كي يعيش إنسانًا
بينما كان الرجل الذي سقط على الأرض بطريقة مثيرة للسخرية يحاول النهوض، ظل شان واقفًا في مكانه، وسيفه متدلٍ بتراخٍ من يده.
لقد أدرك الآن أن تلك الكتلة الحديدية التي تقف أمامه لم تعد تشكل تهديدًا يُذكر.
كان وجه الرجل الملتحي شديد الاحمرار، حتى إذا أخذنا في الحسبان ضوء الشمس الغاربة الذي يغمره.
وحين رفع شان سيفه مجددًا، ووجه به طعنة في الهواء، انتفض الرجل وتراجع خطوة إلى الوراء.
«من كان ليتصور أن رجلًا يبدو محاربًا مخضرمًا خاض عشرات المعارك سيرتجف لمجرد رؤية سيف موجه نحوه؟»
لقد جعل ذلك شان، الذي كان متوترًا للغاية قبل لحظات، يشعر بأنه أحمق.
أطلق تنهيدة مشوبة بالاستغراب، فالتوت ملامح الرجل الخشنة من شدة الخزي والإذلال.
وبعد لحظات، أطلق الرجل صيحة مدوية ولوّح بمِدْراسه القتالي بكل ما أوتي من قوة.
«آآآآغ!»
صدر عن السلاح صوت مرعب وهو يشق الهواء.
لكن شان لم يشعر بأدنى خطر.
فكيف يمكن لضربة كهذه أن تكون خطيرة، وصاحبها لم يتحرك خطوة واحدة من مكانه، بل أغمض عينيه بكل قوته أيضًا؟
لم يجد شان أي داعٍ لاستخدام سيفه.
اكتفى بالتحرك خلف الرجل، ثم ركله على قصبة ساقه ركلة مباشرة.
اختل توازن الرجل، واندفع إلى الأمام ليسقط أرضًا وسط قرقعة معدنية مدوية.
ولم يستطع شان، وهو يشاهد ذلك المنظر، منع نفسه من التعليق:
«ينبغي لك أن تبقي عينيك مفتوحتين أثناء القتال.»
«أنا... أعرف ذلك...!»
كان من الجدير بالإعجاب أن يحتفظ الرجل بكل تلك الحدة في صوته، رغم أنه سقط لتوه على وجهه.
لكن ما إن وجه شان سيفه نحوه مرة أخرى حتى تجمد في مكانه.
ومن الواضح أن شجاعته لم تتجاوز حدود الكلام.
راقبه شان لبعض الوقت، ثم أعاد سيفه إلى غمده.
وشعر في الحال بالتوتر يغادر جسد الرجل.
كان الأمر سخيفًا حقًا.
فسواء كان السيف في يده أم معلقًا عند خصره، لم يتغير ميزان القوة بينهما على الإطلاق.
ساد الصمت للحظات.
ثم بدأ صوت نحيب متقطع يتردد في المكان.
كان الرجل يبكي بحرقة، ويضرب الأرض بقبضتيه المغطّاتين بالقفازين المعدنيين.
«تبًا! تبًا لهذا كله! لماذا أخاف من شيء كهذا بحق الجحيم؟! أيها الجبان اللعين!»
وقف شان مذهولًا.
فذلك المحارب المخيف المظهر كان ينتحب كطفل صغير، والدموع والمخاط يسيلان على وجهه.
ولم يكن شان قد أراه أطرافًا مبتورة أو رأسًا مقطوعة، كما فعل مع أعدائه قبل بضعة أشهر.
كل ما فعله أنه أسقطه بركلة خفيفة.
ومع ذلك، ها هو الرجل يبكي بتلك الحرقة!
لم يعرف شان كيف يتصرف، فاكتفى بمراقبته لبضع دقائق.
وأخيرًا، توقف الرجل عن النحيب وتمتم بصوت خافت:
«اقتلني.»
«ماذا؟»
«لا أستطيع العيش وأنا أحمل هذا العار... اقتلني فحسب...»
لكن حتى بعدما سمع تلك الكلمات، لم يشعر شان برغبة خاصة في قتله.
وبفضول وحذر يشبهان فضول القطط وحذرها، مدّ قدمه ونكز ظهر الرجل المنهار أمامه.
«كفّ عن ذلك.»
«لماذا يخاف فارس يرتدي درعًا من السيوف؟»
«...أنا لست فارسًا.»
«لكنني سمعت أن الذين يرتدون الدروع الحديدية فرسان.»
«الفرسان يرتدون الدروع الصفائحية، لا الدروع الزردية كهذا الذي أرتديه. هناك فرق كبير بينهما.»
كان من الطريف أنه أجاب عن السؤال بسهولة، رغم أنه ما زال يشهق ويحاول كبح دموعه.
جلس شان القرفصاء حتى أصبح وجهه في مستوى وجه الرجل، ثم طرح السؤال الذي كان يثير فضوله أكثر من غيره.
«لكن، أيها الفارس...»
«قلت لك إنني لست فارسًا. نادني رودن فحسب.»
«رودن، إذا كنت تخاف من السيوف، فلماذا جئت لقتالي؟»
«ظننت أنني سأتمكن من إخافتك بمجرد النظر إليك بوجه عابس. وعادةً ما تنجح هذه الطريقة مع معظم الناس.»
والحق أن الرجل بدا خصمًا مرعبًا بالفعل، حتى اللحظة التي اضطر فيها إلى إخراج سلاحه.
وحتى شان نفسه شعر بالرهبة منه في البداية.
فمن الطبيعي أن يستسلم قاطع طريق عادي طائعًا، بدلًا من المخاطرة بحياته في مواجهته.
وفوق ذلك، كان الرجل قد قدم وعودًا بدت معقولة، مثل حمايته من القرويين إذا استسلم.
ويبدو أن الحديث خفف شيئًا من انزعاج رودن.
فقد استرخت ملامحه قليلًا، ثم تحدث بنبرة محبطة:
«قد يبدو كلامي مثيرًا للسخرية بعدما أظهرت لك هذا الجانب المخزي من نفسي، لكن عليك التوقف عن خداع الناس وإخافتهم بسحر الألتوين الذي تستخدمه. لقد حالفك الحظ هذه المرة لأنك صادفت جبانًا مثلي. أما لو جاء محارب حقيقي، لكان الأمر خطيرًا. بل ربما قُتلت.»
ولم يخبره بأنه كان ينوي إخافة الفتى الألتويني المسكين ودفعه إلى الرحيل، قبل أن يأتي شخص آخر ويقتله فعلًا.
فلو قال ذلك، لبدا أكثر إثارة للشفقة، وكأنه يتوسل الآن طلبًا للنجاة بحياته.
أمال شان رأسه قليلًا، وقد ارتسمت على وجهه حيرة واضحة.
«لكنني لم أخدع أحدًا، ولم أحاول إخافة أحد.»
«ماذا؟»
«لم أخدع أحدًا قط. كل ما فعلته هو مقاتلة أعدائي.»
«إذًا، كل تلك الحكايات صحيحة؟ لقد قضيت على عصابة كاملة من المرتزقة باستخدام السحر؟»
«نعم. مع أنني لست متأكدًا من أن ما أفعله يُعد سحرًا أصلًا.»
وبدأ شان يشرح لرودن طبيعة القوة التي يمتلكها.
قدرته على استخدام جسده بكفاءة ودقة وحسن تقدير تفوق ما لدى الآخرين.
وقدرته على إدراك العالم من حوله وكأنه يتحرك ببطء، مما يسمح له بتمييز حركات خصومه بدقة، وتوقعها، والاستجابة لها.
فضلًا عن أمور أخرى، مثل قدرته على الرؤية بوضوح حتى في الظلام.
وعلى خلاف أهل القرية الذين كانوا يصرخون في وجهه قبل أن يستمعوا إلى حديثه أصلًا، أصغى رودن إليه باهتمام بالغ، وعلى وجهه تعبير جاد.
وبعد أن أنهى شان شرح كيفية استخدامه تلك القدرات للقضاء على عصابة المرتزقة داخل الغابة المظلمة، وكيف أجبر أهل قرية الورقة الذين اضطهدوه على احترامه، طرح رودن سؤالًا بصوت منخفض:
«أنا لا أشكك في كلامك، لكن... هل يمكنك أن تريني هذه القوة؟»
«لحظة واحدة.»
مدّ شان يده نحو السيف المعلق عند خصره، وكان على وشك سحبه.
لكنه لاحظ أن رودن انتفض لمجرد ملامسة يده لمقبض السيف، فتوقف.
ثم دخل الكوخ وعاد حاملًا صولجانًا بدلًا منه.
كان الصولجان قد انحنى قليلًا من كثرة استخدام شان له أثناء لهوه وتدريبه في أماكن مختلفة.
لكن بما أنه سلاح يعتمد على الضرب لا القطع، فقد ظل صالحًا للاستعمال.
أمسك شان بالصولجان، وبدأ يقدم عرضًا بسيطًا للحركات القتالية التي اعتاد التدرب عليها يوميًا في الغابات والجبال، وهي الحركات التي يستخدمها لإلحاق الأذى بخصومه.
ورغم أن الفتى نما كثيرًا خلال الأشهر الماضية، فإنه ظل صغيرًا ونحيلًا بالمقارنة مع رجل بالغ.
ومع ذلك، أخذ يلوّح بالصولجان بسرعة تكاد العين تعجز عن متابعتها.
فغر رودن فاه من شدة الذهول.
ثم أنهى شان استعراضه بقفزة تجاوز ارتفاعها طول قامته، وأدى خلالها شقلبة في الهواء.
عندها اتسعت دهشة رودن إلى درجة بدا معها وكأن فكه على وشك الانخلاع!
«الأمر يشبه هذا تقريبًا.»
«هذا... حقًا... آه، أيتها الإلهة! كيف يمكن أن يحدث شيء كهذا؟»
شبك رودن يديه وأخذ يصلي وهو يتنهد.
ولسبب ما، ذكّر ذلك المشهد شان بالكاهن آدور.
فراقبه للحظات، ثم شبك يديه هو الآخر وبدأ يصلي معه.
رغم أنه لم يكن يعرف ما الذي ينبغي له أن يصلي من أجله.
وبعد قليل، انتهى رودن من صلاته، وأطلق تنهيدة ثم قال:
«هل تسمح لي بالمبيت هنا ليلة واحدة فقط؟ أقسم باسم الإلهة وباسم أبي أنني سألتزم بأصول الضيافة، ولن ألحق بك أي أذى.»
كان ذلك طلبًا لم يتوقعه شان على الإطلاق.
فكر فيه لبعض الوقت، ثم أومأ بالموافقة.
صحيح أنه اختار العيش وحيدًا لأنه يخشى أن يطعنه أحد أثناء نومه.
لكنه رأى أنه يستطيع سماع رجل بهذا الحجم إذا تحرك في منتصف الليل.
وفوق ذلك، لم يخض حديثًا طويلًا مع أحد منذ مدة، وقد وجد التحدث مع رودن ممتعًا على نحو غير متوقع.
«يمكنني أن أعطيك الطعام، لكن لا يمكنك الدخول إلى المنزل.»
عندما رأى رودن العشاء الذي أعده شان، تصلبت ملامحه، وأصرّ على أن يتولى الطهي بنفسه.
كان شان يرى أن ما تبقى من لحم الغداء، وبعض الخبز اليابس مع الجبن، والخضراوات النيئة، تشكل وليمة لا بأس بها.
ولهذا، جرح رد فعل رودن مشاعره قليلًا.
لكن ذلك الشعور سرعان ما تلاشى تمامًا.
فقد كان الطعام الذي أعده رودن لذيذًا إلى درجة يصعب تصديقها!
استخدم الرجل قدرًا معدنيًا وبعض أدوات الطهي الأخرى التي ظلت مهملة في إحدى زوايا الكوخ، وقد تراكم عليها الغبار.
ثم استعان بالمكونات التي أحضرها معه.
أعد يخنة ساخنة، وأذاب الجبن فوق اللحم، وسلق الخضراوات المتبّلة سلقًا خفيفًا.
وبفضل تلك الخطوات البسيطة وحدها، تحول الطعام الذي كان ملقى هنا وهناك إلى أطباق أشهى بأضعاف مما كان عليه.
جلس الاثنان قرب نار المخيم التي أشعلاها أمام الكوخ، وبدأ شان يتذوق الطعام.
وما إن أخذ اللقمة الأولى حتى غمره تأثر يفوق ما شعر به عندما تناول أول قطعة لحم مشوي في حياته.
وانهمرت الدموع من عينيه.
«هـ... هل هو لذيذ إلى هذه الدرجة؟»
«إنه الأفضل! حقًا، لم آكل شيئًا كهذا طوال حياتي!»
راقبه رودن بتعبير حائر لبعض الوقت.
ثم أطلق ضحكة خافتة، وارتشف من النبيذ الذي أحضره معه.
يبدو أن أهل قرية الورقة لم يكونوا يبالغون في وصف شهية شان.
فهذا الفتى يلتهم بالفعل كميات هائلة من الطعام!
طعام شهي ونبيذ، ونار مخيم تتراقص ألسنتها، وحديث عابر لا يخلو من الألفة...
كل ذلك أضفى على الأمسية جوًا مريحًا وهادئًا.
وخلال تبادلهما الأحاديث، سمع شان شيئًا قاله رودن، فصرخ من شدة المفاجأة:
«تسعة عشر عامًا؟!»
«نعم. أعرف أنني أبدو أكبر من عمري. لا داعي لأن تذكرني بذلك.»
قال رودن ذلك وهو يضحك ضحكة فاترة، وكأنه اعتاد سماع مثل هذا التعليق.
وفي الحقيقة، كان يستغل مظهره أحيانًا لصالحه.
فإذا خفض صوته وتحدث بصرامة، كما فعل في قرية الورقة، فلن يخطر ببال أحد أنه مجرد شاب بلغ سن الرشد حديثًا، قليل الخبرة بالعالم.
ظل شان يحدق فيه بذهول، ثم تمتم:
«إذًا، أنت لست أكبر مني بكثير...»
«وكم عمرك أنت؟»
«لا أعرف. أظن أنني أكبر من اثني عشر عامًا وأصغر من أربعة عشر.»
كان الجهل بالعمر الحقيقي أمرًا شائعًا بين الأيتام الذين لم ينالوا رعاية مناسبة في طفولتهم.
ومن تلك الكلمات وحدها، استطاع رودن أن يتخيل إلى حد ما نوع الحياة التي عاشها الفتى المسمى شان.
وبعد أن تبادلا أحاديث عابرة لبعض الوقت، تبدلت ملامح رودن وأصبحت أكثر جدية، وانتقل إلى الموضوع الذي أراد مناقشته.
«إذًا، هل تنوي مواصلة العيش بهذه الطريقة؟»
«أية طريقة؟»
«أهل قرية الورقة هم الذين طلبوا مني التخلص منك. لقد كانوا يعانون لأنك تأخذ طعامهم. ومهما حاولت النظر إلى الأمر، فما تفعله ليس سوى انتزاع الطعام من المزارعين بقوة السلاح.»
«لكن العيش بين الناس أمر شاق للغاية.»
كان ذلك عذرًا يليق بأحد الأوغاد الذين هربوا إلى المدينة هربًا من العمل في الحقول.
تصلبت ملامح رودن استياءً.
لكن الكلمات التي قالها شان بعد ذلك جعلته يتأوه من شدة الأسف.
فقد وصف له حياته السابقة.
كان يستيقظ قبل الجميع، ثم يُجبر على العمل الشاق دون توقف، حتى تغرب الشمس ويكون الآخرون قد خلدوا إلى النوم.
وكان كل من يتعامل معه تقريبًا يهينه ويضربه دون اكتراث، بينما لا يحصل من الطعام إلا على الفضلات والبقايا.
وقد بلغ به الجوع والهزال حدًا أصبحت معه عظام جسده كلها بارزة...
كانت الحياة التي يراها ذلك الفتى الألتويني «حياة شريفة» أشد قسوة ووحشية بأضعاف مما تصوره رودن.
بل إن وصفه بالعبد لم يكن بعيدًا عن الحقيقة، رغم أن الاستعباد محرّم تحريمًا صارمًا في تعاليم الإيمان بالإلهة.
ولهذا، لم يكن مستغربًا أن يرى شان أن العيش بسلب ممتلكات الآخرين وهو يحمل سيفًا أفضل من العودة إلى تلك الحياة.
قال شان:
«عندما أحمل سلاحًا وأستخدم هذه القوة الشيطانية، يخاف الناس مني. وهذا أفضل من أن يحتقروني ويتجاهلوني.»
لم يجد رودن جوابًا لكلماته.
وظل صامتًا وقتًا طويلًا.
لكن الكلمات التي خرجت من فمه بعد ذلك لم تكن اعتراضًا على ما قاله شان.
«أبي تاجر.»
«تاجر... تقصد شخصًا يشتري الأشياء ويبيعها؟»
«هذا صحيح. وهو أحد أفضل التجار في بلدنا المجاور، بنديا.»
كان اسم رودن الكامل
رودن ويفرز
.
أما والده،
كاليون
، فكان رئيس نقابة التجار في العاصمة، وصاحب أكبر متجر للمجوهرات في المملكة.
وبطبيعة الحال، كان الجميع يتوقعون من رودن، الابن الذي رُزق به كاليون في مرحلة متأخرة من عمره، أن يصبح تاجرًا عظيمًا مثل أبيه منذ صغره.
قال رودن:
«عندما كنت طفلًا، كنت أعتقد أن أبي أعظم رجل في العالم. فكل من نلتقيه كان يعامله باحترام وإجلال. لكن... ذات يوم، رأيت أبي يحني رأسه أمام شخص آخر.»
وكان ذلك الشخص فارسًا.
لقد ترك منظر والده، الذي كان يرتدي ملابس فاخرة، وهو ينحني بعمق أمام فارس يرتدي درعًا باليًا، أثرًا بالغًا في نفس رودن الصغير.
ولم يكن ذلك الفارس الشخص الوحيد الذي ينحني له والده.
فقد كان هناك أيضًا خدم البلاط الملكي، ومختلف النبلاء الذين يشكلون أهم زبائنه...
وبالنسبة إلى التاجر، كانت مهارة التملق والمجاملة وإرضاء الآخرين لا تقل أهمية عن حدة البصيرة والقدرة على فهم أحوال العصر.
وحتى لو كان الطرف الآخر نبيلًا فقيرًا أو فارسًا قليل المهارة، فلم يكن مسموحًا للتاجر أن يتصرف معه بتعالٍ.
فمثل هذا التصرف سيُعد تمردًا على مكانة الطبقة العليا وتحديًا لها.
«إذا أردت أن يحترمك أصحاب القوة الحقيقية، وأن تصبح واحدًا منهم، فلا بد أن تمتلك إما نسبًا رفيعًا وإما مهارة استثنائية. والمهارة المقصودة هي هذه.»
رفع رودن قبضته المغلقة أمام عيني شان.
كانت قبضته تبدو أكبر من قبضة الفتى بمرتين تقريبًا، وقد برزت عليها العروق، مما منحها مظهرًا مخيفًا.
تابع رودن:
«احترم أبي رغبتي، وعرّفني بفارس متقاعد ليتولى تدريبي. وقد أخبرني أن ردود أفعالي ومهارتي في استخدام السلاح عاديتان، لكن بنيتي الجسدية جيدة وقوتي كبيرة، ولذلك فإن موهبتي ليست سيئة. لكن...»
«كنت تخاف من النصال؟»
«هذا صحيح.»
لم يكتشف رودن مشكلته عندما كان يتدرب بالسيوف الخشبية أو سيوف المبارزة غير الحادة.
لكن تبين لاحقًا أنه يعاني حالة غريبة.
فكلما وجّه أحدهم نصلًا حادًا نحوه، يتصلب جسده بالكامل، كفأر تجمد أمام أفعى.
وكان ذلك يحدث حتى عندما يعرف أن الشخص المقابل لا ينوي إيذاءه، أو لا يملك أصلًا القدرة على ذلك.
حاول التغلب على المشكلة بإجبار نفسه على العيش بالقرب من الأسلحة ذات النصال الحادة.
لكن الأعراض لم تتحسن، بل ازدادت سوءًا.
وفي الوقت الحاضر، كان رودن يستطيع استخدام سكين المطبخ.
أما مجرد الإمساك بسلاح قتالي ذي نصل، فكان أمرًا يشق عليه.
ولهذا، لم يعد قادرًا على استخدام سوى الأسلحة الراضّة، مثل الصولجانات والمِدْراس القتالي.
«لم يلمْني أبي على ذلك. بل في الحقيقة، بدا مسرورًا بعض الشيء. فقد كان يحترم رغبتي في أن أصبح فارسًا، لكنه كان يتمنى في قرارة نفسه أن أتخلى عن التدريب وأصبح تاجرًا يخلفه في أعماله. أما أنا، فلم أرد الاستسلام.»
وفي النهاية، ارتدى رودن الدرع المصنوع خصيصًا له، وحزم أمتعته، وهرب من منزله متجهًا إلى مملكة ليبرت المجاورة.
كان عازمًا على التجول في العالم والمخاطرة بحياته حتى يتخلص تمامًا من ذلك الخوف اللعين من النصال.
ورغم أن السفر وحيدًا محفوف بالمخاطر، فإنه استطاع الحفاظ على سلامته بفضل مظهره المخيف.
فقد كان يبدو محاربًا ماهرًا يحمل معدات باهظة الثمن بوضوح.
ولهذا، لم يكن الأوغاد العابرون يجرؤون على افتعال شجار معه، خوفًا على حياتهم.
أما الوحوش، التي لا تملك من الإدراك ما يسمح لها بتمييز حقيقة قوته، فنادرًا ما كانت تستخدم أسلحة ذات نصال.
ولهذا، كان يستطيع مواجهتها مستخدمًا كامل قوته دون أن تعوقه مشكلته.
وبعد أن انتهى رودن من سرد حكايته، نظر إلى شان نظرة عميقة وسأله:
«هل تعرف لماذا أخبرتك بكل هذا فجأة؟»
«لا.»
«لأنني أحسدك وأغار منك إلى درجة لا أطيقها.»
الغيرة.
كانت كلمة لم يتخيل شان يومًا أنه سيسمعها موجهة إليه.
فمن ذا الذي يمكن أن يغار من يتيم ألتويني وضيع وملعون مثله؟
وعندما رأى رودن الحيرة المرتسمة على وجهه، ضحك بخفة وقال:
«لقد قابلت أفرادًا من الألتوين مرات كثيرة من قبل. وما وُلدت به ليس قوة شيطانية كما تظن.»
ثم تابع:
«صحيح أن قدرتك على الرؤية في الظلام تعود على الأرجح إلى طبيعة عينيك... لكن بقية ما تملكه ليس سوى موهبة.»
«موهبة قد تجعلك فارسًا أعظم من أي فارس آخر في هذا العالم.»
كيف يمكن لرودن ألّا يرفع شكواه إلى الآلهة وهو يرى شخصًا وُلد بالموهبة التي يتوق إليها بشدة، ثم يتركها تضيع دون أن يستفيد منها؟
كانت تمتماته تفيض بالأسى والحسرة.
استمع شان إلى كلامه بصمت، ثم سأله غير مصدق:
«لكنني من الألتوين. كيف يمكنني أن أصبح فارسًا؟»
«هنا في مملكة ليبرت، حيث يسود المذهب القديم، سيكون ذلك صعبًا. لكنه ممكن في بلدان أخرى.»
«المذهب القديم؟»
«ألا تعرف عنه شيئًا؟ آه، أظن أنهم لا يكلفون أنفسهم عناء تعليم هذه الأمور في القرى النائية كهذه.»
افترض رودن أن الفتى يجهل كل شيء عن الموضوع، وبدأ يشرح له بهدوء.
منذ زمن بعيد، قامت في الأراضي الغربية التي يعيشون فيها دولة عظيمة تُسمى
إمبراطورية أرمان
.
لكن قبل خمسمئة عام، سقطت تلك الإمبراطورية، وانقسمت أراضيها إلى خمس دول.
ومع ذلك الانقسام، انقسم الإيمان بالإلهة أيضًا إلى مذهبين:
المذهب القديم والمذهب الجديد.
فبينما تمسك أتباع المذهب القديم بالتعاليم القديمة المتشددة، اتخذ المذهب الجديد موقفًا مختلفًا تجاه الألتوين.
فلم يعد يعتبرهم من نسل الشياطين، بل بشرًا عاديين تعود أصولهم إلى إمبراطورية سحرية قديمة.
قال رودن:
«هناك اختلافات أخرى بين المذهبين أيضًا، مثل السماح للكهنة بالزواج، والقوانين المتعلقة باستخدام السحر... لكن المهم هو أن موطني، بنديا، يعيش فيه أتباع المذهبين القديم والجديد معًا. ولذلك، فإن التمييز ضد الألتوين هناك أقل مما هو عليه في مملكة ليبرت، التي تتبع المذهب القديم.»
ثم أضاف:
«لا أستطيع القول إن التمييز غير موجود تمامًا، لكن حتى الألتويني يستطيع هناك الحصول على فرص لا حصر لها للارتقاء في المجتمع بفضل مهارته في استخدام السيف.»
«أما شخص مثلك، فقد يتمكن من تحقيق إنجازات عظيمة، ويصبح أول سيد إقطاعي من الألتوين!»
كان كلام رودن جميلًا إلى درجة أنه بدا غير حقيقي.
«سيد إقطاعي من الألتوين؟»
أليست هذه عبارة متناقضة، كأن يتحدث المرء عن خنزير يطير في السماء أو طائر يسبح في الماء؟
بالنسبة إلى شان، الذي اعتاد طوال حياته أن يُصنف باعتباره من نسل الشياطين، وكأنه ينتمي إلى نوع مختلف تمامًا عن البشر، كان ذلك أمرًا يفوق قدرته على الاستيعاب.
ولما رأى رودن تعبير وجهه، نهض وانتقل إلى الجانب الآخر من نار المخيم، ثم أمسك بكتفي شان بإحكام.
أدرك الفتى أنه سيكون في خطر إذا قرر الرجل خنقه فجأة.
لكنه لم يستطع الاستجابة في الحال.
قال رودن:
«تعال معي إلى بنديا يا شان.»
«هل هذه حقًا الحياة التي تريدها؟ أن تقضي عمرك كله هنا، تعيش على سلب المزارعين؟»
«بموهبتك هذه، تستطيع الحصول على أشياء أعظم بكثير.»
«ثروة وشهرة تجعل الجميع ينظرون إليك بإعجاب واحترام... وربما ما هو أعظم من ذلك أيضًا.»
لم تكن الثروة والشهرة من الأمور التي تعني الكثير لشان.
فهو لم يسبق له أن أجرى تجارة حقيقية، ولم يعتد أن يسمع المديح من الآخرين.
ومع ذلك...
للمرة الأولى في حياته، استطاع شان أن يرى في كلمات رودن شيئًا يُسمى
المستقبل
.
حياة لا تقتصر على الصراع اليومي من أجل الحصول على الطعام ومكان للنوم.
حياة لا يكون الهدف الوحيد منها مجرد البقاء حيًا...
إن الرغبة في أن يصبح المرء أفضل مما هو عليه، والتطلع إلى التغير نحو الأفضل، هما الحد الفاصل بين الإنسان والوحش.
وكان هذا الفتى قد استمتع طوال الأشهر الماضية بالحرية والسعادة اللتين تمنحهما حياة الوحوش.
والآن، وُضع أمامه عرض يدعوه إلى عبور ذلك الحد الفاصل...
وأن يعيش إنسانًا.
ظل شان يفكر في العرض وقتًا طويلًا.
ولم ينطق أخيرًا إلا عندما كانت نار المخيم أمامهما توشك على الانطفاء.
«هل سأتمكن هناك من تناول طعام أشهى من الذي أكلته اليوم؟»
تجمد رودن من شدة المفاجأة أمام ذلك السؤال الذي لم يتوقعه على الإطلاق.
وحدق في شان لحظات مذهولًا...
ثم انفجر ضاحكًا.
«بالطبع! بالمقارنة مع الطهاة المهرة في عاصمة بنديا، لا أُعد شيئًا يُذكر!»