تحليل أنماط بقع الدم
رفع الرجل نظارته ذات الإطار السميك قليلًا، وألقى على المتدربين نظرة فاترة بعينين نصف مغمضتين.
«يسرني لقاؤكم. أنا الدكتور يون تاي غون، مدير مختبر الأدلة الجنائية الدقيقة في المعهد الوطني للأدلة الجنائية.»
كان صوته حادًا وواضحًا، يصل إلى آذان الحاضرين من دون حاجة إلى ميكروفون.
أدار يون عينيه المتثاقلتين في أنحاء القاعة، ثم أطلق ضحكة جافة.
«أرى هنا بعض الوجوه المألوفة، وأخرى ألتقي بها للمرة الأولى. على أي حال، بذلت جهدًا كبيرًا في إعداد محاضرة اليوم، وآمل أن تتمكنوا من متابعتها جيدًا.»
أحنى رأسه تحيةً قصيرة، ثم رفعه مجددًا، وقد لمعت عيناه بحدة.
«سيكون من المؤسف أن يرسب أحدكم منذ اليوم الأول، أليس كذلك؟ يا له من عار! ألم يقع الاختيار عليكم لأنكم من أكفأ أفراد الشرطة في البلاد؟»
خيم السكون على القاعة فجأة.
وتعالت بضع سعلات محرجة، لكن يون لم يبدُ مهتمًا بها.
«بالطبع، لا أقصد الجميع. لكنني قابلت خلال عملي بعض المحققين الميدانيين الذين يحملون أفكارًا خاطئة تمامًا.»
وتابع بازدراء واضح:
«من النوع الذي يثرثر بلا توقف، ويتعامل مع خبرته السطحية وكأنها حقيقة لا تقبل النقاش. وللعلم، هؤلاء أكثر الناس الذين أمقتهم.»
ثم أضاف بابتسامة ساخرة:
«لكنني واثق تمامًا من أنه لا يوجد بينكم من يبلغ ذلك القدر من الغباء.»
انتفض بعض الحاضرين في مقاعدهم.
أطلق يون ضحكة قصيرة من أنفه، ثم تابع:
«أريدكم أن تخرجوا من هذه المحاضرة بحقيقة واحدة على الأقل: التحليل المجهري لأنماط بقع الدم لا يعتمد على الحدس أو الخبرة الشخصية. إنه علم، من أوله إلى آخره.»
ورغم أن القاعة كانت تضم رجالًا اشتهروا بشخصياتهم القوية، لم ينبس أحد بكلمة.
أما هونغ جونغ هو، الجالس إلى جانب سونغ تان، فقد مال نحوه هامسًا:
«تمامًا كما سمعت عنه...»
قال سونغ تان:
«يبدو أن الجميع يتحاشون إثارة غضبه.»
«ولا بد لهم من ذلك. فهذا الرجل معروف بطباعه الصعبة.»
خفض هونغ صوته حتى كاد لا يُسمع، من دون أن يرفع عينيه عن المحاضر.
«مهما يكن، فهو أبرز خبير في تحليل أنماط بقع الدم في البلاد. وليس من مصلحة أي محقق أن يجعله عدوًا له.»
أومأ سونغ تان.
«أفهم ذلك.»
واصل هونغ بصوت خافت:
«لكنه غريب الأطوار فعلًا. أخبرني زميل يعمل في المعهد الوطني للأدلة الجنائية أنه وجده ذات مرة جالسًا وحده في المطعم، يقطر الكاتشب مرارًا على طبق فارغ.»
ثم اقترب أكثر وهمس:
«وبعد أن ظل يحدق في القطرات، أخذ يلعق الطبق حتى نظفه تمامًا، ثم ضحك مع نفسه. أخبرني أنت، هل يبدو هذا تصرف شخص طبيعي؟»
«آه...»
أطلق سونغ تان صوتًا خافتًا ونظر إلى يون تاي غون.
كان من الواضح أن الرجل ليس شخصًا عاديًا.
بل إن عينيه توحيان فعلًا بمسحة من الجنون.
وقف يون أمام السبورة، وألقى القلم في الهواء بخفة، ثم التقطه.
«هناك هدف واحد فقط لتدريب اليوم.»
رفع سبابته.
«أريدكم، على الأقل، حين تصلون إلى مسرح جريمة وتجدون ضحية ملقاة وسط بركة من الدماء، أن تتمكنوا من تكوين تصور مبدئي يستند إلى الأدلة عن السلاح الذي استخدمه الجاني، ووضعية الضحية عند الاعتداء، والطريقة التي تحرك بها المعتدي.»
ثم تابع:
«إذا استطعتم فعل ذلك وحده، فأنا واثق بأنه سيكون عونًا كبيرًا لكم في المراحل الأولى من التحقيق.»
ضغط زر جهاز التحكم.
انطفأت أضواء القاعة، وبدأ جهاز العرض يعمل بأزيز خافت.
وبعد لحظات، ظهرت على الشاشة البيضاء صور مروعة من مسرح جريمة.
كانت الصور لغرفة جلوس في منزل غطتها الدماء.
ومن شدة واقعية المشهد، كاد المرء يشعر برائحة الدم تنبعث منه.
قال يون:
«بعبارة بسيطة، يشبه التحليل المجهري لأنماط بقع الدم اعترافًا تقدمه قطرات دم بالغة الصغر، لا نستطيع حتى رؤيتها بوضوح.»
وما إن انتهى من كلامه حتى ظهرت على الشاشة صورة مكبرة لبقع الدم الدقيقة المتناثرة فوق ورق الجدران، كأن ضبابًا أحمر قد رُش عليه.
«الحالة الأولى. جريمة قتل أحد الوالدين، وقعت في حي ساسانغ بمدينة بوسان عام 2021.»
وأشار إلى الصورة.
«ادعى الجاني أنه كان يحاول فقط منع والده من إيذاء نفسه حين تناثرت الدماء، وأصر على أن ما حدث كان دفاعًا عن النفس انتهى بوفاة عرضية.»
ثم تابع:
«كان مسرح الجريمة في حالة فوضى شديدة. اختلطت بقع الدم الناتجة عن التقطير بآثار التناثر، إلى درجة تعذر معها تحديد أداة القتل بالعين المجردة.»
ضيّق سونغ تان عينيه وهو يتفحص الصورة.
لقد هاجم شخصًا كان مستلقيًا.
وفي تلك اللحظة، تناول يون الميكروفون أخيرًا، وكأن الحديث المتواصل قد أجهد حلقه.
«لكن زاوية الانتشار الأفقي لنمط الرذاذ الدقيق المتبقي على هذا الجدار، إلى جانب نتائج إعادة بناء آثار الصدمة، قادتنا إلى استنتاج مختلف تمامًا.»
ظهرت خطوط تحليلية فوق الصورة.
«اكتشفنا أن البقع ناتجة عن تناثر دموي عالي السرعة، تشكل عندما اصطدم السلاح بالعظم.»
ثم أضاف:
«وعندما تتبعنا مسار القطرات عكسيًا، مع أخذ مقاومة الهواء في الحسبان، وجدنا أن نقطة انطلاقها كانت على ارتفاع خمسة وثلاثين سنتيمترًا فقط عن الأرض.»
استدار إلى المتدربين.
«برأيكم، ماذا يعني ذلك؟»
رفع أحد الرجال صوته:
«ربما كانت الضحية جالسة على الأرض؟»
أجابه يون:
«الأدق أن الضحية كانت قد سقطت بالفعل وفقدت وعيها. والجاني وجه إليها ضربة من الأعلى.»
ثم سأل:
«ولماذا قد يفعل ذلك؟»
جاءه الجواب سريعًا:
«للتأكد من موتها؟»
«بالضبط.»
أومأ يون.
«وهذا تصرف لا يمكن أن يصدر عن شخص يزعم أنه كان يحاول منع الضحية من إيذاء نفسها.»
كان الحاضرون محققين مخضرمين ومتميزين في مجالاتهم، ولذلك لم يترددوا طويلًا قبل الإجابة.
لكن يون لم يظهر أي انفعال.
اكتفى بتناول جهاز التحكم والانتقال إلى الصورة التالية.
ظهرت هذه المرة صورة حمام تناثرت الدماء فوق بلاطه.
«لنجعل الأمر أصعب قليلًا.»
وأشار إلى الشاشة.
«هذه جريمة قتل وقعت في دايجون عام 2018. بعد ارتكاب الجريمة، نظف الجاني المكان بعناية باستخدام المبيض والمنظفات قبل أن يهرب.»
ثم تابع بنبرة ساخرة:
«وصل المحققون إلى مسرح الجريمة، ولم يجدوا على الأرض سوى استجابة خافتة لاختبار اللومينول. فقفزوا مباشرة إلى الاستنتاج التالي: لا بد أن الضحية تعرضت للطعن هنا!»
وضرب كفًا بأخرى.
«وهكذا أهدروا أسبوعًا ثمينًا في التحقيق مع المشاغبين المعروفين في المنطقة المجاورة، من دون جدوى.»
وضع يون يديه على الطاولة، ومال بجسده نحو الحاضرين.
«مهما أغرقت المكان بالمبيض، فإن المواد المسامية، مثل السيليكون الموجود بين البلاطات، تمتص الدم بفعل الخاصية الشعرية.»
ثم سأل:
«وماذا يعني ذلك؟»
لم ينتظر جوابًا.
«يعني أن التنظيف يزيل الدم عن السطح فحسب، بينما يبقى البناء المجهري للبقع المتغلغلة في الداخل سليمًا.»
نظر إلى الحاضرين بحدة.
«لو كان فريق التحقيق يعرف هذه الحقيقة وقتها وطلب مني التحليل فورًا، لما سلك ذلك الطريق الخاطئ. ولكان القبض على الجاني أسهل وأسرع بكثير.»
ظهرت على الشاشة خطوط هندسية حمراء امتدت من مواضع مختلفة.
بدا المشهد أشبه بمحاكاة حاسوبية، إذ انطلقت خطوط افتراضية من الفواصل بين البلاطات، ثم تقاطعت جميعها عند نقطة واحدة في الهواء.
قال يون:
«بعدما وصل التحقيق إلى طريق مسدود، طلبوا التحليل أخيرًا.»
وتابع:
«حللنا ديناميكية بقع الدم المجهرية داخل السيليكون، وأعدنا بناء زاوية الارتطام الأصلية، فوجدنا أنها بلغت ثمانيًا وسبعين درجة.»
أشار إلى النتائج.
«كما تبين لنا أن النمط ناتج عن تناثر دموي عالي السرعة.»
ثم سأل:
«وماذا نستنتج من ذلك؟»
وأجاب بنفسه:
«أن أداة القتل لم تكن نصلًا حادًا، بل جسمًا صلبًا غير حاد. فالضربة حطمت عظام الضحية، وتناثر معها الدم ونخاع العظم في صورة رذاذ دقيق.»
صفع يون سطح الطاولة بكفه.
«وبالجمع بين زوايا التناثر ونقطة انطلاق القطرات، يمكننا أيضًا استنتاج تحركات الجاني وبعض صفاته الجسدية.»
أشار إلى نقطة على الشاشة.
«كان موضع الارتطام على ارتفاع مئة وخمسة وسبعين سنتيمترًا عن الأرض. وكانت الضحية واقفة، بينما انحدرت الضربة من الأعلى بزاوية شبه عمودية.»
ثم تابع بثقة:
«ولكي يتمكن رجل بالغ من تهشيم رأس رجل قوي البنية بضربة واحدة من ذلك الارتفاع، فلا بد أن طول الجاني كان يبلغ مئة وخمسة وثمانين سنتيمترًا على الأقل، وأنه يتمتع بقوة قبضة كبيرة.»
وتوقف لحظة قبل أن يضيف:
«والأهم من ذلك، أن تركز رذاذ الدم على الجدار الأيسر وحده كان دليلًا على أن الجاني أعسر.»
تعالت أصوات ابتلاع الريق في أنحاء القاعة.
ربما كانت المادة العلمية جافة بطبيعتها، لكن أحدًا لم يعد شارد الذهن.
فقد انصبت أنظار الجميع على يون تاي غون.
أما سونغ تان، فكان يشعر بإعجاب متزايد في داخله.
مذهل... لم أتصور أنه يمكن استنتاج كل هذا.
كلما تعمق في أساليب التحقيق العلمي، ازداد انبهاره بما تستطيع هذه التقنيات كشفه.
فحتى لو أحضروا قائد فرقة الإعدام التابعة لتحالف الموريم، لما استطاع استخراج ذلك القدر من المعلومات من مسرح الجريمة.
ولهذا، ازداد تركيز سونغ تان على المحاضرة.
فكل معلومة يسمعها كانت في نظره ثمينة.
واصل يون:
«لو تمكن المحققون من قراءة القرائن التي تركتها بقع الدم بسرعة، لكانوا قد حددوا المشتبه به في وقت أبكر بكثير.»
ثم أضاف:
«ولهذا عليكم أن تعرفوا أساسيات هذا التخصص الذي قد يبدو لبعضكم عديم الفائدة.»
أدار نظره بين المتدربين بعينيه المتثاقلتين المعتادتين.
«أنتم العاملون في الميدان تعرفون أكثر من غيركم أن التحقيق الأولي سباق مع الزمن.»
وتابع بلهجة صارمة:
«أما التجول بلا خطة، فليس تحقيقًا. إنه مجرد عمل عضلي.»
ثم رفع صوته قليلًا.
«أنصتوا إلى ما تخبركم به الدماء. فبين أن يخدعكم أثر المبيض فتبحثوا في الاتجاه الخاطئ، وبين أن تتكون لديكم صورة واضحة عن الجاني منذ البداية، يكمن الفرق في قدرتكم على رؤية الأدلة وفهمها.»
وسألهم:
«هل أدركتم الآن لماذا تحتاجون إلى هذا التدريب؟»
«نعم!»
دوّى الجواب في أنحاء القاعة.
وكان من اللافت أن المكان الذي خيم عليه الصمت في بداية المحاضرة صار يضج بالحماس.
فقد تساءل معظم الحاضرين في أنفسهم قبل ذلك:
نحن بالكاد نجد وقتًا لإنجاز أعمالنا الميدانية، فلماذا علينا دراسة أمور يتولاها المعهد الوطني للأدلة الجنائية أصلًا؟
لكنهم بدأوا يدركون الآن أن المعرفة العلمية يمكن أن تمنحهم أفضلية كبيرة في المراحل الأولى من التحقيق.
فطلب التحليل من المعهد الوطني للأدلة الجنائية يستغرق وقتًا طويلًا في العادة، بينما قد تسمح لهم المعرفة الأساسية باتخاذ قرارات أفضل قبل وصول التقرير.
وهكذا تبدل الجو الذي كان جافًا ومتوترًا إلى نقاش علمي حيوي.
«دكتور، لدي سؤال!»
رفع ملازم شرطة ضخم البنية من وكالة شرطة إقليم غانغوون يده العريضة.
«ماذا لو لم يكن مسرح الجريمة على أرضية عادية مغطاة بالفينيل أو على سطح خرساني، بل على أريكة قماشية أو مرتبة سرير؟»
أنزل يون جهاز التحكم الذي كان يحمله.
«حين يلامس الدم القماش، تجعله الخاصية الشعرية ينتشر في اتجاهات متعددة، ولذلك يصبح تحديد الزوايا الهندسية أمرًا بالغ الصعوبة.»
ثم تابع:
«في هذه الحالة، يجب التركيز على معدل الامتصاص وعمق تغلغل الدم داخل النسيج.»
اتجه إلى السبورة ورسم دائرة.
«إذا سقط الدم عموديًا فوق مرتبة، فسيبدو أثره على السطح قريبًا من هذا الشكل.»
وأشار إلى الدائرة.
«ينتشر على هيئة دائرة، لكن إذا شققنا المرتبة ونظرنا إلى مقطعها الداخلي، فسنجد أنه تجمع نحو الأسفل في شكل ممدود يشبه حبة البطاطا الحلوة.»
ثم رسم شكلًا آخر.
«أما الدم الذي يصطدم بالقماش بزاوية مائلة، فيتغلغل بصورة أكبر في اتجاه واحد، تبعًا لاتجاه خيوط النسيج.»
وتابع:
«ولهذا، قد يكفي فتح شق صغير في جانب المرتبة وفحص مقطعها الداخلي لتكوين تصور مبدئي عما إذا كانت الضحية قد طُعنت وهي على السرير، أم أنها طُعنت في موضع آخر ثم نُقلت إليه.»
نظر إلى صاحب السؤال.
«هل اتضحت الفكرة؟»
خشخشة... خشخشة...
بدأت أصوات الأقلام وهي تتحرك فوق الأوراق تتردد في أنحاء القاعة.
راقب يون المتدربين في هدوء، ثم قال بصوت منخفض:
«لقد تناولنا قدرًا لا بأس به من المعلومات. ما رأيكم في اختبار قصير؟»
ضغط زر جهاز التحكم.
ظهرت على الشاشة صورة جديدة لمسرح جريمة.
بدا المكان غرفة داخل منزل، وقد تناثرت الدماء على ورق جدران حريري أبيض.
امتدت قطرات دم كبيرة بصورة مائلة نحو الأعلى انطلاقًا من الجزء السفلي للجدار، وكانت نهايات آثارها مشوهة وممدودة في خطوط طويلة غير منتظمة.
قال يون:
«كانت الضحية مستلقية على أرض غرفة النوم الرئيسية حين تعرضت لعدة طعنات في الرقبة والصدر، وفارقت الحياة بسبب النزيف الحاد.»
وأشار إلى الصورة.
«انظروا إلى بقع الدم المتطايرة من السلاح على الجدار. جميع القطرات تتجه نحو الأعلى.»
ثم أضاف:
«وعندما تتبعنا زواياها عكسيًا، وجدنا أن نقطة انطلاقها تتطابق تمامًا مع مواضع الإصابات في جسد الضحية الملقاة على الأرض.»
استخدم مؤشر الليزر لتحديد البقع المكبرة على الشاشة.
«والآن يأتي السؤال.»
نظر إلى المتدربين.
«هل تشكل هذا النمط بينما كان الجاني يهوي بالسلاح على الضحية، أم بعدما طعنها ورفع السلاح إلى الأعلى؟»
ثم ابتسم ابتسامة صغيرة.
«من يجيب إجابة صحيحة سيحصل على درجات إضافية.»
ساد الصمت.
انشغل الجميع بتخيل الجريمة وإعادة بناء حركة السلاح في أذهانهم.
وبعد لحظات، لمعت عينا هونغ جونغ هو، فرفع يده.
«تشكلت البقع أثناء رفع السلاح.»
التفت إليه يون.
تابع هونغ بثقة:
«طعن الجاني الضحية المستلقية على الأرض، ثم جذب السكين الملطخة بالدماء إلى الأعلى بسرعة. وبفعل القوة الطاردة المركزية، تطاير الدم نحو الأعلى وترك ذلك النمط على الجدار.»
نظر يون إلى بقية الحاضرين.
«هل لدى أحد رأي مختلف؟»
لم يرفع أحد يده.
أومأ يون إيماءة خفيفة.
«للأسف، إجابتك خاطئة.»
«ماذا؟ ولماذا؟»
بدا هونغ جونغ هو مذهولًا.
فقد كان مقتنعًا تمامًا بأنه توصل إلى الإجابة الصحيحة.
قال يون:
«هذا خطأ شائع يقع فيه المحققون الميدانيون حين يعتمدون على افتراضاتهم بشأن ما حدث في مسرح الجريمة.»
ثم أشار إلى البقع.
«لم يتشكل هذا النمط حين رفع الجاني السلاح، بل حين هوى به إلى الأسفل.»
اعترض هونغ:
«لكن كيف يمكن أن يتطاير الدم نحو الأعلى بينما يتحرك السلاح إلى الأسفل؟»
أجابه يون:
«الدم الذي ينفصل عن السلاح لا يتحرك بالضرورة في الاتجاه نفسه الذي يتحرك فيه السلاح.»
وتابع:
«الأدق أنه يتطاير بفعل القصور الذاتي، حين تتسارع حركة السلاح أو تتباطأ فجأة.»
رفع مؤشر الليزر فوق رأسه، ثم حرك ذراعه بقوة نحو الأرض، محاكيًا ضربة من الأعلى.
«تخيل أن الجاني يرفع السكين فوق رأسه ثم يهوي بها بعنف نحو الضحية المستلقية على الأرض. رأس النصل يتسارع في لحظة، أليس كذلك؟»
لم ينتظر جوابًا.
«هذا التسارع الهائل في الضربة الهابطة ينتزع قطرات الدم عن النصل ويقذفها إلى الأعلى، في الاتجاه المعاكس لحركة السلاح.»
ثم ضرب مثالًا:
«الأمر يشبه اندفاع جسدك إلى الخلف حين تتسارع السيارة فجأة.»
ظل المحققون يحدقون فيه بذهول.
تابع يون:
«ولو كانت هذه الآثار قد تشكلت أثناء رفع السكين، لما كانت ذيول القطرات ممدودة وحادة بهذه الصورة.»
وأشار إلى إحدى البقع.
«فتسارع السلاح أثناء رفعه أضعف بكثير من تسارعه عند توجيه ضربة هابطة قوية. ولهذا تكون بقع الدم الناتجة عن حركة الرفع أكثر استدارة وأقصر امتدادًا، وغالبًا ما تظهر على السقف.»
لم يجد المحققون ما يقولونه.
فقد حضروا من مسارح الجرائم ما يكفي ليحسب كثير منهم نفسه خبيرًا في قراءة الأدلة الميدانية.
لكن ثقتهم بدأت تتصدع أمام تفاصيل لم يكونوا يعرفون حتى بوجودها.
ولعل يون وجد في صمت القاعة ما يرضيه، إذ ارتفعت زاوية فمه قليلًا.
ثم حرك جهاز التحكم بين أصابعه.
«سأطرح سؤالًا أخيرًا.»
رفع رأسه ونظر إلى الجميع.
«من يجيب عنه إجابة صحيحة، سأعفيه من الواجب التدريبي، وأمنحه أعلى درجة في تقييم الدورة.»
«أوه!»
تعالت أصوات الإعجاب، واعتدل الجميع في مقاعدهم دفعة واحدة.
كانت مكافأة مغرية إلى درجة لم يرغب أحد في تفويتها.
قال يون:
«لكن أنبهكم إلى أن السؤال شديد الصعوبة. إنه يتعلق بقضية جعلت حتى محللي أنماط بقع الدم المخضرمين يسهرون عدة ليالٍ متتالية.»
طَق.
تغيرت الصورة المعروضة على الشاشة.
ظهر مكان يشبه قاعة مطالعة أو مقهى مخصصًا للدراسة.
كانت آثار الدم متناثرة في أنحاء المكان، وبعض الكراسي مقلوبة على الأرض.
قال يون:
«وقعت الحادثة في يوم شديد البرودة من أيام الشتاء، داخل قاعة مطالعة مغلقة.»
ثم أضاف:
«لم تكن هناك جثة ظاهرة عند العثور على مسرح الجريمة.»
وتوقف لحظة قبل أن يطرح السؤال:
«إذًا، ما أداة القتل؟»
ضيّق المحققون أعينهم، وراحوا يتفحصون الصورة.
كان نمط بقع الدم أغرب بكثير من كل ما شاهدوه خلال المحاضرة.
قال أحدهم:
«ما هذا؟ شكل البقع غير مألوف. هل تعرضت الضحية للطعن؟»
أجابه آخر:
«لكن لو كانت طعنات، ألا يفترض أن تظهر آثار دم متدفق بقوة؟ كمية الدم هنا لا تبدو كبيرة بما يكفي.»
تدخل ثالث:
«انظروا جيدًا إلى أطراف القطرات على الحواجز الفاصلة. كلها ممسوحة وممتدة في اتجاهات مختلفة، أليس كذلك؟»
ثم اقترح:
«ربما استُخدمت أداة صلبة كالمطرقة؟ أو لعل الجاني طعن الضحية، ثم رش الماء على البقع باستخدام بخاخ...»
اعترض محقق آخر:
«لو حدث ذلك، لظهرت آثار انتشار السوائل على الأرض أيضًا. لكن الأرضية نظيفة.»
«هاه؟ أنت محق...»
توالت الافتراضات، لكن كل إجابة زادت حيرتهم بدلًا من أن تبددها.
راقب يون النقاش لبعض الوقت، ثم قال:
«حسنًا، أمامكم عشر دقائق للتفكير...»
خفض رأسه لينظر إلى الساعة.
وفي تلك اللحظة، انطلق صوت هادئ من بين المقاعد:
«أداة القتل كانت سلاحًا حادًا، مثل سكين المطبخ. لكن النصل كان شديد البرودة.»
رفع يون رأسه فجأة.