فينريس (1)
في وسط قاعة ذروة السيف، وقف صبي في الخامسة من عمره وفتاة في الثامنة، يواجه أحدهما الآخر.
«هجينة من عرق الشياطين.»
بدا أن الشياطين باتوا يحظون بقدر من القبول في العصر الحالي، ويتعايشون مع البشر في وئام.
لكن خلال العصر المظلم، قبل خمسمئة عام، لم يكن الشياطين في نظر البشر سوى غزاة أجانب قدموا من قارة أخرى.
حين كان كايل يُعرف بشيطان السيف، قاتل الشياطين عدة مرات.
وكانوا عرقًا بغيضًا لا يكف أفراده عن وصف البشر بأنهم «عرق أدنى».
ولأن الشياطين يتفوقون على البشر في نواحٍ كثيرة، لم يكن ذلك الادعاء خاليًا تمامًا من الحقيقة.
ولولا نقاط الضعف الفطرية التي يعاني منها عرقهم، لكانوا قد احتلوا القارة منذ زمن بعيد.
«هذه أول مرة أقاتل فيها شخصًا مختلط الدم، ولذلك لا أعرف تمامًا ما يمكن توقعه.»
كان الشياطين يتفوقون على البشر تفوقًا كبيرًا في قدراتهم الجسدية، لكن ميزتهم الأعظم كانت استعدادهم الفطري للتعامل مع المانا.
فالبشر يحتاجون إلى التدريب بالسيف بكل ما أوتوا من جهد، لما لا يقل عن عشر سنوات، قبل أن يصبحوا قادرين على استشعار المانا.
أما الشياطين، فيستطيعون استشعارها منذ لحظة ولادتهم.
«بما أنهم اشترطوا عدم استخدام المانا، فلا بد أنها تعرف بالفعل كيفية استعمالها.»
فتاة في الثامنة من عمرها، وتعرف كيفية استخدام المانا.
إلى هذا الحد بلغ الفرق بين العرقين.
وبينما يفكر في ذلك، أخذ كايل يتأمل لوسيا.
ربما كان الأمر سيختلف لو كانا أكبر سنًا، لكن الفارق الجسدي بين طفل في الخامسة وطفلة في الثامنة كان كبيرًا.
وفوق ذلك، أمضى كايل سنواته في قصر الورود يلهو مع أريان ويتظاهر بأنه طفل عادي، بينما عاشت لوسيا في غلاديهايم منذ صغرها، وتلقت، على ما يبدو، تدريبًا على المبارزة بالسيف طوال عام كامل.
«الشياطين متفوقون على البشر جسديًا.»
قيّم كايل الموقف بسرعة.
إذا اشتبك معها بالسيف وجهًا لوجه، فلن يصمد حتى أمام ضربة واحدة.
«...»
لمح كايل غضبًا خفيفًا في عيني لوسيا وهي تحدق فيه.
يبدو أن كلماته السابقة جرحت كبرياء الفتاة الصغيرة أكثر مما توقع.
«مرحبًا.»
لكن ذلك لم يكن مشكلته.
ابتسم كايل ابتسامة عريضة وبادر بتحيتها.
وبعد التفكير في الأمر، أدرك أنه لم يعرّفها بنفسه حتى الآن.
«أنا كايل. كايل ألاستور.»
«...أنا لوسيا.»
«مرحبًا يا لوسيا. يسرني لقاؤك.»
«يسرني... لقاؤك أيضًا.»
أجابته لوسيا بتصلب، ثم اتخذت وضعية الاستعداد.
وقفت مستقيمة الظهر، وأبقت مرفق ذراعها الحاملة للسيف ملاصقًا لجانبها، بينما وجّهت رأس سيفها نحو خصمها، مترقبةً ظهور ثغرة في دفاعه.
كانت وضعية محكمة، مخصصة لتنفيذ الطعنات.
تحركت عينا كايل بسرعة وهو يتفحصها.
«واضح أنها تلقت تدريبًا جيدًا.»
واصل تقييمها بصمت، ثم اتخذ وضعيته الخاصة.
لم يرفع سيفه الخشبي.
بل أرخى جسده تمامًا، وترك السيف يتدلى مائلًا نحو الأسفل.
باعد بين قدميه، وأرخى الجزء العلوي من جسده، حتى تدلى صدره وكتفاه وذراعاه دون تصلب.
كان السيف الخشبي يقارب الجزء العلوي من جسد كايل طولًا، وقد استند أكثر من نصفه إلى الأرض.
ظهر القلق في عيني أريان عندما رأته.
فمن ينظر إليه من الخارج سيظن أنه اتخذ تلك الوضعية لأنه عجز عن تحمل وزن السيف الخشبي.
وكان ذلك صحيحًا جزئيًا.
فرغم أن السيف الخشبي صُنع لتدريب الأطفال، فإنه كان ثقيلًا أكثر مما يستطيع طفل في الخامسة التعامل معه بسهولة.
«...»
لكن بينما امتلأت عينا أريان بالقلق، ظهر في عيني يوليوس وكارتان شعور مختلف.
فقوة طفل في الخامسة لا تكفي للمحافظة على وضعية قتالية سليمة مدة طويلة.
وحتى لو أجبر نفسه على تقليد إحدى الوضعيات، فسرعان ما سيتعب ويتصلب جسده.
بدت وضعية كايل مثيرة للشفقة في ظاهرها.
ومع ذلك، كانت يده تقبض على السيف الخشبي بإحكام.
أما عيناه، فكانتا تراقبان لوسيا بجدية خالية تمامًا من العبث.
لكن من السابق لأوانه استخلاص أي نتيجة من ذلك.
فإن انتهى القتال بهزيمة مذلة، فلن يكون لتلك الوضعية أي معنى.
راقب يوليوس الطفلين بصمت لبعض الوقت، ثم تحدث.
«ابدآ.»
دوّى أمره الهادئ في القاعة.
وششش!
تحركت لوسيا أولًا.
فقد أمرها رب الأسرة بألّا تتساهل مع خصمها، ولم تكن تنوي مخالفة أمره.
وكما توقع كايل، تجاوزت حركات لوسيا بكثير ما يُنتظر من فتاة في الثامنة من عمرها.
كانت سرعة اندفاعها بعد دفع الأرض بقدميها تضاهي سرعة رجل بالغ.
قطعت المسافة بينهما في لمح البصر، ثم سددت طعنة بسيفها الخشبي نحو فم معدة كايل.
«سريعة.»
استطاعت عينا كايل قراءة مسار السيف، لكن جسده الذي لم يعتد التدريب، والبالغ خمس سنوات فقط، لم يكن قادرًا على تنفيذ الهجوم المضاد الذي أراده.
وبدلًا من الإصرار على حركة يعجز جسده عن أدائها، اختار أفضل ما يستطيع تنفيذه في حالته الراهنة.
تمايل الجزء العلوي من جسده، الذي كان قد أرخاه تمامًا.
وشش!
تفادى الطعنة قبل أن تصيبه بلحظة.
اتسعت عينا لوسيا.
لم يخطر ببالها أصلًا أن كايل سيتمكن من تفادي الطعنة.
صحيح أنه ينتمي إلى السلالة الأصيلة لآل ألاستور، لكن جسده الصغير لم يتلقَّ أي تدريب حقيقي.
حاولت لوسيا سحب سيفها الخشبي على عجل، لكن ذراع كايل اليسرى تحركت قبل أن تتمكن من ذلك.
طَق!
حاصر كايل السيف الخشبي بين ذراعه اليسرى وجانبه، ثم ابتسم للوسيا.
«...!»
ارتجف حاجبا لوسيا.
ورغم أن سيفها وقع في قبضته، فإن التخلص من هذا القيد كان سهلًا بالنسبة إلى قوتها الجسدية.
بل كان بإمكانها تحريك السيف وإصابة كايل.
لكن لوسيا لم تفعل ذلك.
اكتفت بالتحديق فيه، وعضت شفتيها من شدة الإهانة.
فالهجوم الأول الذي توقعت أن تحسم به انتصارها لم يحقق شيئًا، والأسوأ أن خصمها لم يكتفِ بتفاديه، بل أمسك سيفها أيضًا.
كان ذلك ضربة قاسية لكبريائها.
تأمل كايل تعبير وجهها للحظة، ثم أطلق سيفها الخشبي.
كانت لديه وسائل كثيرة لإنهاء القتال في تلك اللحظة، لكنه لم يرغب في أن تنتهي بهذه الطريقة أول فرصة تتاح له لاستخدام السيف منذ خمس سنوات.
فهو لم يتمكن حتى الآن من التلويح بسيفه كما ينبغي.
تراجعت لوسيا عدة خطوات، ثم اتخذت وضعية الاستعداد من جديد.
«هل تسرعت كثيرًا في محاولة حسم القتال؟»
بعد أن توصلت إلى هذا الاستنتاج بشأن خطئها، اندفعت للهجوم مرة أخرى.
لكنها لم تستخدم الطعن هذه المرة.
بل اقتربت بخطوات واسعة، ثم لوّحت بسيفها الخشبي.
ومرة أخرى، لم يحاول كايل صد الضربة بالقوة.
تمايل جسده برشاقة، وتفادى سيف لوسيا الخشبي.
وتكرر الأمر نفسه عدة مرات.
ومع استمرار ضرباتها في إصابة الهواء وحده، بدأت عينا لوسيا تضطربان.
فمهما بلغت عبقريتها، لم تكن في النهاية سوى فتاة في الثامنة من عمرها.
وعجزها عن السيطرة على خصم أصغر منها سنًا وحجمًا فرض عليها ضغطًا نفسيًا متزايدًا.
وفوق ذلك، كانت المبارزة تجري داخل قاعة ذروة السيف، وتحت أنظار رب الأسرة شخصيًا.
أخذ تنفس لوسيا يتسارع شيئًا فشيئًا.
وبدأت ضرباتها الدقيقة تفقد إحكامها.
أصبحت حركاتها أوسع، وأخذ سيفها الخشبي يهتز.
وكان ذلك دليلًا على أنها تبذل قوة أكبر مما تحتاج إليه.
والهجمات التي تهدر قدرًا كبيرًا من القوة بهذه الطريقة يسهل استغلالها.
كثيرًا ما يُقال إن القوة القليلة تستطيع التغلب على القوة الكبيرة.
لكن تطبيق هذا المبدأ في القتال ليس سهلًا.
فلتحقيق ذلك، ينبغي أن يكون المقاتل أدق من خصمه، وأن يحافظ على توازن جسده، ويقرأ حركات خصمه قراءة صحيحة، أو يدفعه إلى كشف ثغرة في دفاعه.
كانت هناك شروط كثيرة لا بد من تحقيقها.
والآن، سارت المبارزة تمامًا كما أراد كايل.
رفعت لوسيا سيفها الخشبي عاليًا فوق رأسها، ثم هوَت به نحوه.
كان هجومًا متهورًا، واسع الحركة، مليئًا بالثغرات.
عندها تحرك سيف كايل الخشبي، الذي ظل متدليًا نحو الأسفل.
رفعه فجأة، ووضعه مائلًا في مسار الضربة الهابطة.
طَق!
انزلق سيف لوسيا على امتداد سيف كايل المائل، حتى اندفع نحو الأسفل.
«...!»
اضطربت عينا لوسيا بشدة.
حاولت استعادة توازن جسدها الذي انجرف مع السيف، لكن كايل زاد ميل سيفه قبل أن تتمكن من ذلك.
طَق.
لامس سيف كايل الخشبي كتف لوسيا.
«آه...»
انفرجت شفتا لوسيا من شدة الذهول.
حركتهما دون أن يخرج صوت منها للحظات، ثم عقدت حاجبيها وأجبرت نفسها على النطق.
«لقد خسـ...»
«يمكننا مواصلة القتال.»
كان تنفس كايل متقطعًا من كثرة الحركة، وقد تجمعت حبات العرق على جبينه.
لكن عينيه الذهبيتين لم تُظهرا أي أثر للتعب.
لم يكن فيهما سوى البهجة.
«لنتقاتل قليلًا بعد.»
همس كايل بهذه الكلمات.
حدقت فيه لوسيا بحيرة، ثم التفتت نحو يوليوس.
كان الذعر واضحًا على وجهي كارتان وأريان، بينما اتسعت عينا يوليوس نفسه دهشة.
وبعد لحظات، أومأ يوليوس برأسه ببطء، سامحًا باستئناف المبارزة.
عضت لوسيا شفتيها، وتراجعت عدة خطوات، ثم بدأت الهجوم مجددًا.
لكنها لم تندفع بسرعة هذه المرة.
بل أخذت تقلص المسافة بينهما بحذر، ثم حاولت الضغط على كايل بهجمات سريعة ودقيقة، بدلًا من الضربات الواسعة والثقيلة.
وبما أن جميع هجماتها السابقة فشلت تمامًا، كان لا بد من تغيير أسلوبها.
لكن ذلك لم يكن مجديًا أمام كايل.
فمهما بلغت دقة ضربات طفلة في الثامنة، إلى أي حد يمكن أن تصل تلك الدقة؟
كان كايل يتوقع جميع حركات لوسيا وكأنه يقرأ أفكارها.
وحتى هجماتها السريعة لم تستطع الوصول إليه.
«المشكلة هي القدرة على التحمل.»
واصل تفادي هجماتها وتغيير مسارات ضرباتها مرارًا، وسرعان ما أخذ يلهث من شدة التعب.
لكنه لم يشعر بخيبة أمل.
فعندما كان في الخامسة من عمره في حياته السابقة، لم يكن قادرًا على التحرك بهذه الطريقة.
وكان من الممتع والمُرضي أن يجد جسده الحالي، الذي لم يبدأ حتى التدريب الحقيقي، قادرًا على أداء هذه الحركات.
يبدو أن هذا الجسد قد حظي بمزايا فطرية كثيرة.
ومع ذلك، كانت هناك حدود لما يستطيع تحمله.
وبدا أنه سيضطر إلى إنهاء هذه المبارزة الممتعة قريبًا.
ترك كايل تنفسه المتعب يظهر بوضوح، وسمح لوضعيته القتالية بأن تتدهور.
وبدأ يترك ثغرات في حركات تفاديه، حتى إنه تعمد أن تنثني ركبته وهو يتراجع.
كانت قدرة لوسيا على التحمل أفضل من قدرته.
وكان بوسعها الاستمرار في القتال على هذا المنوال مدة طويلة.
ولو لم تكن متعجلة، لما كان هناك ما يدعو إلى اضطراب تنفسها.
لكن الظروف لم تسمح لها بالحفاظ على هدوئها.
فمن وجهة نظر لوسيا، كانت قد خسرت مرتين بالفعل.
لقد أمسك كايل طعنتها الأولى، ثم غيّر مسار هجومها الثاني، حتى تمكن سيفه الخشبي من ملامسة كتفها.
ولكي تعوض هاتين الهزيمتين، كان عليها تحقيق انتصار حاسم.
أعماها عنادها، وضيّق مجال انتباهها.
وفي تلك اللحظة، لم تعد ترى سوى الفتى الواقف أمامها، يتمايل من شدة الإرهاق ويلهث بعدما أوشكت قواه على النفاد.
ثم لمحت اللحظة التي اصطدمت فيها قدماه بعضهما ببعض أثناء تراجعه، وكاد يتعثر ويسقط.
«لقد فزت!»
لم تُفوّت لوسيا تلك الثغرة، وسددت طعنة بسيفها الخشبي.
وفي تلك اللحظة بالذات، انحنى جسد كايل فجأة، بعدما بدا قبل لحظة وكأنه على وشك السقوط.
ولوّح بسيفه الخشبي مستخدمًا جسده كله، مستهدفًا جانب لوسيا.
فشلت طعنتها في إصابته.
لكن سيف كايل أصاب جانبها.
طَقّ!
كان الصوت المكتوم والإحساس الذي انتقل عبر مقبض السيف إلى راحة يده واضحين تمامًا.
«هل ضربتها بقوة أكبر مما ينبغي؟»
كان انتصاره أمرًا طبيعيًا في نظره، ولذلك لم يشعر بحاجة إلى الابتهاج به.
وبينما يفكر في ذلك، نظر إلى لوسيا.
كانت الضربة أعنف مما ينبغي أن تتلقاه فتاة في الثامنة من عمرها.
فلو أصابت طفلًا عاديًا، لربما كسرت ضلعًا أو ضلعين من أضلاعه.
«...»
لكن لوسيا بدت سليمة.
والسبب أنها لم تكن طفلة عادية.
فبفضل طبيعتها الهجينة المنحدرة من عرق الشياطين، وقدرتها حتى على استخدام المانا، لم تُصب عظامها بأدنى ضرر من تلك الضربة.
لكن سلامة عظامها لا تعني أن مشاعرها لم تتأذَّ.
ظلت لوسيا تحدق بعينين متسعتين في السيف الخشبي الملامس لجانبها.
وسرعان ما امتلأت عيناها بالدموع.
«آه... أ... آآه...»
رغم أنها وُلدت هجينة من عرق الشياطين، فقد اعتُرف بعبقريتها، وسُمح لها بالعيش في غلاديهايم، حيث تتعلم فنون السيف على أيدي الشيوخ.
ومع ذلك، خسرت أمام فتى يصغرها بثلاث سنوات، ولم يتعلم المبارزة بالسيف قط.
والأسوأ أن نتيجة المبارزة لم تترك أي مجال للجدال.
لقد تفوق عليها تفوقًا ساحقًا.
امتلأت عيناها بالدموع بعدما تحطمت كبرياؤها، لكنها رفعت رأسها حتى تمنعها من الانهمار، ثم أنزلت سيفها الخشبي.
«لقـ... لقد خسرت. أنـ... أنا خسرت...»
خرج صوتها متقطعًا، مثقلًا بالبكاء.
وعندما رآها كايل على تلك الحال، لم يستطع أن يقترح مواصلة المبارزة مرة أخرى.
«ثم إنني لم أعد أمتلك القوة لذلك أصلًا.»
كان جسده كله ثقيلًا ومؤلمًا.
ولا شك أنه سيعاني آلام العضلات خلال الأيام القليلة المقبلة.
ولا سيما اليد التي أمسك بها السيف.
تحسس كايل مقبض السيف الخشبي.
لم تكن الرطوبة التي شعر بها ناتجة عن العرق وحده.
كانت راحة يده تؤلمه كما لو أنه ظل يعجن أغصانًا مليئة بالأشواك.
ومن الواضح أن جلدها قد احتك بعنف حتى تسلخ وتشقّق.
«...»
ماذا ينبغي أن يقول لها؟
حين رأى لوسيا تحاول بكل ما أوتيت من قوة منع دموعها، توقف تفكيره فجأة.
«كانت مبارزة جيدة»؟
سيبدو ذلك وكأنه يسخر منها.
«لقد بذلتِ جهدًا كبيرًا»؟
تبدو هذه عبارة أكبر من أن يقولها طفل.
«لا بد أنك متعبة»؟
وما الفرق بينها وبين قوله إنها بذلت جهدًا كبيرًا؟
«شـ... شكرًا لكِ.»
بما أن التزام الصمت بعد اعترافها بالهزيمة بدا تصرفًا غير مهذب، فقد اكتفى كايل بهذه العبارة.
وكان ممتنًا لها بالفعل.
فالمبارزة مع لوسيا كانت ممتعة للغاية.
وسيكون من النادر أن يجد خصمًا مثلها في هذا العمر.
«آه...»
رغم أن كايل فكّر مليًا فيما ينبغي أن يقوله، فإن لوسيا لم تبدُ وكأنها تقبلت كلماته على النحو الذي قصده.
قبضت يديها بإحكام، وسارعت إلى خفض رأسها.
قطرة.
قطرة.
تساقطت دموع الفتاة على أرضية قاعة ذروة السيف.
«يا إلهي...»
تمتم كارتان مذهولًا.
كان يعرف جيدًا مدى عبقرية لوسيا.
فمن بين أبنائه وأبناء إخوته وأخواته، لم يكن هناك من يستطيع استخدام السيف في مثل عمرها بمستواها نفسه.
ومع ذلك، خسرت لوسيا.
صحيح أنهم منعوها من استخدام المانا، لكن ذلك لم يُلغِ تفوقها الجسدي.
ورغم كل شيء، كانت المبارزة من طرف واحد.
ألقى كارتان نظرة غير مصدقة على كايل، ثم همس لأريان:
«ابنك... هل أنت متأكدة أنه لم يتعلم السيف من قبل؟»
«أقسم بالروح.»
كانت أريان قد وقفت طوال المبارزة وفمها مفتوح من شدة الذهول.
لكنها سارعت إلى استعادة رباطة جأشها، ووضعت يدًا على صدرها.
«أنا، أريان ألاستور، أقسم بأنني لم أسمح لابني كايل ألاستور بتعلم السيف ولو مرة واحدة. وأقسم أن ابني كايل أمسك بسيف للمرة الأولى في حياته هنا، اليوم.»
اتسعت عينا كارتان أكثر عند سماع ذلك القسم.
لم يمسك بسيف ولو مرة واحدة منذ ولادته، ومع ذلك يستطيع القتال بهذه الطريقة؟
طفل في الخامسة من عمره؟
لم يكن هناك سوى تفسير واحد يمكن أن يجعل أمرًا بهذه الغرابة حقيقة واقعة.
«عبقري...»
ابتلع كارتان ريقه، ثم نظر إلى أبيه يوليوس.
كان يتوق بصدق إلى معرفة رد فعل أبيه بعد مشاهدة هذه الموهبة التي تكاد تستعصي على التصديق.
كما أراد معرفة السبب الذي دفعه إلى ترتيب هذه المبارزة المفاجئة أصلًا.
«لقد فزت.»
«نعم، لقد فزت.»
أجاب كايل وهو يحاول التقاط أنفاسه.
«ستفي بوعدك، أليس كذلك؟»
وعد؟
أمال كارتان رأسه بحيرة.
والآن بعد أن فكر في الأمر، تذكر أنه سمع كلمة «وعد» قبل بدء المبارزة أيضًا.
«لقد قلت إنك ستنظر في الأمر بحسب الطريقة التي أفوز بها.»
«وأظن أنني حققت فوزًا مقنعًا.»
«صحيح.»
ارتخت زاويتا فم يوليوس، اللتان ظلتا متصلبتين من شدة الدهشة.
ابتسم ابتسامة خفيفة، ثم أخذ فينريس من موضعه أسفل اللوحة.
«خذه.»
وفي اللحظة التالية، انغرس فينريس في أرضية قاعة ذروة السيف.
انفتح فم كارتان من شدة الذهول.
«سـ... سيدي رب الأسرة! هل ستمنح فينريس لهذا الطفل حقًا؟»
«كان ذلك وعدي.»
«لكن فينريس...!»
«إنه مجرد سيف.»
ضحك يوليوس بخفة.
«لماذا لم يدرك أحد هذه الحقيقة البسيطة طوال خمسمئة عام؟»
اقترب كايل من فينريس ببطء.
سيفه العزيز الذي استخدمه قبل خمسمئة عام.
لم يتغير مظهره منذ آخر مرة رآه فيها.
كان سيفًا عمليًا، خاليًا من الزخارف البراقة.
وعندما يوصف السيف بأنه عملي، فالمقصود أن شكله مصمم ليكون ملائمًا للطعن والقطع بأكبر قدر ممكن من الكفاءة.
كان نصله حالك السواد، وكأنه خط رُسم بحبر أسود.
ومهما قطع به عشرات الأشخاص أو مئاتهم، لم تتضرر حافته، ولم تتراكم عليه الشحوم.
ورغم أن رايكال استخدمه بعنف طوال ثماني عشرة سنة، فإن فينريس لم يخذل توقعاته ولو مرة واحدة.
عندما احتاج إلى اختراق شيء، اخترقه.
وعندما احتاج إلى شطر شيء، شطره.
اضطر رايكال إلى التراجع في معارك كثيرة بسبب قصور قدراته هو، لكن فينريس كان يعينه دائمًا على الثأر بعد ذلك بصورة حاسمة.
باستثناء مرة واحدة.
حين هُزم أمام روين ألاستور.
«فينريس...»
من كان يتخيل أنه سيلتقي مجددًا بسيفه العزيز، الذي فارقه قبل خمسمئة عام، بهذه الطريقة؟
اقترب كايل من فينريس وقلبه يخفق بشوق، وكأنه التقى حبه الأول مصادفة بعد فراق طويل.
دقّ.
دقّ.
دقّ.
...
كان هناك شيء غريب.
لقد وُلد من جديد، وكان جسده وعقله منهكين ومفعمين بالإثارة بعد أول مبارزة يخوضها في حياته الجديدة.
وفوق ذلك، التقى فينريس مجددًا.
ولذلك كان من الطبيعي أن يخفق قلبه بقوة.
لكن خفقانه بدا أسرع بكثير مما ينبغي.
وضع كايل يده على صدره، حيث كان قلبه ينبض بجنون.
ولم يكن قلبه وحده.
فقد شعر بحرارة في أسفل بطنه، سرعان ما تحولت إلى ألم، بينما انتشر إحساس بالوخز في أنحاء جسده.
وفي اللحظة نفسها...
بدأت مادة سوداء تشبه الضباب تتدفق من فينريس، المغروس في وسط قاعة ذروة السيف.
«...؟»
ظهر ذئب أسود أمام كايل.