أنت من أغواني أولًا يا ملك الشياطين
ملك الشياطين.
كما يوحي لقبه، كان ملكًا يحكم عرق الشياطين في إيريبوس، موطنهم الواقع وراء البحر الشمالي.
خلال العصر المظلم، استغل الشياطين الفوضى التي اجتاحت القارة، وشنّوا غزواتهم عليها.
لكن لسوء الحظ، لم يعش شيطان السيف في العصر نفسه الذي ظهر فيه ملك الشياطين على القارة.
أو بالأحرى، كان ملك الشياطين موجودًا بالفعل عندما كان شيطان السيف على قيد الحياة، لكنه لم يكن قد تقدم نحو القارة بنفسه.
فوفقًا للسجلات التاريخية، لم يغادر «ملك الشياطين» إيريبوس ليعبر البحر ويصل إلى القارة إلا بعد وفاة شيطان السيف، واستقرار الإمبراطورية، وبدء عودة السلام إلى أنحاء القارة.
وفي ذلك الوقت، تصدى له روين ألاستور، الرجل الذي أصبح يُعرف لاحقًا بقديس السيف.
وقد وقعت مواجهتهما هنا، في فيغريد، الواقعة عند الطرف الشمالي للقارة.
استلّ الاثنان سيفيهما، وخاضا مبارزة مباشرة.
لكن أيًّا منهما لم يحقق النصر.
فبعد قتال استمر عدة أيام، أعاد قديس السيف وملك الشياطين سيفيهما إلى غمديهما.
وعقب انتهاء المبارزة، اجتمع ملك التنانين وملكة الإلف وغيرهما ممن شهدوا المواجهة، وتحدثوا مع قديس السيف وملك الشياطين.
وفي النهاية، تعهد ملك الشياطين بألا «يغزو» القارة مرة أخرى كما فعل في الماضي.
وبموجب ذلك، قُبل الشياطين بوصفهم جزءًا من شعوب القارة.
وهكذا، عبر إيريبوس، موطن الشياطين، البحر واقترب من القارة.
ولم يكن هذا مجرد تعبير مجازي.
فالمقصود حرفيًا أن إيريبوس، تلك الأرض الشاسعة الواقعة وراء البحر، حيث تقوم مملكة الشياطين، قد انتقلت عبر البحر حتى أصبحت قريبة من القارة.
حدث كل ذلك قبل خمسمئة عام.
ومنذ ذلك الحين، بدأ الشياطين، الذين يتخذون إيريبوس موطنًا لهم، بإقامة علاقات مع شعوب القارة.
كما منحهم إمبراطور الإمبراطورية الجزر الواقعة عند الطرف الشمالي منها.
أما في العصر الحالي، فلم يعد من الغريب رؤية الشياطين في مختلف أنحاء القارة.
«سيف ملك الشياطين...»
تمتم كايل بصوت خافت، وهو يتأمل بعل.
كان السلاح الذي أمامه يشبه ساطورًا هائلًا، شرس المظهر ومشؤومًا، وقد صُمم نصله بصورة مثالية لتقطيع الأجساد البشرية.
وبعدما عرف أنه «سيف ملك الشياطين»، شعر أن ذلك الوصف يليق به تمامًا.
«لماذا غرس ملك الشياطين سيفه في هذا المكان؟»
«سمعت أنه أراد تركه للجد المؤسس تذكارًا يبقي ذكراه حية. وربما كان قصده، على العكس، أن يظل الجد المؤسس يتذكره هو.»
تلألأت عينا كاتارينا الذهبيتان بنظرة حادة، وهي تحدق في بعل.
«لقد تحطم سيف الجد المؤسس منذ زمن بعيد، ولم يُبقِ إلى جانبه سوى فينريس. أراد ملك الشياطين أن يمنحه بعل، لكن الجد المؤسس رفض قبوله. ولذلك غُرس السيف في حديقة برج السيف.»
«هل قال ملك الشياطين ذلك بنفسه؟»
«لا. هذا مجرد استنتاج توصلت إليه الأجيال اللاحقة.»
هزّت كاتارينا رأسها.
«لا أحد يعرف لماذا جاء ملك الشياطين فجأة إلى غلاديهايم، أو ما الذي تحدث عنه مع الجد المؤسس، أو لماذا غرس بعل في هذا المكان قبل مغادرته. فقد رحل ملك الشياطين دون أن يترك تفسيرًا لأي شيء من ذلك.»
«...»
«لكن الجد المؤسس قال فعلًا إن بعل، المغروس في هذا المكان، سيف يستحق أن يُخلَّد ذكره. ومع ذلك، لم يحتفظ به إلى جانبه حتى النهاية.»
عند سماع تلك الكلمات، ارتفعت زاوية فم كايل قليلًا.
لقد أسعده أن فينريس وحده بقي إلى جانب روين حتى النهاية.
«إذن، لا أحد يعرف في النهاية السبب الحقيقي وراء وجود هذا السيف هنا.»
«هذا صحيح. فلا توجد سجلات تاريخية توضح الأمر. لكن المؤكد أن حديقة أزهار السيوف بدأت ببعل.»
فقد غرس ملك الشياطين سيفه في الأرض وغادر.
أما روين ألاستور، فأبقى بعل في موضعه، واصفًا إياه بأنه سيف يستحق أن يُحفظ ذكره.
وبعد ذلك، نشأ في غلاديهايم تقليد يقضي بغرس أسلحة الأتباع والخصوم الذين تركوا أثرًا لا يُنسى في تاريخ الأسرة داخل هذا المكان.
ومع مرور الزمن، أصبح الموقع يُعرف باسم «حديقة أزهار السيوف».
«ولماذا أُخفي سيف بهذه الأهمية التاريخية؟»
«لأنه خطير.»
أجابت كاتارينا دون تردد.
«بعل سيف شيطاني حقيقي، على خلاف فينريس. إنه يغوي الناس، ولا سيما المبارزين بالسيوف، ويستدرجهم إلى الإمساك به. وإذا استسلموا لإغرائه وأمسكوا بمقبضه، فقدوا عقولهم واستحوذت عليهم نية القتل.»
مدّت كاتارينا يدها ومسحت برفق على كتف لوسيا.
كانت لوسيا تحدق في بعل بعينين شاردتين، لكن ما إن لمستها كاتارينا حتى انتفضت قليلًا واستعادت تركيزها.
«إذا لم يكن عقلك قويًا بما يكفي، فستقع ضحية لإغراء بعل. كان من الأسلم انتزاعه من الأرض والاحتفاظ به في مكان لا يستطيع أحد رؤيته... لكن كما أخبرتك، يحمل بعل معاني رمزية كثيرة. ولهذا لا يمكن إزالته ببساطة. وبدلًا من ذلك، أُخفي عن الأنظار، ثم وُضع عليه ختم.»
«ختم...»
«ما زال بعل مختومًا حتى الآن. قد لا تستطيع رؤية الختم، لكنه موجود.»
ضيّق كايل عينيه، وأمعن النظر إلى بعل.
وكما قالت كاتارينا، لم يستطع رؤية أي أثر للختم المفروض عليه.
«كيف اكتشفت بعل؟»
كانت نظرات حادة تخترق مؤخرة رأسه حتى كاد يشعر بألمها.
وعندما ألقى نظرة خلفه، رأى كاتارينا لا تزال تضع إحدى يديها على كتف لوسيا لتهدئتها، بينما كانت عيناها تتلألآن بحدة السيف.
«قد تكون محبوبًا لدى رب الأسرة، لكنني لا أظن أنه أخبرك بأمر بعل. فهل كانت أريان من حدثتك عنه؟»
«بعل هو من نظر إليّ.»
أجاب كايل بصدق.
«هذا كل ما في الأمر. وليس هناك ما يمنعني من دخول حديقة أزهار السيوف أصلًا.»
«يحق لأي فرد من السلالة الأصيلة الذهاب إلى أي مكان في غلاديهايم. لكنك تقول إن بعل... نظر إليك؟»
عقدت كاتارينا حاجبيها، ثم حولت بصرها نحو بعل.
«هل ضعف الختم؟ لا، لا يُعقل ذلك...»
«لا علاقة للأمر بالختم. لقد كان أشبه بـ... حسنًا، أظن أنه يمكنني القول إن عفريتًا نظر إليّ.»
تمتم كايل بتلك الكلمات، وهو يميل رأسه قليلًا.
صمتت كاتارينا للحظات.
فابن أختها الذي لم تعرفه إلا مؤخرًا يمتلك موهبة خاصة.
كانت تشبه استعداد أريان للتواصل مع الأرواح.
أو بالأحرى، كانت مختلفة عن موهبة أريان.
«هل يسكن بعل عفريت أيضًا؟»
«إنه سيف قديم.»
فعمره لا يقل عن خمسمئة عام.
ولم يكن مجرد سلاح قديم.
بل كان سيفًا استخدمه ملك الشياطين بنفسه.
وفينريس، الذي اختاره شيطان السيف سلاحًا أثيرًا له، كان يسكنه عفريت.
فلماذا لا يسكن عفريت داخل بعل أيضًا؟
«لا أعرف طبيعة موهبتك على وجه الدقة. لكن إياك أن تلمس بعل.»
«لماذا؟»
«تسأل عن أمر بديهي. لأنه خطير.»
ازدادت نبرة كاتارينا صرامة.
«ألم تُصغِ جيدًا لما قلته؟ بعل سيف شيطاني حقيقي، على خلاف فينريس.»
«لقد سمعت كل ما قلتِه يا خالتي. لكن هل فقد أحد عقله فعلًا بعدما أمسك بذلك السيف؟»
كان كايل يتساءل عما إذا كانت هذه أيضًا إحدى الحالات التي أساءت فيها الأجيال اللاحقة تفسير نوايا ملك الشياطين، كما أشارت كاتارينا قبل قليل.
لكنها أجابته فورًا، دون أدنى تردد.
«نعم.»
«بعد ارتقاء الجد المؤسس، وقع أكثر من عشرة أشخاص تحت إغراء بعل، فأمسكوا بمقبضه وفقدوا عقولهم. وكان بينهم أفراد من الفروع الجانبية لآل ألاستور، بل حتى أفراد من السلالة الأصيلة.»
«فهمت.»
لم يبدُ أنها تكذب.
أومأ كايل برأسه، ثم أعاد النظر إلى بعل.
«هل يستطيع سيف حقًا إغواء الإنسان ودفعه إلى الجنون؟»
بما أن ملك الشياطين استخدمه بنفسه، فربما كان ذلك ممكنًا.
فحتى قبل خمسمئة عام، انتشرت أساطير عن سيوف شيطانية تسحر عقول البشر وتدفعهم إلى الجنون والتعطش للدماء.
«فينريس ليس سوى سيف عادي، ومع ذلك يسكنه عفريت. إذن، من الممكن أن تكون السيوف الشيطانية موجودة حقًا.»
لكن رغم ذلك...
«لا أظن أنني سأُصاب بالجنون...»
راودته تلك الفكرة.
فكايل، الذي كان شيطان السيف في حياته السابقة، يعرف السيوف معرفة تفوق معظم الناس، ويعشقها أكثر مما يمكن وصفه.
ولم يكن مجرد الإمساك بسيف كافيًا لدفعه إلى الجنون.
لقد قطع رؤوسًا لا حصر لها في الماضي، ولم يرتكب أيًّا من تلك الأفعال لأن سيفًا أفقده عقله.
«لا تلمس بعل.»
حذرته كاتارينا مجددًا.
فقد لاحظت أن عيني الصغير تتلألآن كعيني طفل وجد لعبة جديدة مثيرة للاهتمام.
كانت كاتارينا تعتز بالأطفال الذين يمتلكون مواهب استثنائية وتحبهم.
وإذا كان الطفل ابن أختها الصغرى، فضلًا عن كونه حفيدًا يحظى بمحبة رب الأسرة، فإن عنايتها به ستزداد.
لكن ذلك لا يعني أنها ستسمح له بفعل كل ما يشاء.
فكلما ازدادت موهبة الطفل، ازدادت الحاجة إلى تربيته بصرامة.
«لن ألمسه. سأكتفي بالنظر إليه.»
هكذا أجاب كايل.
لكن...
«اسمع.»
وجّه كلماته إلى بعل في ذهنه.
ثم ركّز بشدة على الموهبة الكامنة داخل جسده.
تلك الموهبة التي جعلته يستخرج العفريت من فينريس، ويشعر بالنظرات الصادرة من الأسلحة الموجودة في حديقة أزهار السيوف.
كان الأمر يشبه محاولة الإحساس بعضو غير موجود في جسد الإنسان، كذيل أو جناحين، ثم محاولة تحريكه بالإرادة.
«أنت من نظر إليّ أولًا. فلماذا تظل ساكنًا هكذا؟»
كيف يبدأ بالتحديق فيه، ثم يرفض حتى إصدار صوت؟
أهذا هو سيف ملك الشياطين؟
هل كان أكثر خجلًا مما توقع؟
فكر كايل في ذلك، وحدّق في بعل بحدة.
«قل شيئًا على الأقل...»
دق!
دق! دق!
بدأ قلبه يخفق بقوة من تلقاء نفسه.
كان الإحساس مطابقًا تمامًا لما شعر به عندما رأى الذئب الكامن داخل فينريس.
أخذ المشهد المحيط به يرتجف.
ولم يعد يشعر بنظرات كاتارينا الحادة.
وفي المقابل، أصبحت النظرات المنبعثة من الأسلحة في حديقة أزهار السيوف أوضح وأقوى من ذي قبل.
تموج ضباب أحمر بلون الدم حول بعل.
وأخذ اللون الأحمر يملأ نصله الفضي وأخدوده الطويل الممتد على سطحه.
وسرعان ما انتشر الاحمرار عبر النصل بأكمله، كعروق ملتوية تتفرع على طوله.
ازداد مظهر السلاح المشؤوم بشاعة.
ثم...
ظهرت عين في منتصف النصل.
كانت عينًا سوداء حالكة، تبدو مقلوبة على نحو غير طبيعي.
وفي وسط سوادها امتد خط أصفر.
أخذت «عين» بعل تحدق في كايل.
[كلما استمعت إلى كلامك، ازددت اقتناعًا بمدى سخافته.]
تردد صوت بعل داخل عقل كايل.
[متى أغوى هذا الجسد يومًا أفرادًا من عرق أدنى مثلكم؟ أنتم أبناء الأعراق الدنيا من جئتم خلسة تبحثون عن هذا الجسد، مدفوعين برغبتكم في القوة أو في نيل الاعتراف بقدراتكم. ثم أمسكتم به دون إذنه.]
«إنه يستطيع الكلام أيضًا.»
تمتم كايل بدهشة.
لم يعد قادرًا على استشعار وجود كاتارينا.
فكما حدث مع فينريس، كان كايل في حالة تناغم مع بعل في تلك اللحظة.
ولم يكن حديثهما مسموعًا لأي شخص آخر.
[أيها الصغير.]
لمعت عين بعل.
وووش!
اندفعت نية قتل مرعبة مع نظرته، واجتاحت كايل.
[انقل كلام هذا الجسد إلى تلك الأنثى الدونية. أخبرها بأن هذا الجسد لم يُغوِ قط أحدًا من الأعراق الدنيا أمثالكم.]
«كاذب. لقد نظرت لوسيا إليك، وأصبحت عيناها شاردتين.»
[إن كنت تقصد تلك الهجينة الحمقاء التي اختلطت في عروقها دماء وضيعة، فلم يكن ذلك مقصودًا من هذا الجسد. بل إن الدماء المتفوقة المختلطة داخل جسدها هي التي انجذبت إليه.]
«إذن، أنت لم تُغوِ أي إنسان قط؟»
[أنتم من اقتربتم من هذا الجسد بإرادتكم، ثم أمسكتم به، وفقدتم عقولكم لأنكم سُكرتم بقوته. وكل ذلك لأنكم كائنات دونية. لا شأن لهذا الجسد بما حدث لكم.]
«إذن، يبدو أن الناس يفقدون عقولهم فعلًا عندما يمسكون بك.»
[لأنكم أدنى شأنًا، لا أكثر.]
«وما مدى عظمتك أنت حتى تصف الجميع بالدونية؟»
[كيف تجرؤ على...]
لم يكن لصوت بعل عمر أو جنس يمكن تمييزه.
لكن الغضب الكامن فيه كان واضحًا تمامًا.
[لماذا لا تزال بخير؟ رغم أن هذا الجسد مقيّد بالختم...]
طرح بعل ذلك السؤال بعد لحظات.
فقد لاحظ أن الصغير الواقف أمامه لم يرتجف من الخوف، ولم يتغير لون وجهه حتى، رغم نية القتل التي أطلقها نحوه قبل قليل.
«أنا معتاد على نية القتل.»
أجاب كايل بلا اكتراث.
وقد فهم الآن لماذا يُوصف بعل بأنه سيف شيطاني.
فإطلاق نية قتل بهذا القدر من الشدة، دون الحاجة حتى إلى وضع النصل مباشرة على عنق أحد...
أي شخص عادي العقل سيفقد صوابه بمجرد الإمساك ببعل، بعدما تبتلع نية القتل تفكيره.
لكن كايل لم يكن يمتلك عقلًا عاديًا.
[معتاد عليها؟ صبي صغير مثلك؟ مستحيل. من بين جميع أولئك الحمقى الوضيعين الذين أغرتهم أوهام عظمتهم، لم يستطع أي شخص أمسك بهذا الجسد الحفاظ على عقله.]
«وما مدى قوة عقول الحمقى الذين ظنوا أنهم سيصبحون أقوياء ويحصلون على اعتراف الآخرين بمجرد التقاط سيف جديد؟»
نفخ كايل بازدراء، وارتسمت على وجهه ابتسامة ساخرة.
صمت بعل للحظات.
ثم أطلق ضحكة تهكمية.
[أيها الصغير. أنت ترغب في امتلاك هذا الجسد في النهاية، أليس كذلك؟ ولهذا أنت...]
«من الأفضل أن تتأكد من الحقائق قبل أن تتحدث. هل أنا من أغواك أولًا؟ بل أنت من أغواني أولًا. لقد ظللت تحدق فيّ.»
ألقى كايل نظرة حوله.
كان الضباب الأحمر الدموي قد ظهر نتيجة تناغمه مع بعل.
ومن وراء ذلك الضباب، استطاع استشعار النظرات الصادرة من بقية الأسلحة المغروسة في حديقة أزهار السيوف.
«وأنت لست الوحيد. فجميع الأسلحة الموجودة هنا تحدق فيّ.»
[أيها الصغير، أنت من ينبغي أن يفهم الحقائق جيدًا. أنت من دخل هذه الحديقة السخيفة أولًا. وأنت أيضًا من جعل عين هذا الجسد تنفتح، عندما أطلقت ذلك الاستعداد الغريب الذي تمتلكه.]
«وماذا في ذلك؟ أتقول إنني أغويتك أولًا؟»
[ما أنت؟]
ضيّقت عين بعل نظرتها.
[أنت من عرق أدنى مثل الآخرين، لكنك تُطلق استعدادًا غريبًا لا أفهم طبيعته. هل يُعقل أن سيدي أرسل أخيرًا مبعوثًا لاستعادة هذا الجسد؟]
«يبدو أنك لا تصغي إلى ما يجري في الخارج إطلاقًا. فأنا أصغر أحفاد هذه الأسرة.»
[...]
«عندما أستمع إلى كلامك، يبدو فعلًا وكأنني أغويتك أولًا. لكنني لم أقصد ذلك، ولذلك ينبغي لك أن تفهم الأمر على هذا الأساس.»
وبعد قول ذلك، استدار كايل.
لقد تأكد مما أراد معرفته.
فجسده الحالي يمتلك استعدادًا للتواصل مع العفاريت التي تسكن الأسلحة.
وكذلك، يبدو أن داخل كل سلاح من أسلحة حديقة أزهار السيوف عفريتًا خاصًا به.
لم يكن يعرف إن كانت هذه القدرة تنطبق على جميع الأسلحة دون استثناء.
لكن ما اكتشفه حتى الآن كان كافيًا لإثبات ما أراد التأكد منه.
[انتظر.]
عندما بدأ كايل بالمغادرة عبر الضباب الأحمر، سارع بعل إلى إيقافه.
[ألن تمسك بهذا الجسد؟]
«خالتي قالت لي ألا أفعل.»
[ولماذا تصغي إلى كلام أنثى من عرق أدنى؟]
«لماذا؟ هل تريدني أن أمسك بك؟»
ابتسم كايل ابتسامة عريضة، والتفت إلى بعل.
اتسعت العين الظاهرة على نصله.
[أيها الصغير. أنت مميز إلى حد ما. كم عمرك؟]
«خمس سنوات.»
[خمس... سنوات... أنت صغير جدًا. ولم توقظ بعد ذلك الشيء الذي يسمونه الجذر الروحي...]
«وكيف تعرف شيئًا عن الجذور الروحية وأنت مغروس هنا منذ خمسمئة عام؟ هل أخبرتك العفاريت الأخرى عنها؟»
[...]
لم يُجب بعل.
بل اكتفى بالتحديق في كايل.
واعتبر كايل ذلك الصمت تأكيدًا.
فبما أن العفاريت الأخرى ظلت مغروسة في حديقة أزهار السيوف طوال خمسمئة عام، فلا بد أنها كانت تتواصل بعضها مع بعض خلال تلك المدة.
[ما زلت غير ناضج، ولذلك لا يمكنك الإمساك بهذا الجسد بعد. لكن أفراد عرقكم الأدنى ينمون ويشيخون بسرعة. ولهذا، عندما يحين الوقت المناسب، سأسمح لك بالإمساك بهذا الجسد.]
«لا.»
[ماذا؟]
اتسعت عين بعل بشدة، وكأنه لم يتخيل قط أن أحدًا قد يرفض عرضه.
[أيها الصغير. ماذا قلت للتو؟ لا؟]
«نعم.»
[لماذا؟ ألا تعرف ماهية هذا الجسد؟ هذا الجسد هو بعل. وسيد هذا الجسد هو...]
«إذا أمسكت بك...»
ابتسم كايل بعينيه، وكأنه يتعمد استفزازه.
«فسيوبخني جدي. وستوبخني خالتي أيضًا.»
[لمجرد سبب تافه كهذا...!]
«وفوق ذلك، أنت متكبر أكثر مما ينبغي. لو كنت تتوسل إليّ أن أمسك بك الآن، فربما كنت سأفكر في الأمر. لكن ماذا قلت قبل قليل؟ عندما يحين الوقت المناسب؟ آسف، لكنني لا أحتاج إلى سيف يبالغ في تقدير نفسه إلى هذا الحد.»
فأفضل السيوف في نظر كايل هو السيف الذي يستقر براحة في قبضة صاحبه، ويتحرك وفق إرادته.
ولم يكن يحب السيوف التي تتصرف بتعالٍ، وكأنها أفضل من الجميع.
«فينريس استثناء، بالطبع. فذلك الكلب اللعين كان سيفي منذ البداية.»
صحيح أن ذلك الوغد تحول في الأيام الأخيرة إلى كلب يعض ذراعي كايل وجسده، بدلًا من الاعتراف به سيدًا والتودد إليه عند قدميه.
لكن عندما ينمو هذا الجسد ويكتسب القوة اللازمة، ويتعلم فينريس بعض الأدب، فسيعود سيفًا يطيعه كما كان يفعل في الماضي.
[انتظر...! أيها الصغير، لا تذهب!]
«أظن أنني سأزور حديقة أزهار السيوف كثيرًا من الآن فصاعدًا. وإذا كنت في مزاج جيد، فسأتحدث معك حينها.»
ومع ذلك...
لم يكن كايل عديم الاهتمام ببعل.
صحيح أن غروره وثقته المفرطة بنفسه كانا يثيران ضيقه، لكنه يمتلك إرادة خاصة به بوصفه عفريتًا يسكن السيف.
وإذا استطاع ترويض بعل في المستقبل، فربما يتمكن من معرفة تقنيات السيف التي استخدمها سيده الأصلي، ملك الشياطين.
عند تخيل ذلك، تسارعت دقات قلب كايل من شدة الحماس.
وبالطبع، لن يحدث هذا الآن.
فحتى لو تعلم تلك التقنيات، فلن يستطيع استخدامها على الفور.
كما لم يكن واثقًا من قدرة جسده الحالي على تحملها.
وفوق ذلك، سيحتاج إلى إذن يوليوس.
«عندما أثبت جدارتي وأحصل على الاعتراف بأهليتي، سأتمكن من الإمساك ببعل أيضًا.»
وبينما يفكر في ذلك، شق كايل طريقه عبر الضباب الأحمر.
فتبدد الضباب من حوله.
وخلفه...
رأى نظرات لا حصر لها.
كانت أسلحة حديقة أزهار السيوف.
فقد ظهرت حولها عفاريت تتخذ أشكالًا مختلفة عن هيئة بعل، وكانت جميعها تحدق في كايل باهتمام شديد.
«سأتمكن من التعلم من هؤلاء أيضًا.»
لقد كان محظوظًا حقًا لأنه وُلد من جديد.
وعاد كايل لترديد الفكرة نفسها التي راودته مرات عديدة من قبل.
وعندما بدد ما تبقى من الضباب، وخرج منه أخيرًا...
رمش بعينيه.
وكما توقع، فقد انفصل وعيه عن إحساسه بجسده مرة أخرى أثناء تناغمه مع بعل.
كانت كاتارينا واقفة أمامه مباشرة، وقد انحنت حتى أصبح وجهها بمستوى وجهه، وعيناها مفتوحتان على اتساعهما.
فابتسم لها كايل ابتسامة مرتبكة.
«خالتي، ما الأمر؟»
«ماذا فعلت للتو؟»
«ماذا... حدث؟»
«لقد أطلق بعل ضبابًا أحمر بلون الدم.»
اشتدت قبضة كاتارينا على كتف كايل.
«وكنت تحدق فيه بعينين فارغتين من أي تعبير. أنت... هل أغواك بعل؟»
«تحدثنا قليلًا.»
«تحدثتما؟! لقد سقطت تحت إغواء بعل!»
«لا، لم يُغوِني... لقد ضايقته قليلًا فحسب.»
«ما الذي تقصده بـ...»
«بعل طلب مني أن أنقل إليك شيئًا. يقول إنه لم يُغوِ أحدًا قط. ويدعي أن الناس أمسكوا به بإرادتهم، ثم فقدوا عقولهم، وأن الجميع يظلمه باتهامه بإغوائهم.»
«ماذا؟»
انفرجت شفتا كاتارينا من شدة الذهول.
ثم أطبقت عليهما بقوة، وصفعت كايل على خده.
صفعة!
«عُد إلى رشدك! لا ينبغي لك أن تسمح لبعل بإغوائك!»
جاءت الصفعة دون أي إنذار.
وكانت مؤلمة إلى حد كبير أيضًا.
فرك كايل خده الذي أخذ يلسعه الألم، ورفع عينيه نحو كاتارينا بنظرة تجمع بين الاستياء والشعور بالظلم.
«لم يُغوِني أحد. أنا بكامل وعيي.»
«ما قلته قبل قليل ليس كلام شخص يتمتع بوعيه كاملًا!»
«وكيف يُفترض بي أن أثبت لها أن عقلي سليم؟»
فكر كايل للحظة.
ثم رفع وجهه نحو كاتارينا وتحدث بتعبير جاد.
«خالتي، فهمت ما تقصدينه. لكن أرجوك أن تتركيني للحظة.»
«ماذا تنوي أن تفعل؟»
«سأثبت لك أنني لم أُصب بالجنون.»
«ما الذي تقصده بـ...»
«إذا كنتِ لا تصدقينني، فأمسكي بيدي واقتربي معي من بعل.»
«أقترب بك من بعل...؟ لقد فقدت عقلك حقًا...»
«خالتي.»
كانت كاتارينا تبدو باردة وقاسية من الخارج، لكنها في الحقيقة شديدة القلق على الآخرين، على نحو لم يتوقعه كايل.
ركّز نظره، وحدق مباشرة في عينيها.
«أرجوك أن تثقي بي.»
كان ابن أختها الذي لم تتحدث معه إلا قليلًا ينظر إليها بهذه الجدية.
ترددت كاتارينا للحظة، ثم أومأت برأسها.
أمسكت بيد كايل، واقتربت معه بحذر من بعل.
«وكيف تنوي أن تثبت...»
وقبل أن تتمكن كاتارينا من إكمال سؤالها...
رفع كايل قدمه فجأة، وركل نصل بعل.
رنّ!
كانت الإكسيرات قد عززت عظامه وعضلاته، مما مكّنه من توجيه ضربة ثقيلة لا يمكن أن تصدر عادةً عن طفل في سنه.
لكن بعل، المغروس بعمق في الأرض، لم يسقط.
بل اهتز قليلًا فحسب.
رنّ!
وجّه كايل ركلة أخرى إلى النصل.
اتسعت عينا كاتارينا وهي تشاهد السيف يتمايل بفعل الضربة.
رنّ!
ثم ركله كايل للمرة الثالثة.
وعندها فقط، أصاب الذعر كاتارينا.
فأمسكت بذراعه على عجل، وسحبته بعيدًا عن السيف.
«أنـ... أنت...! ماذا تفعل...؟»
«أنا لست مجنونًا.»
قال كايل بصوت هادئ.
«هل تصدقينني الآن؟»
«مع أن هذا التصرف قد يبدو أكثر إثارة للشك من تصرفاتي السابقة...»
فقد خطر له أن ركل سيف شيطاني بهذه الطريقة ليس بالضرورة دليلًا مقنعًا على سلامة العقل.
لكن لحسن الحظ، اكتفت كاتارينا بفتح شفتيها وإغلاقهما عدة مرات، عاجزة عن الكلام.
ولم تعد تشكك في سلامة عقله.
«الخد الذي ضربتِه يؤلمني.»
«هذا...»
أطلقت كاتارينا تنهيدة قصيرة.
ثم رفعت اليد التي صفعت بها كايل، ووضعتها برفق على خده الأيسر.
«أنا آسفة.»
كان اعتذارًا مقتضبًا.
لكنه كان صادقًا.