الهاربة (2)
الفصل الحادي والخمسون — الهاربة (2)
.
.
.
.
.
فهم "بلين فيدوس" ما يحدث بسرعة.
الأمر الذي أصدره "تولين" لـ "جاك"، وما يجري في العاصمة الآن، وكيف بدأ "جاك" بالبحث عن أطفال الشوارع لتنفيذ ذلك الأمر، وحتى حقيقة أن الطفل الذي كاد ينجح في جلبه إلى هنا قد أفلت من عينيه وهو يتجول الآن داخل القصر.
"مع ذلك، إذا كان الطفل داخل القصر، فسنتمكن من العثور عليه بسرعة."
عندما قال الدوق الشاب ذلك بنبرة مبهجة ليُشجع "جاك"، خفض "جاك" رأسه بخجل.
"هذا.... الطفل أشبه بحيوان مفترس يا سيادة الدوق الشاب، وليس كما تتخيل. يعزّ عليّ قول ذلك، لكن الإمساك به وجلبه إلى هنا لم يكن أمراً سهلاً أبداً."
"إذًا الأمر أشبه بقرد يركض داخل القصر."
ارتبك "تولين" من النبرة الساخرة التي زلت من لسانه دون أن يشعر، ثم ألقى نظرة خاطفة على وجه الدوق الشاب وتنحنح.
"أولاً، أخبر الخدم بإغلاق كل منافذ الهروب التي قد يتسلل منها الطفل."
"نعم، لقد أمرتُهم بإغلاقها بالفعل. ومع ذلك، فالطفل سريع ورشيق وقوي بشكل غريب. لأكون صادقاً، لا أضمن أن يتمكن الخدم من الإمساك به."
"رغم أنك تعرف ذلك جيداً، إلا أنك تراخيت. هذا ليس من طبعك يا جاك."
هذه المرة، وحرصاً منه على الهيبة أمام الدوق الشاب، وبّخ "تولين" "جاك" بحذر.
ظهر الذنب والقلق على وجه "جاك".
"ظننتُ أن الأمر سيكون على ما يرام لأن يديه وقدميه كانتا مربوطتين، لكنهم قالوا إنه كان يحمل شيئاً يشبه غصن شجرة حاد.... من أين حصل على شيء كهذا...."
في منتصف حديثه، أدرك "جاك" مصدر ذلك الغصن المدبب، فانخفض صوته وسكت.
مدركاً أنه هو من أتاح للطفل فرصة الهروب بيده، تأوه "جاك" بألم وغطى جبهته.
"اللورد تولين، يُرجى معاقبتي. هذا كله خطأي."
أمام مظهر العجز هذا، تنهد "تولين".
"سنؤجل إلقاء اللوم الآن. القصر كبير، وأغلب الظن أن الطفل لم يخرج بعد."
بالنسبة لطفل فقير، سيبدو القصر حتمًا كمتاهة. وإذا كان يُطارد، فسيكون من الأصعب عليه معرفة الاتجاه الصحيح.
"أين أضعتم الطفل تحديداً؟"
فتح الدوق الشاب فمه أخيراً بعدما كان يراقب المحادثة بصمت.
"في الطابق الثالث. كان قذراً جداً ولا يليق بتقديمه للورد تولين، فأمرتُهم بتغيير ملابسه، لكنه استغل الفرصة وهاجم الخدم وفرّ هارباً."
"كم كان عدد الخدم هناك حتى يفقدوا طفلاً واحداً؟"
"ثلاثة.... رجال." أجاب "جاك" بصوت خفيض.
عند تلك الإجابة، سامح "تولين" خطأ "جاك" في سرّه؛ إذ كان يصعب عليه هو نفسه تصديق أن ثلاثة رجال بالغين عجزوا عن الإمساك بطفل.
وبينما كان الجميع مشغولين بالقدرة البدنية العجيبة للطفل، كان الدوق الشاب يدير فكرة واحدة بصلابة في ذهنه:
'الطابق الثالث هو حيث تقع غرفتي.'
○ ○ ○
"سحقاً."
تمتمت "سيا" بالشتائم وهي تترقب خارج الباب.
صوت الخطوات المتسارعة، والدعوات إلى حصر الطفل، واليقين بأن المخارج أُغلقت بالكامل.
مهما كانت حياة "سيا" بعيدة عن عالم النبلاء، كان من المستحيل ألا تعرف لمن يعود هذا القصر.
توقفت عن النظر للخارج وألقت نظرة على الغرفة التي اختبأت فيها.
حلي وأوسمة لا تعرف أسماءها، رفوف ممتلئة بالكتب لدرجة تجعل "مير" يندهش، وثريا متلألئة تخطف الأبصار.
لكن شيئاً آخر لفت انتباهها أكثر من كل ذلك: سيفان يعانقان القمر.
هل يوجد في الإمبراطورية من لا يعرف عائلة "فيدوس"؟
وبالمصادفة، كان صاحب الملابس التي سرقتها مؤخرًا، عندما كانت برفقة مير، سيدًا شابًا من هذه العائلة بالذات.
بلعت "سيا" ريقها بجفاف.
'هذه المرة، قد أموت حقاً.'
لم تفهم لما سحلوها إلى هنا، لكن سرقة معطف السيد الشاب لن تكون في صالحها أبداً.
تجاهلت تسارع ضربات قلبها، وعبرت الغرفة نحو النافذة الضخمة. كانت تنوي القفز للهروب إن لزم الأمر.
لكن حين نظرت إلى الأسفل، ترددت.
الأرض بعيدة جداً، والارتفاع عالٍ للغاية.
مهما كانت الجدران التي تسلقتها، لم ترَ سقفاً بهذا الارتفاع.
إن قفزت، فستكسر جزءاً من جسدها حتماً. وإذا انكسرت ساقها، فلن تعبر الحديقة المترامية.
إذاً، فلتكن ذراعها.... ويفضل اليسرى.
لمست "سيا" أسفل كوعها الأيسر.
كسر ذراعها اليسرى ثمن رخيص مقابل حياتها. ستتألم قليلاً، ولكن حالما تصل إلى "مير"، سيجد حلاً حتماً؛ فهو يملك كل أنواع المعارف الغريبة.
ومع هذه الفكرة التي لو سمعها "مير" لسقط أرضاً من الذهول، فتحت "سيا" عينيها على وسعهما.
وفي اللحظة التي وضعت فيها قدمها على إطار النافذة—
"توقفي هناك!"
○ ○ ○
لم يجد الدوق الشاب وقتاً للترحيب بالوجه المألوف المتشبث بالنافذة؛ فقد كانت القدم التي وضعتها "سيا" على الإطار تبدو في غاية الخطورة.
"لا تقترب! لا تقترب مني!!!"
صرخت "سيا" بتهديد مرعوب في وجه "جاك" وهو يخطو نحوها.
"سحقاً، حسناً، تراجعي قليلاً فقط. لن تنجين إذا سقطتِ من هذا الارتفاع."
تراجع "جاك" لتهدئتها.
كانت "سيا" تعرف هذا أيضاً. تعلم أنها قد تكسر ذراعها، أو حتى رقبتها إن حالفها سوء الحظ. ومع ذلك، لم تكن تريد الوقوع في يد ذلك الرجل ذي اللحية.
كانت تظن أن القفز للأسفل يمنحها فرصة أكبر للنجاة مقارنة بما سيحدث لو اكتشف ذلك السيد الشاب أنها سرقت معطفه؛ حينها لن تموت ببساطة، بل بألم. انكسار رقبتها فوراً أفضل بكثير.
وفي اللحظة التي اتخذت فيها قرار السقوط—
"اللورد بلين!"
أسرع من صرخة "تولين" المرعوبة، وأسرع من يد "جاك" الممتدة، اندفع الدوق الشاب أسرع من الجميع.
"هاه؟ لا—لا تقترب! قلتُ لك ألا تقترب!"
تراجعت سيا إلى الخلف في صدمة من اندفاعه.
شعرت بقوة الجاذبية تسحب جسدها للأسفل. كانت تلك أسوأ سقطة ممكنة.
وفكرت أن رقبتها ستنكسر حتماً، لكن قوة شديدة أمسكت بذراعها.
"أرغ...."
صدر من ذراع الدوق الشاب صوت تفرقع شؤوم.
وظل "بلين فيدوس" متمسكاً بذراعها بصلابة حتى سحبها "جاك" و"تولين" إلى الداخل.
لم تقاوم "سيا". وفي تلك اللحظة، لم ترفض مساعدته؛ فلا يوجد أحمق يخاطر بذراعه لإنقاذ شخص يريد قتله.
بعد سحبها بسلام، جعلت "سيا" صوت "جاك"—الذي بدأ يوبخها على خطورة ما فعلته—يدخل من أذن ويخرج من الأخرى، بينما ظلت تنظر بذهول إلى الدوق الشاب وهو يتلقى التوبيخ من "تولين".
"سيادة الدوق الشاب، أقسم الآن أنك لن تفعل شيئاً بهذه الطيش مجدداً! الآن فوراً!"
"تولين، إهدأ. العروق على جبهتك تكاد تنفجر."
"هل عروقي هي المشكلة الآن؟ ذراعك هي التي كادت تنفجر يا سيادة الدوق الشاب!"
أومأ الدوق الشاب بتعبير جاد.
"حسناً، لن أكرر ذلك."
استعاد "تولين" رباطة جأشه لمعرفته أن الدوق الشاب يفي بوعوده دائماً.
ربّت الدوق الشاب على كتف "تولين"، ثم التقت عينيه بعيني "سيا".
"لقد مر وقت طويل."
وحين أدركت أنه يتذكرها ويتذكر سرقتها، ارتجف كتفا "سيا".
"لـ—لقد ارتكبتُ خطأً أستحق عليه الموت. أرجوك أبقِ على حياتي...."
نظر إليها الدوق الشاب وهي تحني رأسها وتتوسل، ثم سألها بهدوء:
"....هل ما زلتِ تعتقدين أننا سنقتلكِ؟"
كانت عيناه رماديتين صافيتين لا تتذبذبان. لأول مرة في حياتها، شعرت "سيا" أن اللون الرمادي جميل.
"....لا."
انحنت زوايا عينيه بابتسامة فرح خالص موجهة إليها، بلا سخرية ولا استهزاء.
في تلك اللحظة، شعرت "سيا" بشيء يتحرك في داخلها، واندفعت فيها رغبة في جعل هذا النبيل سعيداً.
"أنا آسفة. أعلم أنك لن تقتلني. هذه المرة، أعني ذلك حقاً."
كان اعتذارًا صادقًا، وليس محاولة للخروج من الموقف.
وانحنت عينا الدوق الشاب أكثر. ومع شعور قوي بأنها أضاعت فرصة الهروب إلى الأبد، عضت "سيا" شفاهها من الداخل:
'مير سيقتلني الآن.'
○ ○ ○
"شهقات وبكاء."
استعاد "مير" وعيه بضعف على أصوات البكاء.
تذكر وقوفه في صف توزيع الطعام ثم اقتياده لغرفة جانبية، وضربه على رأسه.
جلس وهو يمسك مؤخرة رأسه التي كانت تؤلمه. كان كوعاه وكاحلاه تؤلمانه أيضاً، يبدو أنهم عاملوهم بقسوة.
'ربما لأنهم سيقتلوننا على أي حال.'
تجاهل مير الألم في ذراعيه وساقيه، ونظر حوله.
كان الأمر كما توقع: عشرات الأطفال في غرفة ضيقة، بملابس بالية جدًا لدرجة يصعب معها معرفة المدة التي ارتدوها، ووجوه قذرة. لا أحد منهم يتجاوز الثانية عشرة.
بعد أن تأكد مير من أنه محتجز بالفعل، فحص وجوه الأطفال:
'المشكلة أنني لا أرى سيا.'
اقترب مير من أكبر طفل بينهم، طفل لم يكن يبكي ويبدو أنه استسلم تماماً؛ فمن المرجح أنه أكثرهم بقاءً هنا.
سقط ظله عليه، فنظر إليه الطفل بنظرة جافة:
"ما الذي تنظر إليه؟"
هزّ "مير" كتفيه وجلس أمامه:
"كم مضى عليك هنا؟"
"لماذا تسأل؟"
"ما المانع من الإجابة؟"
"توفيرًا للطاقة. كثرة الكلام تُعجل بموتك."
"لو أجبتَ فوراً لما احتجتَ لإهدار طاقتك في الجدال."
تنهد الطفل الجالس أمامه:
"....نحو أسبوع."
"إذاً رأيتَ كل من جُلبوا هنا خلال هذا الأسبوع؟"
نظر إليه الطفل بنظرة متسائلة، كأنه يقول: وماذا تريد مني أن أفعل حيال ذلك؟
وقف "مير" فوراً وقال:
"هل رأيتَ طفلة أطول مني بهذا القدر تقريباً؟ اسمها سيا، طباعها حادة، ولو قُبض عليها لأحدثت جلبة وركلت الجدران.... و...."
قطب "مير"، الذي كان يشير إلى الارتفاع بيديه، وجهه لفترة وجيزة وهو غير متأكد مما إذا كان قول هذا سيفيد، ثم تابع:
"....إنها فتاة."
رغم صعوبة تمييز ذلك.
___________________________
مرحبا جميعًا، أتمنى أن تكون الترجمة قد نالت إعجابكم.♡
كان فصلًا ممتعًا، ما رأيكم؟
لقد أحببت مير.♡ و انتم؟
بالمناسبة، هل تزعجكم تعليقاتي؟ 👀
كانت معكم المترجمة: Lil-Mo.