3
الفصل الثالث:
انتهى الإفطار أخيرًا، وغادر أفراد العائلة قاعة الطعام واحدًا تلو الآخر.
كانت أديلين قد أنهت وجبتها بهدوء، ولم تحاول الدخول في أي حديث لم تكن مدعوة إليه. أما فيولت، فقد بقيت بجانب الدوقة تتحدث معها بحماس، وكأن وجود أختها الكبرى لم يعد يشغلها بعد أن حصلت على ما تريده من الاهتمام.
وقبل أن تغادر أديلين القاعة، أوقفها صوت الدوق.
«أديلين، انتظري.»
توقفت واستدارت نحوه.
كان الدوق ينظر إليها بملامح جادة، ثم قال:
«ستذهبين بعد قليل إلى غرفة التدريب السحري. أريد من أحد السحرة أن يفحص قدراتك.»
أومأت أديلين برأسها.
«حسنًا، أيها الدوق.»
لم يكن من الصعب عليها نطق هذا اللقب، بل كان أكثر ملاءمة للعلاقة التي تربطهما في نظرها.
في حياتها السابقة، كانت تناديه أحيانًا بأبي، على أمل أن يشعر يومًا بأنها ابنته. لكنها لم تعد تلك الطفلة التي تنتظر منه كلمة حنان.
قال الدوق قبل أن يغادر:
«أُحضرتِ إلى هنا بسبب موهبتك السحرية. لا أريد أن يكون هناك أي خطأ في التقييم. أريد معرفة مقدار المانا التي تمتلكينها، ومدى قدرتك على التحكم بها.»
«مفهوم، أيها الدوق.»
غادر الدوق القاعة، بينما نهضت أديلين وتوجهت نحو الممر المؤدي إلى غرفتها.
وفي أثناء سيرها، سمعت صوتًا صغيرًا يناديها.
«أختي الكبرى!»
التفتت لتجد فيولت تقترب منها بخطوات سريعة.
ابتسمت الطفلة وقالت:
«هل ستذهبين إلى غرفة التدريب؟»
«نعم.»
«سمعت أن لديكِ موهبة سحرية كبيرة! هذا رائع! أتمنى أن أكون موهوبة مثلكِ عندما أكبر.»
ابتسمت أديلين ابتسامة خفيفة.
«أتمنى أن تحصلي على ما تتمنينه.»
أمسكت فيولت بيدها، ثم قالت بنبرة متحمسة:
«سأذهب معكِ! أريد أن أشاهد الاختبار.»
نظرت أديلين إلى يدها الصغيرة التي تمسك بيدها، ثم رفعت عينيها نحو وجهها.
كانت فيولت تتصرف كما لو أنهما أختان مقربتان منذ سنوات، رغم أنهما لم تلتقيا إلا منذ وقت قصير.
«إذا سمحوا لكِ بالدخول، فلا بأس.»
ضحكت فيولت بسعادة.
«أنتِ لطيفة جدًا يا أختي!»
لم تجبها أديلين، واكتفت بمتابعة سيرها.
بعد فترة، وصلت إلى غرفة التدريب السحري برفقة فيولت.
كانت الغرفة واسعة، ذات أرضية حجرية وجدران مزينة برموز سحرية قديمة. وفي وسطها وُضعت عدة أدوات مخصصة لقياس المانا واختبار التحكم السحري.
كان هناك رجل في منتصف العمر يرتدي رداءً أزرق داكنًا، وعلى صدره شعار الدوقية. بدا أنه أحد السحرة المسؤولين عن تدريب أفراد العائلة.
انحنى قليلًا عندما دخلت أديلين.
«سيدتي الصغيرة أديلين، أنا الساحر المسؤول عن فحص قدراتك اليوم.»
أومأت برأسها.
«تشرفت بلقائك.»
نظر إليها الرجل باهتمام، ثم أشار إلى بلورة شفافة موضوعة فوق قاعدة حجرية.
«سنبدأ بقياس كمية المانا التي تمتلكينها. ضعي يدكِ على البلورة، وحاولي تركيز المانا في راحة يدكِ.»
تقدمت أديلين نحو البلورة.
كانت تعرف هذا الاختبار جيدًا، فقد خضعت له مرات عديدة في حياتها السابقة.
وضعت يدها فوق سطح البلورة وأغمضت عينيها.
بدأت المانا تتجمع في جسدها، ثم انتقلت تدريجيًا نحو يدها.
بعد لحظات، أضاءت البلورة بضوء أزرق خافت، ثم ازدادت إضاءتها شيئًا فشيئًا.
اتسعت عينا الساحر.
«هذا...»
استمر الضوء في الازدياد حتى ملأ البلورة بأكملها، وظهرت خطوط مضيئة داخلها.
لم يكن ذلك أمرًا عاديًا بالنسبة لطفلة في الثامنة من عمرها.
رفع الساحر رأسه ونظر إلى أديلين بدهشة.
«كمية المانا لديكِ هائلة! لم أتوقع أن تمتلك طفلة في عمركِ هذا القدر.»
كانت فيولت تراقب المشهد بإعجاب.
«أختي الكبرى مذهلة!»
أما أديلين، فكانت هادئة.
كما توقعت. كمية المانا لم تتغير كثيرًا عن حياتي السابقة.
سحب الساحر نفسًا عميقًا، ثم طلب منها الانتقال إلى الاختبار التالي.
«والآن، سنختبر قدرتكِ على التحكم بالمانا. حاولي تكوين كرة صغيرة من الطاقة السحرية فوق يدكِ، وحافظي على ثباتها.»
رفعت أديلين يدها.
تجمعت المانا فوق راحة يدها، وبدأت تتشكل على هيئة كرة صغيرة زرقاء اللون.
كانت الكرة مستقرة، دون اهتزاز أو تسرب واضح للطاقة.
راقبها الساحر بعناية، ثم قال:
«تحكم جيد جدًا بالنسبة لعمركِ. يبدو أنكِ تدربتِ على استخدام السحر من قبل.»
نظرت إليه أديلين للحظة، ثم أجابت بنبرة هادئة:
«هذه أول مرة أستخدم فيها السحر أمام شخص آخر. لم أتدرب على السحر من قبل.»
رفع الساحر حاجبيه بدهشة.
«لم تتدربي من قبل؟ هل أنتِ متأكدة؟»
«نعم، أيها الساحر. لم يعلمني أحد كيفية استخدام السحر.»
ظل الرجل ينظر إليها للحظات، ثم عاد ببصره إلى الكرة السحرية التي كانت لا تزال مستقرة فوق يدها.
«هذا أمر غير عادي على الإطلاق. أن تتمكن طفلة لم تتلقَّ أي تدريب من التحكم بالمانا بهذه الدقة... موهبتكِ استثنائية حقًا.»
خفضت أديلين يدها، فتلاشت الكرة السحرية تدريجيًا.
بالطبع لن أخبرك بالحقيقة.
لا يمكنني أن أخبر أحدًا أنني عشت حياة كاملة من قبل، وأنني تعلمت السحر لسنوات طويلة.
من الأفضل أن يعتقد الجميع أن ما أملكه مجرد موهبة فطرية.
أنهت الاختبار، ثم أشار الساحر إليها بالجلوس.
بدأ يدوّن النتائج في ورقة أمامه.
«كمية المانا لديكِ استثنائية، وقدرتكِ على التحكم بها جيدة جدًا، رغم أنكِ لم تتلقي أي تدريب. إذا واصلتِ التعلم والتدريب، فمن الممكن أن تصبحي ساحرة قوية للغاية.»
ثم أضاف بعد لحظة:
«سأرفع تقريرًا مفصلًا إلى الدوق.»
أومأت أديلين.
«شكرًا لك.»
غادر الساحر الغرفة بعد أن انتهى من تدوين النتائج، وبقيت أديلين مع فيولت.
اقتربت منها أختها الصغرى وأمسكت بيدها مرة أخرى.
«أختي، هل يمكنكِ أن تعلّميني السحر يومًا ما؟ أريد أن أصبح قوية مثلكِ!»
نظرت أديلين إليها.
«إذا تعلمتِ الأساسيات جيدًا، فستتمكنين من ذلك.»
«حقًا؟ سأكون سعيدة جدًا!»
ابتسمت فيولت، ثم عادت لتتحدث بحماس عن الأشياء التي تريد تعلمها.
استمعت أديلين إليها دون أن تقاطعها.
لكنها كانت تفكر في أمر آخر.
لقد حصلتُ على اهتمام الدوق بسبب موهبتي، وهذا يعني أنهم سيحاولون استغلالها بأكبر قدر ممكن.
كانت تعرف ما سيحدث لاحقًا.
في حياتها السابقة، كان الدوق يطلب منها استخدام المانا في مهام مختلفة، وكانت توافق دائمًا، معتقدة أن ذلك سيساعدها على كسب ثقته.
ومع مرور السنوات، أصبح استخدامها لقوتها أمرًا مفروغًا منه، حتى نسوا أنها ابنة تحتاج إلى الراحة والرعاية مثل بقية الأطفال.
هذه المرة لن أسمح بذلك.
لم تكن تنوي إخفاء موهبتها تمامًا، فهذا سيجعل وجودها داخل الدوقية بلا قيمة في نظرهم، وقد يثير الشكوك حولها.
لكنها لن تكشف كل ما تستطيع فعله، ولن تسمح لهم بمعرفة حدود قوتها الحقيقية.
ستتعلم، وتتدرب، وتطور سحرها بعيدًا عن أعينهم قدر الإمكان.
وفي الوقت نفسه، ستبدأ في دراسة هذا العالم من جديد، وتستغل ذكرياتها السابقة لصالحها.
فهي لم تعد تلك الطفلة التي كانت تعتقد أن محبتهم هي أعظم مكافأة يمكن أن تحصل عليها.
عندما عادت أديلين إلى غرفتها، أغلقت الباب وجلست أمام النافذة.
نظرت إلى الحدائق الواسعة التابعة للدوقية، ثم رفعت يدها قليلًا.
ظهرت فوق راحة يدها كرة صغيرة من المانا، تلألأت بلون أزرق هادئ.
تأملتها للحظات قبل أن تغلق أصابعها، فتلاشت الطاقة السحرية.
«حان الوقت لأبدأ من جديد.»
لم تكن لديها أموال، ولا نفوذ، ولا أشخاص تثق بهم.
لكنها امتلكت شيئًا لم يكن لدى الآخرين.
ذكريات حياة كاملة، ومعرفة بالأشياء التي لم تحدث بعد.
وهذه المرة، ستستخدم كل ما لديها لتبني مستقبلًا لا يستطيع أحد انتزاعه منها.
يتبع....