الفصل 6
الفصل 6
طوالَ طريقِ عودتي وأنا أسندُ إرمان المترنحَ إلى غرفتهِ، كنتُ أبحثُ بعيني عن أي شخصٍ يمدُ يدَ العونِ. تمنيتُ لو صادفنا حارسًا أو خادمًا ليعينني على حملهِ.
لكن تلكَ الآمالَ سرعانَ ما تلاشت.
فقد خلا طريقنا من المارةِ على نحوٍ مريبٍ، وكأن أحدهم قد كنسَ الممرَ ومسحَ أثرَ البشرِ منهُ مسبقًا.
وفي النهايةِ، نقلتُ إرمان بمفردي وبشقِ الأنفسِ دونَ أن أصادفَ أحدًا، ولم أتنفس الصعداءِ إلا بعدَ وصولنا إلى مخدعهِ حيثُ التقيتهُ أولَ مرةٍ.
جلسَ إرمان مستندًا إلى وسادةٍ عاليةٍ. وبجلوسهِ هكذا، بدا جسدهُ الضئيلُ أكثرَ نحافةً ووهنًا مما هو عليهِ.
لماذا ضربَ كالهوغ إرمان هكذا؟ وقبلَ ذلكَ، لماذا تصرفَ إرمان بتلكَ الطريقةِ؟
"لماذا فعلتَ ذلكَ؟"
أن يتخذَ رجلٌ في الثانيةِ والثلاثينَ من عمرهِ طفلًا في الثانيةِ عشرةَ درعًا لهُ، فهذا خزيٌ لا تبررهُ كلُ مسباتِ الأرضِ.
ومعَ ذلكَ، لم يتفوه إرمان بكلمةِ شكوى واحدةٍ رغمَ وجنتهِ المتورمةِ، بل اكتفى بقولهِ:
"أنتَ عطيةٌ منحني إياها جلالةُ الملكِ، ويجبُ علي أن أعتز بكَ وأحميكَ."
"لم يكن هناكَ داعٍ لذلكَ! فأنا على أيةِ حالٍ……"
أنا أستطيعُ ضبطَ إعداداتِ الشعورِ بالألمِ يا غبي! حتى لو تلقيتُ ضربةً أقوى من تلكَ لما شعرتُ بشيءٍ على الإطلاقِ! وهل أنتَ مثلي أصلًا؟ لستَ سوى طفلٍ في الثانيةِ عشرةَ!
كادت تلكَ الكلماتُ تنفجرُ من حلقي، لكنني ابتلعتها بصعوبةٍ في اللحظةِ الأخيرةِ.
"…… لا تكررها ثانيةً، لستَ مضطرًا للتدخلِ بهذا الشكلِ."
"إن تكررَ الأمرُ، فلا أظنني أستطيعُ أن أعدكَ بذلكَ."
"ولماذا تصرُ على هذا بحقِ السماءِ؟!"
"لأنكَ……"
ابتسمَ إرمان تبتلعُ ابتسامتهُ تنهيدةً خافتةً.
"لأنكَ أولُ صديقٍ أحظى بهِ في حياتي."
أيُ هراءٍ هذا؟
"صديقٌ؟"
وعندما أعدتُ الكلمةَ مستنكرًا، أشاحَ بوجهه نحو النافذةِ؛ نحو ذلكَ الضوءِ الشاحبِ الذي ما يزالُ يتسللُ من خلالِ المصاريعِ الخشبيةِ التي كساها الغبارُ لإهمالِ تنظيفها.
"إنها المرةُ الأولى التي ألتقي فيها بأحدٍ من أقراني داخلَ القصرِ."
"……."
"فلا يسعني مصادقةُ خدمِ البلاطِ هكذا، ورجالُ الملكِ يبتعدونَ عني دائمًا. لم أجد يومًا مَن أتبادلُ معهُ أطرافَ الحديثِ."
"……."
"لذا، عندما أتيتَ أنتَ، شكرتُ جلالةَ الملكِ من أعماقِ قلبي. وعرفتُ للمرةِ الأولى أن سؤالَ شخصٍ عن اسمهِ ومسقطِ رأسهِ قد يجعلُ القلبَ يرتجفُ هكذا."
"ألم يكن لديكَ صديقٌ واحدٌ طوالَ حياتكَ؟ ولا حتى شخصٌ واحدٌ؟ وسطَ كلِ هذا الحشدِ من الناسِ؟ حتى وأنا أنظفُ الممراتِ رأيتُ بوضوحٍ أطفالًا في مثلِ سننا تقريبًا—"
"الذينَ في القصرِ……"
قاطعني إرمان بنبرةٍ حازمةٍ:
"لا يرغبونَ في التقربِ مني أو مخالطتي."
كانَ يقينًا جازمًا لا يصدرُ عن طفلٍ في سنهِ.
لكنني لم أقوَ على نفي كلامهِ؛ فالمعلوماتُ التي استرقتها وبحثتُ عنها واستشعرتها كانت كافيةً ووافيةً. وإن كنتُ قد لاحظتُ ذلكَ في هذهِ الفترةِ القصيرةِ منذُ قدومي، فلا شك أن إرمان كانَ يعلمهُ ويدركهُ قبلي بكثيرٍ.
وهل يُلامُ المعنيُ بالأمرِ إن كانَ أدرى الناسِ بحالهِ؟
انعدامُ الخدمِ المخصصينَ لرعايتهِ.
الممراتُ الموحشةُ الخاليةُ.
المصاريعُ الخشبيةُ التي يغمرها الغبارُ.
الحراسةُ المتهاونةُ.
النظراتُ التي كانت تتفادى لقاءَ أعيننا ونحنُ نعبرُ الفناءَ.
وحتى الخدمُ الذينَ لا يجرؤونَ على إدارةِ ظهورهم لكالهوغ أو كادوين، يخرجونَ من عندِ إرمان بخطى متبخترةٍ دونَ أدنى اكتراثٍ.
إهمالٌ مقصودٌ وتجاهلٌ مبطنٌ. هكذا يُعاملُ مَن لا وجودَ لهُ بينَ كالهوغ وكادوين إلا لغرضٍ سياسيٍ بحتٍ.
لا بد أن إرمان عاشَ وحيدًا في خضمِ ذلكَ لوقتٍ طويلٍ؛ دونَ صديقٍ يفتحُ لهُ قلبهُ، ودونَ بالغٍ يرعاهُ، قابعًا في ظلالِ كونهِ ابنًا غيرَ شرعيٍ لكالهوغ ونصفَ أميرٍ مهملٍ.
لستُ أدري متى أُدخِلَ إلى قصرِ لويغريا، لكن الأمرَ استغرقَ منهُ دهرًا بالتأكيدِ حتى تمكنَ طفلٌ مثلهُ من النظرِ إلى واقعهِ بهذا التجردِ والبرودِ.
ولهذا استبشرَ فرحًا وتشبثَ بأولِ ندٍ لهُ في السنِ.
ولهذا لم يتردد في تجاوزِ حدهِ والمخاطرةِ بنفسهِ أمامَ كالهوغ.
ولما رآني صامتًا كالصنمِ، سارعَ إرمان بالاستدراكِ بلهفةٍ.
"لم يمضِ على تعارفنا سوى القليلِ، لذا قد يبدو حديثي هذا غريبًا عليكَ. أعتذرُ إن كنتُ قد حملتكَ عبئًا ثقيلًا. يمكنكَ تجاهلُ الأمرِ تمامًا؛ فأنا مَن تدخلَ بحماقةٍ ومن تلقاءِ نفسي……"
"إرمان."
أمسكتُ فجأةً بيدِ الصبيِ المسترخيةِ بإحكامٍ. يدٌ صغيرةٌ دافئةٌ، مكنتني رقعاتُ الأقطابِ من الإحساسِ بملمسها بدقةٍ.
"فلنكن صديقينِ."
"ألفيون؟"
اتسعت عينا إرمان الزرقاوانِ دهشةً.
حاولت يدهُ أن تنتفضَ، لكنني لم أبالِ وشددتُ على قبضتها بأقوى ما لدي.
"قلتُ لكَ فلنكن صديقينِ. أنا وأنتَ، سنصبحُ أصدقاءَ. لذا كف عن التحدثِ وكأنكَ حملتني عبئًا ثقيلًا رغماً عني."
"ألفيون……"
"فعلى حدِ علمي، وقوفُ المرءِ لحمايةِ صديقهِ هو أنبلُ وأشجعُ تصرفٍ على الإطلاقِ."
ألا يكفي أنكم تعاملونَ طفلًا بهذا الصغرِ بجفاءٍ وتجعلوهُ يتوجسُ من كلِ حركةٍ، حتى تتمادوا في ضربهِ بكلِ وقاحةٍ؟! والجميعُ يغضُ الطرفَ ويتظاهرُ بالعمى؟!
أهذهِ دولةٌ بحقِ الجحيمِ؟ أهذا بلدٌ أصلًا؟! هذا اعتداءٌ سافرٌ على الطفولةِ أيها الأوغادُ! أألقى مطورُ اللعبةِ بضميرهِ وأخلاقهِ في مجرى القاذوراتِ؟!
حدقتُ في عيني إرمان ونطقتُ بكلِ حرفٍ بوضوحٍ وثباتٍ:
"سأكونُ أنا صديقكَ. لذا، لن تكونَ وحيدًا بعدَ اليومِ."
"…… أحقًا ما تقولُ؟"
"أجل، ولن أذهبَ إلى أي مكانٍ، أبدًا."
تبًا لكلِ شيءٍ! ألم تقل تلكَ الجنيةُ إنني لا أستطيعُ مغادرةَ هذا البلدِ حتى تنتهي القصةُ أو مرحلةُ التدريبِ؟ حسنًا إذًا، سأنفذ مهماتي وأنا بجوارِ إرمان.
ظل إرمان ينقلُ نظراتهِ الحائرةَ بينَ يدي ووجهي، وما إن استشعرَ صدقي حتى أخذت ملامحهُ تشرقُ بضياءٍ دافئٍ يفيضُ بالبشرِ.
ذلكَ الأميرُ الذي كانَ وقورًا وجادًا لدرجةٍ تجعلكَ تنسى أنهُ طفلٌ، ها هو يبتسمُ ابتسامةً عفويةً أسقطت كلَ حواجزهِ، في مشهدٍ أراهُ للمرةِ الأولى.
"شكرًا لكَ…… يا ألفيون."
بصوتٍ طفوليٍ خافتٍ وخجولٍ شكرني، فشددتُ على يدهِ وأنا أعقدُ العزمَ في قرارةِ نفسي.
إرمان، أقسمُ أنني سأجعلكَ تنجحُ وتعتلي القمةَ حتمًا.
「مهمةُ قصةِ ألفيون:
قوةُ الأوغام (قيدُ التنفيذِ)
قوةُ أحرفِ الأوغام لا حدودَ لها. استخدم هذهِ القوةَ في موضعها الصحيحِ. طبّق مهارةَ الأوغام لمنحِ تعزيزٍ (بَف) للهدفِ. (0/1)」
[ * * * ]
* * *
"…… جايون، عروقُ عينيكَ محتقنةٌ بالدماءِ بالكاملِ. لا تقل لي إنكَ قضيتَ الليلَ بطولهِ تلعبُ تلكَ اللعبةِ؟ هل أنتَ بخيرٍ؟"
"لا شأنَ لكَ. فمكتبُ فريقِ أخبارِ التقنيةِ والألعابِ مهجورٌ ولا يأتيهِ أحدٌ على أيةِ حالٍ، ولو نمتُ هناكَ فلن يلومني أحدٌ."
"حتى لو نُقلتَ تعسفيًا، فهل يجوزُ أن تهملَ نفسكَ هكذا؟ أخشى أن أكونَ قد أثقلتُ عليكَ بالبلاغِ. هل أطلبُ من رئيسِ القسمِ أن يعفيكَ؟"
"كفى، ما بالك تتصرفُ مثلَ تلكَ الشخصيةِ البرمجيةِ؟ تصرفاتكَ تثيرُ القشعريرةَ."
"شخصيةٌ برمجيةٌ؟ أي شخصيةٍ؟ أتقصدُ تلكَ الشخصيةَ الجديرةَ بالثناءِ التي حدثتني عنها؟ أأنا أشبهها؟"
"كلا! ابتعد عني، لا تقترب! اغرب عن وجهي!"
يومُ الجمعةِ، في منطقةِ التدخينِ قبيلَ استراحةِ الغداءِ مباشرةً.
اخترتُ هذا التوقيتَ عمدًا لخلوِ المكانِ؛ إذ خرجَ الجميعُ لتناولِ الطعامِ أو لحضورِ اجتماعاتِ الغداءِ. وما إن أرسلتُ لهوانغ هيونسوك رسالةً حتى هرعَ إلي وصارَ يتصرفُ هكذا.
دفعتُ جبهتهُ بيدي وأنا أبعدهُ بانزعاجٍ وهو يحاولُ تفحصَ عيني عن قربٍ.
"سأتدبرُ أمري بنفسي، كف عن التدخلِ! دعنا من هذا، مَن صاحبُ ذلكَ البلاغِ؟ وكيفَ وصلَ إلينا أصلًا؟ هل جاءَ عبرَ مكتبِ التحريرِ؟ أم عبرَ بريدِ البلاغاتِ؟ هل تملكُ رقمَ اتصالٍ بهِ؟ أعطني إياهُ إن وُجِدَ، أي رقمٍ أو وسيلةِ تواصلٍ."
"آه، بخصوصِ ذلكَ."
تراجعَ هوانغ هيونسوك بملامحَ محرجةٍ عاقدًا حاجبيهِ.
"في الحقيقةِ، لا أعلمُ تفاصيلَ كثيرةً."
"…… لا تعلمُ؟ ألم يأتِ البلاغُ عبرَ القنواتِ الرسميةِ؟"
"لا أظنُ ذلكَ. سمعتُ همسًا عابرًا يفيدُ بأنهُ جاءَ من معارفِ معارفِ أحدِ موظفي الشركةِ أو شيءٍ من هذا القبيلِ. لكنني لستُ متأكدًا من التفاصيلِ؛ فكلُ ما في الأمرِ أنني أخذتُ وحدةَ الـ USB من رئيسِ القسمِ وأعطيتكَ إياها."
"أتعني أنكَ تجهلُ حتى هويةَ صاحبِ البلاغِ؟"
"السريةُ هي المبدأُ المتبعُ عادةً كما تعلمُ. سأحاولُ استدراجَ رئيسِ القسمِ في الحديثِ لأسألهُ على أيةِ حالٍ. ولكن هل تنوي التواصلَ معهُ حقًا؟"
"بالتأكيدِ. اطلعتُ على محتوى الـ USB والمعلوماتُ شحيحةٌ للغايةِ. بياناتُ المفقودينَ يمكنُ لأي شخصٍ استخراجها بقليلٍ من البحثِ، وما جلبهُ صاحبُ البلاغِ لا يتعدى كونَ لعبةِ 'سجلات بريغانتس' قاسمًا مشتركًا بينهم."
وبصراحةٍ، حتى أنا بمقدوري تلفيقُ مثلِ تلكَ البياناتِ دونَ أي صلةٍ بالأمرِ. وما دامت المعلوماتُ هزيلةً إلى هذا الحدِ، فالتواصلُ معَ صاحبِ البلاغِ أمرٌ حتميٌ.
"أريدُ معرفةَ ما إن كانَ صاحبُ البلاغِ من عائلاتِ الضحايا، أم أن لديهِ ضغينةً شخصيةً وخسائرَ تكبدها بسببِ غولدريش غيمز. علي التحققُ من هذهِ الأمورِ أولًا. فلعبُ اللعبةِ بمفردي دونَ هدى لن يوصلني لشيءٍ، ويجبُ أن أفهمَ خلفياتِ المفقودينَ وما يجمعهم على وجهِ الدقةِ."
"وجهةُ نظرٍ سليمةٌ. سأبحثُ في الأمرِ إذًا."
"حبذا لو كانَ ذلكَ قبلَ مساء اليومِ؛ فلا وقتَ لدي سوى في عطلةِ نهايةِ الأسبوعِ، والتحركُ للعملِ الميدانيِ أثناءَ ساعاتِ الدوامِ باتَ محرجًا في وضعي الحالي."
"فهمتُكَ. بالمناسبةِ، هل اكتشفتَ أي أمرٍ مريبٍ داخلَ اللعبةِ؟ كشعورٍ بالغثيانِ أو أي تأثيرٍ سيئٍ على صحتكَ؟"
أمرٌ مريبٌ وخطيرٌ؟
فكرتُ للحظةٍ ثم أجبتهُ بجديةٍ:
"ارتداءُ العدساتِ المتصلةِ لساعاتٍ طويلةٍ فاقمَ جفافَ عيني. إن كانَ هذا يُعدُ تأثيرًا سيئًا فهو كذلكَ."
"…… يبدو أنكَ ما زلتَ بكاملِ عافيتكَ إذًا، هذا مريح. خذ قسطًا من الراحةِ بينَ الحينِ والآخرِ تحسبًا لأي طارئٍ؛ لئلا ينتهي بكَ المطافُ مدمنًا كأولئكَ المفقودينَ."
"سأقطعُ يدي إن أدمنتُ على مثلِ هذهِ اللعبةِ البائسةِ الفاشلةِ."
أجبتهُ باستهزاءٍ، فربتَ هوانغ هيونسوك على كتفي مرتينِ ودلفَ إلى الداخلِ أولًا.
إدمانُ الألعابِ…… أرجو ألا تكونَ مجردَ قضيةِ هروبٍ جماعيٍ اتفقَ عليها ثلةٌ من المدمنينَ عبرَ الإنترنت. أرجوكَ يا رب، لا تجعلها كذلكَ.
* * *
بعدَ انتهاءِ العملِ.
وبينما كنتُ ألتهمُ وجبةَ عشاءٍ معلبةً من المتجرِ في منزلي المبعثرِ، رن هاتفي. كانَ الرقمُ غيرَ مسجلٍ، لكن محتوى الرسالةِ كانَ كافيًا لأعرفَ هويةَ الراسلِ.
[جايون. أنا والدكَ. كيفَ حالكَ؟ زوجتي ستخضعُ لعمليةٍ جراحيةٍ هذهِ الأيامِ، ولم نَرَ وجهكَ حتى……]
آه، تباً، يا لهُ من شعورٍ مقززٍ يفسدُ المزاجَ. يجدرُ بي حظرُ هذا الرقمِ تمامًا.
قلبتُ الهاتفَ على وجههِ وأغلقتُ شاشتهُ. وضعتُ رقعاتِ الأقطابِ باعتيادٍ وارتديتُ العدساتِ، لتطبقَ علي العتمةُ المألوفةُ.
وما إن انقشعتِ الظلمةُ حتى طالعني المشهدُ.
"ما بالكِ تصرخينَ هكذا؟ أهي المرةُ الأولى التي أتأخرُ فيها؟"
كانت الجنيةُ المتوهجةُ تحلقُ بانهيارٍ وذعرٍ أمامَ وجهي. ما هذا الصخبُ الذي يستقبلني فورَ دخولي؟
أخذتُ أحركُ رأسي يمنةً ويسرةً كمن يطردُ حشرةً طائرةً، فأمسكت تيتانيا بوجهي بكلتا يديها وصرخت:
ماذا؟
أولئكَ الأوغادُ مجددًا؟
تعتمدُ ألعابُ الواقعِ الافتراضيِ الشبيهةُ بـ 'سجلات بريغانتس' على نظامِ محاكاةٍ ذاتيِ التطورِ مدعومٍ بالذكاءِ الاصطناعيِ.
وبعبارةٍ أخرى، سواءٌ سجلَ اللاعبُ دخولهُ أم لا، فإن الشخصياتِ البرمجيةَ داخلَ اللعبةِ تستمرُ في التفكيرِ الذاتيِ ومعالجةِ الأحداثِ باستمرارٍ.
وكما هو الحالُ في جميعِ الألعابِ، فإن تدفقَ الوقتِ يختلفُ عن واقعنا؛ فساعتانِ في الحقيقةِ تعادلانِ ست إلى ثماني ساعاتٍ هنا، فضلًا عن تطبيقِ مضاعفِ تسريعِ الوقتِ أثناءَ تسجيلِ الخروجِ.
وماذا يعني كلُ ذلكَ؟
يعني أن غيابي عن اللعبةِ لمدةِ إحدى وعشرينَ ساعةً جعلَ إرمان يتركُ وحيدًا ومجردًا من أي حمايةٍ.
كززتُ على أسناني وأنا أركضُ خلفَ تيتانيا المحلقةِ.
كادوين اللعينةُ، ما الذي تنوينَ فعلهُ بإرمان هذهِ المرةَ بحقِ الجحيمِ؟!
تُرجِمَ ودُقِّـق مِـن قِبَـلِ سايـو وليـنو