نحيب.
الفصل 78 - نحيب
.
.
.
.
.
.
.
.
.
استغرق الأمر وقتًا طويلًا لإعادة ذراعه التي اقتلعها جاك إلى مكانها.
ورغم أنها خُلعت بِنظافة دون أن تتهشم، إلا أنه أخذ يلعن ضعفه، وقلة تحمّله للألم الشديد، وضعف لياقته البدنية.
ظلّ تولين يحرك قدميه متجاهلاً الشعور بأن فخذيه وساقيه على وشك التمزق.
"يا هذا، أرجوك... أرجوك أن تنقذ الأطفال عندما تصل إلى الأعلى!"
ولم ينسَ أن يصرخ بوجه الشاب ذي الشعر الأسود الذي صعد قبله بينما كان هو يتسلق الدرج.
كان يصرخ بكل ما أوتي من قوة، من دون أن يعرف حتى إن كان الآخر يسمعه أم لا، وكان المنظر مثيرًا للضحك لولا أنه كان يائسًا.
لكن لم يأته أي رد، حتى بعد أن تحولت عبارات الرجاء المؤدبة إلى: "أرجوك ساعدهم أيها اللعين!"
وأجبر نفسه على تجاهل فكرة أن الرجل ربما لم يكن عاجزًا عن سماعه، بل كان يتعمد تجاهله، وأخذ تولين يرتب أفكاره.
ورغم أنهما لم يتبادلا كلمة واحدة، إلا أنه استنتج شيئًا واحدًا مؤكدًا بالنظر إلى الكاهن الملقى قرب المدخل.
ذلك الشاب لن يقف في طريق إنقاذ الدوق الصغير.
لم يكن يعرف ما إذا كانا في الجانب نفسه، لكن على الأقل، كان لديهما العدو ذاته.
تولين، الذي كان يصعد الدرج وهو يصرخ سواء أكان يُسمَع أم لا، أدرك فجأة مدى إثارة الضحك في كونه يستأمن على حياة الدوق الصغير شخصًا لم يواجه وجهه بشكل صحيح حتى، فتوقف عن الصراخ.
كان الأمر مضحكًا؛ لأن زميله الذي رافقه لسنوات عديدة قد تخلى عنه، بينما هو يطلب المساعدة من شخص يلتقي به لأول مرة اليوم.
في الإمبراطورية، لم يكن هناك من يجرؤ على عصيان أولئك الذين يحملون اسم أبيران.
حتى هو نفسه، رغم أن الغضب كان يعصف بداخله ضدّهم، لم يستطع أن يقنع نفسه بقدرته على الوقوف بوجههم والفوز.
كان الوقوف في وجه العائلة الإمبراطورية أشبه بمحاولة إيقاف القمر عن الصعود إلى السماء.
عند الوقوف أمامهم، كان العجز يتملكه، وحتى عندما يجتاحه الغضب، كان يشعر تلقائيًا بالذنب تجاه نفسه لجرأته على حمل مثل هذه المشاعر.
ربما كان جاك وبيل مشابهين له.
ولهذا السبب ربما لم يجرؤا حتى على التفكير في معارضتهم.
ومن الأعلى، دوّى زئير وكأن شيئًا ضخمًا قد انهار.
"سحقًا."
وبفضل ذلك، واصل تولين، الذي ألهى الصوتُ نفسه عن حسرته لبرهة، تحريك ساقيه المرتجفتين.
وربما لأنه امتطى جوادًا حول العاصمة وتصبب عرقًا، كان جسده بالكامل يرتجف تدريجيًا، بدءًا من ساقيه.
كما أن عدم اهتمامه بلياقته البدنية أثناء مطاردة راتيل عندما صعد الدرج لأول مرة لعب دورًا كبيرًا في ذلك.
وربما لأنه صعد الدرج الحلزوني، بدا أن رأسه يدور أيضًا.
تسلل القلق إليه مجددًا في حالته الضعيفة هذه.
ماذا لو تأخرتُ كثيرًا؟
ماذا لو كان كل شيء قد انتهى بالفعل بحلول وقت وصولي؟
كانت الحقيقة المتمثلة في أن الخصم الذي كان عليه مواجهته كان أضخم بكثير مما يتخيل، بينما لم يكن لديه خيار سوى الوقوف بمفرده، تمنحه شعورًا بالوحدة والوحشة.
—أنت لا تناسب عائلة كريسا. اعتبارًا من الغد، لا داعي لمجيئك بعد الآن.
—بكونك ضعيفًا إلى هذا الحد، ستكون حماية جسدك هي أقصى ما يمكنك فعله.
—انتبه للدوق الصغير يا تولين.
وسط الطنين في أذنيه، اختلطت أصوات أفراد عائلة كريسا الباردة والقاسية.
"أنا أعرف ذلك أيضًا أيها الملاعين."
بعد أن تمتم بذلك، صعد تولين الدرجة الأخيرة التي وصل إليها قبل أن يدرك ذلك.
وكانت حاسة الشم لديه أول ما التقط الرائحة، قبل أن تقع عيناه على مصدرها؛ بسبب رائحة الحريق الكريهة التي اخترقت أنفه.
لم تكن رائحة خشب محترق أو شيء آخر، بل كانت رائحة جسد بشري يحترق.......
"سيدي الدوق الصغير! سيدي الدوق الصغير!"
بمجرد أن أدرك مصدر الرائحة، صرخ وهو يجر ساقيه المرتجفتين إلى الداخل، لكن لم يأته أي رد.
طخ!
دوى صوت مكتوم ليس بالقليل من الداخل.
تخبط تولين بيده على طول الأرض لمنع نفسه من السقوط وهو يتقدم إلى الأمام.
ثم، فقط بعد أن تعثر تقريبًا بشيء ملقى على الأرض، استطاع التوقف في مكانه.
تولين، الذي نظر إلى الأسفل دون أن يدري، توقف عن التنفس.
كانت ثيابًا غارقة في الدماء.
لم يكن تولين أحمقًا إلى حد أن ينسى هذه الملابس.
كانت ذكرى النظر إلى الدوق الصغير وهو يتمنى بحرارة ألا يلمس تلك الثياب القذرة حية في ذهنه، وقد ظل يبحث عن الدوق الصغير، الذي كان يرتدي تلك الملابس، لساعات.
هذه المرة، لم يره حتى وهو يغادر.
لقد كانت هذه هي النهاية.
"آه....... "
بمجرد أن خرج الصوت من فمه، لم يعد هناك مجال لإيقافه.
"آه، وااااااع! هغغغ......!"
كان يعلم أنه بكاء قبيح لرجل في الثلاثينيات من عمره، لكنه ببساطة لم يستطع التوقف.
بمجرد أن اختفت الدعامة الأخيرة التي كانت تمسكه بصعوبة، سحقه اليأس.
فسقط إلى الأسفل بلا نهاية.
"وااااع، الآن، ماذا أفعل الآن....... "
لم يعد بإمكانه التفكير فيما إذا كان هناك أحد حوله أم لا.
إذا كان الدوق الصغير قد مات، فلم يعد يرغب في الاهتمام بأي شيء.
شعر وكأنه لن يبالي حتى لو مات هكذا.
إذا انتهى كل شيء، هل سيكون قادرًا على رؤية الدوق والدوق الصغير مجددًا؟
إذا كان الأمر كذلك، فبأي وجه سينظر إليهما؟
ومع تدفق المشاعر مجددًا، هطلت الدموع دون توقف، واختنق تولين وهو يبكي.
لا بد أن هذه هي الطريقة الوحيدة للاعتذار لهما.
"تولين!"
تولين، الذي كان يغرق في جلد الذات، رفع رأسه فجأة عند سماع الصوت المألوف الذي يناديه.
لكن لأنه ذرف الكثير من الدموع، ولأن الدخان كان تؤلم عينيه، لم يستطع الرؤية جيدًا.
'عجباً، أعتقد أنني سمعت صوت الدوق؟'
"تولين، ماذا تفعل هنا؟!"
كان صوت أغوني فيدوس.
'لا بد أنني جننت.'
تولين، الذي كان عقله لا يزال حاضرًا بشكل غائم، فكر في ذلك.
'أنا آسف جدًا لدرجة أنني فقدت عقلي.'
في هذا الموقف الميؤوس منه، بدأت الدموع تتدفق بغزارة دون السيطرة عليها.
حتى لو كان ذلك وهمًا وهلاوس سمعية، فقد أراد الاعتذار.
وبدأ يبكي بصوت أعلى.
"سيدي الدوووووق!! أنا آسف! أنا، أنا! وااااااع!!"
حتى ذلك لم يمر كما أراد بسبب الأنفاس التي كانت تتلاحق في حلقه.
وكان سيده، الذي سقط من الجرف بوجه شاحب، ينظر إليه من الأعلى.
"سأغفر أي شيء، لذا يُرجى أن تستعيد وعيك. إذا بقيتَ مذهولاً هكذا، فستقضي على نفسك."
هز تولين رأسه بصعوبة وأمسك باليد الممدودة إليه، ثم حدق بذهول إلى الأعلى.
شعر رمادي، وعينان رماديتان، ولحية متسخة، ويدان مليئتان بالندوب.
وللحظة، رأى أنه من الإجحاف أن تكون حواسه بهذه الشفافية والوضوح حتى عندما يفقد المرء عقله، ولكن عندها فقط دخل السؤال عما إذا كان مجنونًا بحق في رأس تولين.
'ربما أنا أحلم، بالنظر إلى أن أذنيّ تبدوان مكتومتين هكذا.'
كان ذلك لمجرد أنه بكى كثيرًا، لكن رأس تولين لم يكن يعمل بشكل صحيح.
'في الحقيقة، لقد أُغمي عليّ على الدرج، وأنا الآن أحلم.'
الدوق الصغير لم يمت بعد.
إذا كان الأمر كذلك، فعليه أن يستيقظ من الحلم بسرعة.
كان يرغب بشدة في الحديث مع الدوق، الذي ظهر في حلمه بوجه صحي بعد كل هذا الوقت الطويل، لكن كان لديه دوق صغير لينقذه.
"سيدي الدوق، لقد سعدتُ جدًا بلقائك مجددًا."
ابتسم تولين ابتسامة خافتة وحاول أن يفعل شيئًا يوقظه من الحلم.
ولولا اليد الخشنة التي أمسكت بقفا رقبته، لكان رأسه قد ارتطم بالبلاط الحجري وانشق.
"أغغغ، كح! انتـ... انتظر......!"
بدلاً من ذلك، كاد يموت هذه المرة من الاختناق.
وعند الشعور بالدموع التي تنهمر من عينيه، أخذ تولين يلوح بالذراع التي أعادها بقوة إلى مكانها.
وكان الألم المباشر والشديد كافيًا ليعيد إليه وعيه فورًا.
لم يكن هذا هو نوع الألم الذي يختبره المرء في الحلم.
"لقد أصبحتَ شرسًا للغاية في الفترة التي لم أركَ فيها."
سمع تمتمة، واليد التي تمسك برقبته بدأت تجر تولين بعيدًا.
وبحسب معرفته، كان هناك شخص واحد فقط يستخدم مثل هذه القوة الغشيمة حتى وهو يعرف من يكون.
○●○●○●○
جرّ الدوق فيدوس تولين الذي كان يتخبط، وعاد ليتكئ على الجدار بوهن.
ولأن أولئك القوم الشبيهين بالكوارث كانوا يحطمون كل شيء هنا وهناك، كان هذا هو المكان الوحيد الآمن نسبيًا.
وهو يتنفس بصعوبة، وضع تولين جانباً ومسح عرقه بصعوبة.
تولين، الذي فتح الباب فجأة وظهر، ثم بدأ بالنحيب فجأة، كان يذرف الدموع بلا نهاية وكأن قنوات دموعه قد انكسرت.
كم مضى من الوقت منذ أن رأيتُ تولين يبكي؟
تولين، الذي كان كثير البكاء في صغره، قلّ بكاؤه بمجرد أن أصبح جسده أقوى.
وبعد أن أصبح عاقلاً تمامًا، طور تدريجيًا جانبًا وقحًا بعض الشيء ولم يعد ينتحب تقريبًا.
لذا، باستثناء أيام طفولته، كانت هذه حقًا المرة الأولى التي يراه فيها الدوق فيدوس يبكي بهذا القدر من الشدة.
الدوق فيدوس، الذي تعرض للصدمة تلو الأخرى منذ لحظة وصوله إلى العاصمة، شعر أخيراً وكأنه عاد إلى دياره وابتسم ابتسامة خفيفة.
"أأنت... أنت على قيد الحياة؟"
تولين، الذي بدا أنه هدأ قليلاً، وتوقف عن البكاء، وأخذ يمتخط، أجابه الدوق بارتباك:
"نجوتُ بصعوبة وفي اللحظة الأخيرة. أنا آسف لوصولي متأخرًا جدًا. ولكن....... "
توقف أغوني فيدوس عن الكلام وأشار إلى الخرقة الملطخة بالدماء التي لم يتركها تولين حتى وهو يبكي بحرقة.
"لماذا تمسك بهذه الخرقة بشدة منذ فترة؟"
أظلم وجه تولين للحظة وهو ينظر إلى الخرقة، لكنه سرعان ما استعاد وعيه ونظر إلى الدوق بوجه شاحب.
"إذا كنتَ هنا، فهذا يعني أنك جئتَ لإنقاذ الدوق الصغير، أليس كذلك؟ هل فارق السيد بلين الحياة؟"
عندها فقط أدرك أغوني فيدوس أن تولين قد أخطأ وحسب أن صاحب الدم الموجود على الخرقة هو ابنه.
فأخذ الخرقة من يد تولين ورماها بعيدًا.
"بلين على قيد الحياة. وحتى الآن، ينبغي أن يكون قد غادر البرج بأمان."
وعند تلك الإجابة التي بدت أشبه بمعجزة، فقدت ساقا تولين قواهما، وسقط جالسًا.
ومِن عينيه، بدأت الدموع التي توقفت بصعوبة، من شدة الألم والمفاجأة، تنهمر من جديد.
"هذا مريح... هذا مريح حقًا......!"
ارتجف كتفاه.
ودون أن يقول شيئًا، ربّت الدوق على ظهره، الذي لا بد أنه حمل عبئًا ثقيلاً.
○●○●○●○
فلاش!
لم يستمر اللقاء العاطفي طويلاً.
وعند الضوضاء والاهتزاز الهائلين اللذين دويا مرة أخرى، رفع تولين رأسه فجأة.
"ما هذا الصوت منذ فترة؟"
نظر الدوق إلى الخارج من خلال نافذة المبنى المهتز وفتح فمه.
"إنه صوت قتال بين الحاكم وبشر."
"ماذا يعني ذلك بحق السماء؟ من في الخارج؟"
"الأمير الثاني و......."
قطّب الدوق حاجبيه للحظة وسحب كلماته، وكأنه لم يستطع العثور على كلمة مناسبة.
"زميلي."
غير قادر على فهم الإجابة المقدمة بتعبير متحير، قطّب تولين حاجبيه، ثم سرعان ما وقف وكأن مثل هذا الشيء لا يهم وحاول إسناد الدوق.
"مهما كان الأمر، علينا فقط الخروج من هنا، أليس كذلك؟ طالما أن سموه لم يرَ وجهك، فمن المفترض أن الأمور لا تزال بخير."
ابتلع الدوق الكلمات التي مفادها أن ديتو أبيران لم يرَ وجهه فحسب، بل إنه هاجمه أيضًا، لذا ما لم يمت ديتو أبيران هنا، فإن الحفاظ على حياته سيكون صعبًا على أي حال، وانسحب من على كتف تولين.
"اذهب أنت أولاً."
وعند إجابته المجنونة، قطّب تولين حاجبيه.
"يزعجني قليلاً أن ساقك لم تلتئم بعد، ولكن إذا دحرجتكَ عبر الدرج، يا سيدي الدوق، فقد لا يكون الأمر مستحيلاً تمامًا....... "
"لا، ليس الأمر كذلك. سأتبعك بعد أن أتأكد من أن راتيل، أعني ذلك الرجل، سيبقى على قيد الحياة."
وعند الكلمات المجنونة، شعر تولين برغبة عارمة في خنق رقبة الرجل الذي نجا بصعوبة.
○●○●○●○
تفادى ديتو السيف الذي مرّ بالقرب من مقدمة رقبته، وأخذ خطوة واحدة إلى الخلف.
لكن وكأنه لا يبالي بالفشل، واصل راتيل الهجوم دون توقف.
وبسبب أسلوب السيف الذي كان يستهدف رقبته بإصرار، لم يستطع ديتو استخدام قوته بشكل صحيح.
استقرت عيناه على الجانب الأيمن من جسد راتيل، حيث قُطعت ملابسه بالكامل من الكتف.
وحتى بعد إشعال النار في ذراعه، اندفع ذلك اللعين دون أن يبالي بالألم.
كان يستغل الطريقة النموذجية للتعامل مع شخص يستخدم المانيس.
كانت الطريقة نفسها التي استخدمها الدوق فيدوس من قبل، لكن هجماته كانت أثقل وأسرع.
أما الهجمات التي أطلقها ديتو في محاولة لإحراقه، فلم تعد قادرة على إصابته وسط هجماته المتواصلة كما في السابق.
لم يستطع ديتو تحمّل هذا الشعور المزعج الناتج عن تقييد حركاته والتحكم في أفعاله.
لم يكن مثل هذا الكائن.
كان كائنًا ينبغي أن يقف فوق الجميع.
وبعد أن حجب هجوم راتيل مرة أخرى، ضرب بقدمه بقوة على الأرض.
السقف، الذي بالكاد صمد بعد عدة تبادلات من الضربات، انهار، وسقط الاثنان إلى الأسفل.
وعندما استعاد ديتو وراتيل توازنهما، كان في يد ديتو شيء أحمر داكن، بحجم مَفْصِلَي أُصْبُعَيْنِ تقريبًا.
ابتسم ديتو ابتسامة دموية، ثم ابتلعها.
◇◆◇◆◇◆◇◆◇◆◇◆◇◆◇◆◇◆◇
مرحبا جميعًا، أتمنى أن تكون الترجمة قد نالت إعجابكم. ♡
أخبروني بأرائكم تخميناتكم في التعليقات.
كانت معكم المترجمة : Lil-Mo.