اصطدتُ قليلًا
وووووش...
لم يسبق لكايل أن رأى البحر في حياته الحالية.
لكنه رآه مرات عديدة في حياته السابقة.
ولم يكن ذلك لأسباب شاعرية أو رومانسية.
بل لأن ساحات القتال القريبة من السواحل كانت كثيرة.
فقد أمضى شيطان السيف معظم حياته في ميادين الحرب.
ولم يكن ذلك بسبب مأساة اضطرته إلى القتال، أو ظروف قاسية لم يجد سبيلًا للهروب منها.
بل لأنه أحب القتال ببساطة.
وربما كان في ذلك شيء من الرومانسية أيضًا، بطريقة ما.
على أي حال...
ما أراد كايل قوله هو أن صوت الأمواج الذي يسمعه الآن غريب ومزعج إلى أبعد حد.
فالأمر ليس أنه لم يسبق له رؤية البحر أو سماع صوت أمواجه.
لقد رآه وسمعه مرات لا تُحصى.
لكن هذه الأمواج تحديدًا...
كانت تصدر صوتًا مزعجًا بصورة لا تُحتمل.
وووووش...
لم يحمل ذلك الصوت أي إحساس بالانتعاش.
بل كان مكتومًا وثقيلًا، كصوت جبل من الطين ينهار على نفسه.
ولزجًا أيضًا، كأن كتل الطين تتشابك وتحتك بعضها ببعض أثناء انهيارها.
حدّق كايل في البعيد، نحو الطرف القصي من المسطح الطيني الشاسع.
هناك، عند الأفق الذي يلتقي فيه الضباب الأرجواني اللزج بالطين...
«...»
ابتلع ريقه دون أن يشعر.
فقد لمح شيئًا يتمايل في مجال رؤيته من بعيد.
ووراء الأفق، بعد ذلك الحد الضبابي الفاصل، ارتفعت يد عملاقة بدت وكأنها تستطيع الإمساك بالعالم نفسه.
كان لونها شاحبًا، كلون جثة منتفخة لشخص مات غرقًا.
استطاع كايل رؤيتها بوصفها «يدًا».
لكنه لم يكن متأكدًا من أنها يد فعلًا.
فقد كان ذلك الشيء خارجًا عن نطاق الفهم تمامًا.
شيئًا لا ينبغي له أن يوجد أصلًا.
وجودًا ينتمي إلى مستوى مختلف كليًا.
ولهذا لم يستطع عقل كايل إدراك حقيقته، فاستعاض عنها بصورة مألوفة تشبهه إلى حد ما.
وبعبارة أخرى...
كان ذلك الشيء يشبه اليد.
لكنه لم يكن يدًا.
«...»
شعر برغبة عارمة في اقتلاع عينيه.
ثم راودته رغبة في تحطيم جمجمته وكشط دماغه من الداخل حتى ينظفه تمامًا.
ولولا خيط النجاة الذي يحميه، لربما فعل ذلك حقًا.
أو ربما كان سيقتل نفسه ببساطة.
في حياته السابقة، أحب السيف وعاش من أجله.
وتنقل بين ساحات قتال لا تُحصى.
وقتل عددًا لا يُحصى من البشر.
وتعرض للهزيمة مرات قليلة، لكنه انتصر مرات أكثر بكثير.
بل خلد اسمه في صفحات التاريخ.
لكن تلك الإنجازات كلها حققها بوصفه إنسانًا.
صحيح أن شيطان السيف كان قويًا واستثنائيًا.
لكنه لم يتجاوز حدود البشرية قط، ولم يتحول إلى كائن ينتمي إلى مستوى مختلف عن البشر.
أما ذلك الشيء...
فقد كان خارجًا عن نطاق الفهم البشري بصورة واضحة.
شيئًا لا ينبغي للبشر حتى محاولة فهمه.
أجبر كايل عينيه على التحرك، رغم أنهما بالكاد كانتا تستجيبان له، ورغم أنه لم يرغب في النظر أصلًا.
ثم رفع بصره إلى ما فوق تلك «اليد».
كانت تمتد إلى الأعلى، مخترقة الضباب الأرجواني الكثيف.
«هل هذا هو الكائن المجهول الذي ينظر إلى العالم من السماء؟»
«وهل يوجد واحد منه فقط؟»
ربما كان هناك المزيد.
«هاه...»
داخل صدره، توقف يور عن الارتجاف والصراخ والأنين.
فقد أصبح جامدًا كالجثة.
لم يكن ميتًا بالفعل.
بل كان يتظاهر بالموت، على أمل أن يظن كايل أنه مات حقًا.
«هاهاها...»
أطلق كايل ضحكة متصدعة.
ثم عادت إلى ذهنه فكرة خطرت له مرات كثيرة منذ أن مات قبل خمسمئة عام ووُلد من جديد.
«كم أنا سعيد لأنني تناسخت.»
«كم أنا سعيد لأنني وُلدت مجددًا.»
وكان يعني ذلك من أعماق قلبه.
لقد تغير العالم كثيرًا خلال الخمسمئة عام الماضية.
ظهرت أشياء غريبة مثل الجذور الروحية وقنوات المانا.
وتغيرت تقنيات السيف تغيرًا كبيرًا أيضًا.
وفي هذا العصر، يوجد أشخاص أقوياء كثيرون يختلفون تمامًا عمن عرفهم قبل خمسمئة عام.
لكن سعادته بولادته الجديدة أصبحت الآن أكبر مما كانت عليه عندما اكتشف تلك التغيرات للمرة الأولى.
قبل خمسمئة عام، قاتل أشخاصًا يشبهونه إلى حد كبير.
ثم خسر أمام روين ألاستور ومات.
أما في هذا العصر...
فهناك أشياء ليست بشرية أصلًا.
أشياء يستحيل على البشر فهمها.
ولم يكن ذلك مجرد وهم أو هلوسة.
ربما وُجدت كائنات كهذه قبل خمسمئة عام أيضًا.
لكن شيطان السيف آنذاك مات دون أن يعرف بوجودها.
ففي ذلك الوقت، لم يكن يعرف حتى ما يجهله.
أما الآن...
فقد رأى ذلك بعينيه.
«يومًا ما...»
ضحك كايل بصوت متقطع، وقد انتبه فجأة إلى السيف الخشبي الذي يحمله.
وشعر بشيء من الأسف تجاه لوسيا، لكنه لم يستطع إنكار الحقيقة.
فالسيف الخشبي الذي أهدته إليه مجرد سلاح عادي.
وكايل الذي يحمله ليس استثناءً أيضًا.
فإذا وقف معظم البشر أمام ذلك الكائن، فلن يختلف حالهم عن حاله.
«هل سأتمكن يومًا ما من قطع ذلك الشيء أيضًا؟»
صرير... صرير...
واصل التفكير.
فهو لا يستطيع قطعه الآن.
ولو اندفع نحوه محاولًا توجيه سيفه إليه، فلن يصمد حتى لحظة واحدة قبل أن ينتهي به الأمر إلى قتل نفسه.
لقد أحب شيطان السيف التحديات.
وأحب القتال والقطع بالسيف.
أما قتل البشر...
فقد رأى أن وصفه بأنه شيء يحبه سيكون انحرافًا مروعًا عن المألوف.
وعلى الأقل، لم يكن يكرهه.
وبالطبع، لم يكن يريد الموت بنفسه.
فلو لم يكن متعلقًا بالحياة، لاستطاع الاندفاع نحو الموت دون أدنى تردد.
لكن لسوء الحظ...
أو ربما لحسن حظه...
كان كايل شديد التعلق بحياته الحالية.
وبعد رؤية شيء كهذا، أصبح لديه سبب إضافي للتمسك بها.
لم يرد أن يموت على يد ذلك الكائن.
بل أراد قطعه.
ولهذا تجاهل الاندفاع الذي كان يتلوى في أعماق صدره.
فالاندفاع نحوه الآن ليس سوى انتحار.
وصحيح أن خيط النجاة متصل بقمة رأسه...
لكن حتى ذلك الخيط لن يستطيع حمايته إذا واجه ذلك الشيء.
«ما أوسع هذا العالم اللعين.»
تمتم كايل، وأطلق ضحكة خافتة.
وووووش...
لقد مر الوقت بينما كان غارقًا في مراقبة ذلك الكائن.
وأصبح صوت الأمواج أقوى وأقرب.
دوووم!
تحركت اليد الموجودة وراء الأفق مرة أخرى.
امتدت أصابعها الهائلة، وأمسكت بشيء في البعيد، ثم غرفته إلى الأعلى.
بدا المشهد كأن شخصًا يسكب الماء على قلعة رملية ليهدمها.
وبحسب الطريقة التي ينظر بها المرء إلى الأمر، فقد يبدو مجرد لعب بريء.
أو كارثة خبيثة متعمدة.
اندفعت موجة سوداء نحو المسطح الطيني.
وفي اللحظة نفسها، اهتزت أعماق الطين، وبدأت أعمدة بيضاء من العظام ترتفع من الأرض في كل اتجاه.
كانت تشبه المرجان الأبيض أكثر مما تشبه أعمدة العظام.
«ظننت أنني قد أتمكن من الصمود أمام المد مرة واحدة... لكن يبدو أن الأمر مستحيل.»
لم يكن كايل يريد الموت، بالطبع.
وكان أقل رغبة في الموت بلا جدوى.
ولهذا، دون أن يتردد لحظة أخرى، اندفع راكضًا نحو أقرب عمود من المرجان العظمي.
فمنذ اللحظة التي ظهرت فيها اليد العملاقة على الأفق، بدا أن الوحوش الموجودة في المسطح الطيني قد التزمت الصمت، وانكمشت مختبئة تحت الطين.
وبفضل ذلك، وصل كايل إلى العمود دون أن يعترض طريقه شيء.
قفز نحوه، وتسلقه حتى بلغ قمته.
جلس على سطحه غير المستوي، ونظر إلى الأسفل.
كانت الموجة القادمة من بعيد قد ابتلعت المسطح الطيني بالفعل.
وأخذت المياه السوداء ترتفع أكثر فأكثر.
فشششش...
تصاعد دخان أبيض من قاعدة المرجان العظمي، حيث لامست المياه السوداء سطحه.
وكما قالت الشظية...
فالماء سائل سام يفسد كل ما يلمسه.
«وقالت إنه يفسد العقل والجسد معًا.»
لم يكن كايل أحمق إلى درجة تجعله يقفز في ذلك الماء.
لقد كان ممتنًا لأنه وُلد من جديد.
ولهذا ينبغي له الاعتناء بحياته، واستغلالها على نحو جيد.
فإذا مات هنا بسبب تصرف متهور، فلا شك أن أريان التي تنتظره في الخارج ستنفجر بالبكاء.
«وهل سيبكي أسلان أيضًا؟»
لقد التقيا للمرة الأولى بعد أحد عشر عامًا من ولادته.
ولهذا لم يكن كايل يشعر حتى الآن بأن أسلان أبوه فعلًا.
وبينما يفكر في تلك الأمور، راقب المسطح الطيني يتحول إلى بحر مع ارتفاع المد.
لم يستغرق الأمر طويلًا حتى اختفى المسطح الرمادي القاحل بالكامل تحت المياه.
وأصبح المكان بحرًا ممتدًا إلى ما لا نهاية.
كان سطحه أملس كالمرآة.
لكن النظر إلى أعماقه منحه إحساسًا بعمق مرعب، وكأنه قادر على امتصاص روحه.
سوووش...
انزلق ظل عملاق تحت السطح الأسود.
كان حجمه يقارب حجم عمود المرجان العظمي الذي يتمسك به كايل.
بدت حراشف الوحش المجهول صلبة كأسوار القلاع.
أما الزعانف البارزة على امتداد عموده الفقري، فكانت حادة ومخيفة كنصال المناشير.
«لو كانت التنانين موجودة...»
لا.
فالتنانين موجودة بالفعل.
لكن لو رأى كايل تنينًا بعينيه، لما استطاع منع نفسه من التساؤل عما إذا كان سيشبه ذلك الوحش.
ولم يكن الوحيد هناك.
فقد تلألأت أضواء صفراء، وانجرفت عبر الماء مخلوقات تشبه قناديل البحر.
وفي الأعماق الأبعد، أخذت مجسات تشبه أذرع الأخطبوط تتلوى ببطء.
«قالوا إن مجرد التقاء العيون بها يكفي لتحطيم العقل...»
«لكن الأمر لا يبدو سيئًا إلى هذه الدرجة...»
وما إن خطرت تلك الفكرة في ذهنه حتى أطلقت غرائزه تحذيرًا عنيفًا.
فانبطح كايل فورًا على سطح المرجان.
وووش!
في مكان أعمق بكثير من الوحوش التي تتحرك قرب السطح...
انفتحت عين عملاقة فجأة.
تحركت العين ببطء من جانب إلى آخر.
ثم أُغلقت.
وعندها فقط استطاع كايل إطلاق أنفاسه.
وأدرك أخيرًا أن الشظية لم تكن تبالغ في تحذيراتها إطلاقًا.
فلو التقت عيناه بتلك العين، لانقطع خيط نجاته من تلقاء نفسه حتى يمنع عقله من الانهيار.
وعندها سيُعاد فورًا إلى الغرفة السابقة.
«يا إلهي...»
أطلق كايل تعجبًا خافتًا، ثم استرخى فوق السطح غير المستوي.
وألقى نظرة نحو السماء.
كان الضباب لا يزال كثيفًا.
ووراءه توجد تلك النظرات المجهولة.
وربما كانت أكثر من نظرة واحدة.
لكنها لم تكن تنظر إلى الأسفل في الوقت الحالي.
فقد اتجهت النظرات الموجودة في السماء إلى ما وراء الأفق.
وهناك، كانت اليد العملاقة لا تزال تغرف ماء البحر، كطفل يلهو بالماء.
وبفضل ذلك، لم يعد كايل يخشى رفع بصره إلى السماء كما كان يخشاها أثناء الجزر.
«يور.»
[...]
«كف عن التظاهر بالموت. ألا تريد أن تأكل؟»
[آخ...]
عند سماع كلمات كايل الحادة، أطلق يور صوتًا يشبه النشيج، ثم رفع رأسه.
[سـ... سيدي، متى سنغادر هذا المكان؟]
«عندما تنتهي الشظية من إكمال طريقة تنمية المانا.»
[آخ... لو سمحت لي بالخروج على الأقل...]
«أتجرؤ على التخلي عن سيدك والهرب وحدك؟ هذا مرفوض تمامًا.»
ثم أضاف كايل بحزم:
«نحن كيان واحد. إذا عشتُ، عشتَ. وإذا متُّ، متَّ.»
[آآآآخ...]
«أنا لا أنوي الموت، لذا لا تقلق. وعلى أي حال، إذا كنت تريد الطعام، فلنبدأ العمل.»
شعر كايل بالأسف تجاه يور.
لكنه لم يكن ينوي السماح له بالخروج وحده.
فالصيد والأكل داخل المسطح الطيني يغيران جسد كايل تدريجيًا.
ولا شك أن تأثير ذلك التغير سيصل إلى يور أيضًا.
فطوال عام كامل، عرّض كايل يور لتأثير الجذر الروحي، وأطعمه المانا، وغيّر طبيعته بوصفه روحًا.
وبفضل ذلك، ورغم أن يور وُلد روحًا من عنصر البرق، فإنه لم يعد روح برق خالصة.
«لا بد أن ذلك الطعام البشع والدخان الأسود اللذين يغيران جسدي يؤثران في يور أيضًا.»
وبينما يفكر في ذلك، أغمض كايل عينيه، وركز وعيه على طريقة تنمية المانا.
«أنا لا أفعل هذا من أجل نفسي وحدي. بل أفعله من أجلك أيضًا، لذا كف عن التذمر وباشر عملك.»
[حـ... حاضر...]
بدأ يور يتحرك وهو يئن بخفوت.
كانت المانا الموجودة في الجو أقل كثافة حتى مما كانت عليه عندما دخلا للمرة الأولى.
ولهذا أصبحت الدورة الواحدة للمانا وفق طريقة التنمية تستغرق وقتًا طويلًا بصورة لا تُصدق.
«حتى لو ركزت على التحكم في المانا وحده، فسيتحسن تحكمي فيها كثيرًا.»
تذكر كايل برونو، الذي ظل يتدرب على تدوير المانا وهو يرتدي السوارين.
«الآن فهمت لماذا أعطاه خالي فاركاس هذين السوارين.»
«فإذا تدرب عليهما واعتاد وجودهما مسبقًا، فلن يرتبك كثيرًا عندما يدخل إلى هنا لاحقًا.»
«وسيستطيع تحريك شيء من المانا أيضًا.»
ففي النهاية...
كان فاركاس يفكر في مصلحة ابنه عندما فرض عليه ذلك التدريب.
أثناء الجزر، كان كايل يصطاد أنواعًا مختلفة من الوحوش ويأكلها.
وأثناء المد، كان يتسلق أعمدة المرجان العظمي، ويمارس طريقة تنمية المانا.
وهكذا عاش داخل المسطح الطيني أسبوعًا كاملًا.
ولم يكن لديه سبب يدفعه إلى العودة.
فقد ظل خيط نجاته سليمًا طوال تلك المدة.
كما استخدم السوائل الموجودة داخل أجساد الوحوش بدلًا من ماء الشرب، واعتمد على لحومها غذاءً له.
«...»
اعتاد تدريجيًا الرائحة الكريهة المنبعثة من جسده كله.
ففي البداية، كان يشعر بالقذارة باستمرار، ويرغب بشدة في الاغتسال.
أما الآن، فلم يعد يراوده ذلك الشعور.
ومهما قتل من الوحوش، كان المزيد منها يستمر في الظهور.
ولم تكن تلك الوحوش صعبة القتل أصلًا.
وفوق ذلك، فقد تكيف جسده بصورة ملحوظة مع البيئة خلال الأسبوع الماضي.
ولهذا أصبح قتلها أسهل من ذي قبل.
«يبدو أن الوقت قد حان للعودة إلى الغرفة.»
ابتلع كايل قطعة أخرى من اللحم المقزز، الذي لم يعتد مذاقه حتى الآن، ثم أدار رأسه.
لقد ابتعد عن الباب مسافة كبيرة خلال الأسبوع الماضي.
وكان خيط نجاته يمتد بعيدًا خلفه.
وما إن اتخذ قراره حتى بدأ السير على امتداد الخيط.
لكن المد ارتفع في أثناء عودته، كما اعترضت الوحوش طريقه مرات عديدة.
ولهذا استغرق يومين كاملين حتى وصل إلى الباب.
[أخيرًا... أخيرًا!]
أطلق يور صيحة فرح.
فقد اعتاد المكان إلى حد لا بأس به بعد أسبوع من الإقامة فيه.
لكنه لم يستطع الاستمتاع بالحياة داخل المسطح الطيني كما فعل كايل.
«هل أنت سعيد إلى هذه الدرجة؟»
[لـ... لا أستطيع الاستمتاع بمذاق ذلك اللحم المتعفن مثلك!]
«أنا أيضًا لم أستمتع به. أحب الطعام اللذيذ مثلك تمامًا.»
[الطـ... الطعام! الطعام! هل يمكننا أن نأكل الآن، أرجوك؟]
توسل يور بحماس.
فوفقًا لما قالته الشظية، يستطيعان طلب مكافآت داخل الغرفة بناءً على «أدائهما».
وقد قتل كايل مئات الوحوش على الأقل خلال الأيام التسعة الماضية.
ولهذا فمن المرجح أنه يستطيع طلب وليمة كاملة.
«فلنجرب شيئًا آخر غير الطعام أولًا.»
وبعدما قال ذلك، فتح كايل الباب.
بدت الغرفة مختلفة قليلًا عما كانت عليه عندما غادرها.
فقد وُضع مكتب كبير في منتصفها.
وتكدست فوقه أنواع متعددة من الكتب.
وكانت الشظية تمسك بريشة كتابة، وتكتب شيئًا بانشغال شديد، وهي تتمتم بكلمات غير واضحة.
«ماذا تفعل؟»
«أبتكر لك طريقة لتنمية المانا.»
«هممم. لدي سؤال بشأن ذلك.»
اقترب كايل من المكتب.
«الآن بعدما فكرت في الأمر، لم تسألني أصلًا عن تفاصيل طريقة التنمية التي أستخدمها. هل بدأت من الصفر؟»
«ومن تظنني؟»
رفعت الشظية رأسها، وأطلقت ضحكة تنم عن الذهول.
«أيها الصغير، طريقتك مبنية على فن البرق الأرجواني خارق السماوات، وقد مزجت فيها محتويات ستة وعشرين دليلًا من أدلة تنمية المانا من الدرجة الثالثة الموجودة في المكتبة الكبرى. أليس كذلك؟»
«نعم... هذا صحيح.»
«أنا أعرف جميع أدلة التنمية التي رجعت إليها ودمجتها.»
ثم تابعت:
«عندما تواصلت معك للمرة الأولى، وجهت المانا الموجودة داخل جسدك، واستطعت معرفة كيفية تدويرك لها.»
«...»
«وتحققت من ذلك مرة أخرى عندما منحتك بركتي. ولهذا أفهم طريقة التنمية غير المكتملة التي ابتكرتها فهمًا تامًا.»
وضعت الشظية ريشة الكتابة على المكتب.
«وأعرف أيضًا مدى بدائيتها، ومقدار الأخطاء الموجودة فيها.»
ثم نظرت إلى كايل نظرة ازدراء.
«أيها الصغير الأحمق، قد ينحرف شخص جاهل مثلك عن الطريق الصحيح انحرافًا ضئيلًا، ثم يواصل السير دون أن يدرك خطأه حتى يبتعد مسافة هائلة.»
وأضافت:
«وهذا بالضبط ما حدث مع طريقة تنمية المانا التي ابتكرتها.»
«أتقصد أنني لو حاولت إكمالها وحدي، لما تمكنت من ذلك أبدًا؟»
«بل كنت ستكملها.»
أجابت الشظية بلا تردد.
«لكن الأمر كان سيستغرق وقتًا طويلًا بصورة لا تُصدق، مع احتمال كبير لتعرض جسدك لأضرار أثناء المحاولة.»
«أنت أكثر خبرة مني بكثير في هذا المجال، ولذلك ستتمكن من إكمالها بسرعة، أليس كذلك؟»
«ومن يدري؟ عليّ أن أجرب أولًا.»
ثم أضافت:
«فلم يسبق لأي شخص في العالم أن فعل شيئًا كهذا. كما أن هذا الدليل لتنمية المانا ليس من المفترض أن يوجد أصلًا.»
عقدت الشظية ذراعيها، وأخذت تتفحص كايل.
«تبدو كمتسول.»
ثم تابعت:
«لا أصدق أن خيط نجاتك لم ينقطع ولو مرة واحدة خلال الأسبوع كله. هل تريد مني أن أمدحك؟»
«لن أمانع سماع المديح، لكن أجب عن سؤالي أولًا.»
«وماذا تريد أن تسأل؟»
نظرت الشظية إليه بفضول.
«أتريد معرفة ماهية المسطح الطيني؟ أم اليد التي تغرف ماء البحر؟ أم النظرات الموجودة فوق الضباب؟ أم العين الكامنة تحت البحر؟ أم الوحوش الصغيرة؟»
ثم أردفت:
«لا أستطيع الإجابة عن هذه الأسئلة حتى لو طرحتها. فأنت لن تستطيع تقبل الإجابات، كما أنني سأضطر إلى توخي الحذر الشديد عند الحديث عنها.»
وتابعت:
«لكن يمكنني إخبارك بهذا القدر: الوحوش الصغيرة ليست سوى نوع من البقايا الفاسدة.»
ارتسمت على وجه الشظية ابتسامة ماكرة.
«وهذا يعني أن ما أكلته وشربته طوال الأيام الماضية كان بقايا فاسدة.»
ثم سألت بسخرية:
«كيف تشعر الآن؟ ألا تريد التقيؤ؟»
«لقد أردت التقيؤ أثناء أكلها أصلًا.»
أجاب كايل بهدوء.
«أنا فضولي بشأن الأشياء الأخرى، لكن إذا لم تستطع الإجابة، فلا بأس. فما أردت سؤالك عنه شيء مختلف.»
«وما الذي يثير فضولك؟»
«هل أستطيع الحصول على مكافآت أخرى داخل هذه الغرفة غير الطعام؟»
تغير تعبير الشظية.
«هممم. يبدو أن دماغك ليس مملوءًا بالعضلات بالكامل.»
تمتمت بهذه الكلمات، ثم تابعت:
«أم أنك لست جائعًا إلى تلك الدرجة؟ ربما يكون هذا هو السبب. فلم يسبق لأحد أن صمد تسعة أيام متواصلة فور دخوله دون أن يعاني الجوع.»
«كم يومًا صمد جدي عندما دخل طوابق الصقل للمرة الأولى؟»
«دخل يوليوس ألاستور طوابق الصقل للمرة الأولى عندما كان في السابعة عشرة. وصمد ثلاثة أيام.»
«أوه...»
«لم ينقطع خيط نجاته، لكنه عاد إلى هذه الغرفة لأنه شعر بالجوع.»
فمهما بلغت براعة الإنسان في استخدام السيف، فإنه لا يستطيع البقاء داخل المسطح الطيني طويلًا اعتمادًا على السيف وحده.
فما لم يفتح الدانتيان العلوي، ويدخل مرتبة الذروة، سيظل بحاجة إلى الطعام والماء حتى يعيش.
«إذن، أستطيع الحصول على مكافآت غير الوجبات، أليس كذلك؟»
«تستطيع.»
أومأت الشظية قليلًا.
ثم أسندت ذقنها إلى يدها، وأخذت تراقب كايل باهتمام.
«لقد قتلت وأكلت كمية هائلة من تلك البقايا خلال الأيام التسعة الماضية.»
وأضافت:
«ولهذا ينبغي أن تستطيع الحصول على معظم الأشياء العادية بوصفها مكافآت.»
«ومن أين تأتي تلك المكافآت؟ هل تُستدعى الأشياء الموجودة داخل برج السيف إلى هنا؟»
«لا.»
ابتسمت الشظية.
«بل تُصنع داخل طوابق الصقل.»
ثم تابعت:
«بطريقة إعجازية. بل يمكنك وصف الأمر بأنه معجزة.»
«تُصنع...؟»
فكر كايل قليلًا، ثم سأل:
«إذن، إذا صُنع شيء هنا، فهل سيختفي عندما أخرج إلى العالم الخارجي؟»
«لا، لن يختفي.»
حدقت الشظية فيه.
«أيها الصغير، ما الشيء الذي تحاول طلبه بالضبط؟»
تلألأت عيناها بالفضول.
فقد أرادت معرفة ما يتمناه هذا الفتى الغريب الأطوار.
«أمم...»
أمسك كايل بطرف قميصه، المغطى بمخاط أسود تنبعث منه رائحة العفن، ورفعه قليلًا.
«أستطيع الحصول على حمام بوصفه مكافأة، أليس كذلك؟»
«بالطبع... تستطيع.»
ثم سألته الشظية:
«أيها الصغير، هل هذا حقًا كل ما أردت معرفته؟»
ضيقت عينيها اللتين كانتا تتلألآن قبل لحظات.
فمهما بلغت غرابة هذا الفتى، فإنه لا يزال طفلًا في الحادية عشرة.
هل هذا كل ما يريده؟
وبينما بدأت تشعر بخيبة الأمل، ابتسم كايل ابتسامة عريضة.
«وبعد الحمام، أريد بعض الملابس.»
«ملابس...؟ صحيح، ملابس. تستطيع الحصول عليها أيضًا.»
«وأحذية؟»
«ما الذي تحاول طلبه؟»
سألته الشظية بنفاد صبر.
وعندها فقط ابتسم كايل، ثم جلس على الأرض.
«من المزعج أنني لا أستطيع التحرك أثناء المد.»
«...!»
«أعرف أن الأمواج خطيرة.»
ثم تابع:
«أما اليد الموجودة وراء الأفق، فهي ليست خطيرة فحسب، بل شيء لا ينبغي لي الاقتراب منه أصلًا. والعين الموجودة تحت البحر الأسود تمنحني الإحساس نفسه.»
«ومع ذلك، تريد التحرك أثناء المد؟»
سألت الشظية غير مصدقة.
لكن ابتسامة كايل لم تتغير.
«كل ما عليّ فعله هو تجنب النظر في عينيها، أليس كذلك؟»
«...»
«آه، أعرف أن الأمر ليس بسهولة الكلام عنه.»
ثم أضاف:
«فعندما تتوجه إليّ تلك النظرة، يصبح جسدي جامدًا تمامًا. والغريب أنني مهما حاولت النظر إلى اتجاه آخر، وحتى عندما أشد عضلات رقبتي بكل قوتي، يبدأ رأسي بالتحرك بصرير نحوها، وكأنه يريد لقاء عينيها رغماً عني.»
لقد اختبر ذلك بنفسه.
«وماذا تنوي أن تفعل أثناء المد؟»
«وماذا غير الصيد؟»
«الصيد...؟»
«لا أظن أنني أستطيع اصطياد تلك العين العملاقة في الوقت الحالي.»
قال كايل، وكأنه يتحدث عن أمر بديهي.
«لكن الوحوش التي تسبح داخل البحر تبدو لي خصومًا يستحقون القتال.»
«أنت تتفوه بالهراء.»
عقدت الشظية حاجبيها، وهزت رأسها.
«فهذه الوحوش تنتمي إلى مستوى مختلف تمامًا عن البقايا الموجودة في المسطح الطيني.»
ثم أوضحت:
«البقايا الفاسدة التي اصطدتها هناك أشياء طُرحت جانبًا قبل أن تُولد أصلًا.»
«...»
«أما الوحوش التي تسبح في البحر، فهي نواتج ثانوية تمكنت من الوجود والولادة فعلًا.»
«تعبير النواتج الثانوية لا يوحي بشيء جيد.»
ابتسم كايل.
«لكن سماعه يجعلني أرغب في تجربتها أكثر.»
«أيها الجاهل الأحمق...!»
«إذا لم ينجح الأمر، فلن ينجح.»
هزّ كايل كتفيه.
«وبحسب ما فهمته، فحتى لو مت أثناء قتال أحد تلك... النواتج الثانوية، فلن يحدث سوى أن خيط نجاتي سينقطع، وسأعود إلى هذه الغرفة. أليس كذلك؟»
«هل توصل إلى هذا اليقين اعتمادًا على إحساسه وحده؟»
حدقت الشظية في كايل، وقد ازداد ذهولها.
فحدس هذا الطفل البشري الغريب تجاوز بكثير كل ما تخيلته.
«كما قلت، إذا قتلك أحد النواتج الثانوية، فستعيدك حماية خيط النجاة إلى الغرفة.»
ثم تابعت بصرامة:
«لكن السبب الحقيقي الذي يجعلك تتجنب البحر ليس تلك النواتج أو المياه السوداء.»
وازدادت برودة صوتها.
«إذا التقيت بنظرة
عين الهاوية
، فستُسحب روحك... بل وجودك ذاته... إلى الأعماق دون أن تستطيع المقاومة.»
«وماذا سيحدث بعد ذلك؟»
«الموت على الأرجح.»
أجابت الشظية.
«لا أعرف على وجه اليقين. فلم أمر بتجربة كهذه بنفسي، ولم يعد قط أي شخص سُحب إلى تلك الأعماق.»
«إذن، سأكتفي بتجنب عينيها.»
«أيها الجاهل الأحمق! لم أنتهِ حتى من إخبارك بأن عليك ألا...»
«الآن بعدما فكرت في الأمر...»
قاطعها كايل بابتسامة عريضة، ورفع يديه كلتيهما.
«أنا لست بحاجة إلى إذنك، أليس كذلك؟»
ثم أضاف:
«فأنت لست من يمنح المكافآت. بل برج السيف نفسه، صحيح؟»
«انتظر...»
«أعطني معدات تسمح لي بالتحرك داخل البحر الأسود.»
وما إن نطق بتلك الكلمات حتى التف ضوء أسود شفاف حول يديه.
طَق!
سقط شيء من الفراغ.
كانت الشظية قد انتفضت واقفة واندفعت نحو كايل.
لكنها تجمدت في مكانها فجأة.
«...؟»
أمال كايل رأسه وهو ينظر إلى الشيء الذي سقط على الأرض.
كان حبلًا أسود طويلًا.
وعندما التقطه، تموج الخيط للحظات، ثم أطلق وهجًا خافتًا.
«ما هذا؟»
«هاه... هاهاها!»
أمسكت الشظية بطنها، وانفجرت ضاحكة.
«مكافأة على قتل مئات البقايا الفاسدة، وفي النهاية لم تحصل سوى على رباط حذاء! هاهاها!»
ثم أضافت بين ضحكاتها:
«حسنًا، يبدو الأمر منطقيًا. فالبقايا تظل مجرد بقايا.»
«أوه، إذن هذا رباط حذاء؟»
عقد كايل حاجبيه، وشد الرباط بين يديه.
كان أملس ومرنًا.
وكلما سحبه، استمر في التمدد إلى الطول الذي يريده.
ثم يعود إلى القصر عندما يجمعه من جديد.
«يا لسوء حظك أيها الصغير. يبدو أنك لن تستطيع الذهاب للصيد.»
«بعد تسعة أيام من العمل الشاق، لا أحصل إلا على رباط حذاء... هممم.»
«لا تهدر وقتك في التفكير فيه.»
قالت الشظية بسخرية.
«واصل قتل بقايا المسطح الطيني وأكلها. وإذا أردت مكافأة مميزة، فلماذا لا تطلب سيفًا حقيقيًا، أو كتابًا لتقنيات السيف؟»
«لدي بالفعل سيف أريده. كما أن المكتبة الكبرى مليئة بكتب تقنيات السيف.»
«لكن كتب تقنيات السيف التي جمعها آل ألاستور لا تضم جميع تقنيات السيف الموجودة في العالم.»
«هممم.»
رفع كايل يديه مرة أخرى.
وحاول هذه المرة طلب وجبة طعام.
فسقطت أمامه قطعة خبز صلبة تشبه تلك التي حصل عليها في اليوم الأول.
[الطعام... الطعام...]
أطلق يور أنينًا حزينًا.
فقد كان يتوقع وليمة فاخرة.
أما الشظية، فقد أمسكت بطنها وانفجرت ضاحكة مرة أخرى.
مزق كايل الخبز إلى قطع صغيرة، وبدأ يضعها في فمه.
لم يكن لذيذًا.
لكنه بدا أقرب بكثير إلى الطعام الحقيقي من البقايا الفاسدة التي ظل يملأ معدته بها طوال تسعة أيام.
وبعدما مضغ عدة لقمات، نهض فجأة، وفتح الباب، وخرج.
عاد كايل إلى الغرفة بعد نحو ساعة.
فقد أمضى تلك المدة في اصطياد الوحوش قرب الباب.
جلس على الأرض مجددًا، ورفع يديه.
«طعام، وحمام، وملابس جديدة.»
ظهرت مكافأة لكل طلب.
أولًا، ظهر حوض استحمام صغير أمام كايل.
ولم تكن هناك أي أنابيب مياه متصلة به.
لكن عندما أدار الصنبور، تدفقت منه مياه دافئة بغزارة.
وبجانب الحوض، وُضعت مجموعة من الملابس المطوية بعناية.
والغريب أنها كانت مطابقة تمامًا في تصميمها للملابس التي ارتداها كايل عندما دخل طوابق الصقل للمرة الأولى.
«طعام!»
وعلى مسافة قصيرة، ظهر طبق كبير يحمل شريحة لحم ساخنة تتصاعد منها الأبخرة.
لقد ظهرت المكافآت التي طلبها تمامًا كما أراد.
«ألم تتخلَّ عن فكرتك بعد؟»
كانت الشظية قد عادت للجلوس على كرسيها.
ونظرت إلى كايل بعينين متعبتين.
«إذا كانت النواتج الثانوية أعلى مستوى من البقايا الفاسدة، فمن الطبيعي أن تمنح مكافآت أفضل، أليس كذلك؟»
بدأ كايل يمضغ شريحة اللحم المقطعة على عجل.
أما يور، الذي يشاركه الإحساس بالمذاق، فقد أطلق صرخة سعادة.
«كما أن القوة التي سأكتسبها ستكون أعظم أيضًا.»
ثم تابع:
«فهي أقوى من البقايا، ومقاتلتها ستكون ممتعة.»
«لماذا تتعجل الأمور إلى هذه الدرجة رغم صغر سنك؟»
«لا أستطيع إضاعة وقتي كله في اللعب لمجرد أنني صغير. سيكون ذلك هدرًا للوقت.»
«هل عمرك حقًا أحد عشر عامًا؟»
«هناك أطفال في الحادية عشرة يشبهونني.»
لم يستغرق الأمر طويلًا حتى اختفت شريحة اللحم الكبيرة داخل معدة كايل.
بدأ يخلع ملابسه استعدادًا لدخول حوض الاستحمام.
لكنه توقف فجأة، والتفت نحو الشظية.
«أمم... اعذرني، لكن ما جنسك؟»
«أنا لا أشعر بشيء عندما أرى جسد إنسان عاريًا.»
«لا، أقصد أنني قد أشعر بالحرج.»
«لا داعي إلى الحرج.»
أجابت الشظية بلامبالاة.
«هل تشعر بالحرج عندما تخلع ملابسك أمام الشمس؟»
«حسنًا، ما دامت تقول ذلك...»
خلع كايل ملابسه بسرعة، ودخل حوض الاستحمام.
فتح الماء الساخن، وأخذ يفرك جسده وينظفه جيدًا.
ثم أغلق فتحة التصريف، وفتح الصنبور مرة أخرى ليملأ الحوض بالمياه الدافئة.
أطلقت الشظية تنهيدة قصيرة وهي تراقب كايل يستمتع بحمامه على مهل.
«...خذ حذاءً وعباءة.»
«هاه؟»
«الحذاء سيسمح لك بالمشي فوق سطح الماء.»
ثم تابعت:
«أما العباءة، فستمنحك قدرًا من الحماية من نظرة الهاوية والنواتج الثانوية.»
لكنها حذرته:
«ومع ذلك، لن تحميك إذا التقت عيناك بعيونها.»
«وهل توجد معدات تسمح بالنزول تحت الماء؟ مثل بدلة غوص؟»
«أنت... أيها المجنون!»
نظرت الشظية إليه بذهول.
«إذا أردت معدات كهذه، فستضطر إلى قتل البقايا الفاسدة لعقود كاملة.»
ثم أطلقت تنهيدة عميقة أخرى.
«وبصراحة، لا أنصحك بطلب معدات من هذا النوع.»
وأوضحت:
«فحتى لو سميتها معدات، فهي تظل أدوات قابلة للاستهلاك. وكلما استخدمتها، ستتآكل حتى تختفي.»
ثم سألته:
«هل تفهم؟ قد تبذل جهدًا طويلًا للحصول على مكافأة، لكنها ستختفي بعد استخدامها، وعندها ستضطر إلى الحصول على واحدة أخرى.»
«وما المشكلة في ذلك؟»
أجاب كايل دون تردد.
«إذا جربتها ووجدتها مفيدة، فيمكنني الحصول على أخرى ببساطة.»
ثم تابع:
«وصيد النواتج الثانوية ينبغي أن يكون أكثر كفاءة من صيد البقايا الفاسدة. ولهذا، بمجرد حصولي على المعدات الأولى، ألن يصبح الحصول على الثانية أسرع؟»
لقد كان متفائلًا إلى درجة تكاد تتجاوز المعقول.
وضعت الشظية يدها على رأسها الذي بدأ ينبض بالألم، وأطلقت تنهيدة طويلة.
«أحيانًا، يحتاج المرء إلى التعلم من الفشل.»
ثم تابعت بيأس:
«مهما قلت، لا أظن أنني أستطيع كسر عنادك اللعين. ولذلك تعلّم من الفشل بنفسك.»
وأضافت:
«وحتى لو قتلتك النواتج الثانوية، فلن يحدث سوى أنك ستعود إلى هذه الغرفة على أي حال.»
وبعدما قالت ذلك، عادت إلى العمل على طريقة تنمية المانا.
كان الاحتكاك الخفيف لريشة الكتابة بالورق يتردد في الغرفة.
أما كايل، فظل مستلقيًا داخل المياه الدافئة، غارقًا في التفكير لبعض الوقت.
«هممم.»
ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة.
تناول كايل شريحة لحم.
واستحم.
وارتدى ملابس نظيفة.
ثم نام نومًا عميقًا على الأريكة.
وبعد الاستيقاظ، مارس طريقة تنمية المانا دون أن يعاني التصلب المعتاد.
فعلى خلاف المسطح الطيني، كانت هذه الغرفة غنية بالمانا.
وبعد نصف يوم من ممارسة طريقة التنمية، امتلأ مخزونه من الطاقة بالكامل.
وما إن أنهى استعداداته واستعاد أفضل حالاته حتى توجه بخطوات واسعة نحو الباب.
«سيبدأ المد بعد ساعتين.»
تحدثت الشظية من خلفه.
«وبما أنك تستريح أصلًا، فلماذا لا تواصل الراحة حتى الغد؟»
«إذا واصلت الجلوس هنا، فستتيبس عضلاتي. وقد لا أرغب في الخروج مجددًا أيضًا.»
كانت تلك كذبة محضة.
فمجرد الاستراحة يومًا آخر لن يجعل عضلاته تتصلب.
ومهما كانت الغرفة مريحة، فإن كايل لم يجد أدنى متعة في البقاء محبوسًا داخل مكان ممل كهذا.
«هممم... إذا كان هذا ما تريده.»
أومأت الشظية دون أن تفكر في الأمر كثيرًا.
لقد تدخلت لإيقاف كايل مرات عديدة، لأن موت عبقري يمتلك تلك الموهبة الغريبة بلا فائدة سيكون أمرًا مؤسفًا.
لكن الشظية لم تكن، في الظروف العادية، من النوع الذي يتدخل في شؤون البشر إلى هذه الدرجة.
خرج كايل من الباب بعد يوم كامل من الغياب.
ثم أخذ نفسًا عميقًا من الهواء المفعم برائحة العفن داخل المسطح الطيني.
والغريب أن الرائحة أصبحت تمنحه إحساسًا بالترحيب.
«مع أنني لا أظن أنني سأعتادها يومًا.»
وبعدما سار قليلًا، اندفعت نحوه بعض البقايا الفاسدة، وكأنها خرجت لاستقباله.
فبادل كايل تحيتها الودية بالتلويح بسيفه الخشبي.
ثم مضغ وابتلع كل قطعة لحم تركتها خلفها.
وبعدما أمضى ساعتين تقريبًا يتجول في المسطح الطيني ويقضي على البقايا، بدأت الأرض تهتز.
وفي البعيد، ظهرت «اليد» مجددًا، وأخذت تغرف ماء البحر.
لكن كايل، الذي أمضى تسعة أيام في المسطح الطيني ونجا منها جميعًا، لم يشعر بالذعر.
بل انتظر ظهور المرجان العظمي.
دوووم...
اندفعت أعمدة المرجان العظمي من الأرض نحو الأعلى.
فتسلق كايل أحدها فورًا، وانتظر ارتفاع المياه.
تحولت النظرات الموجودة في السماء نحو الأفق.
ثم استقر البحر الأسود بهدوء.
وفي الأعماق، انفتحت عين للحظات قبل أن تنغلق مجددًا.
أما النواتج الثانوية، فقد ظلت تسبح في المياه الأقرب إلى السطح.
جلس كايل فوق المرجان العظمي، وأخذ يشد رباط الحذاء الذي حصل عليه مرة بعد أخرى.
ومهما مده، لم يصبح الرباط أرق، ولم ينقطع.
وبعدما مده إلى الطول الذي اعتقد أنه يحتاج إليه، انبطح فوق المرجان، وزحف حتى وصل إلى حافته.
[سـ... سيدي؟]
سأل يور بصوت يملؤه القلق.
لكن كايل لم يُجب.
فقد اتخذ قراره بالفعل.
ولم تكن لرغبات يور أهمية في هذه المرحلة.
فما دام سيده قد قرر فعل شيء، فمن يكون يور حتى يعترض عليه؟
عند حافة المرجان العظمي، ربط كايل قطعة خبز أحضرها من الغرفة بطرف رباط الحذاء.
ثم قذفها نحو الأسفل.
لم يسمع صوت اصطدام الرباط بسطح البحر.
لكنه شعر بإحساس مختلف في راحة اليد التي تمسكه.
واصل كايل إنزال الرباط.
ثم أخذ يحرك معصمه برفق، ذهابًا وإيابًا.
كأنه يصطاد السمك.
لا...
لم يكن الأمر مجرد تشبيه.
فقد كان كايل يصطاد فعلًا.
«هل سيبتلع أحدها الطُعم؟»
أخذ قلبه يخفق حماسًا، بينما يواصل تحريك الخيط.
ولا يعرف كم من الوقت أمضى منتظرًا.
طَق.
وفور أن شعر بشيء يلامس رباط الحذاء، بدأ يسحبه إلى الأعلى.
لم يعرف ما الذي لامسه للتو.
لكنه لم يستطع السماح له بابتلاع الخيط.
ووووش!
تقلص طول الرباط الذي أنزله بسرعة، وعاد إلى طوله الأصلي.
أما قطعة الخبز المربوطة بطرفه، فقد تحولت إلى كتلة سوداء.
لكن الخيط نفسه ظل سليمًا دون أي ضرر.
ثم...
وووش!
انفجر سطح البحر الأسود نحو الأعلى.
وانطلق شيء من الأعماق بسرعة هائلة.
«كيااااه!»
كان الشيء الذي قفز حتى بلغ قمة المرجان العظمي يشبه ثعبانًا عملاقًا يستطيع ابتلاع إنسان كامل.
لا...
كانت علقة عملاقة.
امتلكت فمًا دائريًا تدور داخله أسنان مسننة كالمناشير.
وأخذت تتلوى في الهواء، ثم اندفعت نحو كايل.
«أمسكت بك!»
أطلق كايل صيحة فرح.
وضغط على الأرض بكلتا يديه، ثم قفز إلى الأعلى.
طَقْطَق!
التفت طاقة السيف حول سيفه الخشبي، ثم انقض النصل على العلقة.
رنّ!
لم تبدُ العلقة قوية أو صلبة بصورة خاصة.
لكن المذهل أن طاقة سيف كايل لم تتمكن من قطعها.
بل ارتد السيف الخشبي عن جسدها.
[كيكيكيكيك!]
أدارت العلقة أسنانها بشراسة، ثم بصقت سائلًا أخضر.
ولم يحتج كايل إلى من يخبره بأنه لا ينبغي له السماح بذلك السائل بملامسة جسده.
زاد تركيزه على طاقة السيف.
وما إن توقف السائل عن الاندفاع حتى وجه سيفه الخشبي نحوها بطعنة مباشرة.
طَخ!
اخترق السيف فم العلقة.
وعندما دخل نصف النصل تقريبًا، أنزله كايل بقوة نحو الأسفل.
شَق!
انشق فم العلقة وبطنها على امتدادهما.
واندفع الدم الأخضر إلى الخارج.
«لم تكن مميزة إلى تلك الدرجة.»
ربما لأنها مجرد أحد النواتج الثانوية، فلم تكن بالقوة التي أوحت بها تحذيرات الشظية.
أو ربما كانت هذه العلقة بالذات ضعيفة بصورة استثنائية.
وبينما يفكر في ذلك، اقترب كايل من جسدها الملقى على الأرض، وقد انشق بطنها بالكامل.
«...؟»
تجمد جسده فجأة.
فقد لاحظ شيئًا غريبًا.
كان هناك خيط سميك يمتد من مؤخرة العلقة.
صحيح أنه أضيق من جسدها، لكنه ظل يمتد نزولًا حتى اختفى أسفل المرجان.
«الآن بعدما فكرت في الأمر...»
كان الصوت الذي سمعه قبل قليل أعلى بكثير مما ينبغي أن يصدر عن مجرد قفزة لهذا المخلوق.
وما إن أدرك ذلك حتى لوّح كايل بسيفه الخشبي، وقطع الخيط الممتد من مؤخرة العلقة.
وووش!
تردد صوت انفجار سطح الماء مرة أخرى.
لكنه كان مختلفًا قليلًا عن صوت شيء يقفز خارج الماء.
بل بدا كأن شيئًا هائلًا يصطدم بسطحه بعنف.
اندفع ذلك الشيء إلى الأعلى، حتى بلغ قمة المرجان العظمي.
وإذا كانت العلقة التي قفزت قبل قليل ضخمة بما يكفي لابتلاع إنسان كامل...
فإن الكائن الذي ظهر الآن كان...
سمكة أبو الشصّ عملاقة، تمتلك فمًا واسعًا بما يكفي لابتلاع عمود المرجان العظمي بأكمله.
«يا إلهي...»
قفز المخلوق عاليًا في الهواء.
وفتح فمه على اتساعه، ثم بدأ يهبط نحو المرجان.
رفع كايل رأسه، وتأمله بدهشة صادقة.
كان فمه واسعًا إلى درجة أنه يستطيع ابتلاع عمود المرجان كله.
ولم يعد هناك مكان يهرب إليه.
«هل أستطيع شقه إلى نصفين بسيفي؟»
ليس والمانا تتحرك داخل جسده بهذا البطء.
اعترف كايل لنفسه بأنه تصرف بتهور بالغ اليوم.
ثم اندفع بجسده نحو العلقة الملقاة قربه.
فقد أراد أكل لقمة واحدة منها على الأقل.
صحيح أن طاقة سيفه عجزت عن اختراق جسد العلقة وهي حية.
لكن بعدما ماتت...
استطاعت أسنانه الانغراس في لحمها.
أطبق كايل فكيه بكل قوته، وانتزع لقمة واحدة.
«ومع ذلك...»
«ربما لأنها من النواتج الثانوية، فإن مذاقها أفضل من مذاق البقايا الفاسدة.»
وما إن خطرت تلك الفكرة في ذهنه حتى...
ابتلعت سمكة أبو الشصّ كايل وعمود المرجان العظمي بأكملهما.
«أنت... أيها الأحمق المتهور!»
رمش كايل بعينيه، ثم اعتدل جالسًا.
لقد عاد إلى الغرفة.
كان سيفه الخشبي في إحدى يديه.
ورباط الحذاء في الأخرى.
أما لحم العلقة، وتحديدًا اللقمة التي كان يمضغها قبل لحظات، فلا تزال داخل فمه.
«يور.»
[آخ... آآخ...]
أصدر يور صوتًا يشبه محاولة التقيؤ.
«هل تستطيع الأرواح التقيؤ أيضًا؟»
«وإذا تقيأ يور، فهل سيبقى قيؤه داخل الدانتيان الأوسط؟»
وبينما يفكر في تلك المسألة الغريبة، واصل كايل مضغ اللحم الموجود في فمه.
«ماذا تأكل؟!»
صرخت الشظية.
«ماذا... ماذا فعلت بحق السماء؟!»
اهتز جسد كايل بعنف وهو يمضغ.
فقد اقتربت الشظية منه، وأمسكت بكتفيه، وأخذت تهزه بقوة.
«اصطدتُ قليلًا.»
«اصـ... اصطدت؟! صيد؟! أيها المجنون!»
«ظننت أنها فكرة ذكية، لكن يبدو أن هذه الطريقة لن تنجح.»
لم يكن يتوقع أن يُبتلع بلقمة واحدة.
فقد كانت المساحة المتاحة له للحركة ضيقة للغاية.
ولو استطاع الركض بحرية فوق سطح البحر، لربما تمكن من تفادي ذلك الفم العملاق، ثم توجيه ضربة مضادة.
«عليّ الحصول على الحذاء أولًا.»
وبعدما انتهى من مضغ اللحم القاسي وابتلاعه، أومأ كايل برأسه، وتمتم بتلك الكلمات.
«مجنون! أنت مجنون!»
وظلت الشظية تمسك بكتفي كايل، وتهزه بعنف وهي تصرخ.