الفصل 5
الفصل 5
"اخرسي قليلًا، لا أكادُ أسمعُ شيئًا."
لوحتُ بيدي لإبعادِ تيتانيا التي كانت تحلقُ حولي ببريقها المتلألئِ. لم يكن اهتمامي منصبًا عليها أو على مسحِ الأرضياتِ في هذهِ اللعبةِ، بل كانَ موجهًا بالكاملِ نحو الخدمِ الواقفينَ هناكَ.
مضى يومانِ بتوقيتِ اللعبةِ منذُ أن ألقى الخادمُ خرقةَ المسحِ في وجهي ومضى.
وبعدَ أن أنهيتُ تلكَ الأعمالَ الشاقةَ التي لم تكن مدرجةً حتى في نافذةِ المهماتِ، رحتُ أتعقبُ خدمَ القصرِ سرًا.
لم يكن التعقبُ صعبًا؛ فوجودي في القصرِ يكادُ يكونُ معدومَ الأثرِ. وبالنسبةِ لأولئكَ الناسِ، لستُ سوى عاميٍ التقطهُ كالهوغ ثم نسيهُ، لا أكثرَ ولا أقلَ.
ومن حسنِ الحظِ أن هذا التهميشَ مكنني من استراقِ السمعِ إلى أحاديثهم دونَ أن يحترسوا مني.
"…… ولهذا، بعدما قالَ جلالتهُ ذلكَ في النهايةِ……"
"لكن إن أرادا إنجابَ وريثٍ جديدٍ للعرشِ، فلا بد أن يبيتا في مخدعٍ واحدٍ، أليسَ كذلكَ؟"
"تمامًا، وتلكَ هي المعضلةُ. سمعتُ همسًا يفيدُ بأن جلالتهُ لا ينوي ذلكَ على الإطلاقِ، هذا ما يُشاعُ."
"ومَن قالَ هذا؟"
"الخادمُ المكلفُ بتدفئةِ الفراشِ؛ ذاكَ الذي يضعُ كيسَ الجلدِ الساخنَ كلَ ليلةٍ."
"إذًا فالأمرُ مؤكدٌ تقريبًا."
ما المؤكدُ؟ تركتُ تيتانيا تشدُ شعري وأرهفتُ سمعي أكثرَ.
"ألا يعودُ السببُ إلى السيفِ الذي لوحت بهِ الملكةُ كادوين سابقًا؟"
"ربما. فالشائعاتُ تقولُ إنهُ كانَ يحبُ والدةَ الأميرِ إرمان الحقيقيةِ، بدليلِ أنهُ جلبَ ابنهُ غيرَ الشرعيِ إلى هنا. لكنهُ اضطر للزواجِ من الملكةِ كادوين لحاجتهِ إليها في تثبيتِ عرشهِ."
"وماذا عن والدتهِ؟ أهي حيةٌ ترزقُ؟"
"أغلبُ الظنِ أنها ماتت، وإلا لكانت قد ظهرت، ولو كانت على قيدِ الحياةِ لجلبها جلالتهُ فورًا."
"معكَ حقٌ؛ فالمرأةُ التي تقعُ عليها عينا الملكةِ تُقتلعُ عيناها. حدثَ هذا قبلَ عامينِ، حينَ فقدت ثلاثُ نساءٍ أبصارهن—"
"صه! اخفض صوتكَ! أتدري كم عانينا لمسحِ الدماءِ التي تشربتها الأرضيةُ وقتها؟"
يبدو أن كادوين شنت حملةَ تطهيرٍ واسعةً ضدَ محظياتِ كالهوغ سابقًا. ولكن اقتلاعُ الأعينِ؟ أي انحدارٍ أخلاقيٍ يسودُ هذا المكانَ؟
"ولهذا تعجزُ الملكةُ عن طردِ الأميرِ في نهايةِ المطافِ؛ فمعَ غيابِ وريثٍ لها واستمرارِ الملكِ في نزواتهِ، لا أحدَ يدري متى يظهرُ ابنٌ غيرُ شرعيٍ آخرُ."
"أن يبقى طفلٌ مطيعٌ يراقبُ الأجواءَ بحذرٍ خيرٌ من غيرهِ، خصوصًا وأنهُ بلا أمٍ. مَن يدري؟ لو دخلَ طفلٌ آخرُ فقد تستغلُ أمهُ ذلكَ لـ……"
"فلنكف عن هذا الحديثِ، لئلا يسمعنا أحدٌ."
"ومَن قد يسمعنا هنا؟ على أيةِ حالٍ، يا لسوءِ حظِ الأميرِ إرمان."
وحينَ علت نبراتُ أصواتهم، تراجعتُ ببطءٍ وتواريتُ داخلَ تجويفٍ جداريٍ. حبستُ أنفاسي حتى ابتعدوا، ثم زفرتُ بارتياحٍ.
"تيتانيا، سجلُ المحادثةِ."
تنهدت تيتانيا تنهيدةً عميقةً، لكنها أظهرت لي سجلَ حديثهم.
أخذتُ أنسخُ الحوارَ وأفرغهُ، مرتبًا كلَ ما جمعتهُ من معلوماتٍ عن إرمان داخلَ القصرِ حتى الآنَ.
وفي تلكَ الأثناءِ، جلستِ الجنيةُ الصغيرةُ فوقَ كتفي وراحت تتذمرُ.
"هذا أهمُ منها بكثيرٍ في الوقتِ الحاليِ."
توقفت أصابعي للحظةٍ. فمن الناحيةِ المنطقيةِ.
"لا…… لا يفيدُ في شيءٍ."
عجزتُ عن إجابتها وهي تسألُ بهذا الفضولِ البريءِ.
وحتى لو قلتُ لها: 'ألا تشعرينَ بالشفقةِ على طفلٍ لم يتجاوزِ الثانيةَ عشرةَ من عمرهِ؟'، فتيتانيا وإرمان كلاهما ذكاءٌ اصطناعيٌ، والأنظمةُ الذكيةُ لا تستنتجُ المشاعرَ ما لم تُبرمج عليها.
إنهُ تعاطفي الخاصُ وحدي؛ لستُ من لويغريا ولا ذكاءً اصطناعيًا داخلَ اللعبةِ، بل أنا قادمٌ من العالمِ الخارجيِ.
ولما عجزتُ عن الردِ فورًا، حلقت تيتانيا وهي تحاولُ جاهدةً إغلاقَ نافذةِ السجلِ وراحت تثرثرُ.
"ألا يمكنني المغادرةُ قبلَ إكمالِ مهمةِ القصةِ؟"
"فهمتُ، فكفي عن الطيرانِ حولي، لقد شتتِ تركيزي."
حدقتُ في النافذةِ متجاهلًا تيتانيا التي تشبثت بظهرِ يدي تصرخُ محتجةً.
معها حقٌ؛ فحتى لو أشفقتُ على إرمان، فلا حيلةَ لي لإنقاذهِ الآنَ. وبصراحةٍ، ما عساني أن أفعلَ ولستُ ساحرًا عظيمًا بعدُ؟ فأنا ما زلتُ أجدُ مشقةً حتى في تذكرِ أسماءَ مثلِ كادوين أو كالهوغ.
أغلقتُ نافذةَ السجلِ وتنفس الصعداءِ.
حسنًا، التعاطفُ شيءٌ والواقعُ شيءٌ آخرُ. إرمان يثيرُ الشفقةَ حقًا، لكن الأولويةَ للتحققِ من الشبهاتِ التي تحومُ حولَ اللعبةِ بناءً على البلاغِ المهمِ الذي أحملهُ……
"ألفيون؟"
"وااااه، اللعنةُ!"
"أ، أنا آسفٌ. يبدو أنني أفزعتكَ."
كادَ قلبي يقفزُ من حلقي إثرَ الصوتِ المفاجئِ الذي انبعثَ بجانبِ التجويفِ الجداريِ.
وقفَ إرمان في حيرةٍ واضعًا يدهُ على فمهِ.
"هل أنتَ بخيرٍ؟"
"بـ، بخير…… تقريبًا."
"لو علمتُ أنكَ ستفزعُ هكذا لأصدرتُ بعضَ الجلبةِ قبلَ الاقترابِ."
خرجتُ من التجويفِ مستندًا على يدِ إرمان، وألقيتُ نظرةً سريعةً على الرواقِ؛ وكما توقعتُ، كانَ خاليًا تمامًا دونَ أثرٍ لأي فارسٍ أو خادمٍ مرافقٍ لهُ.
من المحزنِ حقًا رؤيةُ أميرٍ مجردٍ من نفوذهِ بهذا الشكلِ البائسِ.
"ما خطبكَ؟ وما الذي أتى بكَ إلى هنا؟"
"سمعتُ أن جلالةَ الملكِ يطلبنا."
العزاءُ الوحيدُ هو أن إرمان يحظى ببعضِ الحظوةِ لدى كالهوغ.
فمهما بلغت كراهيةُ الملكةِ لهُ، يظلُ الملكُ أعلى سلطةً، وإن مس إرمان مكروهٌ فسيتولى كالهوغ حمايتهُ بلا شك.
فكرتُ في ذلكَ وسألتهُ بعفويةٍ:
"أكنتَ مارًا من هنا بالصدفةِ؟"
"كلا، جئتُ أبحثُ عنكَ تحديدًا."
"؟…… ألم تقل للتوِ إن الملكَ يطلبكَ؟"
"بلى، جلالةُ الملكِ كالهوغ طلبنا معًا؛ أنا وأنتَ."
ماذا؟
إرمان مفهومٌ، لكن لماذا يطلبني كالهوغ أنا؟
وبينما كنتُ أنظرُ إليهِ بارتيابٍ، انبثقت نافذةُ مهمةٍ جديدةٍ أمامَ ناظري.
「مهمةُ قصةِ ألفيون:
تعلمُ حروفِ الأوغام* (قيدُ التنفيذِ)
لتوقظَ قواكَ بوصفكَ ساحرًا عظيمًا وسليلًا للجنياتِ، لا غنى عن تعلمِ أحرفِ الأوغام. استجب لنداءِ ملكِ لويغريا واكتشف أسرارَ قوةِ الأوغام.」
*الأوغام (Ogham) هي أبجدية أيرلندية قديمة سادت في العصور الوسطى المبكرة (بين القرنين الرابع والسادس الميلادي)، وكانت تُستخدم لكتابة اللغة الأيرلندية البدائية والقديمة، وتُعرف أحياناً بـ "أبجدية الأشجار".
* * *
الفناءُ الداخليُ للقصرِ الملكيِ.
كانت المكانَ يعجُ بالجنودِ والخيولِ والحميرِ وعرباتِ الثيرانِ التي تتدفقُ دونَ انقطاعٍ، والزحامُ على أشدهِ. وبينما كنا نناورُ بينَ الجموعِ تفاديًا للاصطدامِ،
التفتَ نحونا كالهوغ، الواقفُ بجانبِ طاولةٍ خشبيةٍ غليظةٍ في الهواءِ الطلقِ محاطًا برجالِ بلاطهِ.
"جلالةَ الملكِ، ها قد لبينا نداءكَ."
"وصلتَ يا إرمان، وبرفقتكَ الخادمُ أيضًا. اقتربا إلى هنا."
أشارَ كالهوغ إلى لوحٍ حجريٍ أبيضَ سميكٍ وُضِعَ على الطاولةِ.
كانت شظاياه ذاتُ الحوافِ الحادةِ متناثرةً حولهُ وكأنهُ تحطمَ للتوِ، وتراوحت أحجامها بينَ حجمِ قبضةِ اليدِ وحجمِ وجهِ إنسانٍ.
وضعَ كالهوغ يديهِ خلفَ ظهرهِ وقالَ:
"ألفيون، هذا الحجرُ استُخرجَ من مسقطِ رأسكَ؛ إذ عثرَ عليهِ العمالُ أثناءَ حفرِ أساساتِ أسوارِ المدينةِ."
"نعم."
"في الأصلِ، يُفترضُ إلقاءُ هذهِ الحجارةِ في قاعِ البحرِ، لكن قيلَ لي إن كائناتٍ كالجنياتِ والشياطينِ تنشطُ كثيرًا في قريتكَ المسماةِ تينتاجيل. وأردتُ التأكدَ منكَ إن كانَ هذا اللوحُ إحدى حيلِ تلكَ المخلوقاتِ."
تينتاجيل. إذًا ذلكَ المكانُ الذي متُ فيهِ أولَ مرةٍ يُدعى تينتاجيل.
"إن كانت جنياتٍ أو شياطين……"
"مخلوقاتٌ تافهةٌ لا هم لها سوى العبثِ، رغمَ أن معظمها قد توارى في أعماقِ الغاباتِ الآنَ. هل تعرفُ شيئًا عن هذا؟ لا يهمُ إن كانت أساطيرَ أم مجردَ شائعاتٍ سمعتها."
مهما سألني، فلستُ أعلمُ شيئًا تقريبًا.
قد أجدُ ضالتي لو فتحتُ نافذةَ النظامِ وبحثتُ، لكن تحريكَ عيني يمنةً ويسرةً لاستدعاءِ النوافذِ أمامَ كالهوغ أمرٌ لا يصحُ الآنَ.
وعندما لاحظَ إرمان حيرتي، تدخلَ بلباقةٍ.
"يا صاحبَ الجلالةِ، هل حاولتم فك شفرةِ هذا اللوحِ؟"
"أجل، ولكن حتى علماءُ البلاطِ عجزوا عن قراءةِ الرموزِ المنقوشةِ عليهِ. أمرٌ يثيرُ العجبَ."
بالنظرِ إلى نبرةِ كالهوغ التهكميةِ، أراهنُ بيدي اليسرى على أن الأمرَ لم يكن 'مثيرًا للعجبِ' بقدرِ ما كانَ مثيرًا لغضبهِ.
ولا بد أنهُ وبخهم لقلةِ حيلتهم، بدليلِ أن بعضهم كانَ يطأطئُ رأسهُ خزيًا.
ورأيتُ أنهُ ليسَ من الحكمةِ أن أصرحَ بجهلي على الفورِ؛ فبعدَ تجربتي القاسيةِ معهُ فوقَ منصةِ الإعدامِ، أدركتُ أن مسايرتهُ هي الخيارُ الأسلمُ.
"سألقي نظرةً عليهِ."
ودونَ أدنى توقعٍ، التقطتُ شظيةً حجريةً صغيرةً متظاهرًا بتفحصها. أو بالأحرى، كنتُ أنوي التظاهرَ فقط، ولكن.
-رنين!
「عثرتَ على حروفِ الأوغام!:
الأوغامُ هي لغةٌ ورموزٌ تستخدمها كائناتٌ شتى وفي مقدمتها الجنياتُ. وأولئكَ الذينَ يستوعبونَ أشكالها وأسماءها والقوةَ الكامنةَ في كلِ رمزٍ، يُمنحونَ حقَ الاطلاعِ على الأسرارِ القديمةِ.」
「تعديلُ فئةِ الساحرِ العظيمِ (الدرويد*):
بصفتكَ هجينًا من سلالةِ الجنياتِ، فقد بلغت نسبةُ استيعابكَ للرونز، لغةِ الجنياتِ، 100%.」
「تم اكتسابُ المهارةِ - 'الأوغام'!」
*الدرويد هم كهنة، وحكماء، وسحرة انتموا إلى الشعوب الكلتية القديمة في غرب أوروبا، وخاصة في بلاد الغال (فرنسا حالياً)، وبريطانيا، وأيرلندا، وإسكتلندا.
أسفلَ نافذةِ الإرشادِ الشفافةِ، طفَت خدوشٌ باهطةٌ منقوشةٌ على شظايا الحجرِ، وأخذت خطوطٌ بيضاءُ متوهجةٌ تبرزُ معالمَ كلِ رمزٍ وتشتعلُ بوضوحٍ.
"أوه."
أفلتُ الشظيةَ من يدي دونَ قصدٍ.
ومعَ صوتِ ارتطامها الثقيلِ، تركزت علي أنظارُ الحاضرينَ حولَ الطاولةِ دفعةً واحدةً.
"هل تبينتَ شيئًا؟"
"هـ، هذا……"
بماذا أجيبهُ؟
لكن قبلَ أن أنطقَ، توالت الرناتُ وانبثقت نوافذُ النظامِ شبهُ الشفافةِ كإعلاناتٍ متطفلةٍ لا تتوقفُ.
-تن، تن، تن، تن، تن، تن، تن، تن!
「اكتشفتَ رمزَ 'بيه' لأولِ مرةٍ!」
「اكتشفتَ رمزَ 'تينيه' لأولِ مرةٍ!」
「اكتشفتَ رمزَ 'كيرت' لأولِ مرةٍ!」
「اكتشفتَ رمزَ 'ليس' لأولِ مرةٍ!」
「اكتشفتَ رمزَ 'أولم' لأولِ مرةٍ!」
「اكتشفتَ رمزَ 'إيداد' لأولِ مرةٍ!」
「اكتشفتَ رمزَ 'فيرن' لأولِ……」
اللعنةُ! ما كلُ هذا؟! اظهروا واحدًا تلو الآخرِ!
سارعت تيتانيا لمساعدتي في إغلاقِ النوافذِ بارتباكٍ، لكن سرعةَ انبثاقِ الشروحاتِ ونوافذِ المهاراتِ فاقت قدرتنا.
"هل تعرفُ شيئًا حقًا؟ أتقوى على قراءةِ هذا؟"
"في الواقعِ—"
"اصدقني القولَ! أتتجرأُ على التلاعبِ بي؟"
-تن، تن، تن، تن، تن، تن، تن، رنين!
"كلا، أقصدُ……"
تراكمت النوافذُ حتى كادت تحجبُ عني رؤيةَ الشخصياتِ تمامًا.
وحينَ تحولت نبرةُ كالهوغ إلى وعيدٍ وشيكٍ، تقدمَ إرمان خطوةً إلى الأمامِ نيابةً عني.
"يا صاحبَ الجلالةِ، أرجو ألا تستعجلَ ألفيون. إن أذنتَ لي، أودُ أن أحاولَ معهُ إعادةَ تجميعِ اللوحِ وفك شفرتهِ."
"—أنتَ يا إرمان؟"
"نعم؛ يبدو لي أن ألفيون قادرٌ على فهمِ ما يحويهِ اللوحُ، لكنهُ يجدُ مشقةً في صياغتهِ بما يلائمُ أصولَ البلاطِ. فضلًا عما بلغني من أنهُ لم يتعلمِ القراءةَ والكتابةَ بعدُ."
إرمان! يا لها من مساندةٍ رائعةٍ!
استغللتُ الوقتَ الذي كسبهُ لي إرمان، ورحتُ أتعاونُ معَ تيتانيا على إغلاقِ النوافذِ واحدةً تلو الأخرى بنشاطٍ.
قد يبدو تحريكُ عيني بجنونٍ هكذا مريبًا لمن يراني، لكن هل هذا وقتُ القلقِ بشأنِ المظاهرِ وكالهوغ يزفرُ كالثورِ الهائجِ في حلبةِ المصارعةِ؟
"أنتَ أميرُ لويغريا، ألا يجدرُ بكَ تركُ مثلِ هذهِ الأمورِ للعلماءِ؟"
"صغرُ سنِ ألفيون يجعلني أخشى أن يثقلَ على كاهلِ رجال بلاطكَ الموقرينَ دونَ طائلٍ. وبما أنهُ الهديةُ التي تفضلتَ بها علي، فأودُ أن أعهدَ بتعليمهِ لنفسي، ليكونَ عونًا لجلالتكم بكلِ إخلاصٍ. فامنحنا إذنكَ يا مولاي."
كانَ أسلوبًا في الحديثِ لا تشوبه شائبةٌ؛
إذ جمعَ بينَ الأدبِ الجمِ، والحرصِ على عدمِ جرحِ كبرياءِ كالهوغ عبرَ إظهارِ نقصنا وقلةِ حيلتنا عن عمدٍ.
ارتعشت شفتا كالهوغ من تحتِ لحيتهِ الكثةِ.
"…… لكَ ما أردتَ يا إرمان، فلا طاقةَ لي بعنادكَ."
"ممتنٌ لعطفكَ يا صاحبَ الجلالةِ."
انحنى إرمان تعظيمًا.
وبينما كنتُ أفكرُ في أن انحناءتهُ مفرطةٌ في التذللِ بالنسبةِ لأميرٍ يخاطبُ والدهُ.
-طاخ!
هوى كالهوغ بيدهِ.
كانت حركةً عابرةً كمن يطردُ ذبابةً،
لكن كفهُ كانت أضخمَ بكثيرٍ من أن يتحملها جسدُ فتى في الثانيةِ عشرةَ.
وما إن أغلقتُ نافذةَ النظامِ الأخيرةِ بصعوبةٍ حتى اصطدمَ بصري بذلكَ المشهدِ، فتجمدت الدماءُ في عروقي.
أنزلَ كالهوغ يدهُ؛ زالت حمرةُ الغضبِ عن وجههِ، لكن فكهُ ظل مطبقًا بقسوةٍ.
"إياكَ والتمادي في الغرورِ يا إرمان. أنا هو ملكُ لويغريا، والوريثُ الشرعيُ لأولتر، ولستُ ممن يقادونَ برغباتكَ."
ترنحَ إرمان بعدما سقطَ على الأرضِ، لكنهُ تحاملَ على نفسهِ وجثا على ركبةٍ واحدةٍ أمامَ كالهوغ.
ومن أسفلِ رأسهِ المنحني، قطرت دمعةُ دمٍ فوقَ ظلهِ.
"لقد أسأتُ التصرفَ بحماقتي."
"لا أحدَ يملكُ أن يملي علي أوامرهُ، حتى لو كنتَ وريثي. هل أدركتَ الآنَ عاقبةَ التطاولِ على هيبتي؟"
"شكرًا لكَ على هذا التأديبِ يا صاحبَ الجلالةِ."
"سأتجاوزُ عن الأمرِ لعلمي بإخلاصكَ. ابدآ بفك شفرةِ اللوحِ في أقربِ وقتٍ؛ فإن كانت نقوشًا كتبتها تلكَ الجنياتُ اللعينةُ، فعلينا استطلاعُ النبوءاتِ لنعلمَ إن كانت أسوارُ تينتاجيل ستنهارُ مجددًا أم لا."
استدارَ كالهوغ موليًا دبرهُ، فانتفخَ رداؤهُ الفرويُ بحركةٍ واسعةٍ.
تبعهُ رجالُ البلاطِ دونَ أن يلتفتَ أحدهم نحو إرمان، وبقينا نحنُ الاثنانِ وحدنا أمامَ الطاولةِ.
استعدتُ وعيي حينها وسارعتُ لإسنادِ إرمان وإنهضهِ، لكن زاويةَ فمهِ كانت قد تمزقت وبدأ خدهُ ينتفخُ باحمرارٍ مؤلمٍ.
كيفَ يحدثُ هذا؟
ألم يكن كالهوغ يعطفُ على إرمان بطريقتهِ الخاصةِ؟
ألم يكن يحملُ لهُ من الودِ ما دفعهُ لجلبهِ للقصرِ رغمَ أنهُ ابنٌ غيرُ شرعيٍ؟
عقدت هذهِ التطوراتُ غيرُ المتوقعةِ لساني، فلم أقوَ على استدعاءِ أحدٍ، ولا حتى على مسحِ الدمِ المتدفقِ من أنفِ الفتى.
مسحَ إرمان فمهُ بظهرِ يدهِ، وكانت عيناهُ الزرقاوانِ هادئتينِ تمامًا، وكأن ما جرى أمرٌ بديهيٌ لا مفرَ منهُ.
"سمو الأميرِ."
"جلالتهُ شديدُ الحساسيةِ في مثلِ هذهِ المواقفِ. الخطأُ خطئي أنا؛ فقد تجاوزتُ حدي واستحققتُ العقابَ، فلا تقلق."
بصقَ إرمان لعابًا ممزوجًا بالدمِ على الأرضِ بلا مبالاةٍ.
وكانَ السببُ الحقيقيُ وراءَ 'تجاوزه لحدهِ'، رغمَ علمهِ بما سيؤولُ إليهِ الأمرُ، في نهايةِ المطافِ……
「مهمةُ قصةِ ألفيون:
تعلمُ حروفِ الأوغام (مكتملة)
المكافأةُ ← 50 بنسًا」
…… هو أنا.
تُرجِمَ ودُقِّـق مِـن قِبَـلِ سايـو وليـنو