رئيس عائلة لونغ
بعد أسبوعين من السفر
كان الطريق إلى العاصمة الإمبراطورية طويلاً وشاقاً. عبروا ثلاث مقاطعات، وتوقفوا في عدة مدن على الطريق. شياو باي ، كانت وسيلة سفر سريعة، لكن حتى هي احتاجت للراحة بين الحين والآخر
في إحدى الليالي، بينما كانوا يتوقفون في غابة كثيفة على مشارف المقاطعة الثانية، جلس تشانغ يونغ وسو مينغ حول نار صغيرة، وظلال الأشجار الطويلة ترقص حولهما مع النسيم البارد.
"تشانغ يونغ." قال سو مينغ فجأة، وهو يقلب قطع الفحم في النار
"هم؟"
"هل تفكر فيها؟ في تشانغ شيو شان؟"
توقف تشانغ يونغ للحظة. السكين الذي كان ينظفه تجمد في يده للحظة، ثم عاد للحركة ببطء. "لماذا تسأل؟"
سو مينغ نظر إلى النار، ولهيبها يعكس بريقاً ذهبياً في عينيه. "لأنك لم تتحدث عنها منذ تركنا تلك القارة. ولا عن وانغ في. أبداً."
التفكير لا يغير شيئاً." قال تشانغ يونغ أخيراً، وصوته هادئ بشكل مخيف. "لقد اتخذت قراري. وانغ في مات بشرف. تشانغ شيو شان... بدأت حياة جديدة بدون ذكريات مؤلمة. هذا هو الأفضل للجميع."
"لكن ليس لك." قال سو مينغ بهدوء، وعيناه تثبتان عليه
تشانغ يونغ أدار وجهه نحو الظلام خارج دائرة الضوء. "أنا لست مهماً."
"هذا هراء." قاطعه سو مينغ بحدة غير متوقعة. "أنت تعلم أن هذا هراء. وانغ في ضحى بنفسه من أجلنا ، تشانغ شيو شان... لو كانت تعلم، لما أرادت أن تنساك. وأنت تعلم ذلك."
"سو مينغ" قال تشانغ يونغ للحظة قبل أن يتوقف و يبتسم بهدوء "بالنسبة لي ، الأمر لم يعد مهما ، بصدق ، لم أعد أرغب بذلك النوع من العلاقات و لا أعرف ما أرغب به حتى ، و لكن هناك شيء واحد مؤكد ، إن رغبت بالبقاء سأبقى ، و إن أردت المغادرة سأغادر"
بعد أسبوعين من السفر المتواصل، ظهرت أسوار العاصمة الإمبراطورية أخيراً في الأفق
كانت الجدران العملاقة تمتد كجبال من صنع البشر، ارتفاعها يفوق الخمسين متراً، وعرضها يسمح لعشر عربات بالمرور جنباً إلى جنب
فوق الأسوار، كانت أعلام الإمبراطورية الذهبية ترفرف بفخر في مهب الريح
شياو باي بدأت تخفض ارتفاعها تدريجياً، منزلقة بين السحب البيضاء الكثيفة التي كانت تحيط بالعاصمة كحجاب حريري.
"ها هي." همس سو مينغ بصوت خافت، وعيناه تتسعان قليلاً. "العاصمة الإمبراطورية... لم أرها من قبل"
تشانغ يونغ وقف إلى جانبه على ظهر شياو باي
، وعيناه الحمراوان تمسحان المشهد أمامه بتقييم سريع، و بدأ يحلل ما يراه لا إرادياً
تحتهم، كانت العاصمة تمتد ككائن حي عملاق. الأحياء السكنية كانت مصفوفة بنظام هندسي دقيق، الأسواق تزحمت بالناس رغم بعد المسافة، في قلب كل هذا، كان القصر الإمبراطوري يعلو كقمة جبل، سقفه المغطى بالبلاط الذهبي يعكس أشعة الشمس كمرآة عملاقة
"مثير للإعجاب." علق تشانغ يونغ باختصار، لكن عينيه كانتا تلمعان بتركيز حاد.
شياو باي حطت على منصة الهبوط المخصصة للزوار خارج أسوار المدينة. كان المكان مزدحماً بالفعل بعدة وسائل نقل أخرى - طيور عملاقة، سجاد طائر، وحتى عربات بواسطة وحوش من الدرجة الثالثة. كلها تحمل شعارات كبار المسؤولين
يبدو أننا لسنا الوحيدين الذين وصلوا مبكراً." علق سو مينغ وهو ينزل من على ظهر شياو باي، ويده تلامس السيف المعلق على خصره غريزياً
عند مدخل المدينة، كان الحرس الإمبراطوري في أتم الاستعداد. رجال ونساء يرتدون دروعاً فضية لامعة، وجوههم جامدة كالحجر، وأعينهم تمسح كل قادم بتدقيق شديد
على رأسهم، وقف ضابط برتبة عقيد، عيناه الثاقبتان تثبتان على تشانغ يونغ وسو مينغ وهما يقتربان
"الاسم والغرض من الزيارة." قال الضابط بصوت رسمي بارد، دون أي مقدمات.
سو مينغ تقدم خطوة إلى الأمام، ومد يده ممسكاً برسالة مختومة بختم عائلة سو الذهبي. "سو مينغ، نجل عائلة سو الذهبية، مرفقاً بصديقي تشانغ يونغ. نحن هنا لحضور اجتماع العائلات الخمسة بناءً على الأمر الإمبراطوري."
عند سماع اسم "تشانغ يونغ"، تغيرت تعابير الحرس قليلاً. بعضهم تبادل النظرات بسرعة، وآخرون شدوا قبضتهم على أسلحتهم بقوة أكبر
الضابط نفسه، رغم محاولته إخفاء رد فعله، كانت عيناه قد اتسعتا للحظة قبل أن يعودتا إلى حجمهما الطبيعي
و لكنهم لم يجرؤوا على قول شيء ، كان تشانغ يونغ يرافق سو مينغ ، و قراره هذا يعني أنهم لا دخل لهم سواء أكانت الشائعات حقيقية أم لا
بعد كل شيء كان تشانغ يونغ متهما بكونه صاقلا شيطانيا ، و بكونه خان طائفته في الحرب ضد طائفة الربيع الشيطاني ، و لكن لو كان قد خان طائفته حقا ، و كان مزارعا شيطانيا ، هل كانت طائفته ستزال تقبل به حتى الآن؟
بالطبع لا ، فلو كان هذا صحيحا ، لكانت بالفعل تتم مطاردته
الضابط تنهد بهدوء، ثم أشار بيده للحرس أن يفسحوا الطريق. "مرحباً بكم في العاصمة، سيد سو مينغ، سيد تشانغ يونغ"
بعد أن اجتازوا بوابة المدينة، انفتحت أمامهم العاصمة الإمبراطورية بكل روعتها. الشوارع الواسعة كانت مرصوفة بحجارة بيضاء ناعمة، والمباني على جانبيها كانت تتجاوز العشرة طوابق في بعض المناطق، واجهاتها المزخرفة بالنقوش الذهبية تعكس ثروة ورفاهية لا توصف.
الناس في الشوارع كانوا من جميع الطبقات - تجار يبيعون بضائع نادرة، مزارعون يحملون محاصيل غريبة، وممارسون يتجولون على السيوف الطائرة ، الكل كان يبدو مشغولاً، والكل كان يبدو وكأنه يعرف إلى أين يتجه بالضبط
"المدينة مختلفة عما تخيلتها." قال سو مينغ بصوت خافت، وعيناه الذهبيتان تلمعان بدهشة طفولية وهو يتأمل الأبراج الشاهقة في الأفق. "إنها... أكبر. وأكثر ازدحاماً."
"بالتفكير في الأمر ، لم يسبق لي و أن رأيتك تستخدم سيفا طائرا ، سو مينغ؟" لم يستطع تشانغ يونغ سوى أن ينظر نحو سو مينغ بشك
نظر سو مينغ إلى تشانغ يونغ بتعبير محرج، ثم خدش مؤخرة رأسه ضاحكاً. "حسناً... في الحقيقة، لم أتعلم استخدام السيف الطائر ، كنت دائماً أعتمد على وسائل النقل الأخرى، أو على قدمي."
تشانغ يونغ رفع حاجباً واحداً بتساؤل، وعيناه الحمراوان تلمعان بسخرية خفيفة. "بعد كل هذه السنوات في التدريب ، ولم تتعلم حتى الطيران على السيف؟ مهارة يتعلمها اي مبتدأ دخل عالم السيد الكبير؟"
"الأمر ليس بهذه البساطة!" احتج سو مينغ، وخدوده احمرت قليلاً. "الطيران على السيف يتطلب تحكماً دقيقاً في الطاقة، وتوازناً خاصاً ، و أشعر بأن معلمي أيضا لم يكن يتقنه ، كان يتحاشى الأمر في ذلك الوقت ، بحجة أن فقط الضعفاء من يطيرون على السيف"
ضحك تشانغ يونغ بصوت خافت وهو يهز رأسه. "واو ، معلمك كان ذكيا، تمكن من اقناعك أن عدم تعلم الطيران على السيف علامة قوة."
"وماذا عنك؟" سأل سو مينغ بتحدٍ خفيف. "انت لست في موقف يخول لك أن تسخر مني"
تشانغ يونغ أدار وجهه نحو السماء، حيث كانت بعض الأشكال تندفع بسرعة فوق أسطح المباني. "أنا أفضل ألا أضيع طاقتي في مثل هذه الأمور. شياو باي أسرع من أي سيف طائر."
"بالطبع، لأنك تمتلك حيوانا أليفا من الدرجة الخامسة!" تمتم سو مينغ بحسد خفيف
سار الإثنان بهدوء نحو موقع القصر الإمبراطوري ، بعد كل شيء ، لم يتبقى سوى بعض الوقت على موعد بدأ التجمع
بعد ساعة من المشي عبر شوارع العاصمة المزدحمة، وصل تشانغ يونغ وسو مينغ أخيراً إلى بوابة القصر الإمبراطوري الشرقية. كانت البوابة عبارة عن قوس عملاق من اليشم الأبيض، منحوت عليه تنانين تتصارع مع طيور الفينيق، وعرشهما يعلو القوس كرمز للسلطة المطلقة.
الحرس هنا كان مختلفاً. لم يكونوا جنوداً عاديين، بل حراساً إمبراطوريين حقيقيين - كلهم في مستوى المبجل على الأقل، وقائدهم كان ينضح بهالة قوية خفيفة
دروعهم لم تكن فضية كحرس المدينة، بل ذهبية خالصة، تتلألأ تحت أشعة القمر كحراشف تنين أسطوري
"قف." قال القائد بصوت حاد، وعيناه الثاقبتان تمسحان تشانغ يونغ وسو مينغ بتقييم سريع. "يرجى توضيح الهوية"
سو مينغ مد يده بالرسالة المختومة بختم عائلة سو. القائد أخذها، وقلبها بين أصابعه ليدقق الختم، ثم أومأ برأسه
"سو مينغ من عائلة سو الذهبية... مسموح له بالدخول." ثم نظر إلى تشانغ يونغ، وعيناه ضاقتا قليلاً. "وهذا؟"
"تشانغ يونغ، صديقي ورفيقي." قال سو مينغ بثقة. "هو ضيفي الشخصي في هذا الاجتماع."
تردد القائد للحظة. من الواضح أن اسم تشانغ يونغ كان معروفاً لديه، وكذلك الشائعات المحيطة به. لكن في النهاية، أشار بيده للحرس أن يفسحوا الطريق
دخل الإثنان إلى القصر، وانفتحت أمامهما حدائق لا تُصدق. برك من الماء الفضي تتلألأ تحت الشمس، وأشجار من الكريستال تتمايل بهدوح مع النسيم، وزهور تتفتح بألوان الطيف السبعة
في الأفق، كانت قاعات القصر تعلو كجبال، سقفها الذهبي يعكس الضوء كمرآة عملاقة
مكان لا يصدق." همس سو مينغ، وعيناه تتسعان وهو يتأمل روعة المكان
بعد عبور ثلاث حدائق وأربعة ممرات، وصلوا أخيراً إلى فناء ضخم تحيط به أجنحة فاخرة. في وسطه، كانت نافورة ضخمة تنبض بالماء الفضي، وتماثيل من الذهب الخالص تصطف على جانبيها
"هذا هو فناء الضيوف المخصص للعائلات الذهبية." قال صوت من خلفهما
التفتا ليجدا خادماً يرتدي ثياباً حريرية زرقاء، ينحني بانحناءة عميقة. "سيد سو مينغ، سيد تشانغ يونغ، مرحباً بكما. الجناح الشرقي مخصص لعائلة سو. إذا تفضلتما..."
تبعه الخادم إلى الجناح الشرقي، الذي كان عبارة عن مجمع صغير بحديقته الخاصة وبركته ونوافيره. الغرف كانت فسيحة، مفروشة بأثاث من خشب الأرز العطري، ومزينة بلوحات لخطاطين مشهورين
"أرجوا من السادة أن يقوموا بتغيير ملابسهم لشيء أكثر رسمية لهذه المناسبة ، و أما بالنسبة للسيد تشانغ يونغ ، ففي حال حضورك كان هناك أحد الضيوف الذين يرغبون بمقابلتكم"
تبادل نظرة سريعة مع سو مينغ. عيناه الحمراوان أغلقتا للحظة ثم فتحتا، وفي نظراته شيء من الحذر المترافق مع فضول خفيف.
"من هو هذا الضيف؟" سأل تشانغ يونغ بصوت هادئ.
الخادم انحنى بانحناءة أعمق، وصوته أصبح أكثر احتراماً. "السيد لونغ آو تان ، لقد.طلب مني أن أبلغك بمقابلته فور وصولك"
عندما سمع تشانغ يونغ اسم "لونغ آو تان"، تجمد في مكانه للحظة. عيناه الحمراوان اتسعتا قليلاً، ثم عادتا إلى حجمهما الطبيعي، لكن في نظراته كان هناك شيء من الحذر العميق.
"لونغ آو تان؟" كرر الاسم بصوت هادئ، وكأنه يتذوقه. "لم أسمع هذا الاسم من قبل."
الخادم لم يرفع رأسه، وبقي منحنياً باحترام. "السيد لونغ آو تان هو رئيس عائلة لونغ الذهبية ، وهو أيضاً... والد السيدة لونغ يوليانغ."
سو مينغ أدار رأسه بسرعة نحو تشانغ يونغ، وعيناه تلمعان بدهشة واضحة. "والد لونغ يوليانغ؟ إنه يريد مقابلتك؟ الآن؟"
تشانغ يونغ ظل صامتاً للحظة، وعيناه الحمراوان تثبتان على الخادم المنحني أمامه. ثم تنهد بهدوء.
"أين هو الآن؟"
"السيد لونغ آو تان ينتظر في جناح الضيوف الغربي، سيد تشانغ يونغ. إذا تفضلت..."
تشانغ يونغ نظر إلى سو مينغ، الذي أومأ برأسه بتشجيع. ثم التفت مجدداً إلى الخادم
"خذني إليه."
اتبع تشانغ يونغ الخادم عبر ممرات القصر المتعرجة، تاركاً سو مينغ في الجناح الشرقي. كان المشوار قصيراً، لكنه بدا طويلاً مع كل خطوة. الأفكار تتزاحم في رأسه: لماذا يريد والد لونغ يوليانغ مقابلته؟ وماذا يعرف عنه؟ وما الذي يخطط له؟ ، كان تشانغ يونغ يحاول العثور على طريقة للفرار من الوضع ان أصبح خطيرا ، و لكن مؤكد أن لونغ آو تان لن يقدم على شيء مبالغ به في القصر
وصلوا أخيراً إلى جناح الضيوف الغربي، الذي كان مشابهاً للجناح الشرقي في فخامته، لكنه كان أكثر هدوءاً، وأقل إضاءة
الخادم فتح الباب الخشبي المنحوت بانحناءة، وأشار لتشانغ يونغ بالدخول. "السيد لونغ آو تان في الداخل. سأترككما."
دخل تشانغ يونغ الغرفة، وأغلق الباب خلفه بهدوء.
الغرفة كانت نصف مظلمة، أضاؤها خافتة من عدة فوانيس ورقية معلقة في الزوايا
في وسطها، وقف رجل في منتصف العمر، يرتدي رداءً رمادياً بسيطاً بشكل مفاجئ، دون أي زخارف أو شعارات تدل على مكانته.
كان لونغ آو تان طويل القامة، بملامح حادة تشبه ملامح ابنته إلى حد كبير، لكن عينيه كانتا مختلفتين - بدلاً من الدفء الذي كانت تحمله عينا لونغ يوليانغ، كانت عيناه باردة كالجليد
"تشانغ يونغ." قال الرجل بصوت عميق هادئ، دون مقدمات. "أخيراً، التقينا."
تشانغ يونغ انحنى انحناءة احترام، لكن عينيه الحمراوان بقيتا ثابتتين على الرجل، تدرسان كل حركة، كل وميض في عينيه. "سيد لونغ آو تان، يشرفني لقاؤك. لكني أتساءل... لماذا تريد مقابلتي؟"
حدق لونغ آو تان في تشانغ يونغ لفترة بتعبير بارد ، لقد كان حقا يكرهه!
مع تفعيل تشانغ يونغ لعيون الشيطان السماوي ، كان هناك نوع من الغمامة السوداء المحيطة بلونغ آو تان ، لقد كان ذلك الإستياء
بعد لحظة صمت ثقيل، تحرك لونغ آو تان فجأة، لم يرسم تشانغ يونغ أي حركة ظاهرة، لكن جسده توتر كالقوس المشدود، عيناه الحمراوان تلمعان بتركيز قاتل
لكن الرجل لم يهاجم. بدلاً من ذلك، قلب كفه وأخرج كأسين صغيرين من الخزف الأبيض، ووضعها على الطاولة الخشبية بينهما. ثم ملأهما بشاي يتصاعد منه بخار عطري
"اجلس." قال بصوت هادئ، مشيراً نحو المقعد المقابل له
تشانغ يونغ لم يتحرك للحظة. مستوى لونغ آو تان كان واضحا ، المرتبة الأولى من عالم ملك قتالي
كان واضحا ان وجوده بمفرده كان كافيا حتى ليبقي على عائلة لونغ صامدة
في مواجهة مباشرة، لم يكن لدى تشانغ يونغ أي فرصة مؤكدة للنصر ، اقصى خيار سيكون الموت المشترك
لكنه لم يكن هنا ليقاتل
جلس.
رفع لونغ آو تان كأسه، وأخذ رشفة صغيرة، وعيناه الباردتان تثبتان على تشانغ يونغ فوق حافة الكأس. ثم وضعه بهدوء
"يوليانغ تتحدث عنك كثيراً." قال الرجل فجأة، وصوته خالٍ من أي نبرة أبوية دافئة. "كثيراً جداً."
تشانغ يونغ لم يعلق. فقط بقي صامتاً، عيناه الحمراوان تثبتان على الرجل بثبات.
"لدرجة أنني بدأت أشعر بالقلق." تابع لونغ آو تان، وأصبعه يلمس حافة الكأس برفق. "ابنتي... ليست عادية. مستقبلها مرسوم منذ ولادتها ، لديها آفاق واعدة"
توقف للحظة، وعيناه الباردتان تلمعان بوميض خفي.
"ثم ظهرت أنت. مزارع من لا مكان، متهم بالمسار الشيطاني، ولا توجد لديك عائلة أو قبيلة أو حتى مستقبل واضح."
كلماته سقطت كالسهام، لكن تشانغ يونغ لم يتراجع. لم يغير تعبيره. فقط جلس هناك، كصخرة في وسط عاصفة.
"سيد لونغ." قال أخيراً، وصوته هادئ بشكل مخيف. "إذا كنت قد دعوتني هنا لتهديدني، فدعني أوفر عليك الوقت. أنا لا أنوي الزواج من ابنتك. ولا أنوي أن أكون جزءاً من أي تحالف عائلي. أنا هنا فقط لمرافقة صديقي، وبعد انتهاء الاجتماع، سأرحل."
لونغ آو تان رفع حاجباً واحداً ببطء. "هل تعتقد أن كلماتك كافية لطمأنتي؟"
في تلك اللحظة لمعت ابتسامة على شفتي تشانغ يونغ كما ظهر وميض بارد ، ثم استدار نحو لونغ آو تان ، لقد ظهرت خطة في ذهنه
"لما يرغب السيد لونغ في اتهامي ، طوال هذه الفترة ، لم ألمس ابنتك ، و أنا لم أتقدم لها حتى ، فهي من تلقاء نفسها أعلنت أني زوجها ، لم أوافق او أستغل الأمر ، و لكنك الآن تطلب مني تركها كما لو أني من يلاحقها"
وقف لونغ آو تان صامتًا للحظة، عيناه الباردتان تثبتان على تشانغ يونغ بتعبير لا يمكن قراءته
أصابعه توقفت عن لمس حافة الكأس، والغرفة بأكملها بدأت تضيق بالصمت الثقيل
"أنت جريء." قال أخيرًا، وصوته كان هادئًا بشكل مخيف. "أكثر مما توقعت."
تشانغ يونغ لم يتراجع. عيناه الحمراوان بقيتا ثابتتين، رغم أنه كان يدرك تمامًا أن الرجل الجالس أمامه يستطيع تدميره بلكمة واحدة ، أجل لقد تعامل مع مرتبة ملك من قبل ،و لكن ذلك الملك لم يكن بكامل قواه
أما هذا الذي أمامه الآن ، فقد كان في ذروة قوته
مستوى الملك القتالي لم يكن مجرد رقم - كان يعني القدرة على محو مقاطعة بأكملها من الوجود. لكن تشانغ يونغ راهن على شيء واحد: هذا القصر ليس مكانًا للقتال
"بالطبع أنا جريء ، أتميز بهذا منذ أني شاب ، و لكن ، دعني أسألك ، هل تظن ان مجرد كلمة لا كافية لإيقاف ابنتك عن ملاحقتي؟ انت لا تريد مني فجأة أن...أقبل تقدمها نحوي صحيح؟"
عندما سمع لونغ آو تان كلمات تشانغ يونغ الساخرة، تجمدت ملامحه الباردة للحظة. عيناه الضيقتان اتسعتا قليلاً، ثم عادتا إلى حالتهما الطبيعية، لكن في أعماقهما كان هناك وميض خفي من... الحيرة؟
"تقبل تقدمها؟" كرر لونغ آو تان الكلمات بصوت هادئ مخيف، وأصبعه بدأ ينقر على الطاولة الخشبية بنمط منتظم. "هل تعتقد أنني سأسمح بابنتي أن تتزوج من شخص مثلك؟"
تشانغ يونغ ابتسم ابتسامة خفيفة بالكاد تُرى، وعيناه الحمراوان تلمعان ببريق خطير. "إذاً، ما الذي تريده حقاً يا سيد لونغ؟ لقد دعوتني إلى هنا، وجلست أمامي، وهددتني ، لذلك إعذرني على وقاحتي ، لكنك تطلب مني خدمة و تنتظر مني أن أستمع؟ لنتفق على نقطة واحدة ، كل ما أحتاحه هو كلمة واحدة "أقبل" و فجأة ستجد نفسك بدون ابنة"
ساد صمت مميت في الغرفة بعد كلمات تشانغ يونغ. لونغ آو تان، الذي كان ينقر على الطاولة بنمط منتظم، توقفت أصابعه فجأة
عيناه الباردتان ضاقتا إلى شقين، والهالة المنبعثة منه ازدادت كثافة لدرجة أن الهواء حوله بدأ يتموج كسطح بحر هائج.
"أنت تهددني؟" همس لونغ آو تان بصوت خافت، وفي نبرته شيء من الدهشة أكثر من الغضب. " أمام وجهي؟"
""هذا غني منك ، سيد لونغ." قال تشانغ يونغ بهدوء، وهو يتكئ على ظهر كرسيه قليلاً، في حركة بدت وكأنها استرخاء لكنها كانت في الحقيقة تحضير للقفز في أي لحظة ، لقد حسب الأمر ، كان هناك حارسان خارجا ، الجدار من الورق كان يمكن كسره بسهولة من قبله ، اشعال النار في المكان اثناء الهروب كان خيارا ايضا
"أنا فقط واقعي ، أتظن أني سأقبل بدون أي فوائد؟"
"و انت تظن أن فقط بسبب وجودنا في القصر فلن أجرؤ على وضع يد عليك؟ فكر مجددا" كانت نبرة لونغ آو تان باردة
أظهر تشانغ يونغ ابتسامة باردة كما كان هناك عرق بارد أسفل ظهره "بالطبع لا ، أنا مدرك تماما لذلك ، رغم أني لا أريد الموت ،و لكني لا أخشاه كذلك ، و لكن بعد موتي ، كيف سيكون شعور ابنتك عندما تعلم بأنك قتلتني"
العرق البارد كان يتصبب على ظهر تشانغ يونغ، لكن وجهه بقي جامداً، ابتسامته الباردة لم تتزعزع. كان يعلم أنه يمشي على حافة الهاوية، أن أي خطأ قد يعني نهايته ، إحدى أوراقه الأخرى كانت حب الأب لابنته
"أنت..." قال لونغ آو تان أخيراً، وصوته كان هادئاً بشكل مخيف، "إما أنك شجاع جداً، أو أحمق جداً."
"ربما الاثنين معاً." رد تشانغ يونغ بهدوء.
لحظة أخرى من الصمت. ثم فجأة، انفجر لونغ آو تان ضاحكاً. لم تكن ضحكة دافئة، بل ضحكة جافة، حادة، كصوت تكسر الجليد تحت وطأة الربيع
"هاهاها! يا له من شاب!" هز الرجل رأسه، وعيناه الباردتان أصبحتا أقل حدة قليلاً. "لم ألتق بشخص تحدث معي بهذه الطريقة منذ سنوات طويلة."
ثم توقف عن الضحك فجأة، وعادت عيناه إلى برودهما المعتاد. "حسناً، سأكون مباشراً معك. لا أريد ابنتي أن ترتبط بك. لكنها عنيدة، أكثر مما تتصور. وقد أعلنت في وجهي أنها ستنتظرك حتى لو استغرق الأمر مئة عام."
تشانغ يونغ لم يعلق، فقط استمر في التحديق
"لذلك،" تابع لونغ آو تان، وأصبعه بدأ ينقر على الطاولة مجدداً، "أريد منك أن ترفضها بنفسك. بوضوح. بشكل قاطع. بطريقة تجعلها تفهم أنه لا أمل."
"مفهوم ، و لكن في المقابل ، لدي ثلاثة طلبات" قال تشانغ يونغ كما رفع ثلاثة أصابع"و لا تقلق ، إنها ليست شيئا مبالغ فيه كخيانة الإمبراطورية أو شيء كهذا"
تنهد لونغ آو تان بعمق، وعيناه الباردتان تثبتان على تشانغ يونغ بتعبير معقد. كان الرجل العجوز يحاول قراءة الشاب الجالس أمامه، لكن وجه تشانغ يونغ كان كالقناع الجامد، لا يظهر أي ضعف أو تردد.
"ثلاثة طلبات." كرر لونغ آو تان الكلمات ببطء، وكأنه يتذوقها. "أنت جريء بالفعل. حسناً، تكلم. لكن لا تجعلني أندم على عدم قتلي لك الآن."
تشانغ يونغ أزال إصبعه من على الطاولة، وجلس بشكل أكثر استقامة. عيناه الحمراوان تلمعان بتركيز شديد، وكأنه يزن كل كلمة قبل أن ينطق بها.
"الطلب الأول: أريدك أن توقع عقد إخلاء مسؤولية ، حينها ، بعد أن أرفض لونغ يوليانغ بشكل قاطع ، حتى لو هربت من المنزل ، أو قامت بأي كارثة من تلقاء نفسها ، فهذا ليس له دخل بي ، لن أتعامل مع نتائج طلبك"
لونغ آو تان ضحك ضحكة باردة، وعيناه تلمعان بخطر حقيقي هذه المرة. "أنت تتهمني بعدم تحمل مسؤولية أفعالي؟"
"لا." قال تشانغ يونغ بهدوء، "أنا فقط أحمي نفسي. أنت تعلم أفضل مني كيف سيكون رد فعل ابنتك عندما أرفضها علناً. قد تغضب، قد تفعل أشياء متهورة، وقد تلقي باللوم عليّ. أريد فقط أن أتأكد أنك لن تنقلب عليّ بعد أن أنفذ ما تطلبه."
لونغ آو تان صمت للحظة طويلة. أصابعه توقفت عن النقر على الطاولة، وعيناه الباردتان تثبتان على تشانغ يونغ بتقييم عميق.
ثم أومأ برأسه ببطء
"مقبول. ما هو الطلب الثاني؟"
"هيهي ، هنا حيث ستبدأ الأمور تصبح أكثر تشويقا" قال تشانغ يونغ بدون أي لمحة من ضبط النفس