شيطان السيف
كنت أحبّ التلويح بالسيف.
ولو سألني أحدهم عمّا يعجبني في استخدام سلاح لا غاية له في النهاية سوى قتل الناس، لما وجدت جوابًا أقدّمه له. لكنني، رغم ذلك، كنت أحبّ التلويح بالسيف.
ليس بالضرورة أن تكون بارعًا في كل ما تحبّه. ولحسن حظي، كنت بارعًا في استخدام السيف بقدر عشقي له.
وكأنني وُلدت لأمسك بالسيف وألوّح به.
بدأت الإمبراطورية، التي بدا أنها ستظل تحكم إلى الأبد، تتداعى عقب وفاة الإمبراطور المفاجئة. فقد ادّعى كل واحد من أبنائه أنه الأجدر بالعرش الإمبراطوري، وأشهروا سيوفهم في وجوه بعضهم بعضًا.
ومع انغماس الأسرة الإمبراطورية في صراعاتها الداخلية، لم يقف النبلاء مكتوفي الأيدي. أما الممالك الأخرى، التي كانت تطمع في أراضي الإمبراطورية، فقد حشدت جيوشها هي الأخرى.
اقتتال داخل الأسرة الإمبراطورية، وتمردات يقودها النبلاء، وإعلانات حرب من الممالك المجاورة.
واستغلت الشياطين القادمة من وراء البحار نيران الحرب التي اجتاحت القارة، فشنّت غزوًا هي الأخرى. ولم تسلم من هذه الفوضى الأجناس غير البشرية التي سبق أن دفعها البشر إلى أطراف القارة وأجبروها على العيش هناك، إذ وجدت نفسها منجرفة إلى أتون الصراع.
كانت تلك، دون أدنى شك، أشد حقبة اضطرابًا في تاريخ القارة.
لقد كان عصرًا من الحروب، أخذت فيه كلمة «سلام» تفقد معناها شيئًا فشيئًا. لكن مهنة الارتزاق كانت مزدهرة. حتى فرق المرتزقة متوسطة الحجم لم تكن تشكو يومًا من قلة العمل.
وُلدت في إحدى فرق المرتزقة، لأب يعمل مرتزقًا وأم تمتهن البغاء.
وكان في الفرقة التي وُلدت فيها عدد لا بأس به من الأطفال في مثل سني.
اعتدنا القيام بالأعمال البسيطة، وحين يغادر الكبار إلى ساحات القتال، كنا نقضي أوقاتنا في المبارزة بسيوف اللعب.
ولأتباهَ قليلًا، لم أخسر في تلك المبارزات ولو مرة واحدة. كنت أفوز دائمًا في المواجهات الفردية بلا استثناء، وكلما انقسمنا إلى فريقين، كان الفوز من نصيب الفريق الذي أنتمي إليه.
كل ذلك رغم أنني لم أتلقَّ تدريبًا حقيقيًا على فن المبارزة بالسيف.
كان من الواضح أنني وُلدت موهوبًا في استخدامه.
تلقيت أول درس حقيقي في المبارزة عندما بلغت الثامنة.
«لقد كبرت أخيرًا بما يكفي لأبدأ تعليمك.»
كان أبي قد راقب طريقة تلويحي بسيف اللعب عدة مرات من قبل. وفي ذلك اليوم، تحسّس ذراعيّ وساقيّ، وقد اشتد عودهما بما يكفي، ثم وضع سيفًا خشبيًا في يدي فجأة.
وهكذا ذقت طعم الهزيمة للمرة الأولى، في مبارزة لم تختلف كثيرًا عن ألعاب السيوف التي اعتدتها.
وبما أن خصمي كان أبي، وهو مرتزق متمرّس، فقد كانت هزيمتي أمرًا طبيعيًا. لكنها كانت أول هزيمة أتجرعها في حياتي، وقد شعرت بمرارة شديدة وغيظ لا يُحتمل، حتى إنني جلست على الأرض حيث كنت وانفجرت باكيًا.
«يا بني، هل ظننت حقًا أنك ستفوز عليّ؟»
وأمام نظرات أبي المذهولة من بكائي، اتخذت قرارًا حاسمًا.
سأهزم أبي يومًا ما، مهما حدث.
لكن ذلك اليوم لم يأتِ قط، للأسف.
فكما قلت، كان ذلك عصر الحروب. لم تتوقف المعارك في أي بقعة من القارة، وكانت مهنة الارتزاق في أوج ازدهارها.
وحين بلغت العاشرة، خرج أبي إلى ساحة القتال ولم يعد.
أخبرني الكبار أنه صادف أحد الفرسان في المعركة.
في ذلك اليوم، ذرفت دموعًا اختلطت فيها مشاعر كثيرة ومعقدة. فقد ماتت أمي بمرض حين كنت في الثالثة من عمري، ولم يبقَ لي من عائلتي سوى أبي.
حزنت لأن أبي مات.
وغضبت لأن أبي مات.
وفي النهاية، استشاط قلبي غيظًا لأنني فقدت إلى الأبد فرصة هزيمته.
«أيّ فارس... أيّ فارس قتل أبي؟»
«لا أعرف اسمه بالتحديد... لكن كان على درعه رسم وردة زرقاء.»
كانت الوردة الزرقاء شعار آل ريبرتو.
أما الأسرة التي استأجرت فرقتنا للمشاركة في تلك الحملة، فقد هُزمت في الحرب وأصبحت تابعة لآل ريبرتو. ولم تجد فرقتنا خيارًا سوى الرحيل بحثًا عن ساحة قتال جديدة وعمل آخر.
آل ريبرتو.
بينما كنا نفكك معسكرنا ونحمّل أمتعتنا على العربات، حفرت ذلك الاسم في ذاكرتي، وأنا ابن عشر سنوات.
كان علينا الرحيل الآن، ولم أكن أملك القوة اللازمة لفعل أي شيء.
لكن يومًا ما... يومًا ما، مهما طال الزمن، سأقتل فارسًا من آل ريبرتو وأثأر لأبي.
إذا قتلتُ الفارس الذي قتل أبي، الذي لم أستطع هزيمته قط، فسيكون ذلك في النهاية أشبه بأنني هزمت أبي بنفسي.
كان منطقي، وأنا في العاشرة من عمري، محكمًا للغاية.
ومرت خمس سنوات...
لم يتغير العصر، لكن فرقة المرتزقة انتهى أمرها.
تلقينا هزيمة ساحقة في إحدى المعارك. قُتل معظم أفراد قوتنا الرئيسية، ومن بينهم قائد الفرقة، ولم يعد في وسعنا الحفاظ على تماسكها.
«أيها القائد، ماذا سنفعل الآن؟»
بينما تفرق الجميع بحثًا عن وسيلة للعيش، جاءني أبناء المرتزقة الذين نشأت معهم، أولئك الذين اعتادوا اللعب بالسيوف إلى جانبي منذ طفولتنا.
كانوا جميعًا قد فقدوا آباءهم.
«ما رأيكم أن نصبح قطاع طرق؟»
وقبل أن أجيب، طرح آخر اقتراحًا مختلفًا.
«ولمَ لا نصبح قراصنة؟»
وسرعان ما أدلى ثالث باقتراحه.
لم نكن نجيد شيئًا سوى القتال، ولذلك لم تكن أمامنا مهن كثيرة لنختار منها.
«قطاع طرق، قراصنة، لا فرق. فلنصبح مرتزقة نحن أيضًا.»
فأنا وُلدت لأب مرتزق، ونشأت داخل فرقة مرتزقة، ولذلك بدا لي أن أصبح مرتزقًا بدوري أمرًا بديهيًا.
«وماذا سنسمي فرقتنا؟»
«فرقة الغراب للمرتزقة.»
لم أُجهد نفسي كثيرًا في التفكير في الاسم.
كانت ساحات القتال تعج دائمًا بالجثث، ومن الطبيعي أن تكثر فيها الغربان. وفي الخامسة عشرة من عمري، كان الغراب أكثر حيوان رأيته في حياتي.
أما المرتبة الثانية، فكانت للفئران.
«فرقة الغراب للمرتزقة؟ أليس هذا الاسم مستخدمًا بالفعل؟»
«وما المشكلة؟ أتظن أن كل فرقة مرتزقة في العالم تحمل اسمًا لا يشبهه اسم آخر؟»
وهكذا وُلدت فرقة الغراب للمرتزقة، التي أسسها مجموعة من الفتيان الذين فقدوا آباءهم.
وبطبيعة الحال، أصبحت قائدها.
ومرت خمس سنوات أخرى...
نمت فرقة الغراب للمرتزقة نموًا سريعًا.
صنعنا لأنفسنا سمعة ونحن نتنقل من ساحة قتال إلى أخرى، وراح كثيرون يتوافدون للانضمام إلينا. كما هزمنا فرق مرتزقة أخرى وضممناها إلى صفوفنا.
كنت ألوّح بسيفي كل يوم.
وفي ساحات القتال، كنت أُعمله في البشر.
وأحيانًا في أجناس أخرى غير بشرية، كان معظمها من الأورك.
«أيها القائد، سمعت أن آل ريبرتو أعلنوا الحرب على آل فالكين المجاورين.»
«تبًّا، أخيرًا!»
فالمرتزقة يُستدعون للمشاركة في الحروب، وليسوا هم من يشعلونها.
«سننضم إلى جانب آل فالكين.»
«آه... لكن أيها القائد، جيش آل ريبرتو ضعف حجم جيش آل فالكين.»
«ألن يكون الانتصار عليهم وهم يفوقوننا عددًا بمرتين شعورًا رائعًا بحق؟»
امتطيت جوادي وأسرعت إلى أراضي آل فالكين، آملًا ألا ينهزموا قبل وصولي.
استقبلني زعيم الأسرة بوجه تكسوه الكآبة.
«لا نملك ما يكفي من المال لاستئجار فرقة مرتزقة شهيرة مثل فرقتكم...»
«سنقاتل بنصف الأجر. وإن لم يكن لديكم هذا المبلغ الآن، فيمكنكم دفعه لنا بعد انتهاء الحرب.»
«مـ... ماذا؟ لماذا؟»
«لي ثأر قديم مع آل ريبرتو. وفي المقابل، أريد منك وعدًا واحدًا. أيّ فارس من آل ريبرتو سيكون من نصيبي.»
بالطبع، لا تجري الأمور في ساحات القتال دائمًا كما نخطط لها، ولذلك لم أستطع الاستئثار بجميع فرسان آل ريبرتو.
لكن عدد فرسانهم كان كبيرًا بما يكفي كي لا أحتاج إلى أن يُسلَّموا جميعًا إليّ.
«هل قتلت مرتزقًا يُدعى هانس أثناء حرب أراضي كاميرون قبل عشر سنوات؟»
طرحت ذلك السؤال على عدد كبير من الفرسان، لكنني لم أسمع إجابة بالإيجاب ولو مرة واحدة.
ففي عصر لا تتوقف فيه الحروب، كان المرتزقة منتشرين في كل مكان. ولم يكن هناك فارس يستطيع تذكر اسم مرتزق قتله قبل عشر سنوات.
وبعد شهر من القتال، جاء اليوم الذي أحرقنا فيه راية آل ريبرتو.
«يجب أن أصبح أكثر شهرة.»
آلمني أن أحدًا من فرسان آل ريبرتو لم يتذكر اسم أبي، ولذلك اتخذت ذلك القرار.
«يجب أن أصبح مشهورًا إلى درجة يعرفني فيها الجميع في أي ساحة قتال. مشهورًا إلى حد أن تكون هزيمتي أو قتلي مصدر فخر يتباهى به صاحبه طوال حياته.»
«أيها القائد، هل تحتاج حقًا إلى بذل كل هذا الجهد؟»
«فرقتنا مشهورة بالفعل، وأنت أشهر منها بكثير!»
كان طبيعيًا أن أصبح مشهورًا.
ففرقة الغراب للمرتزقة، التي كنت أقودها، كانت القوة الرئيسية وراء انتصار آل فالكين رغم تفوق خصومهم عليهم عددًا بمرتين، والقضاء على آل ريبرتو.
«لا. هذا لا يكفي.»
رغم أنني كنت أدرك ذلك بعقلي، هززت رأسي.
«لا يكفي.»
ما الذي كان ينقصني؟
الشهرة؟
لقد تضاعفت شهرة فرقة الغراب للمرتزقة تضاعفًا هائلًا بفضل تلك المعركة. وصارت فرق مرتزقة لا حصر لها تتسابق إلى الانضواء تحت رايتنا، دون أن أحتاج حتى إلى استلال سيفي.
وبدأت الممالك التي تطمح إلى التحول إلى إمبراطوريات، بدلًا من البقاء مجرد ممالك، ترسل إلينا رسائل رغبةً في توطيد علاقاتها معنا.
بل عرضت علينا ممالك عديدة منحنا ألقابًا نبيلة وتحويل فرقتنا إلى تنظيم من الفرسان.
«لا يكفي.»
جمعت الرسائل التي كانت تنهال علينا من كل صوب، وألقيتها في النار، ثم تمتمت بالعبارة نفسها مجددًا.
وأمام ألسنة اللهب المتصاعدة، أدركت أخيرًا مصدر ذلك الظمأ الذي ينهشني.
لم أكن متعطشًا إلى الشهرة.
بل كان ذلك الظمأ نابعًا من الفراغ الذي خلّفه تحقيق الانتقام الذي حلمت به طوال عشر سنوات.
لقد اجتهدت وتدربت ولوّحت بسيفي من أجل هذا اليوم.
لكنني، حين حققت ما أردته أخيرًا، اكتشفت أنه لم يكن أمرًا مميزًا كما تخيلت.
لم أعرف أيّ فرسان آل ريبرتو هو الذي قتل أبي، الرجل الذي لم أستطع هزيمته ولو مرة واحدة. لكنني قتلت مئة وسبعة عشر فارسًا من فرسانهم، ولم أشعر ولو بقدر ضئيل من الإثارة وأنا أصرع أيًّا منهم.
ماذا أفعل الآن؟
لقد أمضيت سنوات أقاتل بضراوة وأتنقل من ساحة قتال إلى أخرى. أفآخذ قسطًا من الراحة؟
أم أقبل لقبًا نبيلًا، وأؤسس تنظيمًا من الفرسان، وأمضي متبخترًا بمكانتي الجديدة؟
أم أعتزل القتال وأستقر في مكان ما، بعدما جمعت من المال ما يزيد على حاجتي بكثير؟
لم يَرُق لي أيٌّ من تلك الخيارات.
وبينما كانت ألسنة اللهب التي أطلت التحديق فيها تخبو شيئًا فشيئًا، استللت سيفي.
كان الضوء المنعكس عن نصله، وقد صبغته النار بلون برتقالي، هو نفسه الذي رأيته عندما أمسكت سيفًا حقيقيًا لأول مرة.
لا.
بل كان ذلك الشعور أقدم من هذا بكثير.
منذ أن كنت طفلًا صغيرًا، حتى قبل أن أمسك سيفًا بنفسي، حين كان أبي والمرتزقة الآخرون يستلون سيوفهم ويرونني إياها.
كانت الذكرى باهتة، لكن الإحساس الذي خلّفته ظل واضحًا في نفسي.
كان السيف جميلًا.
وكنت أحب السيوف.
«تبًّا... ما زال هذا غير كافٍ.»
القوة تجلب الشهرة.
وفي العشرين من عمري، كنت قد بلغت من الشهرة مبلغًا هائلًا، ومع ذلك ظللت أشعر بأن شيئًا ينقصني.
لم تكن الشهرة هي ما أفتقر إليه.
بل القوة.
«من أقوى مبارز بالسيف في هذه القارة؟»
من المؤكد أن ذلك الشخص لم يكن أنا.
«أريد أن أصبح أعظم مبارز بالسيف في القارة. لكن فرقة الغراب للمرتزقة كبرت أكثر مما ينبغي، وأصبحت تعيقني.»
في صباح اليوم التالي، جمعت ضباط الفرقة، الذين كانوا لا يزالون غارقين في سُكرهم، وأعلنت قراري.
«اعتبارًا من اليوم، سأتخلى عن منصب القائد. ويبل، أنت القائد الجديد.»
«ماذا؟ مـ... مهلًا أيها القائد! هل فقدت عقلك؟»
«أنت أقوى رجل في الفرقة بعدي. قد لا تبلغ مستواي في القوة، لكنك قادر على إدارة الفرقة جيدًا.»
«لا، لا، أيها القائد! هذا مفاجئ للغاية...»
«من الآن فصاعدًا، سأتجول بين ساحات القتال دون أن أتقاضى أجرًا. هل تريد أن تتبعني وتخوض معي هذه المغامرة المجنونة؟»
«...»
«لا تستطيع، أليس كذلك؟ إذن لا تحاول منعي.»
«أيها القائد...»
«لقد تعبت وعملت بجد طوال هذه السنوات، ولذلك سآخذ حصانًا وبعض المال مكافأةً على خدمتي.»
كان الفراق مؤلمًا بعض الشيء، لكنني لم أشعر بأي ندم.
فحين نظرت إلى الماضي، أدركت أن ما أحببته حقًا هو السيف، لا حياة المرتزقة.
ولم أكن أحب ساحات القتال من أجل المال، بل لأنني أحببت التلويح بسيفي.
ومنذ ذلك اليوم...
بدأت أبحث عن ساحات القتال كل يوم.
كنت وحدي أكثر حرية في الحركة مما كنت عليه حين أقود فرقة مرتزقة. ولم تعد هناك عقود تلزمني بالقتال في صف معين من أطراف المعركة.
كنت أقاتل ببساطة كل من يبدو قويًا.
وإذا لمحت أثناء قتالي شخصًا أقوى في صفوف الطرف الآخر، اندفعت نحوه على الفور.
«هل سمعت؟ يبدو أن القائد السابق لفرقة الغراب للمرتزقة قد فقد عقله تمامًا.»
ومع استمراري في تكرار تصرفات كنت أعدّها أنا نفسي ضربًا من الجنون، أخذ اسمي ينتشر أكثر فأكثر.
«إنه شيطان السيف!»
«لقد ظهر شيطان السيف!»
وبعد نحو ثلاث سنوات من العيش على ذلك المنوال، صار الناس ينادونني بلقبي أكثر مما ينادونني باسمي الحقيقي.
«توقفوا! توقفوا!»
«لقد ظهر شيطان السيف!»
«اقتلوا شيطان السيف أولًا!»
وبعد خمس سنوات أخرى، بدأت الجيوش المتحاربة تتحالف فيما بينها لقتلي أولًا، رغم أنها كانت تتقاتل قبل وصولي.
وقد أعجبني ذلك.
فهذا يعني أنني سأحظى بعدد أكبر من الخصوم، دون أن أضطر إلى انتقائهم بنفسي.
وبعد سنتين أخريين، أصبحت المعارك تتوقف لمجرد ظهوري في ساحة القتال.
«أنت، وأنت، وأنت، وأنت. أنتم الذين أشرت إليكم، تقدموا.»
كنت قد بلغت الثلاثين من عمري، واكتسبت هيبةً خاصة.
ولم أعد أقتحم ساحات القتال بتهور وأثير الفوضى كما كنت أفعل سابقًا.
«لا تقلقوا، لن أقتلكم. أريد فقط أن نتقاتل قليلًا. ليست مبارزة رسمية أو ما شابه، لذا فلنأخذ الأمر ببساطة ونستمتع بوقتنا.»
وبعد سنتين...
بدأ الناس يأتون بحثًا عني رغبةً في مقاتلتي، حتى حين لا أذهب أنا للبحث عنهم.
وبعد ثلاث سنوات أخرى، أخذ أشخاص يلتفون حولي ويطلقون على أنفسهم لقب أتباعي.
ولم يكونوا يصغون إليّ حتى عندما آمرهم بالابتعاد عني.
تمكنت من التخلص منهم والفرار مرات عديدة.
كنت أتجول في ساحات قتال مختلفة تمامًا، وأبقى في إحداها حتى يتجمع حولي مزيد من الأتباع، ثم أفرّ مجددًا.
وهكذا عشت حياتي.
وبالطبع، لم أكن أنتصر دائمًا.
فالعالم واسع، والأقوياء فيه كثيرون. وقد أوشكت على الموت في عدة مناسبات.
وفي كل مرة، كنت أبتلع مرارة هزيمتي وأفرّ.
لم يكن يهمني كم يبدو ذلك مخزيًا.
فبدلًا من الخسارة والموت، فضّلت النجاة أولًا، ثم اكتساب مزيد من القوة والعودة لمقاتلة خصمي من جديد حتى أهزمه.
«لقد أبقيتني حيًا في المرة السابقة، ولذلك سأبقيك حيًا هذه المرة.»
كلما فررت من خصم، ثم عدت لمواجهته وانتزعت منه النصر، قلت له تلك الكلمات.
«أنا لم أُبقِك حيًا! أنت من هرب، أيها الشيطان المجنون...»
«إذن، أتريد أن تموت؟»
«نعم! اقتلني!»
«لا، لن أقتلك. مثلما هربتُ أنا وعدتُ لتحديك، عُدْ لتحديني عندما تظن أنك قادر على هزيمتي.»
وعشت على ذلك المنوال ثلاث سنوات.
ثم انتهى الصراع على العرش الإمبراطوري.
لقد استمر أربعين عامًا كاملة.
والحقيقة أن أفراد الأسرة الإمبراطورية أنفسهم كانوا قد سئموا الحرب في مرحلة ما من ذلك الصراع.
ورغم غياب إمبراطور يحكم البلاد، أصبحت الأراضي الإمبراطورية تتمتع بقدر نسبي من السلام.
بالطبع، كان ذلك السلام يعني أيضًا أن الحرب أصبحت جزءًا مألوفًا من الحياة اليومية.
فقد اقتسم سبعة من أفراد الأسرة الإمبراطورية أراضي الإمبراطورية إلى سبعة أجزاء، وحكم كل منهم الجزء الذي استولى عليه، متخذًا لنفسه لقب ملك من الملوك.
أما النبلاء الذين ثاروا داخل تلك الأراضي، فقد أعلنوا استقلال مناطقهم، وأخذ كل منهم يطلق على نفسه لقبًا من ألقاب الملوك أيضًا.
وعلى أي حال، ظل العالم غارقًا في الفوضى، وظلت الأراضي الإمبراطورية غارقة في الفوضى كذلك.
ومع ذلك، استمرت الأمور تسير على نحو ما.
ثم انتهت تلك الفوضى أخيرًا.
كانت الأراضي الإمبراطورية قد حققت بالفعل نوعًا من الاستقرار، ولم تعد تشهد حروبًا ضارية، ولذلك لم تكن لديّ نية لزيارتها.
وفي الواقع، كان العالم بأسره يعيش وضعًا مشابهًا منذ نحو عشر سنوات.
فقد ألقت الحروب بالعالم في أتون الفوضى، لكنها تحولت تدريجيًا إلى جزء من الحياة اليومية، حتى باتت المعارك العنيفة نادرة في كل مكان.
ورغم ذلك، واصلت التنقل من مكان إلى آخر، أترقب أخبار الحروب بشغف.
لكن الحروب التي كانت تلهب حماستي لم تعد موجودة، وبدأ الضجر يتسلل إليّ.
ولهذا، عندما سمعت فجأة، وأنا أتناول طعامي، أن الصراع على العرش الإمبراطوري قد انتهى، لم أملك سوى التحديق في ذهول.
«روين ألاستور؟ ومن هذا؟»
وفقًا لما أخبرني به أحد أتباعي، انتهى الصراع على العرش بفضل رجل واحد.
ظهر ذلك الرجل من العدم، وقطع رؤوس ستة من أفراد الأسرة الإمبراطورية السبعة الذين كانوا يتنازعون على العرش.
أما الناجي الوحيد، فكان أحد الأمراء.
لقد كان الأمير الخامس، وكانت الأراضي التي يحكمها أصلح للعيش، على الأقل، من أراضي بقية أفراد الأسرة الإمبراطورية. ولهذا السبب نجا بحياته.
«لا نعرف هويته. يُقال إنه كان رجلًا يعتزل الناس ويتدرب في مكان ناءٍ من الأراضي الإمبراطورية... ويبدو أنه لم يعد يحتمل ما يجري، فنزل من الجبال.»
«وماذا كان يفعل الفرسان المكلفون بحماية الأسرة الإمبراطورية بينما تُقطع رؤوس أسيادهم؟»
«قُتل كل من حاول إيقافه.»
«ماذا؟»
«هذا ما حدث فعلًا. على أي حال، انتهى الصراع على العرش، وأصبح الأمير الخامس إمبراطور الإمبراطورية.»
كانت الحروب قد بدأت بسبب الصراع الإمبراطوري على العرش.
والآن، بعدما انتهى ذلك الصراع، ستستعيد الإمبراطورية استقرارها تدريجيًا، وسيبدأ العالم المضطرب بالاستقرار شيئًا فشيئًا أيضًا.
كنت أحب السيوف، وأحب التلويح بها، لكنني لم أكن مجنونًا يتمنى أن يبقى العالم غارقًا في الحروب إلى الأبد.
السلام؟
كنت أحبّه أيضًا.
وبعد كل ساحات القتال التي شهدتها، بدأت أنا نفسي أسأم الحروب.
كانت الحرب التي امتدت أربعين عامًا تقترب من نهايتها، لكن العصر كان قد بدأ يتغير بالفعل منذ سنوات.
تغير الأشخاص الذين أعرفهم.
وتغير الأشخاص المحيطون بي.
وتغيرت أنا أيضًا كثيرًا.
ولحسن الحظ، لم تنهَر فرقة الغراب للمرتزقة التي أسستها. بل استقرت في الغرب، وتمكنت من تدبير أمورها على نحو لا بأس به.
أما الأتباع الذين كنت أجدهم مزعجين، وحاولت التخلص منهم مرات لا تحصى، فقد أصبحوا الآن يلازمونني بصورة طبيعية.
والسبب أنني تقبلت وجودهم أخيرًا.
«لماذا تغادر في منتصف وجبتك؟»
«سأذهب إلى الإمبراطورية.»
«ماذا؟»
لم أستطع البقاء ساكنًا.
لقد ظهر رجل واحد فجأة، وأنهى صراعًا على العرش الإمبراطوري استمر أربعين عامًا.
اخترق صفوف الجنود الذين لا حصر لهم، والمكلفين بحماية الأمراء، وقطع رؤوس ستة من أفراد الأسرة الإمبراطورية.
كنت معروفًا بلقب شيطان السيف، لكن حتى أنا لم أقدم قط على فعل جنوني إلى ذلك الحد.
ومع ذلك، فقد ارتكب ذلك الرجل، الذي لم أسمع باسمه من قبل، مثل هذا الجنون بعدما أمضى وقته يتدرب على السيف في الجبال.
أثار فضولي.
أردت مقاتلته.
أردت أن أرى بعينيّ مدى قوته.
ومن دون تفكير آخر، توجهت إلى الإمبراطورية.
قفزت فوق سور القصر الإمبراطوري، وصرخت باسم روين ألاستور.
ولأخبركم بالنتيجة أولًا...
لقد خسرت.
لم تكن تلك هزيمتي الأولى.
فخلال سنوات حياتي الست والثلاثين، خسرت أكثر من عشر مرات.
لكنني، باستثناء أبي الذي مات قبل أن أتمكن من هزيمته، كنت قد ثأرت لكل هزيمة تعرضت لها.
خسرت مرة، ثم انتصرت مرة، ولذلك لم تكن هناك في حياتي سوى هزيمة حقيقية واحدة، وهي هزيمتي أمام أبي.
والآن أصبحت اثنتين.
لكن هذه المرة، وعلى خلاف المرات السابقة، لم أستطع الانسحاب بعد هزيمتي.
سيف روين ألاستور...
كان سيفه... كيف أصفه؟
كان سيفًا يجعلك لا ترغب في التراجع، حتى بعدما تدرك أنك هُزمت.
«مذهل.»
لقد أمضيت حياتي كلها ألوّح بالسيف، وخضت معارك لا حصر لها.
تكبدت عددًا لا بأس به من الهزائم، وحققت انتصارات تفوقها بكثير، حتى إن عدّها لم يعد ذا معنى.
لكنني لم أواجه خصمًا مثله قط.
خصمًا لا أريد التراجع أمامه، حتى بعدما أدرك أنني خسرت.
خصمًا لا أريد الانسحاب من مواجهته، رغم شعوري بأنني قد أموت حقًا إذا واصلنا القتال.
لقد جعل الاشتباك بالسيوف معه ممتعًا إلى حد لا يُوصف.
خصم أنساني مرور الوقت.
قليلًا بعد... قليلًا بعد فقط.
ظللت ألوّح بسيفي وأنا أفكر بذلك، حتى بلغت اللحظة التي لم يعد فيها التراجع ممكنًا.
وبعد قتال طويل...
بل ربما طويل للغاية...
كانت هذه هي النتيجة.
ذراعي اليمنى، التي كانت تمسك بسيفي، بُترت وسقطت على الأرض.
كما أصيب صدري بجرح عميق.
ولم أدرك إلا بعدما رأيت كل ذلك بعينيّ...
لم أدرك إلا حينها أنني خسرت.
وأن القتال الذي استمتعت به إلى ذلك الحد قد انتهى.
وأنني سأموت قريبًا.
«يا للعجب...»
لم أملك سوى الإعجاب.
شعرت برهبة عظيمة.
حتى الآن، وذراعي مبتورة، وصدري مشقوق، والدماء تتدفق من جسدي، والموت يندفع نحوي مسرعًا...
كنت مأخوذًا بسيف روين ألاستور، الرجل الذي قتلني، أكثر من انشغالي بهزيمتي.
لم أعد قادرًا على الوقوف.
تهاويت على الأرض، ورفعت رأسي لأنظر إلى روين ألاستور.
شعر أحمر كالدم.
وعينان ذهبيتان.
ربما كان إنسانًا مثلي، لكنه بدا في عينيّ تجسيدًا للسيف نفسه.
لطالما آمنت بأنني وُلدت لأمسك بالسيف وألوّح به.
لأنني أحببت السيوف، وأحببت استخدامها.
ولأن السيف بادلني الحب بقدر ما أحببته.
لكن الرجل الواقف أمامي جعلني أدرك مدى الغرور الذي انطوت عليه تلك الفكرة.
فأن يحظى المرء بحب السيف الحقيقي...
كان ذلك امتيازًا لا يستحقه سوى كائن مثله.
«دعني أسألك سؤالًا واحدًا.»
كان التنفس صعبًا، والكلام أصعب منه، لكنني تمكنت بطريقة ما من إخراج الكلمات.
«في أي مرتبة أجيء بين جميع الذين صرعتهم بسيفك؟»
«حتى الآن، أنت الأقوى.»
اتسعت عيناي اللتان بدأتا تفقدان وضوح الرؤية، وحدقت في روين ألاستور.
أردت أن أحفر صورة الخصم الذي أنهى حياتي ومسيرتي مع السيف في ذاكرتي بوضوح.
كانت تعلو وجه روين ألاستور ملامح غريبة.
بدا وكأنه يشعر بخيبة الأمل والإعجاب والأسف في آن واحد.
«حتى الآن؟»
«ما زال هناك كثيرون عليّ أن أصرعهم.»
«إذن... كان ينبغي لي أن آتي... بعد وقت أطول قليلًا.»
ضحكت بضعف وأنا أتفوه بكلمات لم أكن أعنيها حقًا.
«شيطان السيف، رايكال.»
نطق روين ألاستور باسمي.
يبدو أنني أحسنت صنعًا حين سعيت إلى الشهرة.
فأبي لم يتذكره الرجل الذي قتله.
أما أنا، فسيتذكرني الرجل الذي قتلني.
«سأتذكرك.»
أردت أن أجيبه، لكنني لم أستطع.
أظلمت رؤيتي، وانسحبت كل ذرة من القوة من جسدي.
كنت أموت.
وقد تقبلت تلك الحقيقة.
لكن نَدَمي...
كان كثيرًا.
كثيرًا إلى حد لا يُحتمل.
لم أرد أن أخسر وأموت هنا.
أردت أن أقاتل روين ألاستور مجددًا.
أردت أن أنتصر عليه.
لماذا خسرت؟
هل كان السبب أنني لم أتدرب بما يكفي؟
ربما.
كان ينبغي أن أتدرب أكثر، وأن أصبح أقوى، وأن...
آه.
مثلما كانت لديّ أسباب كثيرة للندم، كانت هناك أيضًا أمور كثيرة تمنيت لو فعلتها بطريقة مختلفة.
لقد كان قتالي مع روين ألاستور ممتعًا إلى درجة أنني لم أرغب في الهرب، حتى بعدما شعرت بأنني سأخسر.
لكنني، لو كان الأمر بيدي، لأردت أن أقاتله مجددًا في يوم من الأيام.
ربما سأخسر مرة أخرى إن تقاتلنا.
ولهذا بالذات أردت الاستمرار في تحديه.
حتى أنتصر.
آآه...
لماذا ينبغي للموت أن يكون النهاية؟
لماذا لا أستطيع تذوق هذه المتعة مرارًا وتكرارًا؟
وبينما كنت أموت، تمنيت من أعماق قلبي أن تتاح لي فرصة أخرى.
لقد أمضيت أكثر من عشرين عامًا أتجول في العالم.
ولوّحت بسيفي في ساحات قتال لا حصر لها، واكتسبت لقب شيطان السيف.
وحتى بعدما بدأ العالم يستعيد استقراره تدريجيًا، لم أضع سيفي جانبًا قط.
لطالما شعرت...
لطالما شعرت أنني أفتقر إلى شيء ما.
أردت خوض مزيد من المعارك.
أردت أن أصبح أقوى.
أردت أن أتقن استخدام السيف أكثر.
انظروا فحسب.
رجل لم أسمع باسمه ولو مرة واحدة طوال الأربعين عامًا التي مرت منذ اندلاع الحرب، ظهر فجأة وأنهى عصرًا بأكمله.
هكذا كان العالم واسعًا.
ويا له من أمر مؤسف.
— السيف.
لامس شيء أطراف أصابع يدي اليسرى المرتخية.
كان سيفًا.
مقبض السيف الذي سقط على الأرض مع ذراعي اليمنى.
وللمرة الأخيرة، حركت يدي وأحكمت قبضتي على المقبض.
السيف...
مثلما كانت لديّ أسباب كثيرة للندم، كانت هناك أمور كثيرة تمنيت لو فعلتها بطريقة مختلفة.
شعرت بالأسف تجاه سيفي.
لو أنني كنت أفضل قليلًا...
لو أنني أحببته أكثر...
لو أنني أمضيت وقتًا أطول في استخدامه...
لما أفلتُّه من يدي وخسرت على هذا النحو.
لو أتيحت لي فرصة الإمساك بالسيف مجددًا، فسأحبّه أكثر.
لو استطعت الإمساك بالسيف مرة أخرى...
«واااه!»
انطلق صوت يهتف بحماس.
«لقد أمسك بإصبعي!»
كانت اليد التي قبضت على مقبض السيف...
تمسك الآن بإصبع شخص ما.