نداء مفاجئ
في القارة الأخرى، في طائفة النجم الأرجواني، كان الجو هادئاً كعادته.
القمم الخمسة كانت مغطاة بطبقة خفيفة من الثلج الأبيض النقي، يتلألأ تحت ضوء القمر الفضي
أبنية الطائفة القديمة كانت مبعثرة على سفوح الجبل، نوافذها المضيئة تتألق كالنجوم في ليلة صافية
في منتصف السماء فتحت بوابة فراغية
توهجت دوامة الضوء الفضي للحظة، ثم انطلقت منها أربعة أشكال سقطت نحو الأرض بسرعة، قبل أن تعدل مسارها وتهبط بثبات على الثلوج الناعمة التي تغطي قمة السكينة
تشانغ يونغ كان أول من لامس الأرض. جسده المغطى بالضمادات البيضاء ترنح للحظة، وكاد يسقط لولا أن سو مينغ أمسك بذراعه بسرعة.
"يا رجل ، هذا النقل كان عنيفاً." همس سو مينغ بصوت خافت، وهو ينظر حوله بتعبير ممزوج بين الدهشة والحنين. "لكن... عدنا. أخيراً عدنا."
ليو يان وقفت بجانبهما، عيناها تمسحان المشهد أمامها
قمة الجبل المغطاة بالثلوج، أبنية الطائفة المنتشرة على السفوح، السماء الصافية المرصعة بالنجوم. كل شيء كان كما تم تركه ، على الرغم من أنهم غابوا لنحو السنة "من الرائع العودة الى المنزل!"
الثلوج الناعمة كانت تتساقط بخفة، تستقر على أكتافهم وشعرهم كندى الصباح. الجو كان هادئاً بشكل مخيف
سو مينغ أطلق زفيراً طويلاً، وابتسامة واسعة رسمت على وجهه رغم الإرهاق الواضح. "يجب أن نذهب لرؤية الباقين. تشينغ فينغ، و الشيخ غو... سيكونون في صدمة عندما يروننا."
ليو يان أومأت برأسها، وعيناها اظهرتا حنينا واضحا "نعم. لقد مر وقت طويل... سنة كاملة في تلك القارة. أتساءل كيف حال الجميع."
تشانغ يونغ وقف صامتاً، عيناه الحمراوان تحدقان في الأفق البعيد حيث كانت تلوح في الظلام معالم قمم الجبال الخمس. جسده المغطى بالضمادات كان لا يزال يرتجف من الإرهاق، لكن وقفته كانت ثابتة كالجبل
"هيا ، علينا إيجاد المعلم غو" قال تشانغ يونغ بهدوء
سارت المجموعة ببطء عبر الممرات الجبلية المغطاة بالثلوج. كانت خطواتهم تترك آثاراً عميقة في الثلج الناعم، لكن الرياح الخفيفة كانت تمحوها بسرعة وكأنها لم تكن
بعد حوالي نصف ساعة من المشي، وصلوا أخيراً إلى سفح قمة السكينة ، ثم بخطوات سريعة كانوا قد صعدوا بهدوء و توجهوا نحو غرفة المعلم
وقف تشانغ يونغ أمام الباب الخشبي القديم للحظة، عيناه الحمراوان تثبتان على النقوش البسيطة المنحوتة على الخشب. رفع يده المغطاة بالضمادات ببطء، وطرق الباب ثلاث طرقات خفيفة
صمت
ثم سمعوا صوتاً من الداخل، صوتاً عميقاً هادئاً لم ينسوه رغم مرور سنة كاملة.
"تشينغ فينغ متى ستتوقف عن إزعاجي في منتصف الليل؟"
فتح الباب الخشبي القديم ببطء، وكشف عن وجه مألوف، الشيخ غو وقف هناك ، و هذه المرة كان يبدو أكبر ، حيث كان يبدو كشاب في الثامنة عشر من عمره بالفعل أو أكثر و بدأت اللحية تنبت على وجهه
انحنى الأربعة فورا "هؤلاء التلاميذ الوقحون يحيون معلمهم"
نظر الشيخ غو إلى الأربعة المنحنين أمامه، وعيناه الهادئتان تلمعان بوميض خافت من الدهشة والفرح المكبوت. للحظة طويلة، لم ينطق بكلمة، فقط وقف هناك يتأمل وجوههم المتعبة والمغطاة بآثار المعارك
"هاهاها! أيها التلاميذ الوقحون!" صرخ الشيخ غو بصوت عميق، وهو يمد يديه ليرفعهم واحداً تلو الآخر. "لقد عدتم أخيراً! سنة كاملة! سنة كاملة بدون أي خبر! كدت أعتقد أنكم هلكتم في رحلتكم المجنونة تلك!...لكن أين وانغ في؟"
ساد صمت ثقيل في الغرفة للحظة. تبادلوا النظرات بسرعة، وجوههم تغيرت بتعبيرات معقدة.
تشانغ يونغ كان أول من رفع رأسه، عيناه الحمراوان التقتا بعيني الشيخ غو الهادئتين بثبات. "أيها المعلم، وانغ في... لم يعد معنا."
الشيخ غو توقف للحظة، عيناه الهادئتان اتسعتا قليلاً، ثم عادتا إلى حجمهما الطبيعي. لم يظهر على وجهه الكثير من الانفعال، لكن من عرفوه جيداً كان بإمكانهم ملاحظة الوميض الخافت من الألم في أعماق عينيه
لقد كان وانغ في تلميذه الأول الذي قبله ،و كان يحمل له تطلعات عالية ، لقد كان حقا مثاليا ، لقد كان مسؤولا و لطيفا مع طباع ممتازة
ساد صمت طويل في الغرفة بعد كلمات تشانغ يونغ. الشيخ غو وقف هناك، عيناه الهادئتان تحدقان في الفراغ للحظة طويلة، ثم تنهد بعمق.
تقدم خطوة نحو تشانغ يونغ، ووضع يده على كتفه برفق. "أخبرني. ماذا حدث؟"
تشانغ يونغ رفع رأسه، عيناه الحمراوان التقتا بعيني الشيخ غو بثبات، وفي صوته نبرة هادئة
ثم تحدث تشانغ يونغ و أخبره عما حدث ، حتى عن حقيقة القارة الأخرى ، الشيخ غو لم يكن شخصا غريبا ، بل اهلا للثقة و بالتالي كان من حقه أن يعرف
الشيخ غو صمت للحظة طويلة، ثم أومأ برأسه ببطء. "مات بشرف... هذا يليق به." ثم نظر إلى المجموعة الأربعة بتفحص، عيناه الهادئتان تلمعان باهتمام. "لكن يبدو أن رحلتكم كانت أكثر من مجرد سنة في قارة أخرى ، لقد تطورتم جيدا ، يمكنك الذهاب للراحة ، تشانغ يونغ من الأفضل أن ترتاح كذلك ، على ما يبدو أنك مصاب"
رد تشانغ يونغ بخفة "أيها المعلم، أنا بخير. جسدي يتعافى ببطء."
الشيخ غو ضحك ضحكة خفيفة، وعيناه الهادئتان تلمعان بتقدير واضح. "أيها التلميذ الوقح، أنت دائماً تقول أنك بخير حتى وأنت على وشك الموت. لكن هذه المرة..." توقف للحظة، وأشار نحو الأريكة الحجرية في زاوية الغرفة. "اجلس. سأفحصك بنفسي."
تشانغ يونغ تردد للحظة، ثم أطاع وجلس على الأريكة الحجرية الباردة. الشيخ غو اقترب منه، ووضع يده على كتفه، وأغمض عينيه للحظة.
مرت ثوانٍ قليلة، ثم فتح الشيخ غو عينيه مجدداً، وفي نظراته شيء من الدهشة الحقيقية "جسدك يصبح أصلب فأصلب مع الوقت...على أية حال جسدك منهك و يحتاج الى علاج نفسه بشكل طبيعي ، يمكنك الذهاب الى مسكنك للراحة الآن ، هناك أشياء سأتحدث معكم بشأنها يا رفاق بعد أن ترتاحوا جيدا"
تنهد تشانغ يونغ بارتياح خفي، ثم نهض من الأريكة الحجرية ببطء
في الخارج، كان الليل لا يزال عميقاً، والثلوج الناعمة تتساقط بخفة على قمم الجبال الخمسة
عندما وصل تشانغ يونغ إلى باب مسكنه البسيط، توقف للحظة. كان المكان كما تركه تماما، - غرفة صغيرة متواضعة، سرير في الزاوية، وطاولة خشبية صغيرة بجانبه
دخل وأغلق الباب خلفه. جلس على السرير البارد، وأغمض عينيه
و بشكل لا يمكن التحكم به كان قد غفا ، كان عقله متعبا أكثر من جسده لدرجة أن حتى شياطين القلب بدت غير قادرة على دخول أذنيه
و قد استمر ذلك النوم لخمسة أيام كاملة
في اليوم السادس، عندما فتح تشانغ يونغ عينيه، كان أول ما رآه هو سقف الغرفة الخشبي البسيط. ضوء الشمس الخافت كان يتسلل عبر النافذة الصغيرة، راسماً خطوطاً ذهبية على الأرض
جلس ببطء، وشعر بجسده للمرة الأولى منذ فترة طويلة. الألم كان لا يزال موجوداً، لكنه أصبح خفيفا ، الضمادات البيضاء التي كانت تغطي جسده اختفت، تاركة مكانها جلداً جديداً ناعماً، خالياً من الندوب
نهض من السرير، ومد ذراعيه في تمرين بسيط. العظام صدرت صريراً خفيفاً، ثم استقرت. كان يشعر بأن جسده أصبح أخف، وأقوى، وأكثر تناغماً مما كان عليه من قبل
"ادخل."
فتح الباب، ودخل تشينغ فينغ بابتسامة عريضة على وجهه. "استيقظت أخيراً! خمسة أيام كاملة! كدنا نعتقد أنك لن تستيقظ أبداً!"
ابتسم تشانغ يونغ ابتسامة خفيفة، وهو ينظر إلى تشينغ فينغ الذي كان يقف عند الباب بذلك الوجه المألوف. "خمسة أيام فقط؟ ظننت أنها ستكون أطول."
تشينغ فينغ دخل الغرفة بخطوات سريعة، وربت على كتف تشانغ يونغ بقوة جعلته يتألم قليلاً. "هاها! تبدو بخير! هذا جيد ، تعال تعال ، سنذهب الى بيت اللوتس الأحمر لمشاهدة الرقص و الغناء!"
عندما سمع تشانغ يونغ كلمات تشينغ فينغ عن الذهاب إلى بيت اللوتس الأحمر لم يستطع سوى أن يشخر "آسف أخ تشينغ فينغ ، لست في المزاج لذلك"
نظر تشينغ فينغ نحو تشانغ يونغ قبل أن يطلق تنهيدة و يلف ذراعه حول عنقه "لقد سمعت عما حدث مع وانغ في ، ليس عليك أن تلوم نفسك ، لم يكن ذلك خطأك"
عندما سمع تشانغ يونغ كلمات تشينغ فينغ، توقف للحظة، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة بالكاد تُرى. "أنا لا ألوم نفسي، أخ تشينغ فينغ. فقط... أشعر بالتعب."
تشينغ فينغ نظر إليه بتعبير متفهم، ثم ربت على كتفه مجدداً، برفق هذه المرة. "أفهم. تعال، على الأقل تناول الطعام معنا. الجميع مجتمعون في قاعة الاجتماعات الصغيرة. حتى الشيخ غو سيحضر."
تشانغ يونغ أومأ برأسه ببطء، ثم نهض وتبع تشينغ فينغ خارج الغرفة
في قاعة التلاميذ الصغيرة، كان الجو دافئاً على غير العادة. نار موقدة في الزاوية كانت تشع بحرارة لطيفة تخترق برودة الجبل
على المائدة المستديرة، كانت الأطباق البسيطة تغطي معظم المساحة، ومعظمها من الأطعمة الجبلية التقليدية
سو مينغ كان جالساً بالفعل، وبجانبه ليو يان وليو يين. عندما رأوا تشانغ يونغ يدخل، توقفوا عن الحديث ونظروا إليه بتعبيرات مختلفة - ارتياح، فضول، واهتمام.
"أخيراً استيقظت!" صرخ سو مينغ بفرح، وهو يصفق بيديه. "تعال اجلس! لقد أعددنا طعاماً خاصاً بمناسبة عودتك إلى الحياة!"
تشانغ يونغ جلس في المقعد الفارغ بجانبهم، ونظر إلى الأطباق بتعبير هادئ. لم يكن جائعاً حقاً، لكنه أخذ قطعة من الخبز وبدأ يمضغ ببطء.
بعد لحظات، فُتح الباب ودخل الشيخ غو. كان لا يزال يبدو كشاب في الثامنة عشر، لكن عينيه الهادئتين كانتا تحملان عمقاً لا يمكن لأي شاب بلوغه. جلس في صدر المجلس، ونظر إلى الجميع بتفحص
لم يستطع تشينغ فينغ سوى التحديق فيه بتمعن ، على الرغم من انه بدا طبيعيا ، لكن الرجل العجوز كان محطم القلب من الداخل
كان الجميع كذلك ، و لكن لم يستطيع فقط اظهار الأمر
"جيد، أنتم جميعاً هنا." قال بصوته العميق الهادئ. "خلال السنة التي غبتم فيها، حدثت بعض التغييرات. ليست كبيرة، لكنها تستحق الذكر. أولاً، الطائفة نمت بشكل ملحوظ. عدد التلاميذ الجدد تضاعف ثلاث مرات تقريباً."
"ثلاث مرات؟" كرر سو مينغ بدهشة. "كيف حدث هذا؟"
الشيخ غو ابتسم ابتسامة خفيفة. "بفضل السمعة التي بنيتموها قبل رحيلكم ، عالم الحدود السماوية ،و النصر الذي تم تحقيقه على طائفة الربيع الشيطاني ، و بعض مآثركم في اجتماع مناقشة الداو ، كلها كانت عوامل تسببت في ذلك ، كل هذا جعل اسم طائفة النجم الأرجواني يتردد في أرجاء الإقليم."
نظر نحو تشانغ يونغ بعينين هادئتين. "لكن الأهم من ذلك، هناك تطور آخر يستحق اهتمامكم الخاص."
تشانغ يونغ رفع رأسه ببطء، وعيناه الحمراوان التقتا بعيني الشيخ غو. "ما هو؟"
الشيخ غو صمت للحظة، ثم قلب كفه حيث ظهرت رسائل على الطاولة
عند رؤية الشعارات تجمد الجميع ، بالأحرى ، تجمد التوأم ليو و سو مينغ
كان هناك ثلاث رسائل على الطاولة ، واحدة من عائلة ليو الذهبية و الأخرى من عائلة سو الذهبية ،و الثالثة كانت من طائفة اليشم المقدس
سو مينغ كان أول من تحرك، ومد يده ببطء نحو الرسالة التي تحمل شعار عائلة سو ، لكنه توقف قبل أن تلمسها أصابعه
"عائلة سو ..." همس بصوت خافت، وعيناه تلمعان بمشاعر معقدة. "بعد كل هذه السنوات..."
ليو يان، من جهتها، كانت تحدق في الرسالة التي تحمل شعار عائلة ليو الذهبية بتعبير صارم. يداها المشدودتان على ركبتيها كانتا ترتجفان قليلاً، رغم محاولتها
بالنسبة لسو مينغ ، كانت علاقته متوترة مع والده ، و بالتالي تلقي دعوة الآن كان غريبا نوعا ما
أما بالنسبة للتوأم ليو ، أجل كانت علاقاتهما بعائلتهما جيدة ، و لكن رسالة رسمية كهذه؟ هذا يعني أن والدهما قد قرر استدعائهم
"إذا لمن رسالة طائفة اليشم المقدس" لم يستطع تشينغ فينغ سوى التسائل
"انها لتشانغ يونغ من لونغ يوليانغ" قال الشيخ غو بهدوء
عندما سمع تشانغ يونغ اسم "لونغ يوليانغ"، تجمد في مكانه للحظة. عيناه الحمراوان اتسعتا قليلاً، ثم عادتا إلى حجمهما الطبيعي
"لونغ يوليانغ..." كرر الاسم بصوت هادئ "ما الذي تريده مني؟ لم أقابلها منذ سنتين"
الشيخ غو نظر إليه بعينيه الهادئتين، وفي نظراته شيء من الفهم العميق. "الرسالة وصلت قبل شهر. لم أفتحها، لأنها موجهة لك شخصياً. لكن يمكنني أن أخمن أن الأمر يتعلق باجتماع العائلات الخمسة"
تشانغ يونغ مد يده ببطء نحو الرسالة الثالثة على الطاولة، تلك التي تحمل ختم طائفة اليشم المقدس الذهبي
ثم فتحها بهدوء ، و قام بقرائتها
في الرسالة كانت تكتب عن كونها مصابة بالملل و ترغب بمقابلته و عن اشتياقها له ، و عن أن سيدة طائفتها قد كانت تأتي كثيرا لزيارة معلمه و كانت تأتي معها متمنية لقائه و عن كونها لا تصدق الشائعات حول اتهامه بكونه ممارسا شيطانيا ، و عن قبول طائفتهم لتلميذة لامعة جديدة ببنية جسد الين
'همم....هذه الفتاة لا تمتلك أي إحساس بالحرج للكتابة بمثل هذه الكلمات....مهلا بنية جسد اليين؟...لا يمكن أن توجد بنيتان من نفس النوع في نفس الوقت....إنها بالتأكيد تشانغ زيان!' فكر تشانغ يونغ بدهشة، وهو يطوي الرسالة ببطء
كانت تلك الفتاة من عائلة تشانغ يبدو أنها تمكنت من إثبات موهبتها هناك ، لقد مرت ثلاث سنوات على التقائه بأفراد عائلة تشانغ
رفع رأسه ليجد الجميع ينظرون إليه بتساؤل ، سو مينغ كان لا يزال يحدق في الرسالة التي تحمل شعار عائلته بتردد واضح، بينما كانت ليو يان وليو يين تتبادلان النظرات بتعبيرات معقدة
"يبدو أن كل واحد منا لديه ما يفكر فيه." قال الشيخ غو بصوته الهادئ، وهو يجمع الأطباق الفارغة ببطء. "خذوا وقتكم لقراءة رسائلكم والتفكير فيما تريدون فعله. لكن تذكروا، مهما كانت قراراتكم، فطائفة النجم الأرجواني ستبقى منزلكم."
أومأ البقية بينما انصرف الجميع الى عمله
...
في الليل ، كان تشانغ يونغ يجلس في مياه الينبوع الحار الخاص بالقمة و هو يحدق في السماء
البخار الدافئ كان يتصاعد من سطح الماء، يختلط مع نسيم الجبل البارد ليشكل ضباباً خفيفاً يحيط به من كل اتجاه. النجوم كانت تتلألأ في السماء الصافية كالألماس المنتشر على بساط من المخمل الأسود، والقمر الفضي كان يرسل خيوطه الناعمة لترسم لوحة ساحرة على سطح الماء المتماوج
جسده العاري كان مغطى بندوب المعارك القديمة والجديدة. بعضها كان قد التئم تماماً، وبعضها الآخر كان لا يزال وردياً حديثاً
(انتهت فترة تهدئة السفر الروحي)
'هذا جيد ، مما يعني أني مستعد للقيام برحلة أخرى ، و لكن الأهم الآن...يوني ، وقت استعادة عيني السماوية الثانية'
(تم اقتطاع المبلغ بالفعل ، هل ترغب بإعادتها الآن؟)
تنهد تشانغ يونغ كما نزع عينه اليسرى الإصطناعية
(بدء عملية استعادة العين السماوية الثانية...)
(تحذير: العملية قد تسبب ألماً شديداً. يرجى التأكد من استعداد المضيف.)
"أنا مستعد." همس تشانغ يونغ بصوت خافت، وعينه اليمنى الحمراء أغلقت ببطء.
في تلك اللحظة، شعر وكأن سكيناً ملتهبة تخترق محجر عينه اليسرى الفارغ
الألم كان لا يوصف - لم يكن مجرد ألم جسدي، بل كان ألماً يمتد إلى أعماق روحه، ينبش في ذكريات قديمة، يثير شياطين القلب التي كانت هادئة مؤقتاً
لكنه لم يصرخ. فقط قبض على حافة الينبوع الحجري بقوة حتى تشققت الحجارة تحت أصابعه، وعض على أسنانه حتى كادت أن تتفتت
(جارٍ تثبيت العين السماوية الثانية:...)
(10%... 30%... 50%...)
الألم ازداد. تشانغ يونغ شعر وكأن عينه اليسرى تحترق بنار لا تُطفأ، وكأن مليون إبرة تخترق جمجمته من الداخل
جسده بدأ يرتجف بعنف، والبخار من حوله تبخر فجأة تحت وطأة الحرارة المنبعثة منه
(70%... 90%... 95%...)
(اكتمل التثبيت!)
فتح تشانغ يونغ عينيه
للمرة الأولى، رأى العالم بعينين حمراوين كاملتين
'هذا أفضل' أخذ تشانغ يونغ نفسا عميق
"اوه إذا أنت هنا؟" صدر صوت من الخلف جعل تشانغ يونغ يستدير
لقد كان سو مينغ
"أوه هذا أنت." قال تشانغ يونغ بابتسامة خفيفة، وهو يغلق عينيه للحظة ليعتاد على الرؤية الجديدة. "كيف عرفت أني هنا؟"
سو مينغ اقترب ببطء من حافة الينبوع الحار، وجلس على صخرة قريبة. تحت ضوء القمر، كانت ملامحه تحمل شيئاً من التعب والقلق "لم أجدك في غرفتك، ثم فكرت ان لم تكن قد غادرت الطائفة فستكون في هذا المكان"
صمت تشانغ يونغ للحظة، ثم أشار إلى المقعد الفارغ بجانبه في الماء. "ألن تنضم؟"
"بالطبع سأفعل" قال سو مينغ كما انضم الى تشانغ يونغ في الماء
"إذا ، ماذا هناك؟ أستطيع القول أن هناك شيء ما" قال تشانغ يونغ بثقة
"حسنا ، لقد قرأت الرسالة ، و قد.كان قلقي زائدا ، لقد كانت رسالة مكتوبة من طرف أختي في الواقع" قال سو مينغ بتعبير ساخر ، لقد كان يسخر من نفسه
"أختك؟" كرر تشانغ يونغ بدهشة خفيفة، وعيناه الحمراوان تلمعان في ضوء القمر. "صحيح ، قلت أن لديك أختا كبرى ، واحدة من جميلات الإمبراطورية الخمسة؟"
ضحك سو مينغ ضحكة خفيفة ساخرة، وهو يفرك شعره المبلل بماء الينبوع. "نعم، تلك الأخت بالذات ، سو يان تكبرني بأربع سنوات فقط ،أنا أشعر بالإحراج من عدم كتابتي لها أي رسائل منذ تركت العائلة في سن العاشرة...المهم هو أنها طلبت مجيئي فقد افتقدتني ، و قالت أن صحتي والدي بدأت تتدهور و أن علي الإطمئنان عليه"
عندما سمع تشانغ يونغ كلمات سو مينغ عن تدهور صحة والده، صمت للحظة، وعيناه الحمراوان تثبتان على صديقه بتعبير معقد. كان يعلم أن العلاقة بين سو مينغ ووالده كانت متوترة منذ سنوات، وأن تركه للعائلة في سن مبكرة لم يكن قراراً سهلاً
"إذاً، ماذا قررت؟" سأل تشانغ يونغ بصوت هادئ، وهو يتكئ على حافة الينبوع الحجري وينظر إلى السماء المرصعة بالنجوم
سو مينغ تنهد بعمق، والبخار الدافئ يتصاعد من حوله. "لا أعرف حقاً. جزء مني يريد العودة ورؤية والدي، خاصة بعد أن سمعت أن صحته تتدهور. لكن جزءاً آخر... لا زلت أتذكر تلك السنوات
تشانغ يونغ لم يعلق. فقط استمر في التحديق في السماء، تاركاً لصديقه المساحة ليواصل الحديث
"أختي كتبت أن والدي تغير كثيراً." تابع سو مينغ بصوت خافت. "تقول إنه غالباً ما يذكر اسمي، وإنه ندم على ما فعله في الماضي. لكن... هل يمكن للإنسان أن يتغير حقاً؟"
"حسنا لقد قمت بالحديث إليه بالفعل ، ان كان يمتلك ذرة عقل ، فسيدرك خطأه" قال تشانغ يونغ بثقة
"أنت تحدثت معه حقاً؟" سأل أخيراً بصوت خافت. "في ذلك اليوم، قبل أن ندخل عالم الحدود السماوية اذا كنت اتذكر؟"
"نعم." أجاب تشانغ يونغ ببساطة، وهو يتكئ على حافة الينبوع الحجري. "لم أخبرك من قبل لأنني لم أكن متأكداً من نتيجة ذلك الحديث. ولم أكن أريد أن أعطيك أملاً كاذباً."
سو مينغ أطلق زفيراً طويلاً، ورسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة. "تشانغ يونغ، أنت دائماً تفعل أشياءً كهذه من وراء ظهري ، يا رجل أنا محظوظ لامتلاك أخ مثلك"
ضحك تشانغ يونغ بخفة ثم نكز ضلع سو مينغ "لا داعي يا أخي ، المهم ،عليك حسم قرارك"
"لا أعرف." قال أخيراً بصوت خافت. "جزء مني يريد العودة، يريد أن يرى والدي قبل فوات الأوان. لكن جزءاً آخر..." توقف للحظة، وقبضتاه تحت الماء تشدتان بقوة. "يخاف أن أذهب إلى هناك وأجد أن كل شيء كان مجرد وهم. أن أجد أن والدي لم يتغير حقاً، وأنني سأعود إلى ذلك الشعور بالفشل والخذلان مجدداً."
تشانغ يونغ نظر إليه بعينيه الحمراوين، وفي نظراته شيء من الفهم العميق. كان يعرف ذلك الشعور جيداً - الخوف من أن الأمل مجرد سراب، وأن الواقع سيسحقك مجدداً إذا صدقته
"لكنك لن تعرف أبداً إذا لم تذهب." قال تشانغ يونغ بهدوء. "وهل تريد أن تعيش بقية حياتك تتساءل 'ماذا لو'؟"
سو مينغ رفع رأسه لينظر إلى صديقه "وأنت؟ ماذا ستفعل بخصوص رسالة لونغ يوليانغ؟"
تشانغ يونغ ابتسم ابتسامة خفيفة بالكاد تُرى. "لونغ يوليانغ... يبدو أنها لا تزال مصرّة على رؤيتي. لكن الأمر مختلف معي ، هذه المرة سأرسم حدودا و أنهي كل شيء"
ساد صمت قصير بينهما، ثم تحدث سو مينغ مجدداً، وصوته هذه المرة أكثر جدية: "سأذهب."
تشانغ يونغ التفت نحوه ببطء، وعيناه الحمراوان تلمعان في ضوء القمر. "متأكد؟"
"نعم." أومأ سو مينغ برأسه بثقة، رغم أن في عينيه كان لا يزال هناك ظل من التردد. "لقد حان الوقت لمواجهة ماضي. سواء كان والدي قد تغير أم لا، أحتاج أن أعرف بنفسي ، و أريدك أن تذهب معي"
"تريدني أن أذهب معك؟" كرر تشانغ يونغ بصوت هادئ. "إلى عائلة سو الذهبية؟"
على نحو شخصي ، لم يكن تشانغ يونغ يمانع الذهاب ، على الأغلب بعد تضحية عائلة سو بأفرادها خلال غزو البرابرة ، لم يبقى سوى سو مينغ و والده و أخته
على الأقل لن يزعج نفسه باسترضاء الشيوخ
سو مينغ أومأ برأسه ببطء، وعيناه مثبتان على تشانغ يونغ بجدية "نعم. أعرف أن هذا طلب كبير. أعرف أن لديك رسالتك الخاصة مع لونغ يوليانغ، وأمورك الشخصية التي يجب أن تتعامل معها. لكن..." توقف للحظة، وقبضتاه تحت الماء تشدتان بقوة. "إذا كنت موجودا سيكون ذلك مناسبا"
نظر تشانغ يونغ نحو سو مينغ للحظة قبل أن يقول "بحقك ، ما أرسلته لونغ يوليانغ لم يكن بدعوة ، كانت فقط تقوم بإرسال أخبارها، و كما كنت أتسائل كيف يبدو منزل عائلتك لذا...بالطبع أنا ذاهب!"