الهارب (1)
الفصل الخمسون — الهارب (1)
.
.
.
.
كان قصر عائلة "فيدوس"، الذي اجتاحه فردان وقحان من العائلة الإمبراطورية، بائسًا وكأن إعصارًا قد اخترقه.
وكان يمكن العثور على آثار تلك الكارثة الخفية في "تولين" والدوق الشاب، اللذين كانا يجلسان بصمت متقابلين على أريكة المكتب.
أما "بايل"، الذي لم يدرِ ما يفعل وهو ينظر إلى تعابير الدوق الشاب المتجهمة بشدة، فقد غادر الغرفة وهو يلتفت خلفه كجرو يحتاج لقضاء حاجته، منفذًا أمر "تولين" بإحضار بعض الحلويات البسيطة دون شاي.
حدّق "تولين" في الدوق الشاب، الذي كان قد ثبّت نظراته على منطقة صدر "تولين" بتعابير ثقيلة، ثم فتح فمه أولاً:
".....اليوم، لقد أبليتَ بلاءً حسنًا للغاية."
خرجت الكلمات بجمود أكبر مما أراد، كما أن مضمونها لم يكن ليشكل عزاءً كبيرًا للدوق الشاب.
وعند سماع كلماته، ازدادت تعابير الدوق الشاب قتامة.
"لا، لا داعي لقول ذلك. أنا أعلم كم كان خطأي كبيراً اليوم."
ولأن "تولين" لم يستطع الإنكار، أطبق شفتيه بصمت.
أجل، كان عليه الاعتراف بذلك.
فبعيدًا عن كل شيء آخر، كان انحياز الدوق الشاب إلى جانب الدوق "فيدوس" المتوفى أمام الأمير "ديتو" خطأً قاتلاً.
فربما ينتهي الأمر بالدوق الشاب سالكًا طريقًا مشابهاً لطريق الدوق "فيدوس" أيضاً.
وجهٌ يزرقّ، وأطرافٌ تتخبط من الألم، وعينان رماديتان تظلمان وتغيمان.
وفي اللحظة التي أدار فيها "تولين" رأسه ليركز على الدوق الشاب أمام عينيه، سرعان ما تحول بطل هذا الكابوس إلى طفل صغير.
حاول "تولين" تهدئة أنفاسه المتسارعة.
لقد تعلم بالفعل من خلال خسارة مؤلمة أنه لا شيء يتغير حتى لو يتلوى مرارةً وألماً.
"أيها الدوق الشاب، عليك من الآن فصاعدًا أن تستمع جيدًا لما سأقوله."
"ماذا تقصد....."
"لا يمكنني أن أعرف بالضبط ما هو هدف الأمير "ديتو". لكن هناك شيء واحد مؤكد...... ثمة احتمال كبير جدًا لأن تندثر عائلة فيدوس الدوقية في غياهب التاريخ."
وعند سماع هذه الكلمات الحاسمة على غير عادة "تولين"، شحب وجه الدوق الشاب.
"هل هذا بسبب خطأي.....؟"
"لا، ليس كذلك. كان هذا مجرد المسار الذي تقرر منذ البداية. وأيًا كانت الإجابة التي قدمتها اليوم يا سيادة الدوق الشاب، فإن النتيجة لم تكن لترجح لغير هذا. كان الأمير "ديتو" سيتلمس لك الزلل بأي طريقة."
كان "تولين" موقنًا من ذلك.
لقد كان هذا أمرًا حُسم قبل وقت طويل من اختفاء الدوق "فيدوس" أسفل الهاوية.
على الأقل، فإن ذلك "الشيء" الذي ترغب فيه العائلة الإمبراطورية لا بد أنه بدأ من ماضٍ لا يمكنه تتبع بدايته.
"لا أعلم ما هو هدفهم، ولكن إن كان ما يريدونه هو الدوق الشاب....."
إن كان ذلك هو ما تريده العائلة الإمبراطورية، فسيتوجب عليهم تسليمه.
لا يمكن للبشر العصيان أمام الحكام، وكان هذا هو واجب الأشخاص الذين يعيشون في "أبيران".
إن أمر الحاكم، وجب على المرء اتباعه.
كانت مسألة بسيطة إلى حد القسوة.
وهكذا خسروا الدوق "فيدوس"، وانحنوا برؤوسهم أمام الأمير الذي قتله.
لقد اختبأوا واختبأوا حتى لا يُسلب منهم سوى القليل، ولكن هذه كانت النتيجة.
والآن سُيسلب الشيء الوحيد المتبقي أيضاً.
لو أُخذ الدوق الشاب بعيدًا، فمن المستحيل معرفة ما سيؤول إليه مصير عائلة فيدوس الدوقية التي تركها "أغوني فيدوس".
هل سيمكن لنسلها أن يستمر، أم أنها ستتلاشى في التاريخ مخلفةً وراءها إرثًا امتد لألف عام؟
"هل يمكنني تحمل ذلك؟"
وبينما كان "تولين" يعقد حاجبيه بحكم العادة ويدفع نظارته لأعلى ليريح قلبه الذي كان يخفق وكأنه ينفجر، بدا أن الدوق الشاب الذي يساوره القلق بشأنه قد حسم أمره بشأن شيء ما وفتح فمه بتعابير حازمة.
"إذن، يا تولين، بدءًا من اليوم، أنت مُقال من منصبك."
"عفوًا؟"
وعند هذا الإخطار المفاجئ بالإقالة، نسي "تولين" حتى خطورة الموقف وسأل بذهول، ثم أدرك فورًا ما فكر فيه الدوق الشاب بعقله الصغير هذا.
"تنحَّ عن منصب القائم بأعمال رئيس العائلة فورًا، وعد إلى عائلة كريسا."
".....أيها الدوق الشاب."
"والأمر ينطبق على بقية أفراد القصر أيضاً. قم بتصفية أملاك العائلة المتبقية بسرعة وأرسل الخدم بعيدًا."
"....أيها الدوق الشاب!"
"كنت أود تبادل وداع أخير مع "جاك" و"بايل"، لكن ذلك سيكون صعبًا، أليس كذلك؟ لا، بدءًا من اليوم، ينبغي لي الاختباء في غرفتي والعيش هناك. فلن ينال أحد خيرًا من بقائه إلى جواري......"
"بلين!"
ولأنه لم يعد يحتمل كلمات الدوق الشاب المنطلقة بلا كابح، رفع "تولين" صوته.
وأخيرًا أطبق الدوق الشاب، "بلين فيدوس"، فمه.
اتجهت نظرات "تولين" نحو اليدين اللتين كانتا ترتجفان بشدة.
....يا له من شخص أحمق.
لماذا يقلق على الآخرين بينما هو غارق في الخوف إلى هذا الحد؟
وهو ينظر إلى ذلك الوجه الذي شحب من شدة التوتر، شعر "تولين" بالخجل من نفسه لأنه كان يقلق حتى اللحظة بشأن شعور الخسارة والحزن الذي سيخالجه بعد فقدان الدوق الشاب.
وفي الوقت نفسه، هدأ قلبه على نحو غريب.
كما أصبح عقله، الذي كان ممتلئًا بالمخاوف، أكثر صفاءً قليلاً.
".....أيها الدوق الشاب، لحسن الحظ، ما زال لدينا ورقة واحدة لم تُكشف بعد."
"ورقة لم تُكشف بعد؟"
"وهي أننا لا نعلم إرادة جلالة الإمبراطور بعد."
وبعد أن أنهى كلماته، ضيّق "تولين" عينيه وعبث بإطار نظارته.
أجل، بالتفكير في الأمر، فإن الطرف الذي كان هادئًا على نحو غريب هو الإمبراطور.
ربما، بالنظر إلى صمته بينما يستحيل ألا يعلم بما يفعله ابناه في العاصمة...... قد يكون الوضع أقل إيجابية مما قاله للدوق الشاب.
ومع ذلك، فإن حقيقة عدم اتخاذ الإمبراطور أي إجراء كانت الأمل الأدنى بالنسبة لـ "تولين".
فلو كان الإمبراطور يعلم بما يخطط له الأميران، لكانت هذه معركة بلا أي فرصة للنصر، ولكن إن كان الأميران يخفيان شيئًا عن الإمبراطور.....
ولكن ما الذي قد يحتاج الأمير الأول —الذي سيصبح إمبراطورًا حتى لو ظل ساكنًا— وشقيقه الأصغر المقرب منه للغاية، إلى تحقيقه بعيدًا عن أعين الإمبراطور؟
وكان المهم هو أنه، بدلاً من ترك الأمور يسيرها الأميران كما يشاءان، فإن كشف السر لكيان أعظم سيجلب نتيجة أفضل.
وبالطبع، سيتوجب عليهم تحمّل المسؤولية عن ذلك أيضاً.
"أيها الدوق الشاب، ستكون مشغولاً بعض الشيء من الآن فصاعدًا."
نظر الدوق الشاب بحيرة إلى "تولين"، الذي تحدث وكأنه يتنبأ بمرأى ينم عن ارتياح أكبر بكثير.
"لأنك هذا العام، ستلتحق بالأكاديمية."
"الأكاديمية؟ ألم تقل للتو إن عائلة فيدوس قد تندثر؟ في وقت كهذا، لماذا فجأة......"
بالنسبة للدوق الشاب، ستبدو هذه أنباءً مفاجئة، لكنها بالنسبة لـ "تولين" لم تكن قرارًا متهورًا بأي حال.
لقد احتفظ دائمًا في قلبه بالعزم على إرسال الدوق الشاب إلى مكان أكثر أمانًا ولو قليلاً.
وكان يأسف فقط لأنه يطرح الأمر بهذه الطريقة، وفي هذا الوقت بالذات.
"الطالب الذي يلتحق بالأكاديمية لا يمكن حتى للعائلة الإمبراطورية مساسه بتهور. هذه تقاليد لا تستطيع العائلة الإمبراطورية الاستهانة بها."
وتمامًا كالعرف الذي سمح للدوق "فيدوس" بعصيان العائلة الإمبراطورية لمرة واحدة فقط، كان هناك قانون غير مكتوب في الأكاديمية.
داخل الأكاديمية، لا يمكن لأحد أن يصبح مجرمًا.
وبعبارة أخرى، لا يمكن معاقبة أحد داخل الأكاديمية.
وقيل إنها قاعدة أرساها الإمبراطور العظيم "سييرا" عندما أنشأ الأكاديمية لأول مرة.
ألا يسفك أحد دمًا داخل هذا الصرح الثمين الذي شيده بنفسه.
كانت هذه القاعدة مطلقة للغاية، وبينما أُعيد بناء مباني الأكاديمية عدة مرات، ظل ذلك البند المنفرد الذي وضعه الإمبراطور العظيم "سييرا" محفوظًا بصرامة.
في المقام الأول، لم تكن الأكاديمية مكانًا يمكن لمجرم دخوله.
في ذلك المكان، حيث لا يسجل سوى أبناء النبلاء رفيعي المستوى، لم يكن هناك خدمة ممن لا تُعرف هوياتهم.
وإن استطاع الدوق الشاب مجرد الالتحاق بالأكاديمية، فهذا يعني أننا نستطيع كسب بعض الوقت بأي طريقة.
وكانت المشكلة هي......
"أنا لا أريد ذلك. لن أهرب بمفردي. وعلى أي حال، لم أخضع للطقس بعد، لذا لا أملك المؤهلات للتسجيل."
كان هذا الطفل الصغير عنيدًا كأبيه، وكما قال، لم يخضع لطقس "تيناس" بعد.
ولحسن الحظ، كانت المشكلة الثانية بمستوى يمكن حله بطريقة ما.
"لم يعد يفصلنا عن طقس تيناس سوى أسبوع واحد! وقد فات الأوان بالفعل لاستدعاء كاهن من المعبد!"
رفع "بلين" صوته على غير عادته، لكن "تولين" لم يتزعزع.
"لا يا سيادة الدوق الشاب. في كل الأحوال، قد يكون طقس تيناس هو الفرصة الأخيرة التي يمكنها إنقاذنا جميعًا."
"ماذا يعني ذلك......"
"إن كنتَ تملك "مانيس" كالدوق فيدوس السابق يا سيادة الدوق الشاب، فإن ذلك وحده سيتيح لعائلة فيدوس الدوقية كسب المزيد من الوقت."
"....."
"إن كنتَ حاملاً لـ "مانيس" يا سيادة الدوق الشاب، وكانت لديك قوة تضاهي قوة الدوق فيدوس السابق، فثمة احتمال أنك تملك حالياً أكبر قوة خارج نطاق العائلة الإمبراطورية. والآن بعد أن رحل الدوق فيدوس...... فإن الشخص الأكثر حظاً ليكون السيف الأقوى هو أنت. وعندها لن تظل سلامتك مسألة تُحسم على مستوى الأمراء، بل سيتوجب على جلالة الإمبراطور التدخل حتماً. أَتفهم ما أعنيه؟"
"......يعني ذلك أن بإمكاننا كسب الوقت."
ابتسم "تولين" بلطف.
"لكنني قد لا أكون كأبي. قد لا أملك أي قوة على الإطلاق."
"في هذه الحالة، سيتوجب علينا التفكير في طريقة أخرى. لكنك تدرك أن هذا ليس موقفاً يسعك فيه رفض طقس تيناس، أليس كذلك؟"
وأمام إجابة "تولين" الحازمة، أطبق الدوق الشاب شفتيه.
وهو ينظر إلى الدوق الشاب على هذا النحو، كتم "تولين" ابتسامة مريرة.
سواء أكان للطفل قوة أم لا، لم يكن ذلك مهمًا.
طالما أمكنه إدخاله الأكاديمية، وطالما عاش هذا الطفل...
فسوف يتحمل هو بقية المسؤولية بنفسه.
"هذا أمر يدعو للأسف. كنتُ أريد إعداد طقس تيناس في العام القادم من أجلك بأكبر قدر ممكن من الفخامة والإخلاص...... لم أكن أعلم أن طقساً يأتي مرة واحدة في العمر سينتهي به المطاف ليعالج بهذه العجلة."
"حتى لو كان الأكثر رثاثة في العالم، وحتى لو خلا من الإخلاص، لا يهمني. لا أريد أن يغادر أحد مجدداً هذه المرة."
عندما تحدث "تولين" متصنعاً الحسرة، تمتم الدوق الشاب بذلك.
وبعد أن حار "تولين" في جوابه وكتم كلماته للحظة، سرعان ما فتح فمه بنبرة مازحة:
"إنك تتدلل على غير عادتك، مما يجعل تولين هذا يشعر بالقلق. فبمجرد دخولك الأكاديمية، لن يمكنني الاعتناء بك بعد الآن."
كانت كلمات قيلت على سبيل المزاح مع طفل لا يحتاج عادةً إلى أي رعاية، غير أن عيني الدوق الشاب ازدادتا قتامة.
"أرأيت، أنت تتحدث بالفعل بنية الفراق."
"......"
طق، طق.
ولحسن حظ "تولين"، الذي عجز مجدداً عن الرد، قطع الخرس بينهما صوت طرقات خفيفة تردد في الغرفة.
"......أيها الدوق الشاب، اللورد تولين، إنه جاك."
وعند سماع صوت "جاك" الذي بدا عاجلاً بطريقة ما، تنفس "تولين" الصعداء في سرّه واستأذن الدوق الشاب.
وما إن أُذن له بالدخول، حتى دخل "جاك" وحيّا الاثنين على عجل.
كان على "تولين" التراجع عن فكرة الارتياح والامتنان لدخول شخص ما بينه وبين الدوق الشاب.
فقد كان وجه "جاك" المحمر جادًا للغاية ولا يحتمل تلك المشاعر.
وبالطبع، أدى مظهر ملابسه غير المرتبة إلى تأجيج حالة القلق.
"يبدو أنك حصلت على غنيمة ما اليوم، بالنظر إلى قدومك العاجل دون حتى ترتيب ملابسك."
سأل "تولين" "جاك"، الذي كان لا يزال يرتدي ملابس العامة برداء متسخ.
عضّ "جاك" على شفته السفلى.
"هناك خبر سار وآخر سيء، يا لورد تولين."
"ما هما؟ لا تضيع الوقت بالتمهيد وأخبرني بكليهما بسرعة."
استحثه "تولين" إثر هذا التردد الغريب منه.
نظر "جاك" إلى "تولين" بعينين قيلقتين وفتح فمه:
"أولاً، الخبر السار هو أنني تمكنتُ من الإمساك بأحد الأطفال الذين أخبرتك عنهم."
"هذا خبر سار حقاً."
كان كذلك بالفعل.
فبالنظر إلى الوضع حتى الآن، بدا من المرجح جداً أن هؤلاء الأطفال يعيشون من خلال مساعدة بعضهم البعض للبقاء على قيد الحياة في الشوارع.
وكانت هناك فرصة أن يعرف هذا الطفل تلك الطفلة المدعوة "سيا"، والتي يبحث عنها الدوق الشاب، فضلاً عن بقية الأطفال.
وعند الفكرة التي توحي بأنه قد يتمكن أخيراً من إخبار الدوق الشاب بخبر سار، أشرقت تعابير "تولين".
ورغم أن الدوق الشاب لم يسترد عافيته النفسية تماماً حتى بعد كلمات "تولين"، إلا أن هذا قد يُحدث فارقاً.
"وما هو الخبر السيء؟"
وعند سؤال "تولين" المباشر، وقد لانت تعابير وجهه قليلًا، رطّب "جاك" شفتيه الجافتين.
"ذلك هو......"
وأمام مظهر "جاك"، الذي نادراً ما يماطل في أواخر كلماته، بدأ حاجبا تولين يقتربان من بعضهما مجددًا.
"ما الأمر؟"
أغمض "جاك"، الذي كان يتردد، عينيه وأفصح أخيراً:
".....الطفل اختفى."
"ماذا؟"
عند سؤال "تولين" غير المصدق، أضاف "جاك" بسرعة:
"من المؤكد أنها لا تزال داخل قصر الدوقية."
يا له من حظ عظيم.
وأمام التعابير المثيرة للشفقة التي ارتسمت على وجه "تولين"، تحاشى "جاك" نظراته.
___________________________
مرحبا جميعًا، أتمنى أن تكون الترجمة قد نالت إعجابكم.♡
هاهاهاهاا؛ جاك!! XD !!
لا تنسوا ترك تعليق، فتعليقاتكم تساعدني وتشجعني على الاستمرار. ♡
كانت معكم المترجمة: Lil-Mo.