بقدر ما أُعطي
تذكّر كايل اليوم الذي رأى فيه يوليوس للمرة الأولى، قبل عشر سنوات.
قاعة ذروة السيف، بمشهدها المهيب الموحش.
كان يوليوس يجلس على العرش المصنوع من الحديد الأسود، الذي بدا باردًا وصلبًا، ويراقب بملامح توحي بلامبالاة تامة ابنته التي عادت بعد غياب ست سنوات، وحفيده البالغ من العمر خمس سنوات.
لو كان كايل طفلًا عاديًا في الخامسة، لأخافته تلك الطريقة التي استقبله بها جده الذي يراه للمرة الأولى.
لكن كايل كان قد تجسّد من جديد.
وقد استطاع قراءة المشاعر الكثيرة المدفونة خلف عيني يوليوس الحادتين كعيني طائر جارح.
كان الرجل الذي رآه كايل في ذلك اليوم يعرف كيف يكبح مشاعره.
فقبل أن يكون أبًا لابنته أو جدًّا لحفيده، كان رجلًا يتعين عليه تقديم هيبة رأس أسرة ألاستور على كل شيء آخر.
لم تكن قاعة ذروة السيف مكانًا يستطيع فيه يوليوس ألاستور التصرف على سجيته.
بل كانت مكانًا يتعين فيه على رأس الأسرة أن يتصرف بما يليق بمقامه.
أما هنا، في الطابق العاشر من برج السيف، فقد كان المكان الخاص بيوليوس.
مكانًا لا يستطيع أبناؤه وأحفاده دخوله.
ولعل غرفة النوم، على وجه الخصوص، كانت المكان الذي يستطيع فيه أن يكون على طبيعته أكثر من أي مكان آخر.
دخل كايل من الباب المفتوح.
لم يكن هنا أي أثر للبرود أو الهيبة الصارمة اللذين اعتاد يوليوس إظهارهما.
كانت الغرفة الواسعة مفعمة بالدفء.
ولم يكن في ترتيب الأثاث وألوانه شيء من الجفاف.
وعندما تساءل كايل عما إذا كانت جميع تفاصيل الغرفة تعكس ذوق يوليوس الحقيقي، شعر بأن الأمر ليس كذلك تمامًا.
وكان السبب بسيطًا.
فكل شيء في تلك الغرفة الواسعة بدا مرتبًا وكأنه يحتضن السرير.
تجمعت حوله أشياء كثيرة، معظمها قديم، لكنها جميعًا محفوظة بعناية.
لافيان ألاستور.
زوجة يوليوس، وأم أبنائه التسعة، وجدة كايل.
بدا أن الأشياء الموجودة هنا تعكس ذوقها هي.
لم تكن هذه غرفة يوليوس وحده.
صحيح أن سيد الطابق العاشر هو رأس الأسرة، لكن صاحبة هذه الغرفة تحديدًا لم تكن يوليوس، بل لافيان.
سيدة الأسرة التي غرقت في سبات دام تسعة عشر عامًا.
عندما تستيقظ، لن تجد ما يثير استغرابها أو خوفها من مرور الزمن.
فقد ظلت هذه الغرفة تنتظر عودتها طوال تلك السنوات الطويلة، محفوظة على الحال التي ألفتها.
«...»
اقترب كايل من السرير بحذر.
كانت الأشياء الوحيدة التي لا تنسجم مع محيط السرير، حيث بدا الزمن وكأنه توقف، هي الأجهزة السحرية والطبية التي تُبقي لافيان على قيد الحياة.
كانت امرأة مستلقية على فراش ناعم، تتصل بجسدها عدة أنابيب.
كان شعر لافيان بنيًا دافئ اللون، يشبه لون القش.
ورغم أنها أمضت تسعة عشر عامًا نائمة، لم يكن لون بشرتها سيئًا.
لكن جسدها أصبح هزيلًا ونحيلًا، وكأن السائل الروحي الذي يتدفق عبر الأنابيب لم يستطع منع ذلك.
«جدتي تبدو شابة.»
التفت كايل إلى يوليوس مبتسمًا.
وكان يعني ما قاله بصدق.
صحيح أن بعض التجاعيد ظهرت على وجهها، لكن بالمقارنة مع يوليوس ولحيته، لم تبدُ لافيان كجدة عادية إطلاقًا.
«لقد أمضت تسعة عشر عامًا نائمة. ليس غريبًا ألا تظهر عليها علامات الشيخوخة.»
قال يوليوس ذلك بابتسامة خفيفة.
«عندما تستيقظ جدتي، ستُصدم لرؤية وجهك يا جدي.»
«لن تُصدم كثيرًا. فمظهري لم يتغير إلا قليلًا منذ تسعة عشر عامًا.»
«ربما يكون هذا رأيك وحدك يا جدي. فحتى بالمقارنة مع أول مرة رأيتك فيها، أظن أن بعض التجاعيد قد زادت على وجهك.»
«لقد حرصت على إبطاء الشيخوخة قدر استطاعتي. وحتى لحيتي، أحافظ على طولها كما هو.»
عندما فكر كايل في الأمر، أدرك أن لحية يوليوس كانت بالطول نفسه قبل عشر سنوات.
وبحسب كلامه، فقد كانت كذلك قبل تسعة عشر عامًا أيضًا.
حتى ملابسه لم تتغير منذ عشر سنوات.
والشيء الوحيد الذي اختلف كان الدبوس المثبت على صدر زيه.
«يبدو أن جدي أكثر رومانسية مما توقعت.»
ضحك كايل بخفوت وجلس على الكرسي المجاور للسرير.
ثم مال نحو لافيان وهمس لها بحذر:
«مرحبًا يا جدتي.»
كان يعرف بوجودها، لكنه لم يرَ وجهها من قبل.
ولم يتلقَّ ردًّا على تحيته.
ومع ذلك، تحرك شيء غريب في صدره.
فكما حدث عندما التقى أسلان للمرة الأولى، شعر برابطة الدم التي تجمعه بالشخص الموجود أمامه.
«...»
أطبق يوليوس شفتيه ووقف يراقبهما.
فمشهد زوجته وحفيده معًا أثار في صدره مشاعر عميقة وثقيلة.
وخشي إن ظل واقفًا هنا يراقبهما أن يُحرج نفسه أكثر، على نحو لا يليق برأس الأسرة.
«سأ... أخرج قليلًا. إذا كانت لديك أشياء تريد قولها لجدتك، فخذ وقتك.»
كان الطبيب المشرف قد أخبره أن لافيان ربما تستطيع سماع أصوات من حولها بصورة خافتة، حتى وهي نائمة.
وقد صدّق يوليوس ذلك، وظل يتحدث إلى زوجته كل يوم.
«لقد أخبرتها كثيرًا بابن مَن أنت، وما الاسم الذي تحمله، وما الأشياء التي أنجزتها... لكن لافيان لا تعرف صوتك. لذلك دعها تسمع اسمك من فمك.»
نظّم يوليوس أنفاسه، ثم استدار وغادر.
لم يبقَ في الغرفة الآن سوى كايل ولافيان.
أخرج كايل أولًا الحبة الصغيرة من الحُلية المثبتة بقلادته.
كانت بحجم ظفر الإبهام تقريبًا، ولونها أبيض حليبيًا ذا بريق لؤلؤي.
لكن ملمسها لم يكن يشبه اللؤلؤ.
بل كان داخلها يتحرك حركة خفيفة، كسائل يتصلب ببطء.
«كيف يُفترض أن أستخدم هذا الشيء...؟ آه.»
عندما فكر في الأمر، أدرك أنه ليس مضطرًا إلى البحث عن الإجابة بنفسه.
ركّز كايل ذهنه واستحضر حاسته الروحية.
ثم وجّه نحو برج السيف الإحساس نفسه الذي يستخدمه عندما يتواصل مع الأرواح والعفاريت.
وبعد وقت قصير، انفتح عالم الوعي.
ظهرت الشظية أمام كايل، بشعرها الأحمر وعينيها الذهبيتين، وملامحها التي يتعذر تحديد جنسها منها.
وكانت عيناها متسعتين.
«أيها الشقي، أنت...»
«مضى وقت منذ آخر لقاء بيننا.»
لم يمر شهران كاملان منذ غادر كايل برج السيف.
وربما لم تكن تلك مدة طويلة بالنسبة إلى كيان مثل الشظية، لكنها بدت كافية بالنسبة إلى فتى في الخامسة عشرة.
«ما... الذي تحمله في يدك؟»
لم تُبدِ الشظية اهتمامًا كبيرًا بالتحية.
بل انصب اهتمامها كله على ما يحمله كايل.
ولم تقترب منه حتى، وإنما ظلت تحدق في الحبة بشدة.
«حصلت عليها من ملاك.»
«مـ... ملاك؟»
«هذا ما سمّى به نفسه.»
شرح كايل للشظية كيف حصل على القلادة والحبة.
وحدثها عن المشاعر التي انتابته أثناء اقترابه من العالم الخفي.
وعن مقلة العين المجنحة التي رآها عند دخوله.
ثم عن اللقاء الذي جرى فوق المذبح.
أخبرها بكل شيء.
«...»
ظلت الشظية صامتة مدة طويلة، عاجزة عن قول أي شيء.
ولم يرَ كايل سببًا لاستعجالها.
وبعد قليل، تحدثت بصوت مرتجف.
«لقد وقفت وجهًا لوجه أمام كيان من ذلك النوع، بل تبادلت معه الحديث أيضًا... ومع ذلك ظل عقلك سليمًا؟ كيف يكون هذا ممكنًا؟»
«أعترف بأن منظره كان مقززًا إلى حد بعيد.»
«لا أتحدث عن مظهره! فمجرد مواجهته، بل حتى سماع صوته، ليس شيئًا يستطيع شخص في مستواك تحمله. كيان كهذا... لا يُسمح بإدراك وجوده إلا لمن فتح نواة الطاقة العليا ونقش وجوده في العالم...»
«أنت تعرفين أنني لست شخصًا عاديًا.»
هز كايل كتفيه.
«ربما كان السبب أنني تكيفت بعدما أكلت شتى الأشياء داخل طوابق الصقل.»
«هذا... احتمال وارد بالفعل... لكن... هممم...!»
«حسنًا. هل ذلك الشيء الشبيه بمقلة العين ملاك فعلًا؟ لقد قال إنه كذلك.»
«إذا وصف كيان من ذلك النوع نفسه بأنه ملاك، فهو ملاك. وإذا قال إنه شيطان، فهو شيطان.»
خفضت الشظية صوتها، وكأنها تخشى أن يسمع أحد حديثها.
«رسل آلهة السماء... تلك الكيانات تطلق على نفسها أسماء مثل الملائكة أو الشياطين، لأن ذلك أسهل على الفانين فهمًا.»
«الإله إله، لكن ما المقصود بإله السماء؟»
«لأنهم في السماء.»
انخفض صوت الشظية أكثر، واشتد ارتجافها.
«كيان من ذلك النوع... ملاك، وجهًا لوجه. ولم تكتفِ بالنجاة دون أن تفقد عقلك، بل عدت ومعك هدية منه... ما الذي تكونه بحق هذا العالم...؟»
«يبدو أن الحديث عن هذا الموضوع يشق عليكِ، فلا تجبري نفسك. هل أستطيع استخدام هذا الشيء؟»
رفع كايل الحبة الممسوكة بين إصبعيه.
«أعطاني إياها، وقال إنها ستتيح لي إيقاظ جدتي. لكنني لا أعرف ماهيتها، ولهذا أتردد في استخدامها.»
«يمكنك استخدامها. فلو كان ذلك الكيان... يضمر لك أي سوء، لما منحك هدية.»
«لم أشعر بأنه يضمر لي سوءًا. بل بدا وكأنه يكنّ لي مودة.»
«بالطبع سيكنّ لك المودة. فبالنسبة إلى كيان من ذلك المستوى، لا تختلف عن حشرة ضئيلة. ثم إن تلك الحشرة رفعت رأسها فجأة، ونظرت مباشرة إلى عينيه، وفهمت كلامه، بل ردت عليه أيضًا.»
«لو فعلت حشرة ذلك معي، لشعرت بالقشعريرة وسحقتها تحت قدمي.»
«...فلنقل إنه جرو صغير بدلًا من حشرة. أو قطة، فهذا يصلح أيضًا.»
أطلقت الشظية تنهيدة طويلة وهزت رأسها.
«حقًا... أنت مخلوق أعجز عن فهمه. لا بد أن السبب هو غرابة جذرك الروحي...»
«بما أننا هنا على أي حال، دعيني أسألكِ شيئًا. عندما زارتنا زعيمة طائفة السيف في المرة الماضية، أخبرتني بأنها تشعر بعدم الارتياح في برج السيف.»
«...»
«ما السبب في ذلك؟»
«تلك المقاتلة المرعبة لديها سبب وجيه للشعور بذلك. فلولا أغلال القدر التي تقيدها، لكان بوسعها بلوغ أعلى سماء هذا العالم.»
أطلقت الشظية تنهيدة أخرى.
«ولهذا، حتى وهي تقف على الأرض، تستطيع استشعار السماء... ما هو خارج هذا العالم. فهذا المكان... قريب من الحدود الفاصلة.»
«همم. إذن يبدو أنها كانت تستشعر تلك الأشياء الموجودة في طوابق الصقل. هل تلك هي آلهة السماء؟»
لم تُجب الشظية.
بل أشاحت بنظرها، وقد شحب وجهها.
فحتى في الماضي، عندما سألها كايل عن تلك الكيانات، أخبرته بأنها تتوخى الحذر من مجرد ذكرها.
«لا تسألني... عن أي شيء آخر. أنا مجرد بقايا. جسد روحي لا يمتلك وجودًا حقيقيًا. والإجابات عن الأسئلة التي تطرحها تلوّثني بشدة...»
شهقت الشظية وأغمضت عينيها بقوة.
وبدا عليها من الألم ما جعل كايل يقرر ألّا يضغط عليها أكثر.
«فهمت. إذن أستطيع استخدام هذا الشيء، صحيح؟ لن أزعجكِ أكثر. اذهبي واستريحي.»
«هاااه...»
وبتنهيدة طويلة لم تعد الشظية تحصي كم مرة أطلقت مثلها، أومأت برأسها.
راقب كايل هيئتها وهي تتلاشى وتختفي، ثم نهض من الكرسي.
لقد قالت الشظية إنه لا توجد مشكلة في استخدام الحبة.
كما أن الملاك نظر إليه بشيء يشبه المودة.
لكن أيًّا من الأمرين لم يكن ضمانًا أكيدًا.
وفي النهاية، كان قرار استخدام الحبة من عدمه يعود إلى كايل وحده.
تذكر ارتجاف يوليوس، والمشاعر الجياشة التي أظهرها أقاربه.
ولم يحتج إلى التفكير طويلًا.
قرّب كايل الحبة التي يمسكها بين إصبعيه من لافيان.
تحركت الحبة من تلقاء نفسها، وأفلتت من بين أصابعه.
ثم ارتفعت في الهواء، ورسمت بضع دوائر بطيئة فوق وجه لافيان النائم.
وبعد ذلك، هبطت برفق وتسللت بين شفتيها المغلقتين.
وووش.
غمر ضوء ناعم جسد لافيان.
انفرجت شفتاها المغلقتان، وارتفع من داخلهما شيء يشبه الضباب الأبيض النقي.
طقطقة.
داعب الضباب الصاعد الهواء، ثم انشق الفضاء مصحوبًا بصوت حاد.
ظهر صدع صغير.
«كايل؟!»
انفتح باب غرفة النوم بعنف.
اندفع يوليوس إلى الداخل مذعورًا، ونظر إلى كايل بعينين متسعتين، ثم إلى الصدع الصغير المعلق فوق لافيان.
فاتسعت عيناه أكثر.
«انتظر!»
قفز كايل واقفًا، ووضع نفسه أمام السرير.
فلو تدخل يوليوس، فقد تسير الأمور على نحو خاطئ.
ولم يكن كايل متأكدًا أصلًا من أنها تسير على النحو الصحيح حتى الآن.
«جدي! ثق بي، لحظة واحدة فحسب... انتظر لحظة!»
لقد تصرف كايل بجرأة شديدة، ولذلك كان عليه تحمل مسؤولية ما فعله.
توقف يوليوس، الذي كان يمد يده نحو سيفه استعدادًا للاندفاع.
فشخص خارق مثله كان يستطيع الوصول إلى كايل قبل أن يتحرك، وتجاوزه رغم محاولته اعتراض الطريق.
لكن يوليوس تردد.
فهذا حفيده الذي لم يخيّب أمله ولو مرة واحدة.
حفيده الذي لم يجلب له سوى السعادة، يقف الآن في طريقه ويطلب منه أن يثق به.
قلقه على زوجته من جهة، وثقته بحفيده من جهة أخرى.
وفي اللحظة القصيرة التي تردد فيها يوليوس، هبط ضوء أبيض من الصدع.
::كما أُخذ::
انساب صوت من داخل الصدع.
::كذلك يُعاد::
التف الضوء الذي ارتفع من شفتي لافيان حول الضوء الذي هبط من الصدع، وامتزجا معًا.
::بقدر ما أُعطي::
انغلق الصدع.
واختفى الضوءان المتشابكان.
«...»
ترنح يوليوس، الذي ظل واقفًا مذهولًا، وتقدم إلى الأمام.
«ما... ما الذي حدث قبل قليل...؟ كايل، ما الذي... فعلته بحق هذا العالم...؟»
لم يُجب كايل.
بل مال بملامح جادة ليتأمل لافيان.
ارتعاشة.
ارتجفت جفنا لافيان المغلقان ارتجافًا خفيفًا.
ورأى يوليوس ذلك أيضًا.
أسرع إلى جانب السرير وأمسك يدها.
«لا... لافيان؟»
بدأ الجفنان المرتجفان ينفتحان ببطء.
حدقت عينان خضراوان ضبابيتان في الفراغ للحظات، ثم أخذ بريق الحياة يعود إليهما تدريجيًا.
«لافيان... لافيان!»
ارتجف صوت يوليوس بمشاعر جياشة.
وتحولت نظرة لافيان، التي كانت تحدق في الفراغ بلا تركيز، نحو مصدر الصوت.
«يوليوس...؟»
صوت خافت.
صوت زوجته الذي يسمعه للمرة الأولى منذ تسعة عشر عامًا.
امتلأت عينا يوليوس بالدموع.
ونسي أن كايل يراقبه.
ونسي هيبته ووقاره بصفته رأس الأسرة.
أمسك يد لافيان بكلتا يديه، وخفض رأسه، وانفجر باكيًا.
«آه... آه...»
لقد أمضى تسعة عشر عامًا يبحث عن وسيلة لإيقاظ زوجته.
وخلال عامين من تلك السنوات، خرج يوليوس بنفسه يجوب العالم.
ولولا المسؤولية التي يحملها بصفته رأس أسرة ألاستور، لما اكتفى بالتجوال عامين، بل لأمضى السنوات التسع عشرة كلها في البحث.
«لافيان... لافيان، هل أنا... أحلم الآن...؟»
«يوليوس...»
نظرت إليه لافيان بعينين لم تستعيدا تركيزهما بعد.
فبعد سبات طويل كهذا، بدا لها كل شيء غريبًا وغير مريح.
ولولا السائل الروحي الباهظ الثمن، والعلاج السحري الذي أبقاها على قيد الحياة، لما استطاعت حتى أن ترى شيئًا أو تنطق بكلمة.
«لقد... كبرت في السن.»
تمتمت لافيان.
«وتلك اللحية... ما زالت... لا تليق بك...»
كانت تبحث عن كلماتها واحدة تلو الأخرى.
ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة خافتة.
وانهمرت مزيد من الدموع من عيني يوليوس.
لم يستطع قول شيء آخر.
وظل يبكي.
تراجع كايل بضع خطوات، وراح يراقب لقاءهما.
وكما توقع قبل قليل، كان يوليوس يبكي فعلًا.
كانت دموعه غزيرة ودافئة.
وشعر كايل بأن وقوفه هناك لمراقبتهما أشبه بالتطفل، فاستدار بهدوء.
كان ينوي مغادرة الغرفة حتى تهدأ مشاعر يوليوس.
«كا... يل...»
وصل صوت يوليوس إلى ظهر كايل وهو يستعد للمغادرة.
«شـ... شكرًا لك. حقًا... حقًا، شكرًا لك...»
توقف كايل واستدار.
كان يوليوس لا يزال يبكي وهو ينظر إليه، وقد ابتلت لحيته بالدموع.
«لقد فعلت ما كان ينبغي فعله فحسب.»
ابتسم كايل ابتسامة خفيفة، وخفض رأسه.
وقف كايل في الممر ينتظر.
فكر في فتح أحد الأبواب الأخرى والتجول قليلًا، لكن هذا الطابق خاص برأس الأسرة، ولم يرَ أن دخوله الغرف دون إذن أمر مناسب.
لذلك أمضى الوقت يتأمل الصور المؤطرة والزينة المعلقة على امتداد الممر.
لا بد أن نحو ساعة قد مرت.
ثم انفتح باب غرفة النوم، وظهر وجه يوليوس.
كانت عيناه متورمتين ومنتفختين.
«بفف.»
ما إن رأى كايل ذلك المشهد حتى أفلتت منه ضحكة قبل أن يستطيع منع نفسه.
فقد اعتاد يوليوس أن يحافظ على نظرات حادة وملامح صارمة.
أما رؤية عينيه المعهودتين، بل حتى أنفه، متورمة ومحمرّة، فقد كانت مضحكة إلى درجة يصعب معها كبح الضحك.
«...»
حاول يوليوس توجيه نظرة صارمة إلى حفيده الذي تجرأ على النظر إلى وجه رأس الأسرة والضحك.
لكنه لم يستطع إجبار عينيه على الامتثال.
فكلما حاول إضفاء الحدة على نظرته، لانت من تلقاء نفسها، ولم يظهر فيها سوى الدفء.
«تعال إلى الداخل.»
قال يوليوس بصوت متأثر.
«لافيان تريد التحدث معك.»
«هل حالتها تسمح بذلك؟ ينبغي لها أن تستريح بدلًا من الكلام الآن...»
«نامت تسعة عشر عامًا، وما زالت عنيدة كما كانت دائمًا. لقد ورثت أمك طباعها من لافيان.»
«هل تشبه أمي جدتي كثيرًا؟»
«من بين جميع أبنائنا، هي أكثر من يشبهها.»
«إذن، لا بد أن جدتي امرأة رائعة.»
جعلت تلك الإجابة يوليوس يحدق فيه مذهولًا للحظة.
ثم انفجر ضاحكًا.
«إنك تقول ما هو بديهي.»
كانت لافيان تجلس مستندة إلى الوسائد خلف ظهرها.
وعندما دخل كايل برفقة يوليوس، استقبلته بابتسامة لطيفة.
«إذن، أنت... كايل. ابن آريان.»
«كايل ألاستور. يشرفني لقاؤكِ يا جدتي.»
حيّاها كايل بما يليق.
«نعم. هذه أول مرة أرى فيها وجهك. لكن... لسبب غريب، توجد في ذهني قصص عنك. ذكريات باهتة، لكنها موجودة.»
أغمضت لافيان عينيها للحظات، ونظمت أنفاسها.
«يبدو أن يوليوس تحدث إليّ عنك كثيرًا. وكذلك آريان. أخبراني كم هما فخوران بك، وكم أنت مميز، وكم أنت عزيز عليهما.»
فتحت لافيان عينيها مجددًا، وأشارت إلى كايل ليقترب.
«اقترب يا بني. أريد أن أسمع منك أنت... من تكون، وأي نوع من الأبناء أنت.»