هذا كل ما أريده حقًا
أدى الظهور المفاجئ لـ
استشعار الموت الوشيك
إلى اضطراب نظرة سونغ تان للحظة.
لكن مع مرور الثواني، هدأ الشعر الذي انتصب فوق جلده، وتلاشت البرودة التي اجتاحت جسده كما لو أنها لم تكن موجودة أصلًا.
مد يده والتقط الملف الذي كان قد وضعه جانبًا.
[سجل الأطفال الذين غادروا دار الرعاية]
استقرت عيناه بثقل على الغلاف.
«لماذا هنا تحديدًا...؟»
مرر إبهامه فوقه ثم فتحه.
حفيف—
احتك الورق القديم بأطراف أصابعه.
كان سجل الأطفال الذين غادروا الدار مرتبًا بطريقة أدق مما توقع، وهو ما يعكس مدى حرص الأخت ماريا واهتمامها بالتفاصيل.
طفلان في كل صفحة.
الاسم.
تاريخ الميلاد.
تاريخ دخول الدار والخروج منها.
سبب المغادرة.
الجهة أو الشخص الذي انتقل الطفل إلى رعايته.
ثم الملاحظات.
كانت كل صفحة ممتلئة بخط مرتب وواضح.
تمتم سونغ تان:
«كنت ستبرعين حتى في كتابة تقارير الشرطة.»
ثم أعاد تركيزه وبدأ القراءة.
ضم السجل اثنين وأربعين طفلًا.
معظمهم غادروا بسبب التبني، أو العودة إلى أسرهم، أو بلوغ السن التي تسمح لهم بالاستقلال.
ولم يجد في خانة الملاحظات أي شيء يثير الريبة.
حك سونغ تان رأسه.
«هذا معقد...»
كان
استشعار الموت الوشيك
يتصرف بهذه الطريقة أحيانًا.
فبدل أن يستجيب لخطر يحيط بشخص واحد، قد يتفاعل مع مجموعة كاملة من الأشخاص.
في حياته السابقة، لم يكن الأمر يشكل مشكلة كبيرة.
كان يكفي أن يبتعد عن تلك المجموعة ولا يتعامل معها.
لكن الوضع الآن مختلف.
فهو شرطي، كما أن دار رافائيل مكان عزيز عليه.
ولا يستطيع تجاهل الأمر ببساطة.
طَق، طَق—
انفتح الباب بعد طرق خفيف، وعادت الأخت ماريا إلى المكتب.
رفع سونغ تان رأسه.
«كيف كانت النزهة؟»
تنهدت وهي تبتسم.
«هوو... يبدو أنني كبرت فعلًا. لم أمشِ سوى قليل، ومع ذلك نفد نفسي.»
لكن ضوء الشمس بدا وكأنه حسن مزاجها، فقد كانت الابتسامة مشرقة على وجهها.
قال سونغ تان:
«كان ينبغي أن تمشي أكثر قليلًا.»
ضحكت.
«هيهي. لو مشيت أكثر لسقطت في الطريق. جسدي كله يؤلمني حتى الآن.»
ربتت على ذراعيها وساقيها وهي تتأوه، ثم جلست على الأريكة.
كان سونغ تان قبالتها.
فدفع السجل فوق الطاولة نحوها.
وانخفضت عيناها إليه بصورة طبيعية.
سأل:
«هل تتذكرين جميع الأطفال الموجودين هنا؟»
أجابته من دون أدنى تردد:
«بالطبع. ربيتهم كما لو كانوا أطفالي.»
ثم مالت برأسها قليلًا.
«لماذا تسأل؟»
قال سونغ تان:
«مجرد فضول. أنا لا أعرف معظمهم جيدًا.»
ظهرت التجاعيد حول عينيها مع ابتسامتها.
«هيهي... كانوا جميعًا أطفالًا رائعين. دعني أرى...»
التقطت السجل.
حفيف—
قلبت أولى صفحاته.
«كيم دو هيون...»
ابتسمت بحنان.
«هذا الطفل كان يقاوم النوم أكثر من أي أحد آخر. كل ليلة تقريبًا كان يبدأ بالبكاء لأنه خائف، ثم يصر على النوم بين ذراعي.»
مررت أطراف أصابعها فوق صورة الطفل.
«كان لطيفًا جدًا.»
قلبت الصفحة.
«وسوجين... كانت هادئة إلى درجة أنني كنت أقلق عليها. بينما يركض بقية الأطفال ويلعبون، كانت تجلس وحدها في زاوية وترسم.»
سكتت لحظة.
ثم ارتسمت ابتسامة خافتة على وجهها.
«لكنها كانت تبتسم أحيانًا... ويا لها من ابتسامة جميلة. ما زلت أستطيع رؤيتها في ذاكرتي بوضوح.»
كأنها فتحت درجًا قديمًا وأخرجت منه رسائل احتفظت بها طوال سنوات، راحت تستعيد ذكرياتها واحدًا تلو الآخر.
«جون هو كان مشاغبًا طوال الوقت. يعود بعدما تسبب في مشكلة ما وهو يبكي لأن معلمه وبخه. لكنه كان طيب القلب جدًا، وكان دائمًا يعتني بالأطفال الأصغر منه.»
ثم تابعت:
«ولم يكن وحده. جي هون كان يحب الطعام أكثر من أي شيء. أون جي كانت تركض إلى الخارج بسعادة كلما هطل المطر. ومينا كانت ناضجة بصورة تدهشني، فتتولى بنفسها غسل وجوه الصغار والعناية بهم.»
ضحكت بخفوت.
«كيف يمكنني أن أنساهم؟»
ثم أطرقت قليلًا.
«أتساءل إن كانوا جميعًا بخير الآن...»
امتلأت عيناها بشوق عميق.
بالنسبة إليها، لم يكن هذا مجرد سجل إداري.
بل كان أشبه بمذكرات تسجل لحظات فراق الأطفال الذين حملتهم في قلبها وربتهم بيديها.
ظل سونغ تان يستمع في صمت.
ثم سأل برفق:
«لم تستطيعي البقاء على تواصل معهم جميعًا، صحيح؟»
هزت رأسها.
«لا، ليس جميعهم. مضى وقت طويل على بعضهم.»
ثم شرحت:
«عادة نتابع الأطفال الذين يعودون إلى أسرهم هاتفيًا لنحو ستة أشهر. أما من يتم تبنيهم، فتتولى وكالة التبني متابعة أوضاعهم بعد ذلك، ولهذا يصبح من الصعب علينا التدخل مباشرة.»
قال سونغ تان:
«إن لم تمانعي... هل يمكنك تحديد الأطفال الذين ما زلت تستطيعين التواصل معهم؟»
ظهرت لمحة قلق في عينيها.
لقد لاحظت أن في الأمر شيئًا غير طبيعي.
«هل حدث شيء؟»
هز سونغ تان رأسه.
«لا. لكنني شرطي في النهاية.»
ثم أضاف:
«الأطفال الذين يمكننا التواصل معهم نعرف أنهم بخير. لذلك فكرت أن أتحقق فقط من حال الذين انقطع الاتصال بهم، احتياطًا.»
ابتسم مطمئنًا.
«الأمر ليس صعبًا. يمكنني البحث عنهم عبر النظام.»
قالت براحة واضحة:
«آه، هذا كل شيء؟»
لكن اهتمامًا ظهر في عينيها أيضًا.
فهي الأخرى كانت تريد معرفة كيف يعيش الأطفال الذين ربتهم كأبنائها.
«حسنًا. انتظر لحظة.»
أخذت قلم تمييز وبدأت تمر على الأسماء واحدًا تلو الآخر.
«تحدثت مع والدة سوجين الشهر الماضي...»
خط.
«لا أستطيع الوصول إلى والدة تشول مين لأن رقمها تغير...»
خط.
«والد جونغ هو زارنا قبل أربعة أشهر...»
واصلت مراجعة القائمة لبعض الوقت.
ثم وضعت القلم جانبًا وسلمت السجل إلى سونغ تان.
«الأسماء التي ظللتها هي للأطفال الذين لا أستطيع التواصل معهم الآن.»
بدأ سونغ تان العد.
خمسة عشر.
من بينهم عشرة أطفال عادوا إلى أسرهم الأصلية، وخمسة جرى تبنيهم.
عدد ليس قليلًا...
لكنه ما يزال قابلًا للتحقق.
قال:
«شكرًا. سأبحث عنهم.»
ثم سأل:
«هل هناك شيء تريدين مني إيصاله إليهم إن تحدثت معهم؟»
«شيء أريد قوله لهم...»
تغيرت نظرتها.
اختفى الصفاء من عينيها تدريجيًا، وحل محله شرود يحمل حنينًا بعيدًا.
ظلت صامتة طويلًا.
ثم قالت أخيرًا:
«فقط... أخبرهم أنني أتمنى أن يعيشوا بالطريقة التي يريدونها.»
سكتت لحظة، ثم تابعت:
«بالطريقة التي يحلمون بها هم.»
بدأت عيناها تلمعان بالرطوبة.
«مهما قال الآخرون، ومهما كانوا يعيشون الآن... إذا كانت حياتهم حياة اختاروها بأنفسهم، فهذا يكفيني.»
وأضافت بصوت أخفض:
«ولا أريد منهم أن يفقدوا الأمل أبدًا.»
ثم ابتسمت بحزن لطيف.
«وإذا أصبحت الحياة صعبة عليهم... فيمكنهم العودة إلى أمهم الراهبة في أي وقت.»
انخفضت عيناها.
«أخبرهم بذلك من فضلك.»
ثم همست:
«هذا كل ما أريده حقًا.»
وبعدها سكتت، كأنها لم تعد تملك شيئًا تضيفه.
ما إن عاد سونغ تان إلى مكتبه حتى بدأ بالاسم الأول في القائمة.
كيم سوجين.
ظهرت أمامه على الشاشة بياناتها الشخصية، وتاريخ عناوينها، ومعلومات أسرتها.
تفحص العنوان الحالي.
ثم حك رأسه بحيرة.
«جزيرة جيجو...»
كان الحل الأبسط هو الذهاب بنفسه والتأكد بعينيه.
لكن من المستحيل عمليًا أن يسافر إلى كل مكان في البلاد من أجل خمسة عشر شخصًا.
لذلك لم يبق أمامه سوى طريقة واحدة.
استخدم بيانات أسرة سوجين للوصول إلى رقم هاتف والدتها البيولوجية، ثم اتصل بها من هاتف المكتب.
لو استخدم رقمه الشخصي، فقد تظنه محتالًا هاتفيًا.
بررر... بررر...
رن الهاتف.
وعند نهاية الرنة الثالثة تقريبًا—
طَق.
اتصل الخط.
«مرحبًا؟»
جاءه صوت امرأة لا يعرفها.
قال سونغ تان:
«مرحبًا. معك المحقق سونغ تان من مركز شرطة أنام. هل أتحدث مع والدة كيم سوجين؟»
تغير صوت المرأة فورًا.
«نعم؟»
قال سونغ تان:
«أعتذر إن كنت قد أفزعتك. أتصل لأن موعد تحديث بيانات المتابعة للأطفال الذين انتهت رعايتهم في المؤسسات قد حان.»
ثم أضاف سريعًا:
«لا يوجد أي أمر خطير. أحتاج فقط إلى التأكد مما إذا كان عنوانكم الحالي مطابقًا لما هو مسجل لدينا، وأن الطفلة بخير، وما إذا كانت هناك أي مشكلة أخرى.»
قالت المرأة بتردد أقل:
«آه... مجرد تحقق؟»
«نعم. يكفيني التأكد منك شفهيًا.»
بدأ الحذر في صوتها يتلاشى.
«لم يتغير شيء. لم ننتقل من منزلنا منذ سنوات، ورقم هاتفي أيضًا هو نفسه.»
سأل سونغ تان:
«وابنتك؟ هل هي بخير؟»
ضحكت المرأة قليلًا.
«بالطبع. كل ما في الأمر أنها أصبحت صعبة المراس فجأة. ربما دخلت سن البلوغ مبكرًا.»
أغمض سونغ تان عينيه قليلًا وركز.
لم يكن يصغي إلى الكلمات وحدها...
بل إلى نسيج الصوت نفسه.
التنفس.
الإيقاع.
النبرة.
الترددات الصغيرة بين الكلمات.
واصلت المرأة:
«في هذه الأيام، كلما سألتها عن أي شيء تجيب: "لا أعرف" أو "لا". كانت في الماضي تظل ملتصقة بي طوال اليوم، أما الآن فتدخل غرفتها وتغلق الباب ولا تريد الخروج.»
ضحكت منزعجة.
«وأقول لها أحيانًا: "واو، هل كبرتِ فجأة ولم تعودي تحتاجين أمك؟" فتنظر إلي وكأنني غريبة وتقول: "أمي، ما بك؟"»
ثم أضافت:
«تجعلني أرغب في طرق رأسها بخفة أحيانًا!»
كانت تتذمر.
لكن حنانها تجاه ابنتها كان واضحًا إلى درجة يستحيل إخفاؤها.
وبينما استمرت المكالمة، تحرك قلم سونغ تان ببطء فوق الورقة.
قالت المرأة بعد فترة:
«يا إلهي، لقد بدأت أحكي لك أمورًا لم تسأل عنها أصلًا.»
ثم ضحكت.
«على أي حال، قد تكون عنيدة، لكنها طفلة طيبة جدًا. حتى معلمتها تقول إن بقية الأطفال يحبونها.»
وأردفت بنبرة دافئة:
«ومهما أتعبتني، يكفيني أنها تكبر بصحة جيدة.»
ثم قالت مازحة:
«اكتب جيدًا في نظامكم أن ابنتي بخير جدًا.»
ابتسم سونغ تان ابتسامة طفيفة.
«بالتأكيد.»
وحين انتهت المكالمة الطويلة، قال:
«شكرًا لتعاونك.»
ووضع السماعة.
ظل يتذكر صوت المرأة للحظات.
تنفسها.
نبرة كلامها.
حتى الاهتزاز الطفيف في نهايات بعض الجمل.
كل شيء بدا طبيعيًا.
تمتم:
«سليمة.»
ثم رسم نجمة صغيرة إلى جانب اسم
سوجين
.
ومن دون أن يضيع لحظة، انتقل إلى الرقم التالي.
استمرت الاتصالات طويلًا.
ولم ينتهِ من الحديث مع والدَي الطفل الرابع عشر إلا بعد ثلاث ساعات تقريبًا.
«هوو...»
وضع الهاتف جانبًا ودلك أذنه التي سخنت من كثرة المكالمات.
بالنسبة إلى الأطفال الذين عادوا إلى أسرهم البيولوجية، بقيت معظم بياناتهم مطابقة لما هو مكتوب في السجل القديم.
أما الأطفال الذين جرى تبنيهم، فقد تغيرت أسماؤهم بالكامل في بعض الحالات، الاسم الأول واسم العائلة معًا.
لكن أرقام تسجيلهم المدني لم تتغير، ولذلك استطاع تتبع علاقاتهم الأسرية الجديدة.
ولحسن حظه، تمكن من الوصول إلى أولياء أمورهم جميعًا.
بعضهم كان حادًا أو متحفظًا في الكلام.
لكن حتى الآن...
لم يجد شيئًا يثير شكوكه.
مال سونغ تان إلى الخلف.
«هل يمكن أن يكون الأطفال أنفسهم غير مرتبطين بالخطر؟»
كان ذلك احتمالًا واردًا.
حتى لو بقي الطفل على اتصال بالأخت ماريا، فلن تستطيع معرفة حقيقة كل ما يجري في حياته من خلال مكالمة عابرة.
وقد رأى سونغ تان أمثلة مشابهة مرات كثيرة في عالم الموريم.
رجال يمدحهم الجميع بوصفهم من أعلام الفصيل القويم...
ثم يتبين أنهم في الليل شياطين يذبحون الناس.
وربما أيضًا لم يكن مصدر الخطر أحد الوالدين أصلًا.
«هوو...»
شعر وكأنه اصطدم بجدار.
يعرف أن هناك جوابًا في مكان ما.
لكن لا يعرف من أين يستخرجه.
لو استطاع زيارة الجميع بنفسه، لكان الأمر أسهل بكثير.
لكن العناوين موزعة في أنحاء البلاد كلها.
هز رأسه.
«سأتعامل مع الأمر عندما يظهر ما يستدعي ذلك.»
ثم أعاد تركيزه.
بقي اسم واحد فقط في أسفل القائمة.
[إيم هو مين — 3 سنوات]
غادر الطفل دار الأيتام قبل ثلاث سنوات.
إذًا يفترض أن يكون عمره الآن ست سنوات.
أدخل سونغ تان رقم التسجيل المدني الموجود في السجل وبحث عن بياناته.
[نتائج التحقق من الهوية]
تحركت عيناه فوق المعلومات الظاهرة على الشاشة.
ثم...
ارتعش طرف عينه.
الأب: مجهول — لا توجد سجلات
الأم: كيم ○○ (96XXXX-2XXXXXX)
الحالة: [متوفاة] — 202X. XX. XX
ما إن وقعت عيناه على كلمة—
«متوفاة»
حتى اشتدت حواسه دفعة واحدة.
وتحول ذلك الشعور الغامض في داخله إلى إنذار واضح.
ولم يكن...
إنذارًا يبشر بشيء جيد.