الطب الشرعي
وقف الأستاذ أمام المنصة وألقى نظرة على الحاضرين. كانت عيناه باردتين، لكن ابتسامته حملت دفئًا وودًا.
«يسرني لقاؤكم جميعًا. أنا كانغ جون غو، اختصاصي في الطب الشرعي.»
لم يكن الرجل مجهولًا بالنسبة إلى كثير من الحاضرين، فقد اكتسب شهرة واسعة بفضل تحليلاته الدقيقة في البرنامج التلفزيوني الشهير «أريد أن أعرف ذلك الرجل»، حتى أصبح وجهًا مألوفًا لدى عامة الناس.
ابتسم كانغ جون غو وقال:
«تقضون أيامكم تتنقلون بين مسارح الجرائم، ثم تجدون أنفسكم فجأة محشورين في قاعة محاضرات خانقة كهذه. لا بد أنكم تشعرون بالضجر والملل، أليس كذلك؟»
ضحك بعض المحققين على مزحته الخفيفة.
ثم سأل:
«برأيكم، ما الطب الشرعي؟»
جاءه الجواب على الفور:
«إنه العلم الذي يجمع بين الطب والقانون لتحديد أسباب وفاة الضحايا.»
أومأ كانغ جون غو، ثم التفت نحو صاحب الإجابة.
«من المتحدث؟»
«المفتش نام غيونغ هوان، من فريق القضايا غير المحلولة في وكالة شرطة سيول الحضرية.»
«إجابتك صحيحة أيها المفتش نام.»
ثم تابع:
«ولنضف إليها شيئًا. فالطب ضروري لفهم العمليات الحيوية التي يمر بها الإنسان منذ ولادته وحتى وفاته، بينما ينظم القانون حياته بوصفه فردًا في المجتمع. ويمكنكم اعتبار الطب الشرعي علمًا يؤدي دور المترجم بين هذين المجالين.»
كان صوته لطيفًا، لكن في نظرته ثقلًا غريبًا يمنح كلماته هيبة خاصة.
«لا ينبغي أن تنظروا إلى الطب الشرعي على أنه مجرد علم يحدد كيف مات الإنسان. ففي جوهره، هو محاولة لترجمة آخر اتهام يتركه الموتى وراءهم.»
تقدم كانغ جون غو خطوة مبتعدًا عن المنصة.
شبك يديه خلف ظهره ووقف في هيئة مسترخية، لكن نظرته الموجهة إلى المتدربين كانت حادة حتى كادت تقدح شررًا.
«والآن، دعوني أسألكم سؤالًا آخر. لماذا يحتاج المحققون العاملون في الميدان إلى تعلم الطب الشرعي؟»
ساد الصمت.
وكأنه كان يتوقع ذلك، واصل حديثه من دون انتظار إجابة.
«الحدس الميداني سلاح قوي. فالبصيرة التي تصقلها سنوات الخبرة قد تكون أعظم ما يمتلكه المحقق. لكن عليكم أن تدركوا أن المجرمين يتطورون بالسرعة نفسها.»
وتابع:
«إنهم يتلفون الأدلة، ويختلقون حجج غياب عن مسرح الجريمة، ويموهون جرائم القتل لتبدو حالات انتحار. ولكي يقودكم حدسكم إلى نتائج تصمد أمام التدقيق في المحكمة، فلا بد أن يستند إلى أساس متين لا يسهل نقضه.»
تلاشت ابتسامته تدريجيًا.
«وهذا الأساس هو الطب الشرعي.»
توقف قليلًا قبل أن يضيف بنبرة حازمة:
«لا أنوي أن أحولكم اليوم إلى اختصاصيين في الطب الشرعي، ولا أن أغرقكم في معلومات تخصصية دقيقة. كل ما أريده هو أن أفتح أعينكم، حتى تصبحوا أقدر على قراءة الرسائل الأخيرة التي تتركها الجثث التي تصادفونها أثناء عملكم.»
عادت الابتسامة إلى وجهه، وجال بنظره بين الحاضرين.
«فهل نبدأ؟»
كان حضوره يجمع بين اللطف والهيبة، حتى إن بعض المتدربين الذين كانوا يجلسون باسترخاء اعتدلوا في مقاعدهم من تلقاء أنفسهم.
ضغط الأستاذ زر جهاز التحكم.
خفتت أضواء القاعة، وظهرت على الشاشة صورتان مروعتان من مسرح جريمة.
قال كانغ جون غو:
«لنبدأ بالحالة الأولى. عُثر على امرأة في الثلاثينيات من عمرها ميتة، معلقة داخل حمام شقتها الصغيرة.»
وأشار إلى الصورة.
«كانت هناك رسالة انتحار، وكان الباب مغلقًا من الداخل. ولهذا أوشك أفراد الدورية والمحققون المحليون الذين وصلوا إلى المكان على اعتبارها حالة انتحار واضحة. حتى أسرة الضحية لم ترغب في تشريح الجثة.»
كبّر الأستاذ إحدى الصورتين.
فظهر أثر الرباط الأرجواني المحيط بعنق الجثة بوضوح.
لمعت عينا سونغ تان وهو يتفحص الشاشة.
قال كانغ جون غو:
«هل تعرفون ما أحد أخطر الأخطاء التي يرتكبها المحققون في مسرح الجريمة؟»
ثم أجاب بنفسه:
«حين تبدو جميع الظروف منسجمة مع تفسير واحد، يكتفون بإلقاء نظرة سطحية على الجثة. الباب مغلق من الداخل، ورسالة الانتحار موجودة، فيقفزون مباشرة إلى استنتاج أن الوفاة انتحار.»
اقترب من الشاشة وأشار إلى العنق.
«لكن انظروا هنا جيدًا. أثر الرباط لا يرتفع باتجاه مؤخرة العنق، بل يمتد أفقيًا ويلتف بإحكام حول العنق بأكمله.»
رفع يده إلى عنقه، محاكيًا التفاف حبل حوله.
«في حالات الشنق، يشد وزن الجسم الحبل إلى الأعلى، فيترك أثرًا يشبه القوس الذي ترتفع نهايتاه. أما هذا الأثر، فهو أقرب إلى الخط الأفقي.»
التفت نحو المتدربين.
«وهذا يعني أن شخصًا خنق المرأة باستخدام حبل، ثم علق جثتها ليجعل الأمر يبدو كأنه انتحار. بعبارة أخرى، كانت جريمة خنق مُوِّهت لتبدو وفاة ناجمة عن الشنق.»
أخذ المتدربون يتأملون الصورة بتركيز، بينما راحت أقلامهم تتحرك بسرعة فوق الأوراق.
ولم يعد العمر أو عدد سنوات الخبرة يصنع فارقًا بينهم؛ فقد ظهرت في عيونهم جميعًا رغبة صادقة في التعلم.
واصل الأستاذ:
«اكتشف المحققون لاحقًا أن الجاني كان حبيب الضحية الذي يعيش معها. فقد أغلق الباب بعد ارتكاب الجريمة، ثم هرب عبر فتحة في النافذة.»
وأردف:
«لو أن المحققين تفحصوا عنق الضحية بعناية منذ البداية، لما أهدروا ثلاثة أيام ثمينة في المرحلة الأولى من التحقيق.»
ابتلع بعض الحاضرين ريقهم بتوتر.
فقد كانت تلك من الأخطاء التي يسهل الوقوع فيها أثناء العمل الميداني، وأخذ عدد منهم يعقد العزم على نقل هذه الملاحظات إلى زملائه فور عودته إلى وحدته.
قال الأستاذ:
«حسنًا، لننتقل إلى الحالة الثانية.»
تغيرت الصورة.
ظهرت هذه المرة غرفة جلوس غارقة في الدماء. كانت جثة رجل ملقاة على الأرض، وسكين مغروس في صدره، بينما بدا أثاث الغرفة مبعثرًا ومحطمًا.
قال كانغ جون غو:
«هناك ثلاث طعنات في الصدر. كانت أغطية السرير مشبعة بالدماء، وتحطم أثاث المنزل كله.»
ثم تابع:
«بدأ المحققون المحليون على الفور بالبحث عن أشخاص يحملون ضغائن تجاه الضحية، وراجعوا أسماء المشاغبين المعروفين في المنطقة. لكنهم لم يستطيعوا تحديد أي مشتبه به.»
وتوقف لحظة قبل أن يسأل:
«لماذا برأيكم؟»
قال أحد المتدربين بتردد:
«ربما... لم تكن جريمة قتل أصلًا؟»
تلاشى صوته في نهاية الجملة.
فمن الصعب على أي شخص ينظر إلى الصورة أن يتخيل تفسيرًا آخر.
أدار كانغ جون غو عينيه بين المحققين، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة.
«صحيح. النتيجة التي توصل إليها الطب الشرعي كانت أن الرجل انتحر.»
«لكن صدره تعرض لثلاث طعنات! كيف يمكن أن يكون ذلك انتحارًا؟»
صدر الاعتراض من أحد المحققين، وكان اعتراضًا طبيعيًا لأي شخص يمتلك خبرة ميدانية.
أومأ الأستاذ متفهمًا.
«من الطبيعي أن تفكر بهذه الطريقة. لكن الجثة نفسها تخبرنا بالإجابة. ما رأيكم أن نكبر صورة الجروح؟»
تغيرت الصورة، وظهرت لقطة مقربة للطعنات الثلاث في صدر الرجل.
لمعت عينا سونغ تان مرة أخرى.
سأل كانغ جون غو:
«هل يستطيع أحد أن يشرح، اعتمادًا على هذه الصورة وحدها، لماذا صُنفت الوفاة انتحارًا؟»
خيم الصمت على القاعة.
فمهما دقق المحققون النظر، لم يستطيعوا تمييز ما يجعل هذه الطعنات مختلفة عن الطعنات التي يسببها قاتل.
قال الأستاذ مبتسمًا:
«سأعفي صاحب أفضل إجابة من الواجب التدريبي.»
وما إن أنهى كلامه حتى ارتفعت يد سونغ تان في الهواء.
ابتسم كانغ جون غو بود.
«اسمك وجهة عملك؟»
«الملازم سونغ تان، من فريق القضايا غير المحلولة في وكالة شرطة غيونغي الجنوبية.»
«تفضل، اشرح لنا.»
وجه سونغ تان نظره إلى الشاشة، ثم بدأ حديثه.
«أولًا، الجرح الذي تسبب في الوفاة هو الطعنة الثالثة. وإذا دققنا النظر في الجرحين الأول والثاني، فسنجد خدوشًا صغيرة جدًا على الجلد المحيط بهما.»
وأشار إلى موضع الخدوش.
«أعتقد أنها جروح تردد.»
ركز بقية المحققين أنظارهم على الصورة.
وبعد أن أشار سونغ تان إلى تلك العلامات، بدأوا يلاحظون اختلافًا طفيفًا لم ينتبهوا إليه من قبل، لكنهم ظلوا غير واثقين من دلالته.
فالفارق بالغ الدقة.
تابع سونغ تان:
«قبل أن ينهي الرجل حياته، اعترته رهبة شديدة في تلك اللحظة، فلم يستطع غرس السكين بعمق، وتردد في المضي قدمًا. ولهذا ظهرت تلك الخدوش السطحية حول الطعنتين الأوليين.»
سأله الأستاذ:
«إذًا، كيف تفسر الفوضى التي عمت الغرفة؟ ألا تبدو وكأن صراعًا عنيفًا وقع فيها؟»
أجاب سونغ تان بهدوء:
«لم يمت الرجل فور طعن نفسه. كان الألم أشد بكثير مما توقع، فأخذ يترنح ويتخبط في أنحاء الغرفة، مصطدمًا بالأثاث ومبعثرًا إياه.»
ثم أضاف:
«أي إن الفوضى لم تكن آثار مقاومة أثناء اشتباك مع قاتل، بل نتجت عن استجابات جسدية للألم الذي عاناه وهو يحتضر؛ كانت تلك حركاته الأخيرة وردود أفعاله بينما لا يزال على قيد الحياة.»
ظل كانغ جون غو يستمع إليه في صمت.
ثم أشار إليه وقال:
«صفقوا له.»
صفق! صفق! صفق!
انطلقت موجة من التصفيق في القاعة.
والتفت الجميع إلى سونغ تان، وقد ارتسمت على وجوههم تعابير تكاد تقول شيئًا واحدًا:
مرة أخرى؟!
ابتسم الأستاذ وقال:
«إجابتك تستحق مئة وعشرين درجة من أصل مئة.»
ثم نظر إلى سونغ تان بإعجاب.
«قلت إن اسمك الملازم سونغ تان، أليس كذلك؟ تتمتع بقوة ملاحظة ممتازة. فهذه من الحالات التي يغفل معظم الناس عن تفاصيلها عند فحصها بالعين المجردة.»
انحنى سونغ تان برأسه قليلًا.
«شكرًا لك.»
وفي تلك اللحظة، أحس بنظرة حادة تخترق وجهه من الجانب.
كان نام غيونغ هوان، الذي أعلن منافسته له في الليلة السابقة، يحدق فيه بعينين تتقدان حماسًا.
تظاهر سونغ تان بأنه لم يلاحظ شيئًا، وأبقى عينيه مثبتتين على الأستاذ.
إذا التقت أعيننا الآن، فستبدأ متاعب لا داعي لها.
واصل كانغ جون غو المحاضرة:
«كشف تشريح الجثة لاحقًا أن معدة الضحية كانت تحتوي على جرعة قاتلة من الحبوب المنومة.»
ثم تابع:
«اتضح أن أعمال الرجل قد أفلست، وأنه قرر إنهاء حياته. لكنه قبل ذلك حاول ترتيب مسرح الجريمة ليبدو كأنه قُتل، حتى تحصل أسرته على مبلغ التأمين على حياته.»
تنهد الأستاذ.
«كانت محاولة احتيال مأساوية.»
ثم أدار نظره بين المتدربين.
«بعد مشاهدة هاتين الحالتين المتناقضتين، ما الذي خرجتم به؟»
لم يجب أحد.
قال الأستاذ:
«تخلوا عن أحكامكم المسبقة. إذا أضفتم معرفة الطب الشرعي إلى حدسكم الميداني الحاد، فستصبحون أقدر على كشف الحقيقة والوصول إلى الجاني الفعلي بوضوح وسرعة.»
كانت كلماته مشبعة بالاقتناع.
ثم ابتسم ابتسامة ودودة وأضاف:
«هل فهمتم الآن لماذا لا ينبغي أن تفوتكم هذه المحاضرة، حتى لو كانت مملة وتدعو إلى النعاس؟»
انتفض بعض الحاضرين قليلًا، بينما أشاح آخرون بأنظارهم في حرج.
ضحك الأستاذ بخفة.
«حسنًا، لنواصل.»
استمر صوت كانغ جون غو الهادئ يتردد في أنحاء القاعة.
لكن هذه المرة، لم يغلب النعاس أحدًا. فقد أصبح الجميع يتابعون المحاضرة بتركيز يكاد يكون مخيفًا.
لم تعتمد دروسه على النظريات الأكاديمية الجافة، بل كانت تنطلق دائمًا من المشكلات التي يواجهها المحققون في الميدان.
شرح لهم كيفية تقدير زمن الوفاة اعتمادًا على معدل نمو يرقات الذباب في الجثث المتحللة، وكيفية اكتشاف النزوف النقطية الصغيرة التي قد تظهر عند قلب جفون ضحايا الخنق إلى الخارج، فضلًا عن مسائل أخرى كثيرة.
ثم طرح سؤالًا جديدًا:
«حين تصلون إلى مسرح الجريمة، تفحصون التيبس الرمي أولًا، أليس كذلك؟»
وأكمل:
«في العادة، يبدأ التيبس من الفك، ثم ينتقل إلى الرقبة، وبعدها إلى الأطراف العلوية، وأخيرًا الأطراف السفلية.»
ثم نظر إلى المتدربين.
«لكن ماذا لو وجدتم ساقي الجثة متيبستين، بينما لا تزال رقبتها لينة؟ ماذا يعني ذلك؟»
جاء الجواب فورًا من نام غيونغ هوان، ممثل وكالة شرطة سيول الحضرية.
«يعني أن وضعية الجثة قد تغيرت، أو أن أربعًا وعشرين ساعة على الأقل مرت منذ الوفاة. وقد يكون ذلك دليلًا على أن الجاني حاول اختلاق حجة غياب عن مسرح الجريمة.»
أومأ الأستاذ.
«ممتاز.»
التفت نام غيونغ هوان نحو سونغ تان.
لكن سونغ تان ظل يحدق في كانغ جون غو، وقد انصب انتباهه عليه تمامًا، كحصان سباق لا يرى سوى الطريق أمامه.
أوشكت المحاضرة الطويلة، التي امتدت نصف يوم، على الانتهاء أخيرًا.
أخذ المتدربون يحركون أعناقهم المتصلبة، وقد ظهرت عليهم علامات التعب.
وضع كانغ جون غو قلم السبورة جانبًا، وصفق بكفيه تصفيقة خفيفة، ثم تقدم نحوهم.
«حسنًا، بهذا نصل إلى نهاية محاضرة اليوم...»
وتوقف فجأة.
ثم ابتسم وأضاف:
«لكنكم ستشعرون بخيبة أمل لو أنهيتها عند هذا الحد، أليس كذلك؟»
«آه...»
انتشرت في القاعة تنهيدات اختلط فيها الاستسلام بالقلق.
قال الأستاذ:
«قبل أن ننهي، سأقدم لكم اختبارًا قصيرًا لأعرف مدى انتباهكم إلى ما شرحته.»
تناول جهاز التحكم.
ومع أزيز خافت من جهاز العرض، ظهرت صورة جديدة على الشاشة، وإلى جوارها ملخص لإحدى القضايا.
كانت الصورة لجثة امرأة مستلقية بانتظام فوق سرير.
بدا وجهها هادئًا إلى درجة توحي بأنها نائمة فحسب.
قال كانغ جون غو:
«المتوفاة امرأة في الأربعينيات من عمرها. وبحسب المحققين الذين وصلوا إلى مسرح الجريمة، كانت الجثة في حالة جيدة بصورة لافتة.»
سأل نام غيونغ هوان:
«ألم تكن هناك إصابات خارجية إطلاقًا؟»
ضغط الأستاذ زرًا، فظهرت صورة أخرى.
«كانت هناك بضع بقع حمراء على أجزاء من الجسد، لكن لم تظهر أي إصابات خارجية يمكن اعتبارها سببًا مباشرًا للوفاة.»
سرعان ما بدأت الهمسات تتصاعد في القاعة الهادئة.
«ما هذا؟ إنها تبدو سليمة فعلًا.»
«ولا أرى أي آثار رباط حول عنقها... هل يمكن أن تكون قد اختنقت بسبب سد الأنف والفم أو الضغط على الرقبة؟»
أجابه آخر:
«لكن وجهها لا يظهر عليه ازرقاق أو احتقان، ولا توجد نزوف نقطية أيضًا.»
وكما يُتوقع من محققين مخضرمين، سرعان ما انهمكوا في مناقشة الاحتمالات بحماس.
قال أحدهم:
«إذًا لم يبقَ سوى التسمم، أليس كذلك؟ ربما تناولت السيانيد...»
لكن محققًا آخر اعترض:
«لو كان الأمر كذلك، ألم تكن هناك علامات واضحة؟ ربما تقيأت محتويات معدتها وظهرت رغوة حول فمها، أو على الأقل بدت ملامحها متشنجة قليلًا.»
وأشار إلى الصورة.
«لكن وجهها هادئ تمامًا، كأنها نائمة.»
«صحيح... إذًا، هل كانت وفاة مفاجئة لأسباب طبيعية؟»
ازداد النقاش احتدامًا حتى كادت قاعة المحاضرات تتحول إلى ساحة مناظرة.
وفي تلك اللحظة، رفع نام غيونغ هوان يده بثقة.
«أعتقد أنني عرفت الإجابة.»
ابتسم الأستاذ.
«حقًا؟ تفضل.»
قال نام:
«أظن أن الضحية حُقنت بجرعة قاتلة من مادة مخدرة، مثل بنتوثال الصوديوم الذي يُستخدم في التخدير العام. لقد تعاملت مع قضية مشابهة من قبل.»
كان يبدو واثقًا تمامًا من صحة استنتاجه.
لكن...
«إنه استنتاج معقول، لكنه للأسف غير صحيح.»
«إذًا ما الذي يمكن أن يكون قد حدث...؟»
خرج السؤال من نام غيونغ هوان بارتباك، بينما هز الأستاذ رأسه.
طرق كانغ جون غو السبورة مرتين.
فتلاشت الأصوات، وعاد الصمت إلى القاعة.
قال:
«أُجري تشريح للجثة بناءً على طلب أسرة المتوفاة. وهذا ملخص التقرير.»
ظهرت على الشاشة الكبيرة نتائج الفحوص.
تقرير التشريح
1. الفحص النسيجي:
لم تُكتشف أي تغيرات مرضية في أنسجة القلب أو الرئتين أو الكبد أو الكليتين أو الدماغ، يمكن الاستناد إليها لتحديد سبب الوفاة.
2. الفحص السمّي:
لم تكشف الفحوص السمّية العامة لعينات الدم والبول ومحتويات المعدة عن وجود مواد سامة غير معتادة، ضمن نطاق المواد التي شملتها الاختبارات.
الرأي النهائي:
بعد المراجعة الشاملة لنتائج التشريح والفحص النسيجي والتحاليل السمّية، تعذر تحديد سبب الوفاة بصورة واضحة.
وعليه، صُنفت الحالة ضمن
«الوفيات غير محددة السبب»
.
وتُعد الإصابات الخارجية البسيطة الموجودة على الجثة إصابات حدثت أثناء حياة المتوفاة. غير أن الأدلة الطبية المتاحة حاليًا لا تسمح بالجزم بأن تلك الإصابات أسهمت في وفاتها.
وبناءً على ذلك، ينبغي تحديد طبيعة الوفاة النهائية، سواء كانت انتحارًا أو قتلًا أو وفاة عرضية أو وفاة طبيعية، بالاستناد إلى نتائج تحليل مسرح الجريمة الذي تجريه جهة التحقيق، والظروف المحيطة بالحادثة، وأي معلومات إضافية تُجمع خلال التحقيق.
«ماذا؟ إذًا لم يتمكنوا من تحديد سبب الوفاة في النهاية؟»
بدا الارتباك واضحًا على وجوه المتدربين.
فقد كانوا ينتظرون كشفًا مذهلًا، لكن النتيجة جاءت مخيبة لتوقعاتهم.
وكأن كانغ جون غو توقع رد فعلهم، ارتسمت على وجهه ابتسامة ماكرة.
«صحيح.»
ثم تابع:
«بحسب إفادة أسرة الضحية، كانت المرأة تشكو من الاكتئاب كثيرًا، ولذلك طُرح احتمال الانتحار.»
وأشار إلى التقرير.
«لكن استنتاجي النهائي، بصفتي الطبيب الشرعي الذي فحص الحالة، كان أن سبب الوفاة غير محدد.»
وبينما كان يتحدث، بدأ يجمع أغراضه.
«أعرف أن هذه النتيجة قد تبدو غير مرضية لكم، لكن آخر ما أريد أن أقوله اليوم هو أن تشريح الجثة لا يقدم دائمًا جميع الإجابات...»
وفي تلك اللحظة...
وقبل أن يتمكن كانغ جون غو من إكمال كلامه، قاطعه صوت من بين المقاعد.
«لم يكن انتحارًا، ولم تكن وفاة مفاجئة.»
ثم أضاف صاحبه بثقة لا يداخلها أدنى شك:
«بل كانت جريمة قتل واضحة.»
تجمد الجو داخل قاعة المحاضرات.
فقد كان صاحب ذلك الصوت سونغ تان.