المرافقة (1)
الفصل السادس والأربعون — المرافقة (1)
.
.
.
.
اتكأ الأمير الثاني على نافذة العربة العائدة إلى القصر الإمبراطوري، وألقى نظرة واحدة على القصر الدوقي الذي يبتعد تدريجياً، ثم أرجع رأسه إلى الخلف.
استحضر "ديتو أبيران" وجه الدوق الشاب، الذي كان يقلّب عينيه المليئتين بالخوف وهو يحاول جاهداً التظاهر بالهدوء.
منذ اللحظة الأولى التي رأى فيها الدوق الشاب، أثار ذلك الطفل حنقه.
لم يكن الارتعاد خوفاً شيئاً خاصاً؛ فكل من يرى العائلة الإمبراطورية يتملكه الخوف، وكان ذلك رد الفعل الطبيعي لبشري يقف بعينين مفتوحتين أمام إله.
هكذا كان كل البشر، وسيظلون كذلك.
لكن هذا الفتى المسمى بالدوق الشاب كان مختلفاً.
لم تكن هناك أي مهابة أو تبجيل في عيني الطفل؛ لقد نظر إليه وكأنه مأخوذ لبرهة، ثم رمش وكأنه يستيقظ من شيء ما، وجثا على ركبتيه ليرسِل التحية.
"أنا أفهم الآن لماذا هو قلق إلى هذا الحد."
تمتم "ديتو أبيران" بذلك، ثم أسند ذراعه على إطار النافذة ورفع ذقنه بيده.
على أي حال، كانت عائلة "فيدوس" ستختفي قريباً.
وحتى لو تلاشى أفراد العائلة، فلن يبقى سوى اسم البيت الدوقي، وسيُصنع من الآخرين سيفٌ ودرعٌ لعائلة أبيران.
وبحلول ذلك الوقت، لن يكون الدوق الشاب أكثر من مجرد طفل يتيم لم يعد يملك أي شيء.
رفع الأمير الثاني يده ونقر على نافذة العربة.
'أي وجه سيصنعه ذلك الفتى لو أنني انتزعتُ الطفل منه؟'
○ ○ ○
مسح "جينغ" بيده على رقابته إثر الشعور المريب الذي داعب قفاه.
لم يكن يملك شعوراً جيداً على الإطلاق.
كل ما أراده هو العودة إلى ابنه بسرعة، لكن معدته اعتصرت من حقيقة أنه، لكي يفعل ذلك، كان بحاجة إلى الشاب الذي أمامه ليتعاون معه أكثر قليلاً.
تمالك "جينغ" نفسه، وهزّ خريطة القرية المسماة "كوميل".
"الآن، أنت تفهم أن هذه قرية قريبة نسبياً من العاصمة، أليس كذلك؟ وكما قلتُ لك بوضوح وبشكل متكرر من قبل، يجب عليّ الذهاب إلى المكان الذي ينتظرني فيه ابني. لذا...... هل تستمع إليّ الآن؟"
"نعم، أنا أستمع."
عند الإجابة العادية، قطّب "جينغ" حاجبيه.
"إذاً، ابعد وجهك عن الطبق على الأقل عندما تتحدث."
"أنا أفهم."
وكما هو متوقع، جاءت إجابة مؤدبة، لكن وجهه كان ما يزال موجهاً نحو الوعاء.
جعل ذلك "جينغ" يشعر ببعض الغضب، لكن الأمر لم يكن وكأنه لا يستطيع فهمه؛ فقد تذكر تلك الأطعمة من مساحة "أميكا" والتي كانت أردأ من أن تُسمى طعاماً.
وبما أنه كان يأكل ذلك الخبز الشبيه بالورق الرملي بشهية، فقد شكّ "جينغ" في أنه قد فقد حاسة التذوق، لكن يبدو أن الحال لم تكن كذلك؛ برؤية كيف انقضّ حتى على حساء عادي.
شعوراً بالشفقة والانزعاج تجاهه في آن واحد، ترك "جينغ" "راتيل" وشأنه وأمسك بملعقته.
بعد الخروج بسلام من الغابة، كان الاثنان يتناولان وجبة متأخرة في حانة داخل أقرب قرية تبدو كبيرة نسبياً.
ربما أعجب "راتيل" الحساء الذي احتوى على الكثير من اللحم والمكونات الصلبة، لأن عينيه برقتا وهو يركز على محتوياته، إلى درجة أنه بغض النظر عما قاله الرجل العجوز الذي يجلس أمامه، فإنه لم يرفع رأسه أبداً.
'هذا أفضل في الواقع.'
"جينغ"، الذي كان يفكر في الافتراق عن "راتيل" عند هذه النقطة، ألقى نظرة واحدة عليه وهو ما يزال غير قادر على إبعاد وجهه عن الطبق، ثم فتح فمه:
"جيد. إذاً استمع وأنت على حالك."
أخذ "جينغ" تنهيدة عميقة.
"بمجرد أن نغادر هذه القرية، ألن يكون من الأفضل أن نفترق لفترة من الوقت؟"
كان هذا شيئاً قاله لأنه إذا كان "راتيل" يخدم "أميكا"، فسيكون المعبد مكاناً لا يرغب حتى في العتبة عليه.
إذا قال "راتيل" إنه يفهم، فقد خطط "جينغ" للمغادرة سراً من المعبد والافتراق عنه بشكل طبيعي، وإذا رفض، فقد خطط "جينغ" للإصرار على أن الطقوس الدينية للذين يخدمون "أبيران" لا تقل أهمية عن خدمة "أميكا".
وإذا استخدم الطرف الآخر القوة، فذلك أمر سيضطر للتفكير فيه لاحقاً.
"لماذا نفترق؟"
رفع "راتيل"، الذي أفرغ وعاءه بالكامل في لحظة ما، وجهه بتعبير متحيّر.
كان هذا أول وجه يراه "جينغ" منذ بدء الوجبة، لكنه لم يشعر بالرغبة في النظر إليه بهدوء.
"لماذا؟ ألم أقل إنني سأذهب إلى معبد أبيران وأقيم هناك لنحو يوم؟"
"هذا جيد. يمكنني الذهاب أيضاً وأطلب منهم إجازتي للنوم هناك ليلة واحدة. سيوفر ذلك المال."
ما الذي يقوله هذا الفتى الآن؟
"لا، لا يمكنك فعل ذلك!"
عند مرأى "جينغ" الذي ذُعر، أمال "راتيل" رأسه.
"ماذا تقصد؟"
'ماذا أقصد؟!'
"أليس لديك أي معرفة بالدين على الإطلاق؟ أولئك الذين يخدمون أميكا لا يمكنهم دخول معبد أبيران. وأنت لن ترغب في الدخول أيضاً، أليس كذلك؟"
عند إجابة "جينغ" الإحباطية، أومأ "راتيل" وكأنه فهم أخيراً.
"لا داعي للقلق بشأن ذلك. أنا لا أخدم الإلهة أميكا."
هذه المرة، لم يستطع "جينغ" محو الشعور بأنه تعرض للخداع حتى الآن، وكان مذهولاً لدرجة أنه لم تخرج منه أي كلمات.
"لا......!"
"جينغ"، الذي كان على وشك المطالبة بمعرفة لماذا يخبره بمثل هذه الكذبة الواضحة، سرعان ما أغلق فمه.
صحيح، عند النظر إلى الوراء، لم يقل "راتيل" مرة واحدة بلسانه إنه يخدم "أميكا".
لقد كان مجرد وجوده مع كاهنات "أميكا".
لم يتخيل "جينغ" أبداً أن شخصاً لا يؤمن بـ "أميكا" قد يبقى مع كاهناتها؛ لقد كان خياراً لا يمكن لأي شخص من شعب أبيران حتى التفكير فيه.
لفّ الاستياء غير المبرر والحقيقة القائلة بأنه لا خيار أمامه الآن سوى الذهاب إلى المعبد مع "راتيل" حول "جينغ".
وكإضافة، شعر بقلق من أنه ربما أُرفق به فتى أكثر ميؤوساً منه مما توقع.
وبينما كان لدى "جينغ" العديد من الأشياء التي أراد قولها ولكنه لم يستطع إخراجها، كان "راتيل" يطلب بهدوء فطيرة بالعسل، قائلاً إنه ينبغي له أكل واحدة.
○ ○ ○
"ألم نكن ذاهبين إلى المعبد؟"
سأل "راتيل" "جينغ"، الذي كان يسير في اتجاه مختلف تماماً عن المبنى الطويل الشبيه بالقلعة.
ألقى "جينغ" نظرة على "راتيل"، ثم أدار رأسه إلى الأمام مجدداً.
"هناك مكان يجب أن أمرّ به لبرهة."
بالنظر إلى وجه "راتيل" الهادئ والخالي من التعابير، لم يبدُ أن تصريحه حول اتباعه إلى المعبد كان شيئاً قاله بخفة.
وبما أنه قال إنه نشأ تحت يد ذلك الكاهن الأكبر، فقد فكّر "جينغ" بطبيعة الحال في أن "راتيل" يخدم "أميكا" أيضاً.
تماماً كما كان كل شعب إمبراطورية أبيران يتوقون بطبيعتهم إلى رعاية الإله أبيران، فقد ظنّ أن "راتيل" سيكون كالمثل.
بالنظر إليه الآن، كان من المشكوك فيه ما إذا كان يؤمن بوجود الآلهة أساساً، ناهيك عن "أميكا".
لو كان "جينغ" هو الدوق العجوز "فيدوس"، لكان هذا أمراً يتطلب منه توجيه السيف نحو "راتيل" فوراً.
لكن التاجر المتجول "جينغ" لم يكن بحاجة إلى فعل ذلك.
مستغرباً هذا التغير الدراماتيكي الذي حدث داخله، قطّب "جينغ" حاجبيه.
وبما أن "راتيل"، الذي كان يسير بصمت مع "جينغ"، لم يكن كائناً كثير الكلام بشكل خاص، فقد حام الصمت بين الاثنين.
وقبل وقت طويل، توقف "جينغ" أمام مبنى قديم وكبير.
"أي نوع من الأماكن هذا؟"
ربما لوجود المبنى دون أي شيء مكتوب عليه، سأل "راتيل".
"ستعرف بمجرد أن ندخل."
فتح "جينغ" الباب دون تردد.
○ ○ ○
كان الجزء الداخلي من المبنى، والأكبر مما بدا عليه من الخارج، معتماً.
نقل "راتيل" بصره حول الأشخاص الذين تجمعوا في مجموعات من ثلاثة أو خمسة، وهم يحدثون ضجة عالية أثناء الحديث.
"هل هذا مأوى لعصابة قطّاع طرق؟"
"إنهم ليسوا أشخاصاً ذوي انطباعات جيدة بالضبط، لكن الأمر ليس كذلك."
عند تعبير "راتيل"، الذي بدا وكأنه يسأل عما يكون إذاً، أشار "جينغ" إلى الجدار على اليمين.
كانت هناك عدة ملاحظات مأجورة ومكتوبة بفوضوية على الجدار.
"......تجنيد لقمع الدب العملاق."
قرأ "راتيل" إحداها ببطء، ثم نظر إلى "جينغ".
"هل سنقبل الطلبات؟"
"بالضبط."
أومأ "جينغ".
"لو كانت هذه مدينة، لكانت مثل نقابة."
أشار "جينغ" إلى الداخل، ثم واصل الشرح باختصار:
"في البلدات النابضة ذات النشاط التجاري الكثيف مثل هذه، لا يصعب العثور على أماكن مماثلة لتبادل المهمات."
عند شرح "جينغ"، أومأ "راتيل" قليلاً وأخذ يستوعب استمارات الطلب.
"جينغ"، الذي كان يفكر في أنه سيكون من المزعج لو سأل "راتيل" عن ماهية النقابة، تنهد باطمئنان؛ فلحسن الحظ بدا الفتى مدركاً للمفاهيم العامة في هذا العالم.
بعد التحقق من بضع ملاحظات، فقد "راتيل" الاهتمام وأعاد نظره إلى "جينغ".
"إذاً لماذا جئنا إلى هنا؟"
"لماذا غير ذلك؟ لأننا بحاجة إلى كسب المال."
أجاب "جينغ" بنصف إخلاص وهو يفحص استمارات الطلب بعناية.
"ليس علينا فعل هذا النوع من الأشياء......"
"إذا كنت على وشك القول إنه ينبغي علينا ارتكاب سرقة مجدداً، فاحتفظ بها لنفسك."
عند إجابته الحازمة، قطّب "راتيل" حاجبيه.
"إذا فعلنا ذلك بهذه الطريقة، ألن يكون المال قليلاً والوقت طويلاً؟"
"هذا صحيح."
أومأ "جينغ".
"بالمقابل، تقل فرص التعرض للطعن في الظهر قليلاً."
حتى عند إجابة "جينغ"، لم يبدُ "راتيل" مقتنعاً.
وكان "جينغ" يتوقع رد فعله، فقال دون خيبة أمل:
"ألسنا نسافر معاً من الآن فصاعداً؟ لا أريد أن أقضي كل يوم مطارَداً. إذا هجم شخص ما فجأة، فلن ينقذ قلب رجل عجوز هذا الموقف. خطوة واحدة خاطئة وسأموت."
"الشخص الذي يقلق بشأن نوبة قلبية قبل هجوم مفاجئ أو كمين ليس شخصاً سيموت بالاغتيال في المقام الأول."
استطاع "جينغ" الشعور بـ "راتيل" وهو يتمتم، ويُلقي نظرة واحدة على ذراعه القوية والسميكة، لكنه تجاهل ذلك بخفة.
"على أي حال، إذا كنا سنسافر معاً، فأود منك أن تتبع هذا القدر على الأقل."
كانت نصف كذبة؛ لأنه كان ينوي التخلص من "راتيل" بطريقة ما قبل الوصول إلى العاصمة.
ومع ذلك، فإن السبب في تدريبه لهذا الشاب على الامتثال هو حاجته لمرافقته لبضعة أيام على الأقل.
كان الدوق السابق "أجوني فيدوس" يُعدّ في حكم الموتى.
وفي وقت كان عليه فيه العودة إلى العاصمة مخفياً هويته، لم يرد خلق ملاحقين إضافيين.
ولفعل ذلك، كان عليه العثور على عمل لا يتطلب إثباتاً للهوية ويوفر مكافأة مناسبة.
"النقابات الكبيرة تتطلب وثائق رسمية، لكن أماكن كذه ليست صارمة. قبول الطلبات هنا يسير. آه، هذا خيار مناسب."
أزال "جينغ" الورقة الأكثر فخامة من بين الأوراق المعلقة.
[طقوس تيناس، المعبد، مرافقة.]
تحت العنوان البسيط، كُتب التاريخ والمبلغ المدفوع.
"بالنسبة للعمل، الأجر ليس سيئاً أيضاً......"
سلم "جينغ" الورقة إلى "راتيل".
"عادة ما يتولى فرسان المعبد المرافقة، لكن هذه المرة يبدو الحدث أوسع. لا يتوقع حدوث مشكلات في طقوس تيناس، والمعبد لن يماطل في دفع الأجر، لذا فهي بداية جيدة. ما رأيك؟"
"......"
"راتيل؟"
مستغرباً الصمت، ناداه "جينغ" مجدداً.
"......نعم، إنها مناسبة."
أجاب "راتيل" بعد توقف قصير بوجه خالٍ من التعابير، فتجاهل "جينغ" الريبة الخفيفة واقترب من المنصة.
"إذاً نعتمدها. نكسب المال بهدوء ونغادر القرية بهدوء. مفهوم؟"
"مفهوم."
عند الإجابة المطيعة، أومأ "جينغ" بارتياح.
ولو أنه ألمح لمحة خاطفة لتعابير "راتيل" وهو يربت على مقبض سيفه ببرود، لما أومأ هكذا أبداً.
"ماذا قلت للتو؟"
قطع تهديد رجل قصير ذي سبلة مجعدة الهمهمات الدائرة في المكان، بينما كان يميل بجسده إلى الأمام، مع أن صاحب المشكلة نفسه لم يبدُ مهتماً بالأمر على الإطلاق.
"أخبرتك ألا تتجاوز الصف. ألم تسمعني؟"
"بتلك الساقين القصيرتين، تمكنت بالتأكيد من التسلل بشكل جيد."
"ماذا، أنت، أنت......!"
احمرّ وجه الرجل وأخذ يتلعثم انزعاجاً من الإشارة إلى قصر قامته.
"إذا فهمت، فاغرب عن وجهي، يا قصير الساقين."
عند ذلك السطر الطفولي والحاد في آن واحد، غرس "جينغ"، الذي كان يراقب الموقف، وجهه بين يديه واعتراه اليأس.
_______________________________
مرحبا جميعًا، أتمنى أن تكون الترجمة قد نالت إعجابكم. ♡
راتيل ،يضرب ولا يبالي!
لا تنسوا ترك تعليق، فتعليقاتكم تساعدني وتشجعني على الاستمرار. ♡
كانت معكم المترجمة :Lil-Mo.