اختطاف.
الفصل 65 - اختطاف
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ألقى جينغ نظرة نحو بوابة المدينة المؤدية إلى العاصمة في المدى البعيد، ثم ألقى نظرة على وجهَي راتيل والطفل، قبل أن يطلق زفرة طويلة.
وفي النهاية، تمكّن جينغ وراتيل والطفل جميعاً من اختراق حصار المرتزقة والفرسان المحيطين بهم بأمان.
ودون أن يصاب أيّ منهم بأذى، فوق ذلك.
ولم تكن براعتهم في المبارزة ولا خفة أقدامهم هي ما سمح لهم بالخروج سالمين.
"أيها المجانين اللعناء! هل تدركون على الأقل ما الذي فعلتموه؟!"
بقلبٍ يعج بالمشاعر المتضاربة، نظر جينغ إلى الأسفل نحو جايل، الذي كان يصرخ بأعلى صوته، وهو المساهم الأكبر في فرارهم.
ومع تقييد ذراعيه وقدميه، بدا جايل غير قادر على استيعاب الموقف تماماً، وكان يحدج راتيل وجينغ بنظرات كأنها تقتلهما، مطالباً إياهما بحل وثاقه.
"إنهم خطاة سرقوا قوة العائلة الإمبراطورية، وحماةٌ يؤوونهم! ألقوا القبض على الطفل حياً، وافعلوا ما يشاؤون بالبقية، سواء قتلتموهم أم أبقيتم على حياتهم!"
عند أمر جايل، أحكم كل أولئك المحيطين بجينغ وراتيل القبضة على أسلحتهم، واتخذوا وضعيات القتال وكأنهم يندفعون نحوهم في أية لحظة.
وكل أؤلئك الذين كانوا يبذلون قصارى جهدهم للابتعاد عن راتيل، أتموا استعداداتهم للهجوم دون أدنى تردد.
"سيكون من الصعب مواجهتهم جميعاً وأنت تحمل الطفل. راتيل، سأخترق جبهةً واحدة، فاستغل الفرصة وخذ الطفل واهرب."
همس جينغ لراتيل، الذي كان يقف إلى جواره.
"لا داعي لذلك."
من منظور جينغ، كان هذا تصرفاً نبيلاً ومساعدةً له على تولي المهمة الشاقة، لكن رفض راتيل كان حازماً.
"ما الذي تقترحه إذن؟ لا تقل لي شيئاً مجنوناً مثل القتال وأنت تحمل الطفل على ظهرك."
"أعرف ذلك جيداً. لن أفعل شيئاً بهذه الجنون."
وتاركاً جينغ يتساءل عما ينوي فعله، تقدم راتيل إلى الأمام دون تردد.
"آااه! أيها المجنون! هذا اختطاف!"
ودون أدنى تردد، أظهر شيئاً لم يكن مجنوناً تماماً، وإن كان مجنوناً بطريقة أخرى: لقد اختطف جايل واستخدمه كدرعٍ بشري!
كان لدى جينغ الكثير ليقوله، ولكن لأن النتيجة كانت مذهلة، لم يكن أمامه خيار سوى ابتلاع تذمره والسير خلف راتيل.
وظل جايل، الذي أُسر دون أن يحظى بفرصة واحدة للمقاومة، يصرخ باستمرار وكأن حنجرته لا تؤلمه.
"أيها المجانين! هذه هي المرة الأولى التي أُعامل فيها بمثل هذه المهانة! كيف تجرؤون، كيف تجرؤون......!"
أبدى جينغ تعاطفاً عميقاً مع كلمات الكاهن جايل، التي لم يستطع حتى إكمالها.
بالطبع.
فبصفته كاهناً في معبد أبيران، لم يكن ليُعامل بمثل هذه المعاملة قط.
ولهذا السبب، حتى في هذا الموقف، لم يكن يتصور على الأرجح أنهم قد يلحقون به الأذى حقاً.
"إن كنت تريد أن يُمزَّق فمك، فاستمر في الصراخ هكذا."
ولم يكن قد سمع تهديداً بهذه الفظاظة من قبل على الأرجح.
وبفضل تهديد راتيل له ببرود بأنه قد يُقتل دون أن يدري به إنس ولا جان، أطبق جايل فمه تماماً.
مع ذلك، كان جينغ يتفق مع رأي جايل إلى حدٍ ما.
"راتيل، ليس هناك خطأ فيما قاله هذا الكاهن. لا يمكننا الاستمرار في الهرب هكذا، أليس كذلك؟ يجب علينا إعادة هذا الطفل إلى عائلته أيضاً."
"لا داعي لذلك. على أية حال، أولئك الذين لا يعلمون شيئاً ستكون أولويتهم القبض على هذا الرجل والطفل. سيأتون للبحث عنا بدلًا من التوجه إلى تلك القرية. وأنت."
عند نداء راتيل، جفل جايل ورفع رأسه.
ممتثلاً بصرامة لأمر راتيل بالحفاظ على صمته.
"عادةً، عندما يظهر أطفالٌ مثل هؤلاء، إلى أين يُؤخذون؟"
وعندما أشار راتيل بذقنه نحو الطفل الذي يحمله جينغ على ظهره، قلّب جايل عينيه وفتح فمه:
"هـ-هذا...... الجميع يعلم أنه ينبغي نقلهم إلى المعبد في العاصمة. يذهبون إلى هناك، ويفحصون أموراً مختلفة، ليحددوا ما إذا كان الطفل قد سرق القوة حقاً أم لا، وبعد ذلك...... يتعاملون معهم......"
"تمهل، هل هناك المزيد من الحالات المشابهة إذن؟"
"ألم أقل لك؟ هذا العالم بأسره مليء بأشياء جرى تصنيعها."
أجاب راتيل وكأن الأمر لا يُذكر، لكن بالنسبة لجينغ، كانت هذه رواية لم يسمع بها طوال حياته.
حقيقة أنه لم يكن هناك طفل عامي واحد فقط وُلد بقوة الإله، وحقيقة أن المعبد كان يتعامل معهم جميعاً... كانت كل واحدة من تلك التفاصيل شيئاً يسمعه للمرة الأولى.
'منذ متى؟ منذ متى أصبحت الأمور الخارجة عن نطاق المنطق تحدث وكأنها طبيعية؟'
"إذن وجهتنا لم تتغير."
ألقى راتيل نظرة خاطفة نحو أسوار العاصمة المرئية من بعيد.
وفكر جينغ أن عينيه بدا عليهما الغرابة بطريقة ما.
حتى عندما ينظر الناس إلى الشيء نفسه، تنعكس أشياء مختلفة في عيون كل منهم.
وعادةً ما تنعكس الأشياء الجديدة بشكل أكبر.
وسواء بدت الأشياء أكثر جمالاً أم أكثر هيبة، فهذا يختلف من شخص لآخر.
لكن العاصمة التي كان راتيل ينظر إليها لم تكن تبدو أياً منهما.
"سندخل العاصمة. ولا ينبغي أن تكون مختلفة كثيراً عن القرى الأخرى هناك أيضاً."
○ ● ○ ● ○
"يمكنك الانتظار هنا."
تحدث الكاهن، الذي حافظ على أسلوب جاف، وكأنه يصدر أمراً.
خطى الدوق الشاب إلى داخل الغرفة بعد أن بدل ملابسه بتلك التي سلمها له الكاهن.
وكانت الأشياء التي كان يرتديها من مقر الدوقية قد أُزيلت بالفعل.
والآن، لم يتبقَّ للطفل سوى زوج الخواتم الذهبية التي سلمها له تولين بعناية.
وممتثلاً لطلب تولين بالاحتفاظ بهذه الخواتم على الأقل إن أمكن، لم يسلم الدوق الشاب زوج الخواتم المعلقة في قلادته إلى الكهنة.
تحقق الطفل مرة أخرى من موقع الغرفة التي أرشده إليها الكاهن.
وكما قال تولين، كانت الغرفة الثانية بعيداً عن غرفة الصلاة.
وكانت هناك احتمالية كبيرة في أن الملابس التي جمعها الكهنة، بالإضافة إلى أمتعته التي حزمها تولين له، خُزنت في الغرفة المجاورة لها.
وكان ذلك يعني أيضاً أن نصيحة تولين بحماية الخواتم على الأقل إن أمكن كانت صائبة.
ودون أن يشعر، عبث الدوق الشاب بالخواتم المخبأة بإحكام داخل ملابسه.
كان تصرفاً عادياً يمكن أن يبدو وكأنه يقوّم ملابسه، لكن المشكلة كانت أنه أثار إزعاج الكاهن الذي كان على وشك المغادرة بعد إنهاء إرشاده.
وسواء كانت نظراته المستمرة إلى وريث عائلة فيدوس الخاطئة نابعة من إيمانه، أم كانت عقدة نقص خلّفها ماضيه كنبيل، لم يكن لأحد أن يعلم.
"ما هذا؟ هل أخفيت شيئاً داخل ملابسك ربما؟"
وتحدث بحدة، ثم أمسك بمؤخرة عنق الدوق الشاب بقسوة قبل أن يتمكن الطفل حتى من الإجابة.
ولشدة ارتباكه من هذه الوقاحة غير المتوقعة، دفع الدوق الشاب يد الكاهن بقسوة دون وعي، لكن الكاهن كان قد اكتشف بالفعل القلادة المعلقة حول عنق الطفل.
"ألم تسمع أنه لا يمكنك ارتداء أي شيء حتى تبدأ الطقوس؟ هل ارتكب الخاطئ فيدوس إثم عدم تعليم ابنه حتى هذا؟"
وبنبرة متحمسة على نحو غريب، ألقى تلك الإهانات.
شعر الدوق الشاب بشرر الغضب يتطاير من عينيه.
فمنذ اللحظة الأولى التي التقيا فيها، كان هذا الرجل يحافظ على أسلوب حاد غير مبرر حتى تجاه تولين.
كبح الدوق الشاب غضبه وفتح فمه:
"هذه القلادة توارثتها عائلتي أباً عن جد، لذا فهي بمثابة جزء من جسدي."
"أتقول إنك لن تتبع قواعد المعبد؟ كما هو متوقع، الخاطئ هو......"
"أنا أفهم أن السبب في تغيير الملابس قبل أداء الطقوس هو إبعاد الأشياء الدنسة قبل إعادة الولادة كمواطن في أبيران. وقد خضع جميع ورثة عائلة الدوق فيدوس للطقوس وهم يحملون هذه الخواتم. أتقول الآن يا كاهن إن موروث عائلة الدوق فيدوس دنس، وإن الكهنة الذين أجروا الطقوس لأسلافنا حتى الآن أجروا طقوساً دنسة؟"
ولحسن الحظ، انسابت الكذبة التي أعدها تولين بسلاسة فائقة من فم الدوق الشاب.
وبدا الكاهن غير مرتاح لأن الدوق الشاب رد عليه دون أن يتأثر أو ينزعج بأي شكل.
وبالنظر إلى وجهه الذي ازداد احمراراً من الغضب تدريجياً، بدا أيضاً أنه أُحرج ببساطة لأنه لم يجد الكلمات التي يرد بها.
فلو قال نعم، لتبين أنه افتعل خطأً لا داعي له، ولو قال لا، لكان ذلك بمثابة الاعتراف بأن كهنة الأجيال السابقة كانوا على خطأ.
"لا يهم كيف كانت عائلة فيدوس تفعل الأمور سابقاً. ما يهم هو أنه من الآن فصاعداً، لن يتلقى الدوق الشاب مثل هذه المعاملة الخاصة. سلم الخاتم فوراً."
وفي النهاية، كان ما اختاره عناداً غير منطقي ولا يمت للعقل بصلة.
ودوّى صوته المرتفع بانفعال عالياً.
أراد الدوق الشاب أن يرد عليه مجدداً، لكن إثارة الضجة لم تكن النتيجة التي يبتغيها.
وكما قال الكاهن، خلع الطفل القلادة ببطء من عنقه.
وبينما كان يراقب النشوة تتصاعد في عيني الكاهن، أزال واحداً من الخاتمين من السلسلة.
تتبع الكاهن حركة الخاتم الذهبي اللامع بعينيه وكأنه مأخوذ.
وقارئاً الطمع الذي يلون وجهه، مد الدوق الشاب الخاتم أمامه.
"ما الذي تفعله الآن؟"
سأل الكاهن الذي استعاد وعيه متأخراً.
"سأودع أمانة أحد الخاتمين لديك، يا كاهن."
"عن أي عناد سخيف تتحدث؟ أسرع وسلم الخاتم الآخر أيضاً."
ومع شخيرٍ مستخف، انتزع خاتماً واحداً من يد الدوق الشاب.
"قلت إنني سأودعه لديك يا كاهن، لذا لا يهم متى تعيده."
وعندما قال الدوق الشاب ذلك، جفل جسد الكاهن الذي كان يمد يده لانتزاع الخاتم المتبقي.
"أنت الشخص الوحيد في المعبد الذي يعلم أنه بحوزتي. وهذا يعني أنه بغض النظر عن الوقت الذي تعيده فيه، لن يكون هناك من يلومك."
موروثٌ توارثته عائلة فيدوس جيلاً بعد جيل. لم يكن بوسعه إلا أن يكون مغرياً.
"وأنا لن أتنازل أكثر من هذا أيضاً."
كما أن وجه الدوق الشاب الملتبس بمرارة منح الكاهن شعوراً باللذة والرضا.
فكر الكاهن للحظة. كانت لحظة قصيرة جداً، لكنها كانت كافية.
ففي أعماق جيبه، وهو يغادر الغرفة، كان هناك خاتم ذهبي عالي الجودة يلمع في الخفاء.
أُغلق الباب، وبقِي بلين فيدوس بمفرده، فخارت قواه وهوى على الكرسي الموضوع في أحد أركان الغرفة.
"كان هناك الكثير مما أجهله......"
ومع الشعور بانسحاب القوة من جسده كله، خرجت منه زفرة تلقائية.
فبعد وفاة الدوق فيدوس، منع تولين الدوق الشاب من الخروج قدر الإمكان، باستثناء الحد الأدنى من الأنشطة الخارجية.
ولهذا السبب، لم يكن الدوق الشاب معتاداً على مثل هذه النظرات السافرة من الكراهية.
كما كانت نظرات الكاهن المشبعة بالطمع بمثابة صدمة كبيرة له.
فالكهنة في ذاكرته كانوا دائماً لطفاء، أنقاء، وأشخاصاً يضبطون مشاعرهم.
نظر الدوق الشاب إلى أسفل ملابسه، التي أصبحت أكثر خفة بعد التخلي عن خاتم واحد.
كان جسده قد غدا أخف، لكن قلبه كان ثقيلاً.
وتراءى لذهنه أيضاً اليأس الذي مرّ برهةً على وجه الرجل الذي اختار ملابسه ومستلزماته بملامح جادة.
لقد وصف الكاهن فيسبر تولين بأنه خاطئ.
وإن كان ذلك ذنب عائلة فيدوس، فإن الشخص الذي ينبغي له تحمّل المسؤولية هو نفسه بطبيعة الحال، فهو من ورث دماء عائلة فيدوس.
ولكن منذ وفاة والده، كان الشخص الذي يتحمل كل الالتزامات هو تولين.
والشخص الذي كان ينبغي له العودة إلى القصر ليُحاكم لم يكن تولين في الواقع، بل هو نفسه.
ومع ذلك، حتى لو لم يكن هناك إكراه من الكاهن فيسبر، لم يكن يعلم ما إذا كان سيكون ذا فائدة حقيقية حقاً.
فربما كان سيزيد الأمور سوءاً.
لأنه كرر الكثير من الأخطاء حتى الآن.
صورته التي أعطت الإجابة الخاطئة أمام الأمير الثاني، وصورته التي كانت تعتمد دائمًا على تولين وجاك فقط، وصورته التي جعلت كل شيء فوضى عارمة... أخذت تتداخل وتتراكب أمامه.
وحتى الخاتم الذي أعطاه إياه تولين في النهاية، لم ينجح سوى في حماية واحدٍ منهما.
وبالنظر إلى مدى قسوة معاملتهم، فإن الملابس والحلي التي أخذها الكهنة لم تكن لتُعامل بعناية أيضاً، على ما يبدو.
وبينما كان الدوق الشاب يفكر في مصير الأشياء التي اختارها تولين له في النهاية، نهض ببطء من الكرسي إثر سؤالٍ تبادر إلى ذهنه فجأة.
لماذا شدد تولين على هيكل المعبد كثيراً؟
لقد كان جزءاً أغفله ببساطة بسبب سلسلة الأحداث التي عصفت به في ذهول.
فبدلاً من ترتيب الطقوس أو الآداب، كان تولين يكرر تلاوة هيكل المعبد على مسامع الدوق الشاب.
وفي وقت ما، شدد تولين أو والده على شيء ما بطريقة مماثلة.
بمعنى آخر، وكأنه... وكأنه...... وكأنه في يومٍ ما عندما جعلوه يحفظ طريق الهروب في مقر الدوقية استعداداً للحظة طارئة.
تحرك بلين نحو الباب وكأنه جفل.
لا، بل حاول التحرك.
لولا أن صوتًا خفيفًا لشيء يصطدم بنافذة الغرفة استوقفه.
طرق!
طرق! طرق!
وكطفل فُزِع وهو يفعل شيئاً سيئاً، استدار الدوق الشاب بتصلّب وتحقق من هوية من كان يطرق على النافذة.
غير أن قواه خارت في الحال عندما اكتشف كائنًا يصعب وصفه بأنه "شخص".
كان سنجاب صغير يطرق على النافذة بذنبه.
"سق!- سق سق!..."
بانزعاج شديد.
◇◆◇◆◇◆◇◆◇◆◇◆◇◆◇◆◇◆◇◆◇◆◇
مرحبا جميعًا، أتمنى أن تكون الترجمة قد نالت إعجابكم.♥︎
كانت معكم المترجمة: Lil-Mo.