حشرة.
الفصل 95 — حشرة
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
بزغ فجر يوم جديد من أيام البطولة.
وكان ذلك يعني أن ليا، التي كانت تتجنبني منذ الليلة الماضية، لم يعد أمامها خيار سوى البقاء معي في المكان نفسه.
وبفضل ذلك، ساد صمت محرج بيني وبين ليا بينما كنا نجلس متباعدين داخل الخيمة الكبيرة التي ينتظر فيها المشاركون.
وكان الشيء الوحيد الذي يملأ المساحة بيننا هو الثرثرة الصاخبة للمشاركين الآخرين والجمهور.
أما جينغ، الذي خفف على الأقل من حدة الأجواء المحرجة طوال الأيام القليلة الماضية، فقد ترك مقعده لتفقد جدول المواجهات.
وبالنسبة لـ راتيل، فلم يكن يختلف عملياً عن شخص غير موجود، لأنه لم يكن يملك حتى المفهوم القائل بأن الأجواء المحرجة تحتاج إلى من يكسر حدّتها.
حسناً، لم يكن بإمكاننا الاستمرار على هذا النحو إلى الأبد.
استقرت عيناي على القفازات التي كانت ليا تعبث بها بينما كانت تحدّق أمامها بجمود مبالغ فيه.
"تلك جديدة."
حين تحدثتُ إليها فجاية، انتفضت ليا ذعراً، واستدارت نحوي أخيرًا والتقت عيناها بعينيّ.
"...... أجل. إيدان أعطاني إياها. قال إن القفازات التي استخدمتها سابقاً كانت ممزقة."
إذن لا بد أنها تلقتها في ذلك اليوم عندما قالت إنها ذهبت للتحدث مع إيدان.
ورؤيتها وهي تتمسك بها إلى هذا الحد، تذكرتُ مجدداً كم كانت تعتز بـ إيدان في الرواية.
لعل الفارق بين ليا في القصة الأصلية وليا الحالية يعكس مدى شوقها إلى لقاء إيدان.
ابتلعْتُ تنهيدة في سري وفتحتُ فمي:
"أنا آسف بشأن المرة الماضية."
عند اعتذاري المفاجئ، سارعت ليا بهز رأسها بالنفي:
"...... لا، أنا آسفة أكثر. أنتَ لم تقل ذلك إلا خوفاً عليّ."
واصلت بينما تعبث بالقفازات في يديها:
"لكن إيدان أخ جيد حقاً. لذا يا ران، لا داعي للقلق. بمجرد انتهاء البطولة والتحدث مع إيدان، ستفهم أنت أيضاً."
ربما لن أصل أبداً إلى حب إيدان في حياتي كلها، لكنني لم أكلف نفسي عناء قول ذلك بصوت عالٍ.
حتى في العمل الأصلي، كانت ليا شخصاً يجد الشجاعة للانطلاق في مغامرة بسبب إيدان وحده.
لم تكن هناك حاجة للبحث عن المتاعب وإثارة المشاكل في الوقت الحالي.
علاوة على ذلك، كنتُ أدرك أيضًا أنني تدخلتُ هذه المرة على نحو لا يشبهني.
بووووووو—
لحسن الحظ، وققبل أن يعود الصمت المحرج ليتسلل بيني وبين ليا مجدداً، انطلقت الصفارة، معلنةً أن ثلاثين دقيقة فقط تفصلنا عن بدء المباراة.
كان قد حان الوقت تقريباً للبدء في الاستعداد.
وضعتُ يدي في جيبي لإخراج قفازاتي.
لكن يدي لم تجد ما كان يفترض أن يكون هناك.
"ماذا؟"
حين تمتمتُ دون أن أدرك، اقتربت مني ليا بتعبير قلق.
"ما الأمر؟"
"قفازاتي مفقودة. كانت في جيبي حتى صباح اليوم."
"ماذا؟!"
بدت ليا أكثر ذعرًا مني، رغم أنني أنا من فقد قفازاته، وأخذت تلتفت حولها باضطراب.
"لا بد أن هناك من يباع القفازات بالقرب من هنا. المعبد يوفر قفازات بديلة أيضاً. الوقت يداهمنا قبل بدء النزال، لذا أسرع بالذهاب يا ران."
وبعد إلحاح ليا، نهضتُ من مقعدي وخرجتُ من الخيمة بخطى سريعة.
حتى من دون الاطلاع على جدول المواجهات، لم يكن هناك أدنى شك في أن خصمي اليوم سيكون إيدان.
ولم أكن أرغب في مواجهته بأيدٍ عارية.
ومع ذلك، ظل ذلك الشعور الغريب بأن شيئًا ما قد دُبّر مسبقًا يلاحقني.
فلم يكن منطقياً أبداً أن تختفي القفازات مجرد اختفاء عابر من جيبي.
ومع اقتراب موعد النزال، شققتُ طريقي وسط الحشود المتجهة نحو المدرجات وغرف الانتظار، حتى لاحت لي أخيرًا خيمة مؤقتة صغيرة في أحد الزوايا.
كانت موقعة بعيداً بعض الشيء عن مقاعد الجمهور، وخُصصت للتعامل مع الإجراءات الإدارية الطارئة التي ذكرتها ليا سابقاً.
وبحكم ضيق الوقت، أسرعتُ في خطواتي.
وحين مدت يدي نحو مدخل الخيمة...
"ممم!"
أبقت يد خشنة على فمي وعنقي، وجذبتني إلى الداخل بعنف.
حاولتُ الالتواء والإفلات، لكن من أمسكوا بي لم يكونوا شخصًا واحدًا.
وبينما كنتُ أُسحب إلى الداخل رغماً عني، ومضت فكرة واحدة في ذهني بوضوح:
يبدو أن إيدان لم يكن جاداً قط في الاستجابة لطلب ليا.
○●○●○●○
بعد اختفاء ران وبقائها بمفردها مع راتيل، لم تستطع ليا أن ترفع عينيها عن مدخل الخيمة نظرة واحدة وسط قلقها المتصاعد.
"أنتي قلقة إلى هذا الحد؟"
التفت إليها راتيل الذي كان يراقبها بصمت وسألها بهدوء.
تفاجأت لبرهة لأنه بادر بالكلام، ثم أومأت برأسها بصوت خافت:
"بالطبع. إن لم يعد في الوقت المناسب، فسيعتبر منسحباً. لقد بذل جهداً كبيراً طوال الأيام الماضية."
تساءل راتيل في سرّه عما إذا كان ذلك المدعو ران قد بذل حقاً جهداً يستحق الذكر، لكن التفكير في الأمر والاعتراض عليه بدوا بلا جدوى، فآثر الصمت.
بل ولعل إقصاءه بهذه الطريقة كان ليصبح خياراً أفضل له.
لكن ليا كانت تفكر بطريقة مختلفة تماماً، إذ نهضت فجأة من مقعدها.
"هذا لن يجدي نفعاً. سأذهب للتأكد مما إذا كان قد وجد المكان الصحيح."
"سيكون من الأفضل لو تم استبعاده وحسب."
تسمّرت ليا في مكانها وهي على وشك الاندفاع خارج الخيمة.
"ماذا تقصد بذلك؟"
"أعني ما أقوله حرفياً. بالنسبة له، الإقصاء بهذه الطريقة أهون بكثير من مواجهة إيدان اليوم."
خفّت حدة التوتر على وجه ليا قليلاً عند تفسيره.
"إذن أنت تقصد أن راتيل قلق على ران أيضاً."
"لا تتسرعي في استنتاجاتك. لو كنتُ أكترث لأمره، لمنعته من خوض هذه المسابقة من الأساس."
ورغم ردّه الجاف، ظلت ليا متأكدة من أن راتيل يحمل هماً بشأنه.
"لا داعي للقلق المبالغ فيه. لقد تحدثت مع إيدان بالفعل وطلبت منه ألا يقسوَ على ران. فأخي لا يهوى التنمر على الضعفاء."
"لن يفيد ذلك. أخوك ليس لديه أي نية لترك ذلك الفتى وشأنه."
حسم راتيل حديثه بنبرة قاطعة وهو يستمع إلى تقييم ليا الساذج لإيدان.
"إيدان ليس بهذه القسوة. في الأصل، هو يكره العنف ولا يستمتع بإيذاء الآخرين."
أصرت ليا على الدفاع عنه لرفع ذلك الانطباع السيئ، لكن ما قوبلت به كان ابتسامة ساخرة.
"يبدو أنك لا تعرفين شيئاً عن حقيقة عائلتك."
اشتعلت ليا غضبًا من سخرية راتيل.
"إيدان عائلتي، وأنا أدرى به منك."
ثبتت عينا راتيل الذهبيتان عليها، كأنهما تنفذان إلى أعماقها.
"هل تصدقين حقاً أن إيدان قال تلك الكلمات غضباً من ذلك الفتى؟"
عقدت حاجبيها بعدم استيعاب:
"عن ماذا تتحدث بحق السماء؟ إن لم يكن الغضب، فلماذا إذن..."
"ليصدمكِ."
قطع راتيل كلماتها بنبرة حاسمة.
"ما الذي..."
"ليريكِ، أمام عينيكِ مباشرة، الشخص الذي اخترته وهو يتعرض لعصارة الموت والإهانة."
وكأن تذكر حديث الصباح يثير اشمئزازه، صاغ راتيل رده باختصار شديد.
"هذا هراء مطلق. ما الذي يستفيده إيدان من فعل أمر كهذا؟"
على عكس ليا التي اهتز صوتها انفعالاً، اكتفى راتيل بالنظر إليها بهدوء، بلا أي تقلب في ملامحه.
"من يدري؟ ربما أراد فقط استعراض قوته..."
ترك راتيل بقية الجملة معلّقة، ثم أدار بصره عن ليا نحو مدخل الخيمة.
وعندما تبعت عيناها نظراته، التقت عينا ليا بإيدان وهو عائد بعد انتهائه من مراجعة جدول المباريات.
"أو ربما ليدفعك إلى الإقناع بأنك لن تجرؤي مجدداً على المشاركة في أي نزال."
رن صوت راتيل الخافت في أذنيها كأنه ناقوس خطر.
ورغم أنها اعتبرته هراء في البداية، إلا أن السبب الذي منعها من نفيه قاطعاً كان تلك النظرة غير المألوفة في عيني إيدان لحظتها.
فعيناه البنيتان الداكنتان، اللتان غلب عليهما الضجر ونفاد الصبر، بدا كأنهما غير قادرات على مفارقتها.
لا، لتكن دقيقين، لم يكن ينظر إلى ليا نفسها.
بل كان ينظر إلى يدي ليا.
تحديداً، إلى القفازات التي منحها إاياها قبل قليل.
وكأنها مسحورة، مدت ليا يدها لتنزع القفازات.
كانت القطع القماشية المخاطة لحماية المفاصل بارزة بوضوح.
وبما أن أغلب المشاركين يضيفون حشوات مماثلة لحماية قبضاتهم، لم يكن في الأمر ما يثير الريبة.
هكذا كان المفترض أن يبدو الأمر، لكن يدها تحركت رغماً عنها لتمارس ضغطاً خفيفاً على موضع الواقي.
تشق!
ورغم خفة الضغط، تمزق القماش بسهولة تامة.
ومن بين شقوق القماش والواقي، سقط شيء على الأرض، وكأن قلب ليا سقط معه.
طق.
كان ما اصطدم بالأرض بصوت معدني ثقيل عبارة عن قطعة حديدية حادة.
رغم كلالة طرفها، كانت نصلاً صريحاً لا لبس فيه.
أداة محظورة لا تترك مجالاً لأي أعذار أو تبريرات.
شحُب وجه ليا.
وكأن كابوس السنوات الثلاث الماضية قد بعث من جديد، انتفض جسدها هلعاً.
استعادت جزءاً من وعيها والتفتت إلينا ببطء:
"لـ- لم أكن أنا! أقسم أنني لم أضع شيئاً كهذا هذه المرة! لقد تفقدت كل شيء... لكن..."
تمتمت بكلمات متقطع وهي تدير رأسها باستدارة بطيئة، وسط شعور خانق بالتوجس.
استدارت برأسها ببطء نحو حيث يتجمع أعضاء المجموعة 12 وإيدان.
ومن بين الحشود، كان رأس الشاب ذي الشعر البني أعلى قليلاً من بقية الواقفين.
وشعر إيدان بنظراتها، فالتفت ببطء ليقابل عينيها.
للحظة، بدت تلك اللحظات أبدية بالنسبة إلى ليا.
وقفت جامدة تتابع شفتي إيدان وهما تتحركان:
"ليا!"
حتى إنه نادى اسمها بصوت مرتبك.
لم يكن في الخيمة من لا يعرف اسم ليا.
وما إن تردد حتى تحولت أنظار الجميع في تلك اللحظة صوبها.
ربما بدت تلك اللحظات أبدية بالنسبة إلى ليا، لكن الحقيقة أنها لم تستغرق سوى ثوانٍ معدودات.
أسرع من إيدان، وأسرع من أعين المتفرجين، تحركت يد راتيل.
أخفى النصل بكفه، وضغطها على الأرض.
لبرهة، ومضة قصيرة جداً لدرجة أنها لم تترك حتى أثرًا بعد اختفائه، خلت ليا أن وميضاً سحرياً قد انطلق.
لكنه كان كافياً لتستعيد تركيزها.
"ما هذا؟ ماذا يجري؟"
حاصرت مجموعة من المشاركين ليا وراتيل بعدما شعرا بأن أمراً مريباً قد حدث.
"هي أنت، ما الذي تخفيه تحت يدك؟"
"اجعله يرفع يده! إنه يخفي شيئاً ما هنا!"
"أتحاولين إخفاء سلاح مجدداً هذه المرة أيضاً؟"
قأومت ليا الشعور بأنها عادت إلى ما حدث قبل ثلاث سنوات، محاولة التمسك بوعيها بشتى الطرق.
إذ لا يمكنها السماح بأن يطال راتيل أي اتهام بسببها.
"لـ- لا، أنا لم أرد..."
"كانت مجرد حشرة."
أوقف راتيل كلماتها المضطربة ببرود تام.
"حشرة؟ إذن لماذا نادى إيدان ليا هكذا؟"
"من يعلم؟ ربما كان لديه ما يود قوله لشقيقته قبل نزالهما."
أجاب بهدوء وهو ينهض من مكانه، رافعاً كفه عن الأرض.
بخلاف قذر التوقعات الذي كاد يصيب ليا بالجنون، لم يكن هناك أي شيء تحت كفه.
لا، لم يكن خلوّاً تامّاً.
بتعبير أدق، لم يتبقَّ سوى مسحوق أسود خفيف.
لكن أحداً لم تتوفر له الفرصة ليتفحص الأمر عن قرب.
إذ هبت هواء غامضة من مكان ما لتذريه بعيداً في الحال.
تلاشى اضطراب الهواء الغريب بسرعة، ولم يلحظه أحد وسط التوتر الحاصل.
تبعت ليا آثاره ببصرها حتى اختفى تماماً في الفراغ.
"ما الذي يحدث هنا بحق الجحيم؟"
رفعت ليا بصرها نحو مصدر الصوت الحاد المرتفع.
كان جينغ، وقد علت وجهه ملامح الغضب الساطع.
"ألم تكن هناك حشرة؟"
أجبتُ، وقد دخلتُ خلفه.
حوّلتُ نظري ببطء نحو إيدان.
"يبدو أن راتيل أغفل حشرة ضخمة حقاً هذه المرة."
ابتسامة ساخرة ارتسمت ببطء على محياي.
بووووووو—
مع إطلاق صافرة البداية، تفرق المشاركون المتجمهرون بحثاً عن مقاعدهم، عاجزين عن إيجاد دليل مادي يدين أحداً في التو واللحظة.
ووسطهم، لم أفوت متابعة إيدان وهو يرمق ليا بنظرة قلقة ومراقبة حذرة.
تلك اللحظة وحدها التي تحول فيها الشك الصامت إلى يقين قاطع.
وهي اللحظة ذاتها التي تكشف فيها هوية الفاعل الحقيقي خلف حادثة السنوات الثلاث الماضية.
لكنني لم أكن أملك ما أفعله الآن.
إذ لا يمكنني اتهام إيدان بلا بينة أو دليل.
حوّلتُ نظري بعيدًا عن إيدان وتأملت ليا.
فقد بدا أنها لم تتعافَ بعد من وقع الصدمة.
"ليا، لا شيء قد تغير. كل ما علينا فعله الآن هو أمر واحد فقط."
"...... نعم، أعرف ذلك."
أجابت بصوت خافت.
جيد، على الأقل لم تفقد صوابها. لكنني أدركتُ سريعًا أنني كنتُ مخطئًا.
"هناك شيء واحد فقط يمكننا فعله: الفوز."
كان صوتها يغلي بالغضب. لم تكن قد استعادت هدوءها؛ بل بدا أن غضبها انفجر دفعة واحدة.
◆◇◆◇◆◇◆◇◆◇◆◇◆◇◆◇◆◇
مرحبا جميعًا،أتمنى أن تكون الترجمة قد نالت إعجابكم. ♡
كانت معكم المترجمة: Lil-Mo