1
الفصل الأول:
كانت الزنزانة باردة ومظلمة، ولم يكن يُسمع فيها سوى صوت قطرات الماء المتساقطة من السقف بين الحين والآخر.
جلست فتاة شابة على الأرض الحجرية، مستندة إلى الجدار، بينما كانت خصلات شعرها البني الطويل مبعثرة حول وجهها الشاحب. أما عيناها الزرقاوان، اللتان كانتا تلمعان دائمًا بالحيوية، فقد فقدتا بريقهما تمامًا.
كانت أديلين.
الابنة غير الشرعية لدوق إحدى أقوى العائلات الأرستقراطية في الإمبراطورية.
الفتاة التي قضت سنوات تحاول أن تصبح فردًا حقيقيًا من عائلتها.
والآن، كانت سجينة تنتظر تنفيذ حكمها بتهمة تسميم أختها الصغرى.
أغمضت أديلين عينيها للحظة، محاولة استيعاب ما حدث.
كيف وصلت الأمور إلى هذه النهاية؟
قبل أيام قليلة، اتُّهمت بمحاولة تسميم أختها الصغرى، وقد وُجدت أدلة كافية لإدانتها. قُدمت الشهادات ضدها، وعُثر على أشياء تدينها، وحتى الأشخاص الذين كانت تظن أنهم يعرفونها جيدًا لم يدافعوا عنها.
أما والدها، الدوق، فقد أصدر حكمه دون أن يمنحها فرصة حقيقية للدفاع عن نفسها.
وإخوتها الثلاثة لم يفعلوا شيئًا.
لم يتبقَّ لها أحد.
ومع ذلك، كان هناك شخص واحد لا تزال أديلين تتشبث بالأمل في أن يفهمها.
أختها الصغرى، فيوليت.
الشخص الذي أحبته منذ اللحظة التي دخلت فيها القصر، والذي كانت تتمنى دائمًا أن تجمعها به علاقة أخوية حقيقية.
فجأة، سمعت صوت خطوات تقترب من الزنزانة.
رفعت رأسها ببطء.
توقفت الخطوات أمام الباب الحديدي، ثم فُتح الباب بعد لحظات.
دخلت فتاة ترتدي فستانًا أنيقًا بلون أزرق فاتح، وشعرها مرتب بعناية، وعلى وجهها ابتسامة رقيقة اعتادت أديلين رؤيتها طوال السنوات الماضية.
كانت فيوليت.
اتسعت عينا أديلين قليلًا، وحاولت النهوض رغم ضعفها.
«أنتِ... جئتِ لرؤيتي؟»
لم تجب فيوليت مباشرة، بل طلبت من الحارس الخروج، ثم اقتربت من أديلين بخطوات هادئة.
نظرت إليها أديلين بأمل.
«أرجوكِ، يجب أن تصدقيني. أنا لم أحاول تسميمكِ، أقسم لكِ أنني لم أفعل ذلك! لا أعرف من وضع تلك الأشياء في غرفتي، ولا أعرف لماذا يتهمونني... لكنني لم أحاول إيذاءكِ أبدًا.»
كانت كلماتها متعثرة، وصوتها يرتجف.
«أنتِ تعرفينني، أليس كذلك؟ لقد كنت دائمًا إلى جانبكِ. حتى عندما تجاهلني الجميع، كنت أحاول التقرب منكِ. لا يمكن أن تصدقي أنني سأفعل شيئًا كهذا لكِ...»
ساد الصمت للحظات.
ثم ابتسمت فيوليت.
لكنها لم تكن الابتسامة اللطيفة التي عرفتها أديلين.
كانت ابتسامة مختلفة تمامًا.
ابتسامة جعلت قلب أديلين ينقبض دون أن تفهم السبب.
قالت فيوليت بهدوء:
«يا لكِ من حمقاء.»
تجمدت أديلين في مكانها.
«ماذا...؟»
ضحكت فيوليت بخفة، ثم انحنت قليلًا لتنظر مباشرة إلى عينيها.
«هل كنتِ تعتقدين حقًا أنني أحبكِ؟»
لم تستطع أديلين الرد.
تابعت فيوليت، وقد اختفت تمامًا ملامح اللطف عن وجهها:
«أنتِ غبية أكثر مما تخيلت. طوال هذه السنوات كنتِ تتبعينني كجرو صغير، وتصدقين كل كلمة أقولها لكِ. هل ظننتِ أن ابتساماتي كانت حقيقية؟»
شعرت أديلين وكأن الأرض اختفت من تحت قدميها.
كل الذكريات التي جمعتها بأختها عادت إلى ذهنها دفعة واحدة.
الابتسامات.
الكلمات اللطيفة.
الوعود.
اللحظات التي كانت تظن فيها أنها وجدت أخيرًا شخصًا يحبها.
كل ذلك كان مجرد تمثيل.
همست أديلين بصوت بالكاد يُسمع:
«لماذا...؟»
اعتدلت فيوليت، وأخرجت قارورة صغيرة من حقيبتها.
«لأن وجودكِ كان مزعجًا. فتاة غير شرعية تظهر فجأة في عائلتنا، وتمتلك موهبة سحرية جعلت الجميع يهتمون بها. لم يكن من الممكن أن أسمح لكِ بأخذ مكاني.»
نظرت أديلين إلى القارورة، ثم رفعت عينيها إليها.
«لكنني لم أرد أخذ مكانكِ... كنت أريد فقط أن نكون عائلة.»
للحظة، لم تجب فيوليت.
ثم أطلقت ضحكة قصيرة.
«وهذا ما جعلكِ مثيرة للشفقة.»
اقتربت منها، وأجبرتها على تناول السم من القارورة.
«موتكِ أفضل لكِ على أي حال. لن يفتقدكِ أحد هنا.»
ابتعدت عنها، ثم نظرت إليها نظرة أخيرة قبل أن تغادر الزنزانة.
«وداعًا، أختي العزيزة.»
أُغلق الباب الحديدي مجددًا.
بقيت أديلين وحدها.
بدأ وعيها يتلاشى تدريجيًا، وأصبحت الأصوات من حولها بعيدة وغير واضحة.
لم تكن خائفة بقدر ما كانت مصدومة.
لقد قضت حياتها تحاول أن تكون ابنة جيدة، وأختًا محبة، وفردًا يستحق الانتماء إلى عائلته.
تخلت عن كبريائها مرات لا تُحصى، وتغاضت عن الإهانات، وقبلت الإهمال، وظلت تبحث عن ذرة من المودة.
لكن في النهاية، ماذا حصلت؟
لم تحصل على عائلة.
لم تحصل على الحب.
ولم تحصل حتى على فرصة لتعيش حياتها كما أرادت.
تساقطت دمعة على خدها.
«لو... أتيحت لي فرصة أخرى...»
أغمضت عينيها.
«لن أكرر الأمر نفسه.»
«لن أطلب حبكم مرة أخرى...»
«ولن أسامحكم.»
ثم خيم الظلام على كل شيء.
---
«آنسة أديلين... آنسة أديلين؟»
صوت امرأة يناديها.
فتحت أديلين عينيها ببطء.
كان أول ما رأته سقفًا أبيض مزخرفًا بثريات ذهبية، ثم شعرت بنعومة الفراش الذي تستلقي عليه.
لم يكن هذا سقف الزنزانة.
ولم تكن هذه الأرضية الحجرية الباردة.
جلست فجأة، ونظرت حولها بذهول.
كانت الغرفة واسعة وأنيقة، تحتوي على أثاث فاخر وستائر حريرية، وعلى طاولة صغيرة وُضعت باقة من الزهور البيضاء.
«ما هذا المكان...؟»
نظرت إلى يديها.
كانتا صغيرتين.
صغيرتين للغاية.
رفعت يديها إلى وجهها، ثم لمست شعرها البني الطويل.
تسارعت أنفاسها.
لا يمكن أن يكون هذا حقيقيًا.
قفزت من السرير واتجهت نحو المرآة الكبيرة الموجودة في زاوية الغرفة.
توقفت أمامها.
انعكست في المرآة صورة طفلة صغيرة ذات شعر بني وعينين زرقاوين.
وجه تعرفه جيدًا.
وجهها عندما كانت في الثامنة من عمرها.
اتسعت عيناها.
«أنا... عدت؟»
نظرت إلى انعكاسها طويلًا، ثم التفتت نحو التقويم الموضوع فوق الطاولة.
كان التاريخ هو اليوم الذي دخلت فيه دوقية عائلة والدها لأول مرة.
اليوم الذي قابلت فيه الدوق والدوقة وإخوتها الثلاثة وأختها الصغرى فيوليت.
اليوم الذي بدأت فيه حياتها المأساوية.
لقد عادت إلى الماضي.
عادت إلى اليوم الذي كانت فيه لا تزال تملك فرصة لتغيير كل شيء.
جلست أديلين على حافة السرير، ووضعت يدها على صدرها.
كانت ذكريات حياتها السابقة واضحة تمامًا، حتى الكلمات الأخيرة التي سمعتها من فيوليت.
«يا لكِ من حمقاء.»
أغمضت عينيها للحظة.
في حياتها الأولى، كانت سعيدة للغاية عندما علمت أنها ستعيش مع عائلتها الحقيقية. ظنت أنها أخيرًا ستتخلص من حياة الفقر والحرمان، وأنها ستحصل على والد يحبها وإخوة يهتمون بها وأخت تشاركها أيامها.
لكنها كانت مخطئة.
هذه المرة، لن ترتكب الخطأ نفسه.
لن تتوسل إلى أحد ليحبها.
لن تثق بالابتسامات الجميلة.
ولن تسمح لأي شخص باستخدامها مجددًا.
فتحت عينيها، وقد اختفت الحيرة منهما، وحل محلها هدوء بارد.
«أديلين ماتت في حياتها السابقة.»
نظرت إلى المرآة مرة أخرى.
«أما هذه المرة... فسأعيش وفقًا لرغبتي.»
وفي أعماق عقلها، بدأت فكرة جديدة تتشكل.
إذا كانت ستعيش داخل هذه الدوقية مرة أخرى، فعليها أن تستفيد من كل ما تعلمته في حياتها السابقة.
يتبع ....