الظل
الفصل 94 — الظل
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
"إن لم يكن أيٌّ من الاحتمالين صحيحًا، فربما كانت القرية بأكملها مستمتعة للغاية بتعذيب شخص واحد أكثر من اللازم."
بعض الأشخاص الذين تلاقت نظراتهم مع نظراتي تجنبوا التواصل البصري معي، أو غادروا المحل بالكامل.
بدأوا هم أيضًا يدركون الأمر، ولو بصورة غامضة، من خلال هذه المباراة.
أنه في ذلك اليوم قبل ثلاث سنوات، ربما لم تكن ليا قد غشت من الأساس.
لأن القرويين كانوا يفترض أن يعرفوا —أفضل من راتيل أو جينغ اللذين التقيا بها منذ أقل من أسبوع— أن ليا لم تكن من النوع الذي يجرؤ على إخفاء سلاح والقتال به سرًّا.
ومع ذلك، إن كان موقفهم تجاه ليا لم يتغير ولو بمقدار أنملة، فربما كان ذلك خوفًا من رد فعل المعبد، وربما لأسباب أخرى أيضًا.
المتعة.
لا بد أنه كان أمرًا ممتعًا.
أن يكون لديهم شخص يحتقرونه وينتقصون منه علنًا.
في حياتهم اليومية الفقيرة والصعبة، كان مجرد وجود شخص أضعف وأكثر بؤساً منهم يمنحهم شعورًا زائفًا بالتفوق والارتياح.
هل كان استمتاعهم بإهانة جارة نشأت أمام أعينهم نتيجة غسل أدمغة، أم أنه كان مجرد انعكاس لطبيعتهم البشرية المجردة؟
ومع مغادرة أولئك الذين خبت حماستهم واحدًا تلو الآخر، لم يتبقَّ في المحل سوى الزبائن الذين جاؤوا فعلًا لشراء البضائع، إلى جانب بضعة متفرجين.
لم يعد أحد مهتمًا بمعرفة كيف هزمت ليا جينغر.
باستثناء والد جينغر، الذي بدا غير راضٍ عن الضجة التي هدأت نوعاً ما.
"السيد ران، أظن أنه من الأفضل لنا المغادرة الآن."
قال جينغ وهو يشير إلى المغادرين.
أومأتُ برأسها موافقًا.
لأن الطرف الذي يخسر أكثر في عراك كهذا هو عادة من يصرّ على المكابرة حتى النهاية.
"تبدين ممتلئة بالغرور لمجرد أنكِ فزتِ مرة واحدة. لنرَ كم ستكونين بلا حياء، يا ليا."
سمعتُ الرجل يتمتم بها خلف ظهورنا ونحن نغادر المحل.
أصاب كلامه هدفه، للأسف.
إذ بدأت ملامح الذنب ترتسم بوضوح على وجه ليا الذي ظل صامتًا طوال الطريق.
"ألم تنسَي كم من الفرص الجيدة التي ألقاها شقيقكِ في طي النسيان بينما كان ينظف الفوضى التي تتركينها خلفكِ؟"
في كل مرة يُذكر فيها إيدان، كان وجه الرجل يمتلئ بالشماتة وهو يرى ليا تنكمش في بؤس.
"تمسكي بهؤلاء الغرباء واهربي يا ليا. وعندها، سيصبح إيدان، الذي ضحى بفرصته الخاصة لإنقاذك، مجرد أضحوكة في نظر الجميع."
طاخ!
يبدو أن أهالي هذه القرية يفضلون حل خلافاتهم بالعنف دائمًا.
فكرتُ في ذلك وأنا أنظر إلى باب ورشة الجلود الذي تحطم نصفه.
ثم رفعتُ نظري لأتأكد من هوية الشخص الذي تسبب في جعل هذا الباب السميك بهذا الشكل.
التفتت ليا نحو المدخل، وسرعان ما أدركت سبب الضجة.
"أخي......"
رمق إيدان شقيقته بنظرة سريعة، ثم عاد فرمق صاحب الورشة الجلدية بنظرة حادة مجددًا.
"ليس من اللائق التدخل بلا مبرر في الشؤون العائلية للآخرين."
"مـ- متى تدخلتُ أنا في..."
"انتبه لكلماتك."
قاطعه إيدان بحدة قبل أن يتمكن من إكمال عذره المرتبك.
"قبل أن أتدخل أنا أيضا في حياة جينغر."
كان لتهديد إيدان تأثير أقوى مما توقعت.
فالرجل، الذي فقد أي رغبة في مواصلة البيع، كفّ عن صبّ غضبه على ليا وطرد جميع الزبائن من المحل.
وضاعت فرصة ليا في شراء قفازات جديدة.
وما أوقفنا بينما كنا على وشك العودة إلى النزل بخفي حنين هو نداء إيدان، الذي جاء مفاجئًا كظهوره تمامًا.
"ليا، لنتحدث قليلاً."
"افعلي ما تشائين."
عندما سأل جينغ ليا عن رغبتها، فكرت ليا لبرهة، ثم استدارت نحو إيدان وكأنها اتخذت قرارها.
"يرجى الذهاب أولاً. لديّ أيضاً شيء أريد قوله لـ إيدان."
○●○●○
"لا تؤذِ ران كثيراً!"
بعد الصراخ بذلك فجأة، لكنها ما إن رأت وجه إيدان الجامد حتى أطبقت شفتيها بيأس، مدركة أنها أفسدت بداية الحديث على نفسها.
"هل تبعتني لتسألي عن ذلك؟"
ابتسم إيدان بمرارة وكأنه لا تصديق لما يسمعه، وبدا أن ذلك لم يكن خيارًا سيئًا تمامًا لكسر الجليد.
"لا، لم يكن هذا سوى الجزء العاجل. أما ما أريد قوله حقاً فهو أمر آخر."
أجابت وهي تحك وجنتها بإحراج، فتغيرت تعابير إيدان ببطء.
"يبدو أنكِ أصبحتِ قريبة جدًا من أولئك الغرباء خلال الأسبوع الماضي."
هل كانت كذلك حقاً؟
استرجعت ليا شريط الأسبوع المنصرم.
كانوا أشخاصاً أغراب، يتصرفون بغرابة أحياناً، ويحيط بهم شيء من الغموض، لكن مقارنة بالسنوات الثلاث الماضية، كان هذا أهدأ وأريح أسبوع عاشته في حياتها.
وربما كان السبب في كونهم غرباء حقاً.
غرباء لا يعرفون عنها شيئاً، ولا يلومونها، بل ويمنحونها قدراً من الاهتمام البسيط.
أشخاص يعيشون تلك الحياة الحرة التي طالما حلمت بها ليا.
كانوا أطواراً بعض الشيء، لكنهم ظلوا أطيب من قابلت.
ارتسمت ابتسامة خافتة على شفتي ليا وهي تستحضر صورهم الثلاثة.
"إنهم أشخاص أدين لهم بالكثير. حتى قبل قليل، عندما ظهرتَ، وقفوا إلى جانبي."
رفعت رأسها والتقت بعيني إيدان الثابتتين.
"لذا، يا إيدان... أرجوك لا تؤذهم. فبطولة لوتشا في الأصل ليست مسابقة لإيذاء الناس."
أومأ إيدان برأسه بهدوء استجابة لتوسلاتها الصادقة.
"شكراً لك."
"لم أكن أتخيل أنني سأسمعك تشكرني مجددًا."
أثارت كلماته الجافة ابتسامة خفيفة على محياها.
شعرت ليا وكأن وقتًا طويلًا قد مر منذ آخر مرة تحدثت فيها مع إيدان بهذه الطريقة الهادئة.
لم تمر سوى ثلاثة أيام على انطلاق البطولة، لكن الحديث معه بدا كأنه استقطع من ثلاث سنوات مضت.
وبينما كانت تتأمل وجهه الهادئ على عكس حالها المضطرب، أدركت السبب وابتلعت ابتسامة مريرة.
فل طوال السنوات الثلاث الماضية، كانت هي من تحرص على إقامة جدار عالٍ بينهما بنفسها.
شعرت بالأسف تجاهه لأن حياته تعطلت بسبب خطئها الطائش، فابتعدت عن محاولة الحديث معه بصدق.
ثم جاءت مساعدة ران في ذلك اليوم لتبدو وكأنها فرصة من الحظ قد لا تتكرر في حياتها أبدًا.
بفضلها، نالت فرصة جديدة لخوض البطولة، واستعادت القدرة على النظر في عيني إيدان بثقة أكبر.
"ليا."
"انتظر! انتظر لحظة! لم أفرغ ما في جعبتي بعد. قلتُ إنني أريد قول شيء آخر، دعني أتحدث أولاً!"
باغتتها الرغبة في البكاء فسارعت بمقاطعته.
إن لم تفرغ ما كنته دفعة واحدة، تخشت أن يتملكها الخدد وتؤجل الأمر إلى أجل غير مسمى.
رمشت عينا إيدان بدهشة واضحة وهو يتأملها بصمت، لتستجمع ليا شجاعتها وتفتح فمها:
"إيدان... أنا لن أغادر القرية."
بدا الخبر صادماً له لدرجة أن ملامحه المتصلبة تفاجأت حقاً للمرة الأولى.
"ألن تندمي؟"
أومأت برأسها في إصرار هادئ.
"أتنكر أنني أردت الرحيل؟ هل تظن أنني أتخذ هذا القرار بطيش؟"
"لقد كان ذلك حلمك الدائم."
"تعلم إذًا أنه حلمي."
ابتسمت ليا بخجل وهي تعبث بقفازاتها الممزقة.
"لكنني هذا العام أود مساعدة هؤلاء الناس بكل ما أوتيت من قوة. أما الرحيل... فيمكنني تأجيله قليلاً."
"لماذا؟ مثل هذه الفرصة قد لا تتردد مرة أخرى."
حين سألها بعدم استيعاب، أفرغت ليا ما في قلبها من صدق:
"لنرحل معًا يا إيدان."
اتسعت عينا إيدان قليلًا وهو يتأمل شقيقته المترددة.
"سواء كان العام القادم أو الذي يليه، لنترك القرية معًا ونسافر حول العالم."
"ليا، أنا..."
"أعلم أنك تحب هذه القرية يا أخي، لكن صدقني، حتى لو كان لفترة قصيرة، جرب الأمر! قد تكتشف أنه يناسبك أكثر مما تتصور."
ألم يكن من الجميل خوض غمار رحلة جديدة معاً؟
"ما الذي كنتَ تنوي قوله يا أخي؟"
بدلًا من الرد، حرّك إيدان شفتيه بصمت لثوانٍ، ثم أخرج من جيبه زوجاً من القفازات وناوله إياها.
"لقد تمزقت قفازاتك. ارتدي هاتين غدًا."
نسيت ليا كل ما مر بها في الورشة للتو، وارتسمت على وجهها ابتسامة مشرقة وهي تتلقى الهدية.
وعادت إلى النزل قبل حلول الظلام بملامح منعشة كمن أزاح عن كتفيه جبلاً من الهموم.
"لقد أنهى راتيل وجينغ طعامهما وصعدا إلى الأعلى."
حين أخبرتُ ليا بذلك، ترددت للحظات قبل أن تجلس على المقعد المقابل لي.
"أقول لك يا ران..."
"قررتِ البقاء في القرية؟"
سبقتها بالكلام فاتسعت عيناها بذهول.
"كيف عرفت؟"
"ألم يكن هذا ما ذهبتِ لإخباره به؟ لو أردتِ حقا الرحيل، لكنتِ تبدين أكثر بؤسًا الآن."
ابتسمت بحرج من تحليلي.
"لا أستطيع إنكار أن الحديث معك يثير الحيرة؛ فأنت تبدو وكأنك مطلع على كل شيء."
وبعد أن قالت جملتها التي لم أتبين إن كانت مديحاً أم ذماً، عبثت بأصابعها على الطاولة لبرهة قبل أن تستأنف:
"طلبتُ من إيدان أن يرافقني. أعرف تعلقه الشديد بالقرية، لكنني قلت له إن عليه اعتبار الأمر مجرد رحلة قصيرة للخارج."
حسناً، لم تكن تلك أسوأ النتائج.
إذ أصبح احتمال مغادرة إيدان وليا معنا واردًا أيضًا.
بالطبع، سيرافق ذلك عبء الحذر الدائم لمنع إيدان من الاصطدام براتيل، لكن وجود شخص إضافي يظل أقل خطورة من السماح لرفيق راتيل الأصلي بالظهور بلا قيود.
غير أن ما أزعجني حقاً شيء آخر.
فلن تكون ليا نفسها سوى الشخص الذي سيتحمل عبء المغامرة مع إيدان.
"هل ستتحملين الأمر؟ مجرد كون شخص ما من عائلتك لا يعني أنك مجبرة على قضاء عمرك كله في طاعته."
"أعلم، لكنني بحاجة أيضا لمنح إيدان فرصة لأردّ له دينه."
الدين، هاه.
كان بإمكاني فهم شعورها بأن تضحية شقيق الكبر الذي تكفل برعايتها تتطلب مقابلاً.
لكن،
"التعرض للعنف أثناء النشأة ليس دينًا يتعين عليها سداده."
لكن التضحية من طرف واحد لا تعني أن الطرف الآخر مدين له بحياته.
بدل تفهم كلماتي، تغير لون وجه ليا مرارًا، فشحُب ثم احتقن.
ثم التقطت أنفاسها بعمق، وحاولت ترتيب مشاعرها قبل أن تتحدث:
"إيدان... أخ صالح."
"لو كان أخًا جيدًا فعلًا، لما بدوتِ خائفة منه إلى هذا الحد."
"ليس بسبب أخي... إنها مشكلتي وحدي. أنا من يخاف بغباء بسبب ماضٍ انتهى."
"ماضٍ؟"
ضيقتُ عينيّ مرتقباً الإجابة، فأطلقت ليا تنهيدة محبطة:
"حين كنت صغيراً، ضربني أخي في مناسبات قليلة. ضربات خفيفة ليست بالقاتلة... كان صغيرًا حينها، وأنا لم أكن أستطيع الاستماع إليه. وبما أننا كنا وحدنا، فقد اضطر للعب دور الأب والأم معاً، فكان يعاقبني."
"هل يحتاج إيدان إلى استخدام قبضتيه كي يربي أحدًا؟"
أفلتت مني سخرية لا إرادية أمام هذا الدفاع السخيف.
" "حدث ذلك بضع مرات فقط. أخي نادم على ذلك كثيراً الآن أيضاً. بعد أن كبرتُ قليلاً، لم يرفع يده عليّ ولو لمرة واحدة."
ربما كانت غير مرتاحة بشدة لتعرض إيدان للانتقاد، لأن ليا دافعت عنه مجدداً.
"أفترض ذلك. ضرب بالغ لم يعد يُسمى تر بية حتى."
ومع ذلك، عندما لم أوقف سخريتي، اشتعلت ليا:
"كم عدد الأطفال في العالم الذين لم يُضربوا ولو لمرة واحدة أثناء نشأتهم؟ قلتُ إنني تفهمتُ الأمر، فلماذا يواصل ران انتقاد إيدان؟"
كانت محقة في نقطتها.
صحيح أنني، سواء في عالمي القديم أو في هذا العالم، كنت أجد صعوبة بالغة في العثور على أبوين لم يرفعا عصاً قط على أطفالهما.
" "...... أنا آسفة. "
ربما مفسرةً صمتي كشيء آخر، اعتذرت ليا بهدوء:
"مع ذلك، إيدان لم يرتكب خطأً حقيقياً. أنا من يبث الرعب في نفسي. إنه يحبني ويهتم بي حقاً. فحتى الجريمة التي ارتكبتها في لوتشا، كان هو من ركض في كل اتجاه وسعى بكل الطرق للتستر عليها."
"أهذا سبب دخوله لوتشا إذن؟"
أومأت برأسها تأكيداً:
"أجل...... في الأصل، إيدان لم يرد قط دخول لوتشا طوال حياته...... لكن بسببي، أُجبر على الدخول. لأن الناس الآخرين لم يكن بالإمكان إقصاؤهم من البطولة بسببي."
أمام عيني، تجسدت السنوات الثلاث التي عانتها ليا في قرية لوتشا.
فتلك التي ارتكبت خطيئة في بطولة المعبد، كان لابد أن تصبح هدفاً لكراهية أهالي القرية مع شقيقها في آن واحد.
ولا شك أن غضب من أُقصوا من المنافسات بسببها كان هائلاً.
والأرجح أن فوز إيدان هو ما هدّأ الأوضاع وأطفأ تلك النيران.
تأملت عيني ليا الصافيتين اللتين لا تظهران أي نية للتراجع عن قرارها.
فهل ستظل ليا، تماماً كما حدث في القصة الأصلية، عاجزة عن التحرر من ظل إيدان الأبدي؟
◆◇◆◇◆◇◆◇◆◇◆◇◆◇◆◇◆◇
مرحبا جميعًا،أتمنى أن تكون الترجمة قد نالت إعجابكم. ♡
كانت معكم المترجمة: Lil-Mo