كايل (1)
«ما... ما هذا؟»
آخر ما كنت أمسك به هو مقبض سيفي العزيز، الذي رافقني طوال تلك السنوات. لكن الإحساس الذي وصل إلى راحة يدي الآن كان غريبًا.
ناعم.
نعم، كان ناعمًا. كم مضى من الوقت منذ أن لمست شيئًا كهذا بيدي؟
«سيدتي أريان، هل هذا صحيح حقًا؟!»
لم أكن أفهم ما يجري، فحاولت النظر حولي، لكنني بالكاد استطعت رؤية أي شيء.
كان الأمر مختلفًا عن الظلام الذي غمر بصري قبيل موتي... بدا أن أضواء تتراقص من حولي، لكنني عجزت عن تمييز أي شيء بوضوح.
«آه...»
فتحت فمي محاولًا الكلام، لكن حتى ذلك لم يجرِ كما أردت.
كان شعورًا بالعجز لم أختبر مثله طوال حياتي.
«لم أمت.»
هذا على الأقل ما استطعت إدراكه وسط ذلك العجز.
لم أعرف ما الذي حدث، لكنني لم أمت.
لماذا؟
لم يكن السبب مهمًا. كنت واثقًا أنني مت، ومع ذلك نجوت بطريقة ما. أفلا يجدر بي أن أطلق صيحة فرح مدوية على الأقل؟
«واااه!»
كنت أنوي الضحك بصوت عالٍ، لكن ما انطلق من فمي المفتوح على اتساعه لم يكن ضحكة.
بل صرخة بكاء.
لا، لماذا؟
لم أفهم ما يحدث. حاولت التوقف عن البكاء، لكن ما إن بدأت أجهش حتى عجزت عن إيقاف نفسي مهما حاولت.
«واااه! واااه! واااه!»
أكنت قادرًا حقًا على البكاء بهذه الطريقة؟
آخر مرة ذرفت فيها دموعًا حارة كانت يوم مات أبي، قبل عشرات السنين. ولم أبكِ منذ ذلك الحين.
«حسنًا، ربما يكون البكاء من شدة الفرح أمرًا طبيعيًا بعدما يعود المرء من الموت...»
لكنني لم أرغب في البكاء كالأطفال.
هذا ما كنت أفكر فيه، ومع ذلك ظل جسدي يرفض الانصياع لإرادتي.
«يا إلهي، اسمعوا كيف يبكي...!»
كانت الأصوات تصل إلى أذنيّ مكتومة بينما أواصل البكاء، وأذرف دموعًا لا أملك السيطرة عليها.
ثم اقترب صوت آخر من أذني.
كان صوتًا رقيقًا وحنونًا، يختلط به إرهاق واضح. ولسبب لم أفهمه، أشعرني مجرد سماعه بالطمأنينة.
رغم أنني حاولت بكل ما أوتيت من إرادة إيقاف بكائي دون جدوى، فقد بدأ يخفت عندما سمعت ذلك الصوت.
«من أنتِ؟»
لم أسمع في حياتي صوتًا يحرّك مشاعري بهذا العمق.
حاولت أن أُجهد عينيّ لأرى وجه صاحبته، لكن ذلك أيضًا لم يجرِ كما أردت. انهمرت الدموع من عينيّ العاجزتين عن التركيز، وأخذت أضواء ضبابية تتلألأ أمامي.
«هاهاها.»
ضحك ذلك الصوت العذب.
وفي اللحظة نفسها، غمر جسدي إحساس دافئ.
كان بكائي قد أوشك على التوقف، لكنني لم أستطع إيقافه بإرادتي.
ثم انقطع تمامًا.
«أنا أمك.»
داعب الصوت الحنون أذني.
وأخذت يدان حذرتان تلمسان جسدي وتداعبانه برفق، وكأنهما تخشيان كسر قطعة زجاجية شديدة الهشاشة.
تلك اللمسات، وذلك الصوت...
كل شيء فيها هزّ أعماقي.
«أ... أمي؟»
أكان هذا حلمًا؟
أم أنها ذكريات حياتي التي أخذت تمر أمام عينيّ قبيل الموت؟
لم أعرف.
كنت بالكاد أرى، وكان الصوت الذي يصل إلى أذنيّ رقيقًا إلى درجة جعلت ذهني يتشوش، وكأنني على وشك الاستغراق في النوم.
«أمي؟»
هل سبق أن بدت كلمة «أمي» دافئة إلى هذا الحد؟
وسط ارتباكي، لامس شيء أنفي برفق.
حركت يدي المتثاقلة وأمسكت به.
«يا إلهي!»
انطلقت صيحة فرح امتزجت بالضحك.
«سيريل، انظري! لقد أمسك بإصبعي مجددًا!»
وبينما كانت تضحك ببراءة، بذلت جهدًا كبيرًا لتحريك أصابعي.
أردت أن أتأكد باللمس من أن ما يحدث ليس مجرد حلم، ولا ذكريات تتداعى أمامي قبيل الموت.
«كايل.»
وبينما كنت منشغلًا بتحسس إصبعها وتحريكه بين أصابعي، همس صوت مفعم بالمحبة قرب أذني.
«هذا اسمك. كايل ألاستور.»
«ماذا؟»
ماذا قالت للتو؟
«واااه...»
ما اسمي؟
يبدو أنني تجسدت من جديد.
شيطان السيف رايكال.
لا... بل كايل ألاستور الآن، ولم يتقبل هذه الحقيقة إلا بعد مرور عدة أيام على ولادته.
وبعد أن استوعب ما حدث، أمضى وقتًا طويلًا يتعذب في التفكير فيه.
كيف يمكن لشيء كهذا أن يحدث؟
لم يسبق له أن فكّر بجدية فيما يحدث للناس بعد الموت. لكنه كان يدرك على الأقل أن يموت الإنسان، ثم يُولد شخصًا مختلفًا تمامًا، محتفظًا بكل ذكريات حياته السابقة، ليس أمرًا «طبيعيًا».
«ما حدث قد حدث.»
لن يصل إلى إجابة واضحة مهما أمعن التفكير، ولذلك قرر كايل أن يتقبل الواقع كما هو، في الوقت الراهن على الأقل.
والحقيقة أن جسد مولود حديث الولادة كان مزعجًا إلى حد لا يسمح له حتى بالتفكير الجاد.
كان بالكاد يستطيع رؤية ما أمامه. وحتى عندما يفتح فمه، لا يتمكن من نطق كلمات مفهومة. أما ذراعاه وساقاه، فلم تكونا تتحركان كما ينبغي.
وكلما حاول التفكير في أمور كهذه، بدأ ذهنه يتشوش، وأخذت عيناه تنغلقان من تلقاء نفسيهما، ثم يغرق في النوم.
وفوق ذلك كله، كان يشعر بالجوع في جميع ساعات اليوم. وكلما فتح فمه، انطلقت منه صرخات البكاء تلقائيًا مطالبة بالطعام.
لكن أكثر ما كان يثير شعوره بالإهانة هو...
«...»
لقد حدث الأمر وانتهى.
وما الفائدة من استحضار تلك الذكريات المخزية من حياته؟
تلوّى كايل داخل مهده.
وبين التفكير في هذا وذاك، وتقبّل الواقع، والنوم، والأكل، وقضاء الحاجة، بلغ كايل عامه الأول.
«كيف يمكنك أن تكون بهذا القدر من اللطافة؟»
اتكأت أريان على حافة المهد، وراحت تضحك وهي تضغط بإصبعها على خد كايل الممتلئ.
أريان ألاستور.
كانت أم كايل.
وبالنسبة إلى كايل، الذي احتفظ بجميع ذكريات حياته السابقة، كانت أريان أكثر شخص وجد صعوبة في تقبّله.
فعندما وُلد، لم يكن قادرًا على الرؤية جيدًا. لكن بعد مرور بعض الوقت، أصبح يستطيع رؤية وجهها بوضوح.
كانت أريان امرأة فاتنة الجمال.
كان شعرها الأحمر كثيفًا ولامعًا، وعيناها الذهبيتان تتلألآن كالجواهر. أما بشرتها، فكانت صافية بيضاء كاليشم، إلى جانب الكثير من الصفات الأخرى.
باختصار، كانت أريان تتمتع بكل صفة قد تخطر بالبال عند الحديث عن امرأة جميلة.
أما أمه في حياته السابقة، حين كان شيطان السيف رايكال، فلم يكن يتذكرها.
كانت امرأة تمتهن البغاء وتتجول مع فرقة المرتزقة. ولهذا، لم يكن مستبعدًا أن يكون له أخ أو اثنان داخل الفرقة، وربما أخوان أكبر منه في مكان ما من العالم.
«مع أنني لا أشعر تجاه أيٍّ منهم برابطة أخوّة.»
لم يكن أبوه يحب أمه.
ولم تكن أمه تحب أباه، ولا رايكال نفسه.
ومن هذه الناحية، كانت أم رايكال محترفة في مهنتها.
«والحقيقة أنني بالكاد أتذكرها.»
كم كان عمره عندما ماتت؟
ثلاث سنوات تقريبًا؟
كان صغيرًا جدًا آنذاك، فلم تبقَ في ذاكرته عنها سوى أشياء قليلة.
لم يبكِ أبوه عند موتها.
ولم يبكِ رايكال أيضًا.
وبسبب احتفاظه بكل تلك الذكريات، وجد رايكال... أو بالأحرى كايل، صعوبة شديدة في تقبّل أريان بوصفها أمه.
«بخ! ها أنا ذا!»
لكن سواء وجد كايل الرضيع صعوبة في الاعتراف بها أمًّا له أم لا، فقد كانت أريان أمًّا حنونة.
لم تكن تفارق جانبه، وكانت تكثر من الحديث إليه، وتلاعبه بمختلف الألعاب.
وحتى الآن، بينما كانت تكرر لعبة إخفاء وجهها وإظهاره فجأة، كان كايل يبتسم لها.
فرغم امتلاكه جسد رضيع، أراد أن يستجيب لتوقعاتها، بعدما رأى كل الجهد الذي تبذله لإسعاده.
بل شعر أنه ملزم بذلك.
«استسلم فحسب.»
وبعدما استعاد الفكرة التي تراوده كلما وجد نفسه في موقف كهذا، ترك كايل وعيه يتراجع.
كانت تلك آلية دفاع ابتكرها لحماية عقله من انهيار ما تبقى من كرامته.
«با با با با!»
أبعد عن ذهنه شخصية شيطان السيف، وترك نفسه تتصرف وفق رغبات طفل يبلغ عامًا واحدًا.
رغم أن هذه كانت تجربتها الأولى في الإنجاب وتربية الأطفال، فقد كانت أريان مقتنعة بأمر واحد منذ البداية.
«لا بد أن ابني عبقري.»
من الطبيعي أن تراود هذه الفكرة أيّ أم أنجبت طفلًا، ولو مرة واحدة على الأقل.
لكن أريان لم تشك في صحتها ولو للحظة.
«لا بد أن السيد الصغير كايل عبقري.»
ولم يكن سبب يقينها مجرد أن جميع الخدم في القصر يرددون الكلام نفسه.
فمنذ لحظة ولادته، أمسك كايل بإصبعها بقوة لطيفة ومحببة. وحتى وهو يبكي، ظل يحدق باهتمام شديد في وجه أمه.
لم يكن كايل طفلًا عاديًا منذ ولادته.
«عـ... عفوًا...»
كانت المرة الأولى التي «تحدث» فيها عندما بلغ من العمر مئة يوم فقط.
وقد أكد الخدم الذين يمتلكون خبرة في الولادة وتربية الأطفال أن رضيعًا في مثل هذا العمر لا يمكنه الكلام إطلاقًا.
لكن كايل تحدث بالفعل وهو في يومه المئة.
والأغرب من ذلك أن كلماته الأولى لم تكن «طعام» أو «ماما»، وهما من الكلمات التي يُفترض أن ينطق بها معظم الأطفال أولًا.
كان صوته خافتًا ومتلعثمًا، لكن كايل لم يكتفِ بنطق كلمة عابرة، بل تكلم فعلًا.
«مـ... مـ... من... أنتِ؟»
عندما تكلم كايل للمرة الأولى، أصيبت أريان بصدمة كادت تُفقدها وعيها.
بل إن عددًا من المربيات اللواتي كنّ معها أغمي عليهن فعلًا.
إلى هذا الحد كانت كلماته الأولى صادمة.
«أ... أنا؟ من أكون؟ أ... أنا أمك يا كايل!»
«أ... أمي...؟»
«هذا صحيح، أمك! اسمي أريان ألاستور، و... آه... حسنًا... عـ... عمري أربع وعشرون سنة. و...»
«سيدتي أريان، أرجوكِ اهدئي!»
«سيدي الصغير كايل! إنها أمك، أمك!»
وبينما كانت أريان تتخبط في ارتباكها، سارعت المربيات إلى هزّ الخشخيشات أمام الطفل.
«أ... أمي... ماما...؟»
هل يُعقل أن يتحدث رضيع لم يتجاوز عمره مئة يوم بهذه الطريقة، وأن ترتسم على وجهه ملامح عميقة إلى هذا الحد؟
«طـ... طعام... طعام...»
ومنذ ذلك اليوم، بدأ كايل ينطق كلمات متنوعة.
وعلى خلاف الأطفال العاديين، لم يكن يستخدم الكلمات الطفولية المعتادة للإشارة إلى الطعام.
فكلما أطعمته المربيات، كنّ يرددن أمامه لفظة «مَمْ مَمْ»، لكنه كان يقول بوضوح:
«طعام.»
«الـ... حمّام...»
ولم يكن يستخدم الكلمات الطفولية المعتادة عندما يحتاج إلى قضاء حاجته أيضًا.
بل كان يقول بوضوح:
«الحمّام.»
«...»
وقبل أن يبلغ عامه الأول، كثيرًا ما كان يقضي حاجته قبل أن يتمكن من قول أي شيء.
وكلما حدث ذلك، كان يطبق شفتيه بشدة، وعلى وجهه تعبير من المعاناة لا يُفترض أن يتمكن رضيع من إظهاره.
«إن لم يكن هذا عبقريًا، فماذا يكون إذن؟»
ضحكت أريان برقة وهي تداعب خد كايل.
وكان كايل مستلقيًا في مهده، لا يقاوم لمسات أمه الحنونة.
ورغم أن عينيه حملتا ما يشبه الاستسلام، فإن أريان، الغارقة تمامًا في حب ابنها، لم تلحظ الفراغ الكامن فيهما.
«كايل، أنت كنزي. هدية من السماء.»
همست بالكلمات التي قالتها له مرات كثيرة من قبل، ثم قربت إصبعها من يده الصغيرة.
وكانت في فم كايل لهاية، لكنه أمسك بإصبعها كما تمنت أريان.
«مممبربر...»
«هاهاها! كيف يمكنك أن تكون بهذه القوة؟»
ابتسمت أريان بسعادة وهي تراقب أصابعه الصغيرة الممتلئة تقبض على إصبعها بإحكام وتتحسسها.
«كايل، لقد أمسكت بإصبعي يوم وُلدت أيضًا. هل تتذكر؟»
«مممبربر...»
أومأ كايل برأسه وهو يمص لهايته.
«يا إلهي! هل كانت تلك إجابة؟»
أشرق وجه أريان بابتسامة عريضة، وأمسكت يد كايل بحذر.
وبالطبع، لم تكن تعتقد أنه يتذكر فعلًا لحظة ولادته.
«لقد فعلت ذلك منذ ولادتك. ربما وُلدت لتُمسك بشيء ما.»
أخذت أريان تربت على رأسه بيدها الأخرى.
وكان الشعر الأحمر، الذي يُعد رمزًا لعائلته، قد بدأ ينمو على رأسه الصغير بحلول ذلك الوقت.
«قد لا تعرف هذا، لكن أفراد عائلتنا يستخدمون شتى أنواع الأسلحة. كايل، هل تعرف ما السلاح؟»
«با با... با با با...!»
وفجأة، أضاء بريق في عيني كايل اللتين كانتا تفيضان بالاستسلام قبل لحظات.
وبصق اللهاية التي كان يمصها.
«كا... كاال...»
«اسمك كايل، وليس كال!»
«كااال...»
ظل كايل يتحسس إصبع أريان ويحركه بين أصابعه، وهو يكافح لنطق الكلمة على الوجه الصحيح.
ثم قال:
«سـ... سيف...»
لقد نطق باسم الشيء الذي أحبه طوال حياته السابقة، والذي ظل ملازمًا له طيلة تلك السنوات.
«سيف؟ هل قلت سيفًا؟»
حدقت فيه أريان مذهولة، فأومأ كايل برأسه بحماس.
«يا إلهي، كايل! هل قلت سيفًا للتو؟»
«سـ... سيف...»
«هذا صحيح، سيف! أنت تقصد السيف! هل تريد أن تمسك بسيف؟»
«نععااام...»
«يكفي أن تقول نعم!»
«آه... نـ... نعم...»
«لقد أجابني!»
انفجرت أريان ضاحكة، وأخذت تعبث بشعر كايل.
«أنا آسفة يا كايل. أنت صغير جدًا، وما زلت في سن مبكرة للغاية، كما أنك لطيف إلى حد لا يُحتمل! لذلك لا يمكنك الإمساك بسيف الآن. لكن يمكنك أن تمسك به عندما تكبر قليلًا، اتفقنا؟»
لم يجد كايل أمام كلماتها خيارًا سوى الاستسلام مجددًا.
«إنها محقة...»
فهو بالكاد يستطيع التحكم في جسده كما ينبغي.
وحتى لو أراد الإمساك بسيف، فلن يتمكن من ذلك.
«ربما ينبغي لي أن أكبر بسرعة أكبر...»
وما إن بدأ الحزن يتصاعد في داخله، حتى شرع جسد الرضيع اللعين هذا يستعد للبكاء من تلقاء نفسه.
«واااه...»
لكن قبل أن ينفجر باكيًا، وُضعت لهاية في فمه مجددًا.