تعاون متبادل
في الماضي، حين كان صاحب الرقم ثمانية وعشرين أحد أفراد فرقة الاغتيال التابعة لتحالف الموريم...
شهدت مقاطعة خبي سلسلة من جرائم القتل الوحشية.
في البداية، لم يعر الناس الأمر اهتمامًا كبيرًا. فمثل هذه الحوادث لم تكن نادرة في عالم الفنون القتالية، حيث كثيرًا ما تُحسم الخصومات بالسيوف.
لكن الأمور تغيرت حين عُثر على جثة أحد أفراد السلالة المباشرة لأسرة بينغ في خبي.
فقد أثارت الجريمة غضب الأسرة العريقة، التي سارعت إلى حشد نخبة مقاتليها لتعقب الجاني.
غير أن جهودهم ذهبت سدى.
فمهما بحثوا، لم يعثروا على أثر يقودهم إلى القاتل، حتى اضطروا في النهاية إلى طلب المساعدة من تحالف الموريم.
وما إن وصلت فرقة الاغتيال المكلفة بالمهمة إلى خبي حتى توجه أفرادها مباشرة إلى مسرح الجريمة.
قلب قائد الفرقة الجثة، ثم انحنى يتفحص بقع الدماء المتناثرة على الأرض.
وبعد نظرة قصيرة، قال:
«القاتل يستخدم فنًا قتاليًا يعتمد على طاقة اليِنّ بالغة البرودة.»
كان قائد فرقة الاغتيال قد تعرف على طبيعة الفنون القتالية التي يستخدمها الجاني من النظرة الأولى.
اقترب منه صاحب الرقم ثمانية وعشرين، وسأله باستغراب:
«كيف استطعت الجزم بذلك يا سيدي؟»
اتجهت عينا القائد الباردتان نحو الجثة، وأشار إلى الجرح الموجود في صدرها.
كان أثر السيف يمتد بصورة مائلة عبر الصدر، لكنه بدا أعرض مما ينبغي على نحو غير طبيعي.
قال القائد:
«لو أن مقاتلًا بهذه القوة استخدم طاقة السيف، لكان النصل قد شق اللحم شقًا نظيفًا. لكن انظر إلى هذا الجرح. ماذا تلاحظ؟»
ضيّق صاحب الرقم ثمانية وعشرين عينيه، ثم أجاب من دون تردد:
«اللحم ممزق بصورة خشنة، كأنه لحاء شجرة عجوز أصابها التعفن.»
مرر قائد الفرقة إصبعه على حافة الجرح.
«هذا الشكل من التمزق يظهر عادة عندما يحمل النصل طاقة يِنّ قوية أثناء اختراقه اللحم.»
«آه...»
«والأهم من ذلك...»
نهض قائد الفرقة، ثم أشار إلى الدماء المتناثرة على الجدران والأرض.
«انظر جيدًا. هل ترى أي آثار لدماء سالت إلى الأسفل؟»
اتسعت عينا صاحب الرقم ثمانية وعشرين.
فقد كانت بقع الدم الموجودة على الجدار مختلفة عما اعتاد رؤيته.
لم تنحدر منها خطوط الدم نحو الأرض، بل استقرت على هيئة دوائر متحدة المركز، غريبة الشكل، وكأن نقاطًا دقيقة انغرست في الجدار.
تابع قائد الفرقة:
«حين تلامس قطرات الدم طاقة يِنّ شديدة، تتجمد في لحظة وتلتصق بالجدار. ولهذا تظهر تلك الأشكال.»
ثم أشار إلى الأرض.
«أما القطرات التي تسقط هنا، فتتصلب في كتل مستديرة كهذه.»
وأضاف:
«نسمي هذه الظاهرة أزهار الدم الجليدية.»
«آه... فهمت الآن.»
أومأ صاحب الرقم ثمانية وعشرين وقد انجلت حيرته.
وبعد أن ألقى قائد الفرقة نظرة أخيرة على المكان، استدار وتوجه إلى رب أسرة بينغ ليبلغه بما توصل إليه.
قال:
«لا يوجد سوى مكان واحد يمكن أن يخرج منه شخص يستخدم طاقة يِنّ بهذه القوة.»
تغير وجه رب الأسرة.
«لا تقل إنك تقصد...»
«يكاد يكون من المؤكد أن الجاني مقاتل من قصر الجليد في البحر الشمالي، أو شخص ينحدر منه على الأقل.»
كان قصر الجليد في البحر الشمالي إحدى القوى القتالية الواقعة خارج عالم الموريم في السهول الوسطى.
وقد اتخذ مقره في أقاصي الشمال، حيث الثلوج الدائمة والبحر المتجمد، على مسافة آلاف اللي من السهول الوسطى.
صر رب أسرة بينغ على أسنانه غضبًا.
«كيف يجرؤون...!»
وسارع بإيفاد أحد شيوخ الأسرة إلى قصر الجليد في البحر الشمالي، طالبًا مساعدته في تعقب الجاني.
ورغم أن قصر الجليد كان قوة خارجية، فإنه لم يكن لديه ما يدعوه إلى افتعال عداوة مع أسرة قتالية عريقة، ولذلك وافق على التعاون من دون تردد.
وكشفت التحقيقات لاحقًا أن الجاني مقاتل طُرد من قصر الجليد.
وفي النهاية، تمكنوا من القبض عليه.
***
إنه يشبه ما رأيته آنذاك.
نمط بقع الدم...
كانت ذكريات تلك القضية لا تزال واضحة في ذهن سونغ تان، ولهذا لم يحتج إلى وقت طويل حتى توصل إلى الإجابة.
أما الدكتور يون تاي غون، فقد اتسعت عيناه دهشة.
لم يتوقع أن يتمكن أحد المتدربين من حل المسألة بهذه السرعة.
فالقضية نفسها كانت قد تسببت بصداع شديد لخبراء تحليل أنماط بقع الدم حين عُرضت عليهم للمرة الأولى.
سأل يون على الفور:
«من الذي تحدث؟ من صاحب تلك الإجابة؟»
رفع سونغ تان يده بهدوء.
اتجهت إليه أنظار الجميع.
سأله يون:
«كيف توصلت إلى هذا الاستنتاج؟»
نظر سونغ تان إلى صورة مسرح الجريمة المعروضة على الشاشة، ثم بدأ يشرح بنبرة هادئة.
«إذا تأملنا الحاجز الموجود في الجهة التي سقطت فيها الضحية داخل قاعة المطالعة، فسنلاحظ انتشارًا واسعًا لقطرات دم بالغة الدقة، تشبه الضباب.»
وأشار إلى موضع محدد في الصورة.
«هذا النمط يظهر عادة في حالات إطلاق النار، لا في جرائم الطعن.»
«همم...»
خرجت من يون همهمة إعجاب خافتة.
تابع سونغ تان:
«هل يمكن تكبير صورة بقع الدم؟»
تناول يون فأرة الحاسوب وكبّر الجزء المطلوب من الصورة.
ظهرت تفاصيل البقع على الجدار بصورة أوضح.
قال سونغ تان:
«لو استُخدمت أداة حادة عادية، لما ظهر هذا الرذاذ الدقيق بتلك الصورة.»
ثم واصل:
«لكن الدم حين يتعرض لبرودة شديدة تتغير لزوجته في لحظة. ولا يعود قادرًا على الاحتفاظ بحالته السائلة المعتادة، فتتشكل بلورات دقيقة وقطرات صغيرة في الوقت نفسه.»
تردد صوته الهادئ في قاعة المحاضرات الصامتة.
«وحين يمر نصل شديد البرودة عبر الجسد، تنقبض الأوعية الدموية. وعند اندفاع الدم تحت ضغط مرتفع، يتناثر في صورة قطرات دقيقة تشبه الضباب، بدلًا من أن تتشكل منه قطرات كبيرة.»
ثم أشار إلى الشاشة.
«تمامًا كما نرى في هذه الصورة.»
ظل يون تاي غون يستمع إليه باهتمام.
وبعد لحظة، سأله:
«هل هذا كل شيء؟»
أجاب سونغ تان:
«هناك تفصيل آخر يستحق الانتباه.»
وأشار إلى أسفل أحد الكراسي.
«انظر إلى الجانب السفلي من هذا الكرسي.»
كانت هناك قطرات دم تطايرت من السلاح، ثم سقطت أسفل الكرسي وتجمعت في بقعة صغيرة.
قال سونغ تان:
«هذه القطرات مستديرة لأنها سقطت عموديًا، من دون حركة جانبية ملحوظة.»
ثم تابع:
«لكن إذا دققنا النظر، فسنجد أن مركز كل قطرة أحمر، بينما تبدو أطرافها ضبابية ومختلطة بسائل مائي.»
«آه...»
تعالت همهمات الإعجاب بين المتدربين.
فقد كانوا يتابعون الشرح باهتمام بالغ.
لم ينتبهوا إلى تلك التفاصيل من قبل، لكنهم الآن أصبحوا قادرين على تمييزها بوضوح.
اختتم سونغ تان تفسيره قائلًا:
«بناءً على هذه العلامات مجتمعة، أعتقد أن الجاني ارتكب الجريمة باستخدام نصل كان قد جُمّد بشدة.»
ثم أضاف:
«لكنني لا أعرف لماذا كان النصل بتلك البرودة.»
ظل يون تاي غون ينظر إليه لحظات، وكأنه لم يستوعب بعد أن متدربًا توصل إلى الإجابة بهذه السرعة.
ثم سأله بنبرة عابرة:
«إلى أي جهة تتبع؟»
أجاب سونغ تان:
«فريق القضايا غير المحلولة في وكالة شرطة غيونغي الجنوبية. اسمي سونغ تان.»
«آه... أنت ذلك المحقق الشهير؟»
أومأ يون وكأن الأمور بدأت تتضح له.
«مثير للإعجاب.»
ثم قال بصراحة:
«في الحقيقة، لم أضع هذه المسألة وأنا أتوقع أن يتمكن أحد من حلها. فهي حالة نادرة للغاية.»
سأله سونغ تان بهدوء:
«إذًا، هل كانت إجابتي صحيحة؟»
أجاب يون من دون تردد:
«أجل، يمكن القول إنها صحيحة.»
وللمرة الأولى منذ بداية المحاضرة، ارتفعت زاويتا فمه في ابتسامة حقيقية.
«ارتُكبت الجريمة باستخدام سكين جُمّد نصلها بالثلج الجاف.»
أومأ بعض الحاضرين وقد ظهرت الدهشة على وجوههم.
واصل يون:
«كان الجاني سائقًا يعمل في خدمات التوصيل، ومتخصصًا في توصيل الطلبات الفاخرة خلال اليوم نفسه.»
ثم تناول جهاز التحكم وغيّر الصورة المعروضة.
ظهرت صور المشتبه به وأداة الجريمة.
«كان ينقل اللحوم والمأكولات البحرية مرتفعة الثمن، ولذلك اعتاد الاحتفاظ بكمية كبيرة من الثلج الجاف داخل حقيبته العازلة للحرارة، حتى يحافظ على المنتجات طازجة قدر الإمكان.»
وأشار إلى السكين الظاهرة في الصورة.
«وكان يحتفظ أيضًا بسكين داخل الحقيبة، لأن بعض الزبائن كانوا يطلبون منه فتح الطرود أو تقسيم محتويات طلباتهم.»
ثم تابع:
«لم يكن الجاني قد برّد السكين عمدًا من أجل خداع المحققين. لكن التكاثف الناتج عن اختلاف درجات الحرارة أدى إلى ظهور ذلك النمط غير المألوف من بقع الدم.»
وأضاف:
«ولهذا أثارت القضية نقاشًا طويلًا بين الخبراء.»
أعاد يون نظره إلى سونغ تان.
«لقد اخترت هذه المسألة بعناية، وكنت أظن أنها ستشكل تحديًا حقيقيًا لكم. لم أتوقع أن تكشف سرها بهذه السهولة.»
ثم سأله:
«كيف عرفت ذلك؟»
وجد سونغ تان نفسه أمام سؤال يصعب الإجابة عنه بصراحة.
فهو لا يستطيع أن يقول:
تعلمت ذلك حين كنت أتعقب مقاتلًا من قصر الجليد في البحر الشمالي.
لذلك أجاب بهدوء:
«لطالما اهتممت بعلم الأدلة الجنائية، ولا سيما تحليل أنماط بقع الدم.»
ثم تابع:
«وشعرت بأن هذه القضية تشبه حادثة سبق أن اطلعت عليها، فظننت أن الإجابة قد تكون مرتبطة بالبرودة الشديدة.»
وأضاف بابتسامة خفيفة:
«يبدو أن الحظ حالفني.»
كرر يون الكلمة ببطء:
«الحظ، هاه...»
ثم أطلق ضحكة قصيرة.
«حسنًا، لا يهم.»
ونظر إليه قائلًا:
«كما وعدت، ستحصل على أعلى درجة. وبالطبع، أنت معفى من الواجب التدريبي.»
قبض سونغ تان يده سرًا في حركة انتصار صغيرة.
لم يكن مهتمًا بالدرجة المرتفعة إلى ذلك الحد.
أما الإعفاء من الواجب، فقد كان مكافأة يريدها حقًا.
***
«حسنًا، بهذا نختتم محاضرة اليوم. أحسنتم جميعًا.»
بعد ساعات من الشرح المتواصل، وضع يون تاي غون الميكروفون جانبًا.
وعندها فقط، أطلق المتدربون أنفاسًا طويلة كانوا يكتمونها طوال الوقت.
فقد أمضوا المحاضرة في توتر مستمر، لا يعرف أحدهم متى قد يوجه إليه الدكتور سؤالًا مفاجئًا.
وكانت الأجواء مرهقة إلى تلك الدرجة.
بدأ الجميع يجمعون كتبهم وأغراضهم استعدادًا للمغادرة.
لكن يون نادى فجأة:
«آه، الملازم سونغ تان من وكالة شرطة غيونغي الجنوبية. أرجو أن تبقى قليلًا.»
توقف سونغ تان.
أما بقية المتدربين، فغادروا القاعة تباعًا، حتى لم يبقَ فيها سوى الاثنين.
رفع يون نظارته إلى أعلى أنفه، ثم مد يده فجأة ببطاقة عمل.
«إذا احتجت إلى مساعدة في أي وقت، فلا تتردد في الاتصال بي. استخدم رقم هاتفي الشخصي مباشرة.»
نظر سونغ تان إلى البطاقة التي تسلمها.
ثم سأله باستغراب:
«سمعت أنك لا تحب أن يتصل بك الآخرون على رقمك الشخصي...»
كان هونغ جونغ هو، الذي جلس إلى جانبه في المحاضرة، قد أخبره بذلك.
فبحسب ما سمع، كان يون تاي غون يكره أن يتصل به أحد على هاتفه الخاص بدلًا من اتباع القنوات الرسمية، حتى إنه لا يتردد في حظر رقم المتصل.
لكن يون أجابه ببساطة:
«لا مشكلة عندي حين يكون المتصل شخصًا يستحق الحديث معه.»
عقد ذراعيه واتكأ بخفة على حافة المكتب.
ثم قال:
«وسأتصل بك أنا أيضًا. ليس كثيرًا، بل بين حين وآخر.»
أشار سونغ تان إلى نفسه.
«بي أنا؟»
أومأ يون.
«نحن الباحثين نميل إلى تحليل الأمور اعتمادًا على النظريات والبيانات، ولذلك تفوتنا أحيانًا تفاصيل لا يمكن ملاحظتها إلا في الميدان.»
تأمل سونغ تان بنظرة ثابتة.
«ويبدو أنك تعرف الكثير عن تحليل أنماط بقع الدم، لذلك أعتقد أننا نستطيع إجراء مناقشات مفيدة.»
ثم أضاف بازدراء مألوف:
«على خلاف بعض الحمقى الذين لا يفهمون كلمة واحدة مهما شرحت لهم، ثم لا يجدون ما يفعلونه سوى إثارة الضجيج والتذمر.»
ومد يده إلى سونغ تان.
«إذا احتجت إلى مساعدتي في أي أمر، فسيسرني أن أشمر عن ساعدي وأساعدك.»
وبعبارة أخرى، كان يعرض عليه علاقة تقوم على التعاون وتبادل المساعدة.
أجاب سونغ تان من دون تردد:
«سيكون ذلك شرفًا لي.»
ثم صافحه.
فقد كان عرضًا لا يرى فيه سوى الفائدة.
يون تاي غون خبير مرموق في تحليل أنماط بقع الدم، ويتمتع بنفوذ كبير داخل المعهد الوطني للأدلة الجنائية.
ولم يكن التعرف إلى شخص بمكانته أمرًا يمكن الاستهانة به.
غادر سونغ تان قاعة المحاضرات وبطاقة العمل في يده، وقد تحسن مزاجه كثيرًا.
***
بعد انتهاء البرنامج الرسمي لليوم، كان معظم الوقت في المساء متاحًا للمتدربين.
فبعضهم يعود إلى السكن للراحة، وبعضهم يتجه إلى الصالة الرياضية.
أما سونغ تان، فبعد أن استحم سريعًا، توجه إلى مبنى وردة شارون، المخصص للخدمات والأنشطة الترفيهية.
فقد دعاه هونغ جونغ هو، القادم من وكالة شرطة غيونغي الشمالية، إلى تناول الدجاج والجعة برفقة بقية المتدربين.
وما إن دخل حتى لوح له هونغ من بعيد.
«ها قد وصلت!»
ثم أفسح له مكانًا إلى جواره.
ولم تمضِ مدة طويلة حتى امتلأت المقاعد.
انتشرت الأحاديث في أنحاء المكان.
وبما أن جميع الحاضرين من المحققين المتميزين، فقد دارت معظم النقاشات في البداية حول القضايا التي عملوا عليها، وأساليب التحقيق والتقنيات الجديدة.
لكن مع تراكم زجاجات الجعة الفارغة، بدأت الموضوعات تتغير بصورة طبيعية.
قال أحدهم:
«بالمناسبة، هل سمعتم الإشاعة التي تقول إن رئيس مكتب التحقيقات الوطني سيتغير قريبًا؟»
أجابه آخر:
«ليست مجرد إشاعة. سمعت أن الأمر حُسم تقريبًا.»
تدخل رجل ثالث بتذمر:
«لا تذكرني بذلك. الصراعات والمناورات داخل وكالتنا أصبحت لا تُطاق.»
سرعان ما اكتسى الحديث طابعًا جادًا.
أما سونغ تان، فلم يكن مهتمًا كثيرًا بصراعات المناصب والسياسة الإدارية.
ولذلك تركهم يتحدثون، وركز اهتمامه على قطع الدجاج الموضوعة أمامه.
وفي تلك اللحظة، جلس رجل يحمل كأسًا من الجعة إلى جواره.
كان يبدو أصغر من معظم المتدربين، رغم أنه في أواخر الثلاثينيات من عمره.
قال الرجل:
«يسرني التعرف إليك. أنا المفتش نام غيونغ هوان، من وكالة شرطة سيول الحضرية.»
كان مظهره وطريقة جلوسه يذكران سونغ تان بضابط عسكري يقف في وضع الاستعداد.
فسارع إلى ابتلاع قطعة الدجاج التي كان يمضغها.
«يسرني لقاؤك. أنا...»
قاطعه الرجل بابتسامة:
«أعرف. الملازم سونغ تان، من فريق القضايا غير المحلولة في وكالة شرطة غيونغي الجنوبية.»
ثم نظر إليه مبتسمًا ابتسامة عريضة.
«أنا أيضًا أعمل في فريق للقضايا غير المحلولة.»
«آه، فهمت.»
ما إن سمع سونغ تان ذلك حتى شعر بألفة غريبة تجاه الرجل.
كان الأمر أشبه بلقاء قريب بعيد يواجه المشاق نفسها في عمله.
فقد عرف جيدًا كم يمكن أن يكون التحقيق في القضايا القديمة شاقًا ومضنيًا.
ومن دون سبب واضح، نشأ في داخله شعور بالتضامن مع الرجل الجالس أمامه.
تابع نام غيونغ هوان:
«وفوق ذلك، فإن هوانغ سون جين زميلي الأقدم المباشر.»
رفع سونغ تان حاجبيه.
«حقًا؟»
«نعم. ولهذا كنت أرغب في لقائك منذ مدة طويلة يا ملازم سونغ.»
أمال سونغ تان رأسه.
«لقائي أنا؟»
ثبت نام غيونغ هوان عينيه اللامعتين عليه.
ثم قال:
«هناك زميلة من خريجات أكاديمية الشرطة، أصغر مني أقدميةً، تتمتع بذكاء حاد وكفاءة لافتة. ورغم أنها أقل مني أقدمية، فإنني أرى أن لدي الكثير لأتعلمه منها.»
وتابع:
«لكنها بدأت ذات يوم تتحدث عن شخص معين باستمرار. ومع مرور الوقت، تجاوز كلامها حدود الإشادة العادية، حتى كادت تعبده من شدة إعجابها به.»
فكر سونغ تان لحظة.
«هل تقصد...؟»
أومأ نام.
«نعم. أتحدث عن دو سي رين.»
كانت دو سي رين محللة سلوك إجرامي تعمل في وكالة شرطة سيول الحضرية.
وقد سبق أن التقت بسونغ تان أثناء التحقيق في قضية كيم تشون غون.
واصل نام غيونغ هوان:
«والأمر نفسه ينطبق على هوانغ سون جين.»
ثم ضحك ضحكة قصيرة.
«ذلك الرجل الصارم الذي لا يخالط الناس بسهولة، سمعته يصف شخصًا بأنه جدير بالاحترام!»
هز رأسه وكأنه ما زال يجد الأمر غريبًا.
«في البداية، ظننت أنني سمعت خطأ. فمن النادر جدًا أن يصدر عنه مثل هذا الكلام.»
ثم نظر مباشرة إلى سونغ تان.
«والأغرب أن الشخص الذي كان يتحدث عنه شرطي أصغر منه بكثير في الرتبة والخبرة.»
عندها فقط أدرك سونغ تان معنى تلك النظرة الحادة التي لم تفارق عيني الرجل منذ جلس إلى جواره.
لقد كانت نظرة منافس.
تناول نام غيونغ هوان كأسه وأفرغ ما فيه من الجعة دفعة واحدة.
ثم قال وعيناه تلمعان:
«كنت فضوليًا حقًا. وبصراحة، شعرت بقليل من الغيرة أيضًا.»
وتابع:
«أي نوع من المحققين يستطيع أن ينال كل هذا المديح من هذين الشخصين؟ ظللت أتساءل عن ذلك.»
ثم ابتسم.
«لكن يبدو أنك شخص مميز فعلًا.»
وفجأة، مد يده إلى سونغ تان.
«قد يبدو كلامي تباهيًا، لكنني نادرًا ما خسرت المركز الأول في أي مكان ذهبت إليه.»
اعتدل في جلسته.
«وهذه الدورة لن تكون استثناءً. سأحصل على لقب أفضل متدرب فيها.»
ثم أعلن بثقة:
«وسأثبت لهذين الاثنين أنني، على الأقل في دورة إيه سي إس آي، أتفوق عليك.»
كانت كلمات مهذبة في ظاهرها، لكنها لم تكن سوى إعلان صريح عن المنافسة.
«آه... حسنًا.»
لم يعرف سونغ تان كيف يرد.
فاكتفى بمصافحته، ثم قال بشيء من الحرج:
«إذًا، أراك في المحاضرة غدًا.»
أفرغ نام غيونغ هوان كأسًا آخر من الجعة، ثم نهض وعاد إلى مقعده بكل هدوء.
ظل سونغ تان وحده، فحك مؤخرة رأسه.
كم في هذا العالم من أشخاص غريبي الأطوار...
ولم يشغل باله بالأمر أكثر من ذلك.
***
مر الليل، وأقبل الصباح التالي.
بدأت المحاضرة الثانية من الدورة.
«الطب الشرعي المتقدم: التغيرات التي تطرأ على الجثة بعد الوفاة وتقدير سبب الموت»
وفي الموعد المحدد تمامًا، انفتح الباب الأمامي لقاعة المحاضرات.
دخل رجل مسن ذو شعر أبيض كالثلج.
وما إن وقع بصره على الحاضرين حتى خيم على المكان سكون ثقيل.
كانت في عينيه هيبة جعلت الهواء نفسه يبدو أكثر كثافة.