التدريب الخاص
كان
معهد تنمية الموارد البشرية للشرطة
مؤسسة متخصصة في تدريب أفراد الشرطة العاملين في الخدمة.
وبوجه عام، يمكن تقسيم الضباط الذين يلتحقون بدوراته إلى ثلاث فئات: من اقترب موعد ترقيتهم، ومن يرغبون في اكتساب تقنيات جديدة في التحقيق، وكبار الضباط المرشحون لتولي مناصب قيادية.
لكن الدورة الخاصة للتحقيق المتقدم في مسرح الجريمة، المعروفة باسم
«إيه سي إس آي»
، والتي كان سونغ تان يستعد للالتحاق بها، لم تكن دورة يستطيع أي شرطي التقدم إليها.
فعدد أفراد الشرطة في أنحاء البلاد يبلغ نحو مئة وأربعين ألفًا، بينما لا يتجاوز عدد المقاعد المتاحة في كل دفعة من هذه الدورة عشرة إلى خمسة عشر مقعدًا في العادة.
وهذا يعني أن وكالة شرطة غيونغي الجنوبية بأكملها قد لا تحصل إلا على مقعد أو مقعدين.
ولم تكن شروط القبول سهلة أيضًا.
إذ يُشترط في المرشح أن يحمل رتبة ملازم شرطة على الأقل، وأن يكون قد نال جائزة «محقق العام» مرة واحدة على الأقل من إحدى وحدات التحقيق التابعة لوكالة شرطة إقليمية.
وباختصار، كان على المرشح أن يمتلك سجلًا مهنيًا يتفوق به على معظم أقرانه، لمجرد استيفاء الحد الأدنى من الشروط.
ولهذا، كان مجرد اختيار ضابط للمشاركة في الدورة شرفًا كبيرًا بحد ذاته، بل إن البعض كان يعتبره علامة على أن صاحبه نجم صاعد في جهاز الشرطة.
لكن هناك أمرًا يستحق الذكر.
في الظروف العادية، لم يكن سونغ تان مؤهلًا للالتحاق بهذه الدورة أصلًا.
فصحيح أن ترقيته الاستثنائية إلى رتبة ملازم شرطة جعلته يستوفي شرط الرتبة، لكنه لم يكن يملك سنوات الخبرة العشر المطلوبة على الأقل.
ومع ذلك، تمكن من الحصول على مقعد في الدورة.
وكان الفضل في ذلك يعود إلى جهود بذلها هوانغ سون جين من وراء الكواليس.
في الأصل، كان عرض الالتحاق بالدورة قد قُدم إلى هوانغ سون جين نفسه.
قال له رئيس قسم المباحث:
«اذهب والتحق بها. فرصة كهذه لا تأتي كثيرًا. أنا جاد.»
خرجت الكلمات من فمه على مضض، ولم يكلف نفسه عناء إخفاء استيائه.
لكن هوانغ، بعد تفكير قصير، أجابه بما لم يتوقعه.
«إذا لم يكن لديك مانع، فهل يمكنني إرسال أحد أعضاء فريقي بدلًا مني؟»
رفع رئيس القسم حاجبيه.
«من؟»
«سونغ تان.»
«تريد إرسال أصغر عضو في فريقك؟»
بدا الاستغراب واضحًا على وجه رئيس قسم المباحث.
«ولماذا هو بالذات؟»
أجاب هوانغ بثقة:
«لأنه أكثر من مؤهل للاستفادة منها. الملازم سونغ يمتلك قدرات استثنائية، وأنا واثق بأن التدريب المناسب سيتيح له تطويرها إلى مستوى أعلى بكثير.»
أخذ رئيس القسم يفرك ذقنه، وقد غرق في التفكير.
قد لا تكون فكرة سيئة...
وما الذي يستطيع ذلك الفتى فعله وسط أولئك الضباط المخضرمين أصلًا؟ إذا عجز عن مجاراتهم وانسحب في منتصف الدورة، فسيمنحني ذلك سببًا ممتازًا لمحاسبته...
وبعد أن قلب الفكرة في رأسه، نظر إلى هوانغ.
«ألن يعترض بقية أعضاء الفريق؟»
أجابه هوانغ بحزم:
«لن يعترضوا. لقد قالوا لي مرارًا إنه إذا ظهرت فرصة جيدة، فعليّ أن أمنحها لسونغ تان أولًا.»
«قالوا ذلك حقًا؟»
«نعم. إنهم يعرفون جيدًا ما يستطيع سونغ تان فعله بصفته شرطيًا.»
«همم...»
ظل رئيس القسم يفكر قليلًا، ثم سأل وكأن السؤال خطر بباله للتو:
«لكن هل يستوفي ذلك الفتى شروط القبول أصلًا؟»
«يستوفي بقية الشروط، لكنه لا يملك سنوات الخبرة الكافية.»
«إذًا لا يمكنه—»
«ولهذا نحتاج إلى توصية المفوض.»
توقف رئيس القسم عن الكلام.
واصل هوانغ:
«راجعت لائحة التدريب، ووجدت بندًا ينص على جواز استثناء الأشخاص الذين يوصي بهم مفوض إحدى وكالات الشرطة الإقليمية أو الحضرية، إذا رأى أنهم يمتلكون قدرات تحقيق متقدمة أو إنجازات متميزة.»
لم يجب رئيس القسم فورًا.
فانحنى هوانغ برأسه وقال:
«إذا قررت دعمه، فأرجو أن تواصل دعمه حتى النهاية. أعدك بأنني لن أخيب ظنك.»
ظل رئيس القسم يحدق في رأس هوانغ المنحني أمامه.
وأخيرًا، أومأ ببطء.
«حسنًا. سأطرح الأمر على المفوض. إذا حالفنا الحظ، فقد يوافق. خصوصًا أن الأمور تسير على نحو جيد مؤخرًا.»
قال هوانغ بامتنان:
«شكرًا لك.»
وهكذا، وبعد تلك المساعي كلها، حصل سونغ تان على فرصة الالتحاق بالدورة الخاصة، رغم أنه لم يكن مستوفيًا لشروط القبول على الورق.
أما هو، فلم يكن يعلم شيئًا عما جرى حتى وصلته الموافقة.
تشوسا-دونغ، مدينة أسان، إقليم تشونغنام.
بعد رحلة بسيارة أجرة مرت بين الحقول الخضراء، ظهرت أمام سونغ تان مجموعة من المباني ذات الجدران البيضاء المائلة إلى الرمادي.
عبرت السيارة البوابة الرئيسية، فأخذ يتأمل المناظر خارج النافذة بهدوء.
كانت المساحات المحيطة بالمباني معتنى بها بعناية، وبين الممرات المنظمة كان متدربون من أفراد الشرطة يمرون بزيهم الرسمي الكامل.
ترجل سونغ تان من سيارة الأجرة، وعدّل حقيبته على كتفه، ثم اتجه إلى المبنى الرئيسي لاستكمال إجراءات التسجيل.
كان مكتب الاستقبال في بهو الطابق الأول مزدحمًا بالفعل.
وحين قدم بطاقته التعريفية إلى الموظف المسؤول عن تسجيل الملتحقين بالدورات، أخذ الرجل ينقل نظره بين وجه سونغ تان والمستندات الموجودة أمامه.
وبدا عليه شيء من المفاجأة.
فمظهر سونغ تان الشاب جعله يفترض أنه جاء لحضور دورة عادية، ولم يخطر بباله أنه أحد الملتحقين بالتدريب الخاص.
لكن الموظف لم يعلق على الأمر.
قال وهو يناوله بعض الأغراض:
«تفضل.»
«شكرًا لك.»
تبادل الاثنان إيماءة قصيرة.
تسلّم سونغ تان بطاقة الدخول إلى السكن، وبطاقة اسمه الخاصة بالدورة، والمواد التدريبية، ودليل المعهد.
ثم توجه مباشرة إلى المبنى السكني المخصص للمتدربين.
كانت غرفته تحتوي على سريرين.
صحيح أن أثاثها بدا قديمًا بعض الشيء، لكنها كانت نظيفة ومرتبة.
وضع أمتعته بهدوء، ثم غيّر ملابسه وارتدى زي العمل الرسمي.
وبعد أن انتهى من الاستعداد، توجه إلى قاعة المحاضرات في مبنى التدريب العملي، حيث كان من المقرر عقد اللقاء التعريفي الأول.
ويبدو أنه وصل مبكرًا أكثر من اللازم.
فلم يكن هناك أحد غيره.
تفقد مخطط توزيع المقاعد، ثم جلس في المكان المخصص له.
وكان فوق الطاولة كتاب سميك يحمل عنوانًا بارزًا:
«الدورة المتقدمة في أحدث تقنيات التحقيق الجنائي العلمي»
أخذ يقلب صفحاته في هدوء.
وبعد فترة قصيرة، بدأ المتدربون الآخرون يتوافدون إلى القاعة.
لكن معظم الداخلين كانوا يتوقفون لحظة حين يرون سونغ تان جالسًا وحده.
ثم يستديرون نحو الباب ويتفقدون اللافتة المعلقة خارجه مرة أخرى.
[اللقاء التعريفي للدفعة الحادية عشرة من الدورة التدريبية الخاصة «إيه سي إس آي»]
تمتم أحد الرجال في منتصف العمر:
«نعم... هذه هي القاعة الصحيحة.»
عاد إلى الداخل وقد بدا عليه شيء من الحرج، ثم اختار مقعدًا وجلس.
وتكرر المشهد نفسه مع عدة أشخاص آخرين.
وسرعان ما بدأت الهمسات تنتشر في القاعة.
وبعد قليل، امتلأت المقاعد التي كانت خالية تمامًا قبل دقائق.
كان بعض الحاضرين يتبادلون الأحاديث مع معارفهم، بينما جلس آخرون في صمت، يحدقون أمامهم مثل سونغ تان.
لكنهم اشتركوا جميعًا في شيء واحد.
فقد ساد القاعة جو خاص، يليق باجتماع نخبة من أكفأ ضباط الشرطة في أنحاء البلاد.
بعد لحظات، فُتح الباب الأمامي.
دخل رجل يرتدي زيًا رسميًا مكويًا بعناية، واتجه إلى المنصة ثم أمسك الميكروفون.
«مرحبًا بكم جميعًا.»
تردد صوته العميق عبر مكبرات الصوت.
«أنا المفتش كيم جونغ تاي من قسم إدارة التدريب، والمسؤول عن تنظيم الدورة الحادية عشرة من برنامج إيه سي إس آي.»
ثم أضاف:
«لقد قطعتم مسافات طويلة من مختلف أنحاء البلاد للحضور إلى هنا. أهلًا وسهلًا بكم.»
ومع بدء حديثه، أخذت الأصوات المتفرقة تخفت شيئًا فشيئًا.
فتح كيم جونغ تاي الملف الذي أحضره معه.
«سنبدأ أولًا بالتأكد من حضور الجميع. أرجو من كل متدرب رفع يده عندما أنادي اسمه.»
ثم شرع في قراءة القائمة بصوت هادئ.
«المفتش تشوي تشول غي، وحدة التحقيق في الجرائم العنيفة، وكالة شرطة سيول الحضرية.»
«حاضر.»
التفتت بضعة رؤوس إلى صاحب الصوت، ثم عادت إلى أماكنها.
«المفتش تشا سون هو، فريق الجرائم العنيفة، وكالة شرطة بوسان الحضرية.»
«حاضر!»
واصل قراءة الأسماء.
وكان بعضها مألوفًا لدى الحاضرين، ممن اكتسب أصحابها شهرة في وحداتهم أو بين المحققين.
وأخيرًا، وصل إلى الاسم الأخير في القائمة.
«الملازم سونغ تان، فريق القضايا غير المحلولة، وكالة شرطة غيونغي الجنوبية.»
رفع سونغ تان يده.
«حاضر.»
وفي اللحظة نفسها، اتجهت إليه أربعة عشر زوجًا من العيون.
فقد كانوا يتساءلون جميعًا عن هوية ذلك الشاب الذي بدا أصغر من بقية الحاضرين بكثير.
كيف استطاع شخص في مثل عمره الحصول على مقعد في دورة لا يلتحق بها عادة إلا المحققون المخضرمون؟
كان وجوده بينهم أشبه بجلوس نقيب في دورة مخصصة لضباط برتبة مقدم.
لكن سونغ تان تلقى تلك النظرات بصورة طبيعية، من دون أن يبدو عليه أدنى ارتباك.
وبعد انتهاء تسجيل الحضور، رفع كيم جونغ تاي رأسه ونظر إلى القاعة.
ثم قال بصوت واضح:
«كما تعلمون جميعًا، فإن الدفعة الحادية عشرة ستخضع لأكثر المناهج كثافة وتخصصًا في تاريخ هذا البرنامج.»
وتابع:
«سيشرف على تدريبكم خبراء بارزون من مختلف أنحاء البلاد، وسنركز بصورة أساسية على القضايا الواقعية والتطبيقات العملية.»
ظهرت على الشاشة الكبيرة خطة الأيام التدريبية المقبلة.
اليوم الأول:
اللقاء التعريفي وأحدث تقنيات التحقيق العلمي — التحليل المتقدم لأنماط بقع الدم.
اليوم الثاني:
الطب الشرعي المتقدم — التغيرات التي تطرأ على الجثة بعد الوفاة وتقدير سبب الموت.
اليوم الثالث:
الأدلة الدقيقة وتتبع الآثار المجهرية وآثار الانطباعات.
اليومان الرابع والخامس:
إعداد التقارير الشاملة والتقييم النهائي لاستكمال الدورة.
قال كيم جونغ تاي:
«أنا واثق بأن كل من في هذه القاعة يتمتع بالكفاءة. لكنكم مخطئون تمامًا إذا ظننتم أنكم جئتم إلى دورة تقضون فيها بضعة أيام ثم تعودون إلى وحداتكم بشهادة جاهزة.»
وأشار إلى الجدول المعروض.
«سيكون هناك تقييم لكل مادة، وستُرسل نتائجكم النهائية مباشرة إلى رؤساء الوحدات التي تتبعون لها.»
تمتم رجل كان رأسه يبدو أكبر من رؤوس الآخرين بنحو النصف، وقد قطب حاجبيه:
«هل هناك حاجة فعلًا إلى كل هذه الصرامة...؟»
لكن كيم جونغ تاي لم يلتفت إلى التعليق.
تقدم إلى مقدمة المنصة، وراح ينظر إلى المتدربين واحدًا تلو الآخر.
«قد يتساءل بعضكم عن جدوى دراسة الأعمال التي يؤديها خبراء الأدلة الجنائية، لكنكم، بحكم خبرتكم، تعرفون أن التحقيق العلمي المنفصل عن العمل الميداني لا يقدم سوى نصف الصورة.»
أومأ عدة رجال موافقين.
تابع كيم جونغ تاي:
«أساليب المجرمين تتطور باستمرار. يمحون بصمات الأصابع، ويزيلون آثار الحمض النووي بالغسل، ويتلفون الجثث باستخدام المواد الكيميائية.»
ثم أضاف بحزم:
«ولم يعد في وسعنا الانتظار حتى يصل تقرير تحليل مسرح الجريمة كي نبدأ التفكير في الخطوة التالية.»
تقدم أكثر ووضع إحدى يديه على الطاولة أمامه.
«الهدف من هذه الدورة هو منح المحققين الميدانيين فهمًا أعمق للطب الشرعي، وإدراكًا أدق لقيمة الأدلة الصغيرة التي قد تبدو غير مهمة.»
ثم تابع:
«بهذه المعرفة، ستتمكنون من إجراء عمليات البحث بسرعة أكبر، وتحديد المشتبه بهم في وقت أبكر. ولهذا السبب جئتم إلى هنا.»
ارتفعت إحدى زاويتي فمه في شبه ابتسامة.
«وللعلم، فإن عددًا كبيرًا من الملتحقين بالدفعة العاشرة لم يتمكنوا من استيفاء شروط النجاح.»
وسكت لحظة قبل أن يضيف:
«هذه ليست دورة سهلة.»
بدأ الحماس يتصاعد داخل القاعة.
فكل رجل من الحاضرين كان ضابطًا متميزًا في مجاله، ولم تكن روح المنافسة غائبة عن أحدهم.
قال كيم جونغ تاي:
«سنوفر لكم أفضل بيئة تدريبية ممكنة، لكن الحصول على شهادة إتمام الدورة يعتمد عليكم وحدكم.»
ثم أردف:
«ومن يفشل في استيفاء المتطلبات سيُعاد مباشرة إلى وحدته الأصلية.»
أطفأ الشاشة واستدار نحو المتدربين.
«بهذا ينتهي اللقاء التعريفي للدفعة الحادية عشرة من دورة إيه سي إس آي.»
ونظر إلى ساعته.
«ستبدأ المحاضرة الأولى بعد عشرين دقيقة. من يحتاج إلى استخدام دورة المياه، فليستغل هذه الفترة.»
ثم قال باقتضاب:
«هذا كل شيء.»
وغادر القاعة من دون إضافة كلمة أخرى.
ما إن خرج كيم جونغ تاي حتى عادت الأحاديث إلى القاعة.
كان معظم الحاضرين في الأربعينيات من أعمارهم تقريبًا، لكن الأجواء لم تختلف كثيرًا عن رحلة مدرسية لطلاب المرحلة الثانوية، باستثناء أن هؤلاء الرجال كانوا يبذلون جهدًا إضافيًا ليبدوا أكثر نضجًا واتزانًا.
خرج بعضهم لتدخين سيجارة، بينما اتجه آخرون إلى دورات المياه.
وفي تلك الأثناء، نهض رجل كان جالسًا قرب مقدمة القاعة واتجه نحو سونغ تان.
اقترب منه بابتسامة عريضة ومد يده مصافحًا.
«كنت أتساءل ما الذي جاء بشاب وسيم مثلك إلى دورة إيه سي إس آي. لكن يبدو أن لديك أسبابًا وجيهة لوجودك هنا.»
رفع سونغ تان رأسه ونظر إلى الرجل.
قال القادم مبتسمًا:
«ألا تتذكرني؟ أنا المفتش هونغ جونغ هو، من وحدة التحقيق في الجرائم العنيفة بوكالة شرطة غيونغي الشمالية.»
اتسعت عينا سونغ تان قليلًا.
نهض فورًا وصافحه.
«بالطبع أتذكرك يا كبيري. كان ينبغي أن أتعرف عليك وألقي التحية أولًا. أعتذر.»
ضحك هونغ جونغ هو ولوح بيده.
«هاها، لا داعي للاعتذار. لم نلتقِ إلا لفترة قصيرة وسط تلك الفوضى. من الطبيعي ألا تتذكرني.»
لكن سونغ تان هز رأسه.
«بل أتذكرك جيدًا. وشكرًا على علبة القهوة التي اشتريتها لي يومها. لقد استمتعت بها حقًا.»
لم يكن يقول ذلك مجاملة.
فهو يتذكر ما حدث بوضوح.
كان ذلك أثناء مشاركته في دعم التحقيقات التي أجرتها وكالة شرطة غيونغي الشمالية في قضية كيم تشون غون.
آنذاك، كان معظم المحققين ينظرون إليه كأنه دخيل اقتحم منطقتهم من دون ترحيب.
أما هونغ جونغ هو، فكان الوحيد الذي قدم إليه علبة قهوة دافئة.
قال سونغ تان بابتسامة:
«كنت أشعر ببعض الوحدة لأنني لا أعرف أحدًا هنا. وجودك يطمئنني كثيرًا يا كبيري.»
ثم أضاف:
«أتطلع إلى العمل معك خلال هذا الأسبوع. وأرجو ألا تتكلف الرسمية معي، بل تحدث إليّ كما تتحدث إلى أخ أصغر.»
اتسعت ابتسامة هونغ جونغ هو.
«حقًا؟ حسنًا، يناسبني ذلك! يبدو أنني كسبت أخًا أصغر ناجحًا.»
كانت الألفة التي يتعامل بها هونغ مع الآخرين تجعل الحديث معه سهلًا ومريحًا.
وبعد قليل، قال:
«بالمناسبة، تهانئي على ترقيتك الاستثنائية.»
ثم تابع بإعجاب:
«أن تصل إلى رتبة ملازم شرطة في هذا العمر... هذا إنجاز رائع.»
أجاب سونغ تان بتواضع:
«لقد حالفني الحظ.»
انفجر هونغ ضاحكًا.
«هاها! ألا تتذكر أنك قلت العبارة نفسها حين قبضت على كيم تشون غون؟ ألا ترى أنه حان الوقت لتغير جوابك؟»
فكر سونغ تان لحظة، ثم قال:
«حقًا؟ إذًا سأقول إن حظي كان جيدًا بالأشخاص الذين أحاطوا بي.»
ضحك هونغ جونغ هو مرة أخرى.
بدا أن تواضع سونغ تان، وطريقته السلسة في الرد، قد نالا إعجابه.
سأله:
«هذه أول مرة تلتحق فيها بدورة من هذا النوع، أليس كذلك؟»
«نعم. سبق أن حضرت تدريبًا متعلقًا بالترقية، لكن هذه أول دورة تخصصية لي.»
هز هونغ رأسه.
«يبدو أن حظك جيد في الأشخاص الذين تقابلهم، لكنه ليس جيدًا بالقدر نفسه في الدورات التدريبية.»
أمال سونغ تان رأسه.
«ماذا تقصد؟»
نظر هونغ حوله سريعًا، ثم خفض صوته.
«سمعت أن الدفعات السابقة شهدت مشكلات كثيرة. ولهذا صدرت تعليمات خاصة برفع مستوى المحاضرات وزيادة صعوبة الواجبات.»
ثم اقترب قليلًا وأضاف:
«والأهم أنهم أُمروا بإرساب كل من يعجز عن مجاراة المستوى المطلوب، من دون أي تساهل.»
أومأ سونغ تان.
«آه، حقًا؟»
حدق فيه هونغ.
«ما هذا الرد؟ أقول لك إن الأسبوع سيكون جحيمًا، فتجيبني بهذه البرودة؟ هذه معلومات سرية جدًا، بالمناسبة!»
ثم نظر إلى جدول التدريب المعروض على الشاشة.
«محاضرتنا الأولى عن التحليل المتقدم لأنماط بقع الدم، صحيح؟»
أومأ سونغ تان.
«نعم.»
قال هونغ:
«أحد زملائي القدامى يعمل في المعهد الوطني للأدلة الجنائية، وقد أخبرني بأشياء لا تصدق عن المحاضر الذي سيأتي اليوم.»
رفع حاجبيه.
«يقال إن الرجل صارم إلى درجة أن الباحثين العاملين تحت إدارته في مختبر تحليل أنماط بقع الدم لا يحتملون العمل معه، ويهربون منه متى سنحت لهم الفرصة.»
قال سونغ تان باهتمام:
«حقًا...»
تابع هونغ:
«وفوق ذلك، يطرح أسئلة كثيرة أثناء المحاضرة. وإذا لم تستطع الإجابة عنها بصورة صحيحة، فسيحرجك أمام الجميع، مهما كان عمرك أو رتبتك.»
ثم تنهد.
«إنه مشهور بذلك.»
سأل سونغ تان:
«وما مستوى خبرته؟»
أجابه هونغ من دون تردد:
«من الأفضل في مجاله، بالطبع. سمعت أن جهات التحقيق في دول أخرى تطلب مشورته أحيانًا.»
أومأ سونغ تان بإعجاب صادق.
«هذا مثير للإعجاب.»
قال هونغ:
«المهم، كن يقظًا طوال المحاضرة. إذا سألك شيئًا، فلا تتجمد في مكانك.»
ثم رفع إصبعه ناصحًا:
«حاول أن تقدم جوابًا مهما حدث. وحتى إذا لم تعرف الإجابة الصحيحة، فأظهر أنك تفكر وتحاول. وإلا فسيزيد عليك الضغط.»
ابتسم بفخر.
«نصيحة ممتازة، أليس كذلك؟»
مرت الدقائق العشرون بسرعة.
طَق.
وفي اللحظة المحددة تمامًا، فُتح الباب الأمامي للقاعة.
دخل رجل يبدو في الخمسينيات من عمره.
كان يرتدي سروالًا قطنيًا بلون بيج، وقميصًا مجعدًا طوى كميه إلى أعلى ساعديه.
وقد انحسر شعر مقدمة رأسه في شكل حرف «إم» واضح.
للوهلة الأولى، كان من السهل أن يظنه المرء صاحب مكتب عقارات صغير في أحد الأحياء.
لكن عينيه الحادتين خلف نظارته ذات الإطار السميك، وزاويتي فمه المائلتين إلى الأسفل، كانتا توحيان بشخصية صارمة لا يسهل التعامل معها.
وهكذا بدأت المحاضرة الأولى من الدورة التدريبية الخاصة للتحقيق المتقدم في مسرح الجريمة.