الانقاذ
بعد أن قفزت فيرا خلف كاسيان لإنقاذ «أونيكس»، لم تستطع السيطرة على توازنها بسبب قوة الأمواج. تشنجت ساقاها، ولم تتمكن من مجاراة التيارات المائية القوية، لتجد نفسها تصارع الماء الذي أخذ يسحبها نحو الأعماق.
«هل ستكون نهايتي هذه المرة حتمية؟»
تساءلت في نفسها بصوت خافت، يملؤه الإحباط وعدم الرضا عن فكرة أن تنتهي حياتها بهذه الطريقة.
لكن سرعان ما تبدلت ملامحها، وكأن شيئًا ما بداخلها قد انتفض رافضًا الاستسلام.
«لا، أنا من يحدد طريقة موتي، ولا أحد غيري!»
قالتها بحزم، محاولةً جمع شتات نفسها ومقاومة الماء بكل ما تبقى لديها من قوة.
خرج كاسيان من البحر وهو يلهث، ممسكًا بالقطة الصغيرة بين ذراعيه، ومتجهًا نحو أقرب بقعة يابسة. وما إن وصل إلى الشاطئ حتى لاحظ اختفاء الفتاة من فوق الجسر، فظن أنها غادرت المكان.
«لقد قفزت خلفك مباشرة!»
قال أحد المتجمهرين بقلق، وهو يشير إلى مياه البحر الباردة التي لم تخرج منها الفتاة حتى تلك اللحظة.
«ماذا؟»
رفع كاسيان حاجبيه بدهشة، ثم أدار رأسه نحو البحر، متفحصًا سطحه بعينين متيقظتين.
لم يتردد طويلًا. وبعد أن وضع «أونيكس» في مكان آمن، اندفع نحو الماء مجددًا وقفز فيه دون تردد، باحثًا عن الفتاة.
غاص كاسيان إلى عمق مناسب، وأخذ يتفحص المياه من حوله حتى لمحها أخيرًا؛ كانت تصارع التيارات بعنف، تحاول الوصول إلى السطح واستنشاق بعض الهواء.
وما إن وقع بصرها عليه حتى توقفت عن المقاومة للحظة، وكأن الأمل قد عاد إليها من جديد. أرخَت أطرافها، تاركةً نفسها له، وكأنها قررت أن تثق به في تلك اللحظة وحدها.
أمسك بها كاسيان وسحبها نحو السطح، ثم أخرجها إلى الشاطئ ووضعها على الرمال.
كانت فاقدة للوعي، ولم يستجب جسدها لمحاولاته الأولى. تحقّق من تنفسها، ثم شرع في محاولة إنعاشها، وقد بدأ القلق يتسلل إلى ملامحه رغم محاولته إخفاءه.
وحين لم يرَ منها استجابة، تردد للحظة قبل أن يحاول إنعاشها بالتنفس الاصطناعي.
لكن قبل أن يقترب منها أكثر، فتحت فيرا عينيها فجأة، ودفعته بقوة أبعدته عنها نصف خطوة.
«هل ترغب في تقبيلي إلى هذه الدرجة، حتى وأنا مغمى عليّ؟»
قالت ذلك وهي تمسح الماء عن وجهها، بنبرة امتزج فيها الاستياء بالسخرية، وكأنها لم تكن على وشك الموت قبل لحظات.
تراجع كاسيان قليلًا، وحدق بها باستنكار.
«أنا؟ ومن قال لك ذلك؟ هل تظنينني مجرد متحرش يتجول هنا وهناك لتقبيل الفتيات؟»
قالها بابتسامة ساخرة، محاولًا استعادة هدوئه المعتاد.
ثم أضاف بصوت أخفض، وهو ينظر إليها نظرة مختلفة هذه المرة:
«لقد حاولت إنقاذك لأنك قفزت خلفي لإنقاذ أونيكس. وعلى الرغم من أنك كنتِ على وشك إنهاء حياتك قبل قليل، لم تترددي في المخاطرة بحياتك من أجل إنقاذ كائن آخر.»
ساد الصمت للحظات، بينما أشاحت فيرا بنظرها عنه.
«لم أكن أحاول الانتحار! كنت أبحث عن أبعد نقطة يمكن لبصري الوصول إليها، لكن الناس تجمهروا وفسّروا الموقف كما يحلو لهم.»
قالت ذلك، ثم استلقت على الرمال الباردة، وكأنها أنهت الحديث من وجهة نظرها.
عقد كاسيان حاجبيه، ولم يبدُ مقتنعًا بتفسيرها.
«إذًا، لماذا لم تخبريهم بالحقيقة؟»
أجابته دون أن تنظر إليه:
«وهل يجدر بي أن أبرر كل فعل أفعله للناس؟»
«……»
صمت كاسيان أمام ردها غير المتوقع. لم يجد ما يقوله، أو ربما لم يرَ جدوى من الدخول في نقاش معها.
وبعد لحظات، نهض حاملًا أونيكس بين ذراعيه، ثم قال ببرود مصطنع:
«عفوًا.»
استدار وهمَّ بالمغادرة، غير أن صوتها أوقفه.
«أنا لم أشكرك!»
قالتها دون أن تنهض، وكأنها تذكرت الأمر للتو.
التفت إليها كاسيان بنصف وجه، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة.
«ماذا أيضًا؟ ألم تكتشفي طريقة جديدة لإزعاجي؟»
تجاهلت سخريته، ثم أشارت بعينيها إلى القطة بين ذراعيه.
«ما اسم قطتك؟»
نظر كاسيان إلى القطة الصغيرة، ثم أعاد بصره إليها.
«أونيكس.»
«اسم غريب.»
«أكثر غرابة من صاحبتها؟»
ضيّقت فيرا عينيها، لكنها لم تجبه.
استدار كاسيان مجددًا، وقبل أن يبتعد سمعها تقول:
«فيرا.»
توقف في مكانه، ثم التفت إليها باستغراب.
«ماذا؟»
«اسمي فيرا، أيها الأحمق. حتى لا تضطر إلى مناداتي بصاحبة التصرفات الغريبة في المرة القادمة.»
ظهرت ابتسامة خفيفة على وجهه، قبل أن يجيبها:
«كاسيان.»
رفعت حاجبًا باستغراب.
«لم أسألك عن اسمك.»
«وأنا لم أطلب منك إخباري باسمك.»
ساد الصمت للحظة، قبل أن يستدير مغادرًا، تاركًا إياها تحدق في ظهره بامتعاض.
«يا لك من رجل مستفز!»
ومن دون أن يلتفت، رفع كاسيان يده مودعًا.
«سُررت بلقائك أيضًا، فيرا.»
******
قيموا بالتعليقات