2
الفصل الثاني:
لم تمضِ سوى دقائق قليلة على استيقاظ أديلين حتى سُمِع طرق خفيف على باب الغرفة.
لم تنتظر الخادمة الإذن بالدخول، بل فتحت الباب ودخلت وهي تحمل إناءً نحاسيًا قديمًا، ثم وضعته على الطاولة القريبة من السرير دون أن تلقي على الطفلة سوى نظرة عابرة.
كان الماء بداخله باردًا وغير نظيف، ولم تكن هناك أي علامة على اهتمام الخادمة بأداء مهمتها كما ينبغي.
نظرت أديلين إلى الإناء للحظات.
لم يكن الأمر مفاجئًا بالنسبة إليها.
في حياتها السابقة، كانت تعرف جيدًا كيف يعاملها الخدم، وكيف يتعمد بعضهم إظهار احتقارهم لها باعتبارها الابنة غير الشرعية للدوق. وكانت تتغاضى عن ذلك في كل مرة، ظنًا منها أن الصبر وحسن المعاملة سيجعلانهم يتقبلونها يومًا ما.
لكن تلك الفتاة التي كانت تتسامح مع الإهانات لم تعد موجودة.
رفعت أديلين عينيها نحو الخادمة وقالت بهدوء:
«أحضري لي إناءً آخر.»
توقفت الخادمة لحظة، ثم التفتت إليها بملامح متذمرة.
«إنه ماء للاغتسال، ما المشكلة فيه؟»
«طلبت منك إحضار إناء آخر.»
تنهدت الخادمة بضيق، وكأن طلب الطفلة عبء لا يُحتمل.
«يا لها من فتاة مدللة...»
لم تكمل جملتها حتى رفعت أديلين الإناء النحاسي وألقته باتجاهها، فتراجعت الخادمة بفزع بينما تناثر الماء على ملابسها.
ساد الصمت للحظات.
حدقت الخادمة في أديلين بصدمة، غير مصدقة أن طفلة في مثل عمرها تجرأت على فعل ذلك.
أما أديلين، فلم يتغير تعبير وجهها.
قالت ببرود:
«أعيدي ما قلته. أحضري إناءً آخر.»
اشتعل الغضب في عيني الخادمة، لكنها لم ترغب في إثارة مشكلة أمام الآخرين، فالتقطت الإناء وغادرت الغرفة وهي تتمتم بكلمات غاضبة.
انتظرت أديلين بهدوء.
وبعد فترة قصيرة، عادت الخادمة تحمل إناءً نحاسيًا آخر، بدا أنه لم يختلف عن سابقه في شيء. كان الماء بداخله باردًا، ولم يكن نظيفًا أيضًا.
نظرت أديلين إليه، ثم رفعت عينيها نحو الخادمة.
«هل تظنين أنني لم ألاحظ ما فعلتِ؟»
«هذا هو المتاح، إن لم يعجبكِ فلا أستطيع فعل شيء.»
لم تجبها أديلين.
أمسكت الإناء وألقته بعيدًا عنها، فتناثر الماء مرة أخرى.
هذه المرة لم تتمالك الخادمة أعصابها، وصرخت بصوت مرتفع:
«ما الذي تظنين نفسكِ فاعلة أيتها الصغيرة؟!»
رفعت أديلين رأسها ببطء ونظرت إليها بنظرة حادة جعلت الخادمة تتوقف عن الكلام.
ثم قالت بصوت هادئ، لكنه حمل نبرة آمرة:
«من أنتِ حتى ترفعي صوتكِ عليّ؟»
لم تجب الخادمة.
تابعت أديلين وهي تحافظ على هدوئها:
«قد أكون ابنة غير شرعية، لكنني ما زلت ابنة الدوق. أما أنتِ، فأنتِ خادمة تعملين في هذا المنزل. لا تنسي مكانتكِ.»
شعرت الخادمة وكأن الكلمات قد صفعتها. فقد كانت تتوقع أن تبكي الطفلة أو تتوسل إليها، ولم تتخيل أن تواجهها بهذه الطريقة.
خفضت رأسها على مضض.
«أعتذر، سيدتي الصغيرة.»
«لا أريد اعتذاركِ. أريد أن تؤدي عملكِ كما ينبغي.»
أجابت الخادمة بصوت منخفض:
«حاضر.»
هذه المرة غادرت الغرفة وعادت بعد دقائق تحمل إناءً فضيًا أنيقًا، يتصاعد من مائه الدافئ بخار خفيف، وتطفو على سطحه بتلات الورد العطرة.
وضعت الإناء أمام أديلين بعناية، ثم بدأت تجهز المنشفة.
غسلت أديلين وجهها بهدوء، مستمتعة بدفء الماء ورائحة الورد الخفيفة.
لم تكن تريد افتعال المشكلات، لكنها أدركت أن التساهل مع الآخرين منذ البداية سيجعلهم يعتقدون أنها فريسة سهلة.
بعد انتهائها، ساعدتها الخادمة في ارتداء ملابسها، وهي تتجنب النظر مباشرة إلى عينيها.
اختارت أديلين فستانًا أنيقًا يناسب طفلة من عائلة دوقية، ثم رتبت الخادمة شعرها البني الطويل وربطته بشريط مناسب.
وقفت أديلين أمام المرآة للحظات.
انعكست صورتها الصغيرة أمامها؛ وجه طفولي، وعينان زرقاوان هادئتان، وملامح لم تتغير كثيرًا عما تتذكره.
لكن ما بداخلها كان مختلفًا تمامًا.
في حياتها السابقة، كانت تتمنى أن ينظر إليها أفراد هذه العائلة باعتبارها واحدة منهم.
أما الآن، فلم تعد تنتظر منهم شيئًا.
«لن أكرر أخطاء الماضي.»
قالتها بصوت خافت، ثم استدارت وغادرت الغرفة.
قادتها الخادمة عبر ممرات القصر الواسعة حتى وصلتا إلى قاعة الطعام. كانت القاعة فخمة، تتوسطها طاولة طويلة تحيط بها مقاعد مزخرفة، وتزين الجدران لوحات لأفراد العائلة.
كان الدوق يجلس في صدر الطاولة، وإلى جانبه الدوقة، بينما جلس الأبناء الثلاثة في أماكنهم المخصصة.
توقفت أديلين عند المدخل للحظة، ثم تقدمت بخطوات هادئة وجلست على المقعد المخصص لها.
رفع الدوق عينيه نحوها، ونظر إلى الساعة المعلقة على الجدار قبل أن يسأل بلهجة جافة:
«لماذا تأخرتِ؟»
فتحت أديلين فمها لتجيبه، لكنها لم تحصل على الفرصة.
فقد وضعت الدوقة فنجانها على الطاولة، ثم قالت بسخرية واضحة:
«ربما لا يعرف الأطفال القذرون أمثالها شيئًا عن آداب المائدة أو احترام المواعيد.»
ساد صمت قصير في القاعة.
لم تتغير ملامح أديلين، لكنها شعرت ببرودة مألوفة تسري في صدرها.
كانت تلك الكلمات من أولى الإهانات التي تلقتها عند دخولها هذا المنزل في حياتها السابقة.
وفي ذلك اليوم، لم تعرف كيف ترد عليها.
أما الآن، فقد كانت تعرف تمامًا من تكون المرأة التي تجلس أمامها.
الدوقة التي لم تعتبرها يومًا فردًا من عائلتها.
وقبل أن تتمكن أديلين من الرد، فُتح باب القاعة فجأة.
دخلت طفلة صغيرة ذات ملامح جميلة وشعر مرتب بعناية، وكانت ترتدي فستانًا أنيقًا يناسب مكانتها.
كانت فيولت، الأخت الصغرى لأديلين.
قالت بصوت رقيق وهي تقترب من الطاولة:
«أعتذر عن تأخري.»
تغير تعبير الدوقة فورًا، واختفت السخرية من وجهها لتحل محلها ابتسامة حنونة.
«لا بأس يا عزيزتي، تعالي إلى هنا.»
اقتربت فيولت من والدتها، فاحتضنتها الدوقة وربتت على شعرها بحنان.
راقبت أديلين المشهد بصمت.
كم كان الفرق واضحًا!
في حياتها السابقة، كانت تشاهد تلك المعاملة بحسرة، وتتمنى لو تحصل على جزء صغير من ذلك الحنان.
أما الآن، فقد كانت تعرف أن عليها ألا تنخدع بالمظاهر.
بعد أن ابتعدت فيولت عن والدتها، وقعت عيناها على أديلين الجالسة في مكانها.
اتسعت ابتسامتها، ثم ركضت نحوها بحماس.
«أختي الكبرى!»
وقبل أن تتمكن أديلين من قول أي شيء، ألقت فيولت بذراعيها حولها وعانقتها.
«أنا سعيدة جدًا لأن لدي أختًا كبرى الآن! لطالما تمنيت أن يكون لدي أخت!»
كانت كلماتها مليئة بالبراءة، وصوتها دافئًا إلى درجة تجعل أي شخص يصدق أنها سعيدة حقًا.
ابتسمت الدوقة وهي تنظر إليهما.
«انظري يا أديلين، فيولت سعيدة جدًا بوجودكِ. آمل أن تتعاملي معها جيدًا.»
أما الدوق، فقد اكتفى بمراقبة المشهد دون تعليق.
خفضت أديلين عينيها نحو الطفلة التي تعانقها.
كانت تتذكر هذا العناق جيدًا.
تتذكر كيف شعرت بالسعادة في المرة الأولى، وكيف اعتقدت أنها وجدت أخيرًا شخصًا من هذه العائلة يمكنها أن تحبه ويحبها بالمقابل.
وتتذكر أيضًا كيف انتهى كل شيء.
فيولت لم تكن أختًا محبة كما ظنت، بل كانت تعرف كيف ترتدي قناع البراءة بإتقان.
ومع ذلك، لم تُظهر أديلين أي شيء مما يدور في داخلها.
رفعت يديها بهدوء ووضعت إحداهما على ظهر فيولت، ثم قالت بصوت لطيف:
«وأنا سعيدة بلقائكِ أيضًا، فيولت.»
ابتعدت فيولت قليلًا، ونظرت إليها بعينين لامعتين.
«حقًا؟»
«بالطبع.»
ابتسمت فيولت بسعادة، ثم عادت إلى مقعدها بجوار والدتها.
أما أديلين، فعادت بنظرها إلى طبقها.
لا بأس يا فيولت... يمكنكِ الاستمرار في التظاهر كما تشائين.
لكن هذه المرة لن أكون الأخت الساذجة التي تثق بكل كلمة تقولينها.
رفعت كأس الماء إلى شفتيها، بينما كانت تستمع إلى أحاديث أفراد العائلة.
لم يكن أحد منهم يحاول إشراكها في الحديث، ولم يبدُ أن أحدًا يهتم بمعرفة رأيها أو مشاعرها.
لكن ذلك لم يعد يزعجها.
فهي لم تعد هنا لتكسب محبتهم.
كان عليها أولًا أن تفهم وضعها الحالي، وتتعرف إلى حدود قوتها السحرية، ثم تبدأ في تنفيذ خطتها بهدوء.
لقد عادت إلى اليوم الذي دخلت فيه هذه الدوقية للمرة الأولى.
وهذه المرة، لن تسمح لأحد بأن يحدد مستقبلها نيابة عنها.
سأعيش هذه الحياة كما أريد، ولن أكون أداة في أيديكم مرة أخرى.
يتبع....