت كثيرًا.]
«... ماذا؟»
[لقد سقطت بالفعل... مثلي تمامًا...]
دوم...
انزاحت الصخرة قليلًا، وأطل المخلوق برأسه من داخل الكهف.
كان منظره أبشع من أي مخلوق رأيته في أعماق البحر من قبل.
وجه تغطيه البرنقيلات، وتتسلل المجسات من بين عينين ممزقتين، بينما تنبت مجسات أخرى لا تُحصى من رأسه.(مم: البرنقيلات هي كائنات بحرية صغيرة تنتمي إلى القشريات، ولها أصداف كلسية صلبة، وتلتصق بالصخور وهياكل السفن وحتى أجسام الحيتان)
كان وجهه وجه إنسان.
لكن جسده لم يكن سوى كتلة من اللحم الهلامي.
[عُد أدراجك... وابحث عن الخلاص في مكان آخر، بعيدًا عن مكاني.]
«أيها الوغد...»
شعرت بقشعريرة تسري على طول عمودي الفقري، وتراجعت خطوة إلى الخلف.
لقد عرفت الحقيقة.
أدركتها بغريزتي وعقلي معًا.
هذا المخلوق...
«لا أظن أن معلمتي نفسها تستطيع إنقاذه...»
... كان ممن سبقوني إلى أعماق البحر.