هذا سيكون ممتعاً
«تبدو فكرة ممتعة.»
«...مبارزة؟»
توقف أسلان عن مسح دموعه، وحدّق في كايل بذهول.
بعد فراق دام أربع سنوات، كان أول ما اقترحه عليه ابنه هو المبارزة بالسيف.
وبالنسبة إلى أسلان، الذي بلغ هوسه بالسيوف حدًّا جعل الناس يلقبونه بمهووس السيف، لم يكن هناك ما يسعده أكثر من ذلك.
«جيد! جيد جدًا!»
انتفض أسلان واقفًا، والدموع لا تزال تنهمر على وجهه.
فمهما كانت مشاعره الأخرى، فقد حمل في قلبه إحساسًا هائلًا بالذنب تجاه كايل.
صحيح أنه مبارز بالسيف، لكنه أب أيضًا.
ولهذا، فإن مبادرة الابن الذي لم يكن يستطيع مواجهته دون أن يشعر بالخجل إلى اقتراح المبارزة بنفسه، قد أثرت فيه تأثيرًا عميقًا.
بل حققت أمنية ظل يحملها في قلبه، بوصفه مبارزًا بالسيف وأبًا في الوقت نفسه.
أن يتبادل ضربات السيوف مع ابنه.
وهل يمكن لرجل يحب السيف، وهو أب في الوقت نفسه، أن يتلقى عرضًا أسعد من ذلك؟
«مبارزة! هيا نتبارز!»
قفز أسلان من مكانه بحماس، وانتزع عصابة أذني الأرنب عن رأسه، ثم خلع معطف الفرو المنفوش الذي كان يرتديه.
عندما رآه كايل قبل أربع سنوات، كانت العزلة التي استمرت اثنتي عشرة سنة قد جعلت جسد أسلان نحيلًا كغصن يابس.
أما الآن، فقد اكتسى ذلك الجسد الذي هزل سابقًا بطبقات من العضلات المتينة.
«وااااه!»
وما إن خلع أسلان ملابسه حتى انفجرت كايا، التي كانت تجلس بين ساقي كايل، بالبكاء.
يبدو أن عضلات أسلان كانت مرعبة في نظر طفلة لم تبلغ سوى عامين.
وعند سماع بكاء ابنته، عاد أسلان إلى رشده على الفور.
أسرع إلى التقاط زي الأرنب، وارتداه مجددًا.
وعندها فقط فهم كايل سبب ارتداء أبيه تلك الملابس السخيفة.
«اذ... اذهب أنت أولًا إلى غرفة التدريب. سأغير ملابسي... سأغيرها وألحق بك.»
«حسنًا.»
نهض كايل أولًا، وهو يحمل كايا التي لا تزال تشهق من أثر البكاء.
«أمي، أحضري أبي معك. سآخذ كايا إلى غرفة التدريب.»
وبعدما قال ذلك، غادر الغرفة وهو يرفع كايا قليلًا بين ذراعيه ثم يخفضها، محاولًا ملاعبتها.
كانت تنتحب قبل لحظات.
لكن ما إن خرجا من الغرفة حتى توقفت عن البكاء تمامًا، وكأن شيئًا لم يحدث.
خفض كايل رأسه، ونظر إلى الدموع القليلة التي بقيت عالقة في عينيها الذهبيتين.
كانت تنظر إليه بابتسامة مشرقة، وفي عينيها بريق مشاكس يشبه بريق عيني شيطان صغير.
«يا لكِ من مشاغبة.»
ربت كايل على رأس كايا وهو ينزل الدرج.
«لقد جعلتِ أباك يفعل ما تشائين تمامًا. هل تحبين رؤيته مرتديًا زي الأرنب إلى هذه الدرجة؟»
«كايا تحب الأرانب.»
ابتسمت كايا بخجل، ورفعت رأسها نحو كايل.
ثم مدت يدها الصغيرة، وبدأت تعبث بشعره.
«أخي الكبيل، كن ألنب أنت كمان.»
«لا أريد.»
«كن ألنب.»
وما إن بدأت الدموع تتجمع في عيني كايا مرة أخرى حتى أسرع كايل بالإجابة:
«سأفعل ذلك لاحقًا.»
اكتفى بتهدئتها مؤقتًا، ثم غادر القصر متوجهًا إلى غرفة التدريب.
لكن مدخل الغرفة التي اعتاد استخدامها قبل أربع سنوات لم يعد مطابقًا لما يتذكره.
فقد غطته خربشات كايا أيضًا.
«يبدو أن هذا القصر كله أصبح يدور حولكِ أثناء غيابي، أليس كذلك؟»
ولم يكن كايل منزعجًا من ذلك.
بل على العكس، فقد أسعده الأمر.
فخلال إقامته داخل طوابق الصقل، راوده القلق أحيانًا من أن تشعر أريان بالوحدة أثناء غيابه.
بل تساءل عما إذا كان قضاؤه أربع سنوات داخل ذلك المسطح الطيني المروع يختلف كثيرًا عن عزلة أسلان التي استمرت اثنتي عشرة سنة.
لكن بفضل كايا، يبدو أن أريان ظلت مشغولة وسعيدة طوال تلك المدة.
«...»
لم تكن الخربشات تغطي باب غرفة التدريب وحده.
بل امتدت إلى جدرانها الداخلية أيضًا.
ألقى كايل نظرة على الغرفة الملونة، وأطلق ضحكة خاوية.
ثم أنزل كايا برفق إلى الأرض.
«يمكنكِ أن تصبحي رسامة عندما تكبرين.»
«لا. سأصير مبارزة بالسيف.»
اتسعت عينا كايل عند سماع إجابتها الفورية.
أعاد تفحص غرفة التدريب، ولاحظ سيفًا صغيرًا من ألعاب الأطفال ملقى في إحدى الزوايا.
يبدو أن كايا كانت تلعب به.
«هل أخبركِ أبوكِ أو جدكِ بأن عليكِ أن تصبحي مبارزة بالسيف؟»
هزت كايا رأسها.
ثم مشت بخطوات متمايلة نحو الزاوية، وعادت وهي تحمل سيفها الصغير.
وعندما شاهدها كايل تحمل سيفًا أقصر حتى من ذراعيها وساقيها الصغيرتين، لم يستطع منع نفسه من الضحك.
«ومن علّمكِ استخدام السيف؟»
«بابا وجدي. وخالتي إيريكا، وعمو برونو...»
أخذت كايا تعد الأسماء على أصابعها الصغيرة، وهي تتمتم:
«وأختي لوسيا، وأختي فيفيان.»
«هاه؟»
كان كايل يتوقع سماع اسم لوسيا.
لكنه لم يتخيل أن تذكر كايا اسم فيفيان أيضًا.
تذكر ابنة خاله التي تكبره بعامين، والتي نادرًا ما تبادل معها الحديث.
«هل تعتني بكايا لأنهما فتاتان؟»
أمال كايل رأسه قليلًا.
ثم ثنى ركبتيه وانحنى حتى أصبحت عيناه في مستوى عيني كايا.
ورفع سبابته، وابتسم ابتسامة عريضة.
«هل تريدين أن تلعبي بالسيف مع أخيكِ الأكبر؟ هيا، هاجميني.»
وبطبيعة الحال، لم يطلق كايل أي قدر من الهالة.
بل ترك دفاعه مفتوحًا تمامًا، حتى تستطيع كايا مهاجمته دون تردد.
أشرقت ملامحها فرحًا.
ثم تقدمت نحوه بخطوات متمايلة، ولوّحت بسيفها اللعبة.
كان جسدها يتأرجح مع كل ضربة، حتى بدت على وشك السقوط في أي لحظة.
ومع ذلك، فإن مسار سيفها بدا مقنعًا بصورة غريبة.
طَق.
أوقف كايل السيف اللعبة بإصبع واحدة.
وفي الوقت نفسه، مد يده الأخرى ليسند كايا حتى لا تسقط.
«هل يُعقل أنكِ...؟»
تلألأت عينا كايل وهو يسأل:
«روين... أعني... هل أنتِ الجد المؤسس وقد وُلد من جديد أو ما شابه؟»
أراد أن يسألها مباشرة عما إذا كانت قد تناسخت مثله.
لكن الشظية قد تكون قادرة على سماع حديثهما داخل برج السيف.
كما أن الأمر ليس شيئًا يستحق التباهي به.
ولم يكن كايل يرغب في التجول وإخبار الناس بأنه وُلد من جديد.
«شو يعني وُلد من جديد؟»
«أمم... يعني أن شخصًا مات منذ زمن طويل، ثم وُلد مرة ثانية.»
ثم أضاف مراوغًا:
«مهارتكِ بالسيف مذهلة بالنسبة إلى طفلة في الثانية، ولذلك تخيلت أنكِ ربما تكونين الجد المؤسس، رغم أنني لم أره أصلًا.»
ربت كايل على رأس كايا.
فما مقدار المهارة التي يمكن أن تمتلكها طفلة في الثانية من عمرها، وهي بالكاد تستطيع المحافظة على توازنها؟
ومع ذلك...
ربما كان يتخيل أشياء غير موجودة.
لكن طريقة كايا في استخدام السيف لم تبدُ سيئة إطلاقًا.
«وحتى لو لم تمتلك الموهبة، فما المشكلة؟ أستطيع تعليمها بنفسي.»
وبالطبع، فإن ذلك مشروط بأن ترغب كايا فعلًا في أن تصبح مبارزة بالسيف عندما تكبر.
بعدما لعب كايل مع كايا لبعض الوقت، دخل أسلان وأريان غرفة التدريب.
وكان أسلان قد غيّر ملابسه أخيرًا.
وما إن رأت أريان الأخ وأخته يلعبان معًا حتى أطلقت صيحة فرح، وأخذت تقفز في مكانها.
«هذا هو! هذا بالضبط ما أردت رؤيته!»
«هل تقولين ذلك حتى أشعر بالذنب؟»
«جيد. ينبغي لك أن تشعر بالذنب.»
ثم أضافت أريان مبتسمة:
«ومع ذلك، فأنت أفضل من أبيك يا ولدي. فعلى الأقل، عدت بعد أربع سنوات. أما أبوك، فقد احتاج إلى اثنتي عشرة سنة.»
«إذن، أنا أفضل منك بثلاث مرات يا أبي.»
عند سماع تلك الكلمات، هبط كتفا أسلان تحت زي التدريب الذي يرتديه.
لكنه سرعان ما لاحظ السيف المثبت عند خصر كايل.
فاتسعت عيناه فجأة.
«فـ... فينريس؟»
في وقت سابق، كان غارقًا في مشاعره إلى درجة لم تسمح له بالتعرف إلى فينريس.
أما الآن، بعدما انتبه إليه، فقد بدأت عيناه ترتجفان.
«سيف... شيطان السيف...»
«هل تعرف فينريس؟»
«بالطبع. لقد رأيته داخل قاعة ذروة السيف... كما أنني أمضيت بعض الوقت داخل طائفة السيف.»
وبالمعنى الدقيق، لم يكن أسلان قد قطع جميع صلاته بطائفة السيف.
فحتى لو أراد التخلي عنها، فإن الطائفة نفسها لم تكن تعتبره خائنًا.
أطلق أسلان تنهيدة خافتة، وهز رأسه.
«لقد سمعتُ كثيرًا من جدك وأريان عنك وعن فينريس، لكن...»
ثم تابع:
«رؤيتك تحمل فينريس فعلًا تثير في داخلي مشاعر كثيرة.»
«هل تأثرت؟»
«أشعر بالتأثر والغيرة والقلق.»
ابتسم أسلان ابتسامة مريرة، وهو يحدق في فينريس.
«لقد تجولت في أنحاء العالم يومًا، ولم يكن معي سوى سيف أحمله بيدي.»
ثم أضاف:
«ومن بعض النواحي، كانت حياتي تشبه حياة شيطان السيف.»
سكت لحظة، قبل أن يقول:
«وأنا أيضًا... أردت أن أصبح مثله.»
«هذا الرجل يجعلني أشعر بالحرج فجأة.»
استعاد كايل هدوءه بسرعة، وحرص على ألا يكشف تعبير وجهه عما يشعر به.
لكن أريان لم تكن تنوي التزام الصمت.
«سمّه شيطان السيف أو ما تشاء، لكنه يظل خاسرًا ينتمي إلى عصر مضى وانتهى.»
عقدت حاجبيها بغضب، وصفعت أسلان على ظهره.
«لم يؤسس أسرة، ولم ينجب أطفالًا. ولم يترك وراءه سوى تلك الجماعة المريبة التي تُدعى الغربان داخل طائفة السيف. ثم تحدى الجد المؤسس، وانتهى به الأمر ميتًا.»
وتابعت مستنكرة:
«ما العظيم أو الجدير بالإعجاب في حياته حتى تتمنى أن تصبح مثله؟»
«أ... أريان. صحيح أن حياة شيطان السيف انتهت بالهزيمة، لكن هذا لا يعني أنها كانت فاشلة.»
حاول أسلان الدفاع عن رأيه.
«فعلى الأقل، عاش ومات مبارزًا بالسيف، وكانت في حياته مسحة من الرومانسية...»
«إذا كانت الرومانسية مهمة لديك إلى هذه الدرجة، فاترك أسرتك، واحمل سيفك، واذهب لتمت على قارعة الطريق!»
عند سماع كلمات أريان القاسية، انحنى كتفا أسلان أكثر فأكثر.
أما كايل، فقد أمسك بطنه وانفجر ضاحكًا.
«أمي محقة. لقد عاش شيطان السيف كما يحلو له، ثم مات.»
لم تكن لدى كايل أدنى نية لمخالفة أريان.
بل على العكس، أراد تأييد كلامها بكل ما أوتي من قوة.
«لا أعرف إن كان شيطان السيف راضيًا عن حياته عندما مات، لكن شيطان السيف هو شيطان السيف، وأبي هو أبي.»
ثم تابع:
«فلو أنه تزوج امرأة وأسس أسرة مثلك، لربما عاش حياة مختلفة تمامًا. مع أنه كان سيظل يحب السيف، بالطبع.»
«لماذا ينبغي للإنسان أن يحب شيئًا واحدًا فقط، ويجعل حياته كلها تدور حوله؟»
«إذا كان قادرًا على ذلك، فيمكنه أن يحب أشياء أخرى أيضًا.»
ثم التفت كايل نحو أسلان وسأله:
«لكن يا أبي، أفهم سبب تأثرك وغيرة قلبك عندما ترى فينريس معي. فلماذا تشعر بالقلق؟»
«بسبب زعيم طائفة السيف والغربان.»
كان أسلان قد غرق في التفكير في شيء قاله كايل.
لكنه انتبه عند سماع السؤال وأجاب:
«لقد ظل زعيم طائفة السيف مهووسًا بفينريس طوال خمسمئة عام.»
ثم تابع:
«كما ظل زعيم الغربان، جيلًا بعد جيل، يعبّر عن رغبته في امتلاك فينريس.»
وأضاف بجدية:
«لكن فينريس، الذي ظل محفوظًا داخل قاعة ذروة السيف خمسمئة عام، أصبح له مالك جديد الآن...»
ثم حذر ابنه:
«ولهذا ستتجه أنظار أولئك الوحوش إليك.»
«يبدو الأمر ممتعًا.»
«ممتعًا...؟»
«إذا حاولوا أخذه بالقوة، فسأبذل جهدي حتى لا أسمح لهم بذلك.»
ابتسم كايل بخفة.
«وإذا أخذوه لأنني لم أكن قويًا بما يكفي لمنعهم، فسأستعيده لاحقًا.»
ثم سأل:
«فأين المشكلة؟»
ضحك كايل، ثم حمل كايا وسلمها إلى أريان.
وبعدها التفت إلى أبيه.
«هل تسمح باستخدام السيوف الحقيقية؟»
«هاها...»
ظل أسلان يحدق في كايل بذهول للحظات.
ثم ارتسمت ابتسامة واسعة على شفتيه.
«بالطبع.»
«لقد أصبحت أقوى بكثير مما كنت عليه قبل أربع سنوات.»
«هذا واضح عليك فعلًا.»
ابتسم أسلان ابتسامة مشرقة، واستل سيفه.
«سنتمكن من الاستمتاع بمبارزة أعظم بكثير من مبارزتنا قبل أربع سنوات.»
تراجعت أريان وهي تحمل كايا.
أما كايل وأسلان، فقد وقفا متقابلين وسط غرفة التدريب.
أصبح الهواء ثقيلًا.
فقد بدأ الرجل الذي كان يرتدي أذني أرنب وزيًا منفوشًا قبل لحظات، ويتصرف بدلال لإضحاك ابنته، يطلق حضورًا قتاليًا هائلًا.
بل كان ذلك الحضور أشد حدة مما شعر به كايل عندما التقى أسلان للمرة الأولى قبل أربع سنوات.
«يبدو أنك لم تكرس وقتك كله لتربية طفلة فحسب.»
«لقد بذلت قصارى جهدي من أجل أريان، واجتهدت في تربية ابنتنا أيضًا.»
ثم أضاف أسلان مبتسمًا:
«لكن أمك امرأة رائعة وطيبة القلب، ولذلك كانت تسمح لي بحمل سيفي كلما سنحت الفرصة.»
«أعظم ضربة حظ حصلت عليها في حياتك كانت زواجك من أمي.»
وتابع كايل:
«أما الثانية، فهي أنك أصبحت أبًا لكايا ولي.»
أثار الحضور الذي يجعل جلده يقشعر مشاعر الإثارة والفرح في صدر كايل.
بلّل شفته السفلى بطرف لسانه، ثم استل فينريس.
ووووونغ...!
ارتجف النصل من تلقاء نفسه.
وتردد عواء ذئب لم يستطع سماعه سوى كايل.
«اخرس، أيها الكلب.»
تقطع عواء الذئب، ثم خفت حتى اختفى.
«يبدو أنك اكتسبت بعض الوظائف الغريبة خلال الخمسمئة عام الماضية.»
«لقد أخبرتك من قبل: إذا كنت سيفًا، فتصرف كسيف.»
ربما كان كايل يقسو على فينريس أكثر مما ينبغي.
لكن للسيف أخطاء سابقة لم يُحاسب عليها بعد.
ولهذا لم يرَ مشكلة في معاملته بهذه الطريقة.
وووش!
التفت هالة أرجوانية حول نصل فينريس الذي عاد إلى الصمت.
«تفضل أنت أولًا.»
ما إن سمع أسلان دعوة كايل المبتسمة حتى ارتجف جسده كله من شدة السعادة.
فمجرد سماع تلك الكلمات من أي مبارز بالسيف كان كافيًا لإثارة مشاعره.
فكيف إذا كان قائلها ابنه، الذي يجري في عروقه دمه؟
«حسنًا يا بني.»
جاءت إجابة أسلان مشوبة بالدموع.
وفي اللحظة نفسها، تلاشى جسده من شدة سرعته.
دووووم!
وسط دوي يصم الآذان، اندفع سيف أسلان نحو عيني كايل.
كانت طعنة بسيطة في ظاهرها.
لكن سرعتها وقوتها كانتا أشبه بقذيفة مدفع.
وقبل أن يصل النصل إليه، خطرت لكايل طرق عديدة للتعامل معه.
لكنه اختار أبسطها.
فقد أراد اختبار جسده وطريقة تنمية المانا الجديدة.
لوّح بفينريس، وأبعد الهجوم عن مساره.
قبل أربع سنوات، لم يكن يستطيع تحمل صدمة كهذه.
فإما أن يُقذف جسده بعيدًا، أو يتحطم سيفه، أو تتكسر عظامه كلها تحت قوة الاصطدام.
أما الآن، فقد أراد معرفة حدود الجسد الذي قوّاه طوال السنوات الأربع الماضية بأكل البقايا الفاسدة والنواتج الثانوية.
وكان واثقًا أيضًا من أن سيفه لن يتحطم.
رنّ!
ما إن اصطدم السيفان حتى اندفعت موجة صدمة هائلة اجتاحت غرفة التدريب.
تشققت الأرضية.
وتوهجت الدوائر السحرية الوقائية المنقوشة على الجدران بلون أحمر ساطع.
«تمهلا!»
صرخت أريان، وأحاطت نفسها وكايا بحاجز من الرياح.
أما كايا، التي كانت تراقب المشهد بعينين متسعتين، فقد انفجرت ضاحكة من شدة الفرح.
وسط ردّي الفعل المتناقضين، تبادل كايل وأسلان النظرات.
شعر كايل بوخز خفيف في راحة يده.
لكنه لم يشعر بألم يدل على انكسار عظامه أو تمزق عضلاته.
وكان تبادل الضربات الأول ذلك كافيًا حتى يدرك الاثنان حقيقة واحدة.
على خلاف ما حدث قبل أربع سنوات، أصبح بإمكانهما الآن التحدث عبر سيفيهما.
«هاهاها!»
انفجر أسلان ضاحكًا.
فقد وجه تلك الطعنة دون أن يكبح قوتها.
صحيح أنها لم تكن قوية إلى درجة تقتل ابنه.
لكنه اعتقد أن كايل لن يستطيع استقبالها مباشرة.
ومع ذلك...
فقد تحمل ابنه البالغ الخامسة عشرة قوة الضربة كاملة.
«يا بني!»
وما إن أطلق أسلان تلك الصيحة حتى بدأ سيفه يرقص.
كانت رقصة سيف شرسة، صُقلت عبر معارك حقيقية لا تُحصى.
طعنات.
وقطعات.
وضربات.
أخذ الإيقاع المتغير ومسارات السيف غير المتوقعة تنهال على كايل كعاصفة عاتية.
لكن بالنسبة إلى كايل...
لم يكن الإيقاع مضطربًا.
ولم تكن المسارات غير متوقعة.
فقد استطاعت عيناه، اللتان تراقصت في أعماقهما أضواء ذهبية خافتة، رؤية مسارات سيف أبيه، أسلان أنتاريس، بوضوح تام.
«الكتف الأيسر، الجانب الأيمن، الرأس، ثم اليمين مجددًا، وبعدها...»
قرأ كايل المواضع التي سيتجه إليها رأس سيف أسلان.
واستشعر الارتجافات الخفيفة في عضلات أبيه، والفواصل الزمنية بين أنفاسه.
«هاه!»
اندفعت هالة بيضاء من جسد أسلان كله.
ثم انقضت نحو كايل على هيئة رياح سيف حادة.
كان الأمر أشبه بإضافة مئات مسارات السيف إلى حركات جسد أسلان.
وهي مسارات لم يكن كايل يستطيع قراءتها بمجرد مراقبة حركات أبيه.
تراجع كايل نصف خطوة.
ثم ركز المانا داخل فينريس.
استجاب
سِفر سيف الوحدة البدئية
لإرادته، ووجّه المانا كما يشاء.
فقد أصبح تدفق الطاقة الذي يرسم كونًا كاملًا داخل جسده يتجاوز معظم المبادئ التي تحكم قنوات المانا في الأجساد البشرية.
دووووم!
التفت طاقة السيف الأرجوانية حول فينريس، وأخذت تدور وتتضخم.
قَرررع!
ابتلع مسار السيف الذي رسمه فينريس، والمغلف بدوامة من الطاقة، رياح السيف التي أطلقها أسلان.
وبعدما بددها بالكامل، اندفع النصل نحو أبيه.
لكن دفاع أسلان لم يحمل أي ثغرة قاتلة.
فقد كان سيفه ينتظر بالفعل عند الموضع الذي يتجه إليه فينريس.
وقبل أن يتصادم النصلان...
انجذبت طاقة السيف المحيطة بنصل أسلان إلى الدوامة الأرجوانية التي تغلف فينريس.
تلألأت عينا أسلان عندما شعر بذلك.
دووووم!
تردد اصطدام مدوٍّ.
واندفع كايل وأسلان بعيدًا أحدهما عن الآخر.
«هاه... هاها...»
هز أسلان رأسه، وقد غمرته الدهشة والسعادة.
«هل هذه... قوة السيف؟»
حدق في سيف كايل، عاجزًا عن تصديق ما يراه.
كانت طبقة رقيقة من الهالة تغطي النصل، وتدور حوله باستمرار.
لكن لونها لم يكن أرجوانيًا خالصًا.
فقد امتزجت داخل الهالة الأرجوانية الدوارة نقاط متلألئة من الضوء الأبيض.
وبدت كأن سماء ليلية مليئة بالنجوم قد التفّت حول السيف.
«أنت تستطيع استخدام قوة السيف أيضًا يا أبي. فلماذا تتفاجأ إلى هذه الدرجة؟»
«أي شخص سيرى فتى في مثل عمرك يستخدم قوة السيف سيصاب بالذهول.»
أطلق أسلان ضحكة خاوية، ورفع سيفه.
كانت قوة سيف بيضاء قد تشكلت حول نصله أيضًا.
لكن هيئتها اختلفت بوضوح عن قوة سيف كايل، التي واصلت الدوران والتلألؤ كضوء النجوم.
«قوة سيفك... غريبة للغاية. لم أرَ شيئًا يشبهها من قبل.»
«حقًا؟»
كانت قوة السيف التي شكلها كايل الآن مطابقة لقوة السيف التي استخدمها عندما كان شيطان السيف.
حدق في سيف أسلان.
وكان كلام أبيه صحيحًا.
فقد اختلف شكل قوتيهما فعلًا.
«حتى لو كانت قوة السيف، فهي في النهاية مجرد سيف.»
ثم أضاف كايل:
«أبي، لا أستطيع الحفاظ عليها طويلًا. لذا توقف عن الإعجاب بها، ولنواصل اللعب.»
لقد جعل سِفر سيف الوحدة البدئية استخدام كايل للمانا بالغ الكفاءة، إلى درجة تكاد تتجاوز المعقول.
لكن ذلك لا يعني أن مخزون طاقته لن ينفد.
فاستخدام شيء يستهلك قدرًا هائلًا من المانا، مثل قوة السيف، يظل صعب الاستمرار مدة طويلة.
«هاه...»
ابتسم أسلان ابتسامة عريضة، وتقدم نحو كايل بخطوات متمايلة من شدة الحماس.
«لم أتخيل قط أن اللعب مع ابني قد يكون بهذه المتعة...!»
وغني عن القول...
فقد كان أسلان يفضل اللعب بالسيوف على قراءة قصص الأطفال مرتديًا زي أرنب.