الأسد الذي احتاج إلى قلب
استغرق السير من الكوخ الذي يقيم فيه شان إلى قرية الورقة نحو أربع ساعات.
وبالنظر إلى المسافات الأكبر التي تفصل بين بقية قرى المنطقة، كان من الممكن اعتبار القريتين جارتين.
ولهذا السبب أيضًا، تدخل رجال الميليشيا من قرية الورقة عندما وقعت المأساة في القرية المجاورة.
فكثير من سكان قرية ظل الجبل الذين قُتلوا كانوا أصدقاء أو أقارب لأهل قرية الورقة.
وبفضل قصر المسافة نسبيًا، تمكن شان، الذي انطلق في الصباح الباكر، من الوصول إلى قرية الورقة بسلام حين بلغت الشمس كبد السماء.
«أوه...»
كانت حقول القمح المحيطة بالقرية تكتسي لونًا أخضر مائلًا إلى الزرقة، ربما لأن موسم الحصاد لم يحن بعد.
لكن شان استطاع بسهولة تخيل منظر تلك الحقول حين تتحول إلى بحر من السنابل الذهبية.
صحيح أنه لم يتعلم الزراعة كما ينبغي، لكنه كان يبذر الحبوب ويحرث الحقول ويشارك في الحصاد كل عام، وفقًا لما يُؤمر به.
ودفعه الفضول إلى معرفة مدى نضج القمح في هذه المنطقة، فقطع بضع سنابل ليتفحصها.
لكن صيحة غاضبة جاءته من بعيد.
«مهلًا! ماذا تفعل هناك؟! إنك تدوس القمح الثمين وتفسده!»
اقترب منه شاب عاقد الحاجبين، بدا أكبر من شان بخمس أو ست سنوات، وكان في المرحلة الفاصلة بين الصبا والرجولة.
لكن الشاب تجمد في مكانه عندما رأى شان، الذي كانت سنابل القمح تحجب جزءًا من جسده.
فتى صغير يحمل سيفًا وصولجانًا، ويرتدي درعًا جلديًا باليًا، ويمسك رمحًا قصيرًا...
«مرحبًا. أحتاج إلى بعض الطعام...»
«آآآآه!»
«إنه الشيطان الصغير!»
أطلق الشاب صرخة مذعورة، ثم استدار وفرّ نحو القرية بأقصى سرعته، دون أن يكترث هذه المرة بأنه يدوس سنابل القمح التي كان يحرص عليها قبل لحظات.
لم يتذكر شان أنه رأى وجه ذلك الشاب خلال اشتباكه السابق مع رجال الميليشيا.
ويبدو أن الناجين الذين عادوا إلى القرية قد نشروا حكايات عن أفعاله، حتى ذاع صيته السيئ بين الجميع.
شعر بشيء من الحرج، فحكّ جانب وجهه عند صدغه، ثم تابع السير نحو السور الخشبي المحيط بالقرية.
ولعل الشاب الذي فرّ قبل قليل قد أنذر السكان بوصوله.
فقد تجمع أهل القرية، رجالًا ونساءً، صغارًا وكبارًا، يحمل كل منهم ما استطاع العثور عليه من أشياء تصلح للاستخدام كأسلحة.
«لن يكون الأمر صعبًا، لكن...»
لاحظ شان الخوف العميق الكامن في أعين الذين يحدقون فيه.
فلو قتل بضعة أشخاص من الواقفين في المقدمة، فمن المرجح أن يصرخ البقية ويفروا جميعًا.
فإذا كان هذا ما حدث مع مجموعة من الرجال البالغين الأصحاء، فما بالك بحشد يضم النساء والأطفال والمسنين؟
وكان ذلك ينطبق حتى على من لم يشهدوا قدراته بأنفسهم.
فالناجون الذين عادوا إلى القرية بالغوا في وصف قوة شان عندما رووا ما حدث، محاولين بذلك تبرير خوفهم منه.
توقف شان عند موضع يصعب عليهم تطويقه فيه، ثم انحنى انحناءة خفيفة أمام شيخ القرية أورغو، الذي كان يقف في مقدمة الحشد.
«مرحبًا.»
«مضى وقت منذ لقائنا الأخير، أيها الفارس.»
تعالت همهمات القرويين عندما رأوا شيخهم ينحني بعمق أمام الفتى.
لكن أورغو لم يعرهم اهتمامًا.
فقد كان يدرك جيدًا أنه مهما كان سبب زيارة هذا الصبي، فإن أي خطأ في التعامل معه قد يؤدي إلى مقتل جميع الحاضرين، وربما غيرهم أيضًا.
«هل لي أن أسأل عن سبب زيارتك لقريتنا؟»
«أحتاج إلى بعض الطعام.»
«سآمر بتجهيزه على الفور.»
كان شان على وشك أن يخبره بأنه يحمل بعض الأشياء الثمينة التي يستطيع تقديمها مقابل الطعام.
لكنه توقف عندما سمع إجابة أورغو.
«هل يعني هذا أنني لا أسلبهم شيئًا، ما دمت لم أهددهم بعد؟»
«لكنهم لا يبدون وكأنهم يعطونني الطعام لمجرد محبتهم لي.»
ومع ذلك، شعر بأن الإصرار على دفع الثمن بينما يعرضون عليه الطعام مجانًا سيكون خسارة لا داعي لها.
فكر للحظة، ثم أومأ برأسه.
«لا بأس، ما دام الأمر يسير بهذه الطريقة.»
«لا بد أنهم يملكون الكثير من الطعام الفائض لأن قريتهم كبيرة.»
ولم يمضِ وقت طويل حتى خرج بضعة قرويين يحملون أكياسًا عديدة مملوءة بالطعام حتى آخرها.
شعير، ودقيق، ولحم مجفف، وجبن وزبدة، وخضراوات وفواكه، وملح، وأنواع مختلفة من التوابل...
وقف شان يتأمل كل تلك المؤن، ثم أشار إلى الحبوب وقال:
«أنا لا أعرف كيف أصنع الخبز، ولذلك أرجو أن تصنعوا لي خبزًا من الدقيق والشعير بدلًا من إعطائي إياهما كما هما. وهناك أمر آخر... هل يعرف أحدكم كيف يشعل النار؟»
«إشعال... النار؟»
«نعم. لقد حاولت إشعالها بنفسي، لكنني لم أنجح.»
كيف يشعل النار؟
أليس ذلك شيئًا يعرفه الجميع، ما لم يكونوا حيوانات لا تعقل؟
حدّق بضعة قرويين في شان بدهشة وهم يفكرون في ذلك، لكنهم انتفضوا وأخفضوا أعينهم عندما التقت نظراتهم بعينيه الخضراوين.
فعلى الرغم من أن الوقت كان لا يزال ظهرًا، كانت الغيوم تغطي السماء، ولهذا توهجت عينا شان بخفوت.
كان أورغو نفسه حائرًا، لكنه لم يُظهر ذلك.
«حسنًا... الأمر ليس صعبًا، لكن...»
وبعد قليل، تعلم شان أن إشعال النار لا يتم بضرب أي حجرين عشوائيين بعضهما ببعض.
بل يحتاج إلى حجر قدّاح، مثل المرو، يُضرب بقطعة من الحديد لتوليد الشرر، وإلى مادة سريعة الاشتعال تلتقط تلك الشرارة.
كانت هذه معرفة يتعلمها أي طفل عادي من والديه منذ صغره.
أما شان، اليتيم الألتويني، فلم تتح له فرصة لتعلم تلك الطريقة.
«أوه! هذا يعني أنني أستطيع الآن شواء اللحم الذي أصطاده. شكرًا لك.»
«لا داعي للشكر.»
«لكن كمية الطعام كبيرة جدًا. سيصعب عليّ حملها كلها.»
صحيح أن شان يستطيع استخدام جسده بكفاءة عالية، فيولد قوة أكبر مما يستطيع الآخرون توليده بالحركات نفسها.
لكن ذلك لا يعني أنه يمتلك القوة العضلية الهائلة التي يتمتع بها رجل ضخم مفتول العضلات.
فحمل كل هذه المؤن، التي احتاج عدة رجال بالغين إلى جهد كبير لإنزالها أمامه، سيتطلب منه الذهاب والإياب أيامًا عديدة.
«إذًا، سنتولى مساعدتك في نقلها أيضًا.»
«سيكون ذلك متعبًا لكم. أعطوني عربة أو شيئًا من هذا القبيل فحسب.»
«عـ... عربة؟»
لم تكن العربة التي يصنعها نجار ماهر شيئًا رخيص الثمن.
ولذلك كان مجرد التفكير في التخلي عن واحدة منها مؤلمًا لأورغو.
لكنه لم يجرؤ على قول «لا».
فحتى بعد مرور عدة أيام، ظلت صورة ذلك الفتى الذي ابتسم كالشبح وهو يبطش برجال القرية محفورة في ذاكرته.
كيف يمكنه رفض طلبه؟
وبينما كان أورغو يكاد يبكي دمًا في قرارة نفسه وهو يومئ بالموافقة، فكر شان في طلب حيوان يجر العربة.
لكنه عدل عن الفكرة بعد لحظات.
فالخيول والثيران باهظة القيمة بطبيعة الحال، بل حتى الحمير تُعد من الممتلكات الثمينة في القرى الزراعية.
لكن السبب الحقيقي لتراجعه عن الطلب كان أنه لا يثق بقدرته على الاعتناء بحيوان وتربيته.
«شكرًا لكم! سآكل هذا الطعام بكل سرور!»
«أتمنى أن يحالفك النصر في معاركك المقبلة، أيها الفارس.»
كان ما يقصده أورغو في الحقيقة:
«اذهب وقاتل في مكان بعيد، ثم مُت هناك!»
لكن شان، الذي لم يدرك المعنى الخفي وراء كلماته، اكتفى بابتسامة مشرقة ولوّح بيده مودعًا.
«إنها عبارة صعبة بعض الشيء... لا بد أنها تعني شيئًا حسنًا، أليس كذلك؟»
وبعد أن أصبح الطعام يصل إلى شان بصورة دورية من قرية الورقة، لم يعد هناك ما يعكر صفو حياته الهادئة.
وكانت إحدى هواياته الجديدة التدرب على إشعال النار بالطريقة التي تعلمها مؤخرًا.
وقد اكتشف أنها أصعب بكثير مما تصور، وأن إتقانها يتطلب قدرًا لا بأس به من الصبر والمثابرة.
«هووو... هووو...»
كان عليه أن يضرب قطعة الحديد بحجر المرو بحيث تسقط الشرارة في الموضع الصحيح فوق المادة سريعة الاشتعال.
ثم، قبل أن تنطفئ الشعلة الصغيرة التي بدأت تتكون، عليه أن يسارع إلى إضافة أعواد رفيعة قابلة للاشتعال حتى تكبر النار وتستقر...
وعلى خلاف القتال، لم يكن يستطيع النجاح في ذلك بمجرد التحرك كيفما شاء والاعتماد على موهبته.
وقد جعل ذلك الأمر أكثر إثارة لاهتمامه.
وبمجرد أن أتقن إشعال النار، بدأ يصطاد حيوانات الغابة بنشاط أكبر من السابق.
ومع استمراره في التدريب على الرماية، أصبح بارعًا إلى حد كبير في إصابة الأهداف المتحركة.
وكانت النتيجة سقوط أعداد كبيرة من حيوانات الغابة قتيلة، مقابل حصول شان على لحم طازج يشويه ويأكله.
«واااه...»
في اليوم الذي تناول فيه لحم الأرنب المشوي للمرة الأولى، ذرف شان دموع التأثر.
كيف يمكن مقارنة هذا المذاق ببقايا الطعام التي اعتاد تناولها عندما كان عاملًا في القرية؟
بل كيف يمكن مقارنته حتى باللحم المجفف الذي حصل عليه من قرية الورقة؟
وبالطبع، لم يكن الطبق لذيذًا إذا حكمنا عليه بمعايير الطهي المعتادة.
فقد استخدم لحم طريدة خشنًا، ونثر التوابل عليه دون معرفة بالكميات المناسبة، ثم شواه بطريقة غير متقنة.
لكن ربما لأن تلك كانت المرة الأولى التي يأكل فيها طعامًا طهاه بنفسه، بدا مذاقه لشان كأنه طعام شهي لا مثيل له في العالم كله.
وطبيعي أنه لم يستفد من تجاربه السابقة ليتعلم درسًا بسيطًا:
«تناول الطعام باعتدال، وخطط لاستهلاكه حتى لا تنفد المؤن.»
فإذا شارف الطعام على النفاد، يمكنه ببساطة الذهاب إلى القرية والحصول على المزيد!
وهكذا، ظل شان يلتهم الطعام بشراهة يومًا بعد يوم، ثم يستهلك ما أكله في الركض والانطلاق بحرية عبر الجبال والحقول المحيطة، كما اعتاد أن يفعل.
تحول معظم الطعام إلى طاقة يستهلكها جسده أثناء الحركة، لكن ما بقي منه ساهم في إحداث تغير ملحوظ في بنيته.
فالجسد الذي لم يكن عند استقراره هنا سوى هيكل عظمي يكسوه الجلد، أصبحت تغطيه عضلات نحيلة لكنها صلبة ومتينة كالأسلاك المشدودة.
كما ازداد طوله بسرعة، بعدما كان أقصر من الفتيان في مثل سنه بنحو نصف رأس.
وبطبيعة الحال، أدى هذا التحول إلى تحسن قدراته البدنية.
«أوه!»
قفز شان فوق جدول ماء بقفزة واحدة، ثم ابتسم ابتسامة عريضة بعدما أدرك مقدار التقدم الذي أحرزه.
فحتى قبل وقت قصير، لم يكن يستطيع تجاوز هذا الجدول بقفزة واحدة، وكان سيسقط في الماء محدثًا طرطشة كبيرة.
ولم تكن قوة قفزه وحدها هي التي تغيرت.
فقد ازدادت قدرته على التحمل عدة أضعاف، بعدما كانت غير متميزة كثيرًا رغم كفاءته الاستثنائية في استخدام جسده.
وحتى بعد أن ازداد وزنه بمقدار النصف، بقيت لديه القوة الكافية لتسلق الأشجار برشاقة القرد.
وكان ذلك يعني أيضًا أنه أصبح يستطيع التلويح بأسلحته بقوة أكبر وسرعة أعلى.
طَخ!
أسقط شان شجرة يتجاوز سمك جذعها سمك فخذه بضربة واحدة من فأسه.
لكنه طقطق بلسانه باستغراب عندما أدرك أن نصل الفأس قد تحطم.
«معقول؟ لقد حصلت عليها من القرية قبل مدة قصيرة فقط، وها هي تنكسر بالفعل!»
«إنها ضعيفة جدًا...»
لم يكن يدرك ذلك عندما كان نحيلًا وضعيفًا، لكنه أصبح يرى الآن أن الأسلحة المصنوعة من الحديد ليست بالمتانة التي تصورها.
فالسلاح الوحيد الذي ظل قادرًا على تحمل قوته كان سيف قائد قطاع الطرق.
وشعر بأنه لو امتلك سلاحًا أفضل، لاستطاع شطر صخرة ضخمة بضربة واحدة!
«وعندئذ، ألن أستطيع قطع أولئك الوحوش الذين يرتدون الدروع الحديدية، ويُطلق عليهم اسم الفرسان؟»
«هل أطلب من أهل قرية الورقة أن يحضروا لي سلاحًا أفضل؟»
وبينما كان شان يجلس في وسط الغابة، يفكر في أهل قرية الورقة وكأنهم كيس سحري يستطيع إخراج أي شيء يطلبه، كان هؤلاء يناقشون أمره أيضًا.
«أيها الشيخ، إلى متى سنظل نتعرض للاستغلال؟»
«لم نعد قادرين على تحمل كل هذه الخسائر!»
طوال الأشهر القليلة الماضية، ظل أهل قرية الورقة يتعرضون للاستغلال على يد شيطان صغير يقيم في قرية ظل الجبل الواقعة جنوبًا.
فرغم صغر بنيته، كان ذلك الوغد يلتهم من الطعام ما يزيد على حاجة ثلاثة أو أربعة رجال بالغين أصحاء.
وفوق ذلك، لم يكن يقبل إلا بالطعام الجيد!
ومع مرور الوقت، ازداد وزنه وطوله بفضل الطعام الذي يستهلكه، فأصبح يطلب كميات أكبر من السابق.
ولم يكتفِ بذلك، بل بدأ مؤخرًا يطلب أدوات مختلفة، مثل الفؤوس والمناجل.
وكانت تلك المطالب كافية لإثقال كاهل قرية الورقة، التي كانت تعاني أصلًا من خسارة عشرة من شبابها بين قتيل ومصاب بعاهة.
استمع شيخ القرية أورغو إلى شكاوى وجهائها، ثم أطلق تنهيدة عميقة وقال:
«وما الذي نستطيع فعله؟ لا يمكننا أن نثور عليه ببساطة ونقول إننا لم نعد قادرين على العيش بهذه الطريقة. كما أننا لا نستطيع الاستعانة بجيش السيد الإقطاعي.»
فقبل شهرين تقريبًا، ظهر بالقرب من قرية الورقة رجلان أو ثلاثة من المتشردين، وكانت أجسادهم مليئة بالندوب.
كانوا في حالة تقارب الجنون، ويتمتمون باستمرار:
«الشيطان ذو العينين الخضراوين قادم...»
وخلال استجوابهم، اعترفوا بأنهم مرتزقة استأجرهم أحدهم لمحو عدة قرى مجاورة دون ترك أي أثر.
وعندما وصل الخبر إلى البارون ماكسل، السيد الإقطاعي الذي يحكم المنطقة، أمر باقتياد أولئك الرجال، ثم اعتزل الناس داخل قلعته.
أما عندما ناشده أهل القرية إرسال جيش للقضاء على قاطع الطريق الألتويني الصغير، فلم يصلهم منه سوى رد مقتضب:
«اضبطوا أنفسكم.»
لم يكن القرويون يعرفون التفاصيل، لكن كان واضحًا أن الكشف عن هوية قطاع الطرق قد ترك أثرًا بالغًا في السيد الإقطاعي.
فما الذي يستطيع أهل القرية فعله في مثل هذه الظروف؟
لقد انتشرت بالفعل حكايات «الشيطان ذي العينين الخضراوين»، الذي ذبح بمفرده عصابة قوية من المرتزقة.
وبلغت شهرة تلك الحكايات حدًا جعل المرتزقة العابرين والرجال الذين يرتزقون من حل المشكلات يفرون من المنطقة.
فمجرد القدرة على قتل أكثر من اثني عشر مرتزقًا مدججين بالسلاح بمفرده، حتى لو افترضنا وجود مبالغة في الحكاية، كانت كافية لجعل ذلك الفتى وحشًا يضاهي في قوته فارسًا مقتدرًا.
ولهذا، لم يكن خوفهم منه مستغربًا.
وبينما كان وجهاء القرية يتنهدون في يأس، اندفع أحدهم فجأة عبر الباب.
«أيـ... أيها الشيخ!»
«ماذا هناك؟»
«هـ... هناك شخص يقول إنه سيقبل مهمة التخلص من الشيطان!»
هبّ وجهاء قرية الورقة من أماكنهم، وأسرعوا إلى النزل الوحيد في القرية، الذي كان يضم حانة أيضًا.
«أين... أين هو؟»
«هناك.»
كان الرجل الجالس إلى إحدى طاولات الحانة يبدو، من النظرة الأولى، محاربًا ماهرًا بلا شك.
قدّروا عمره بنحو ثلاثين عامًا.
كان طويل القامة، عريض الكتفين، مفتول العضلات، وتغطي لحية كثيفة جانبي وجهه وفكّه، وله ملامح خشنة.
لقد كان تجسيدًا حيًا لصورة المحارب المخضرم.
وفوق ذلك، ورغم أنه لم يكن يرتدي الدرع الصفائحي الذي يستخدمه الفرسان، فقد كان يلبس درعًا مصنوعًا من حلقات معدنية متشابكة، وقفازين معدنيين وحذاءين مدعمين بالمعدن.
وكان يحمل صولجانًا عند خصره، بينما يتدلى على ظهره سلاح طويل يشبه العصا وله طرف غريب.
ولعل عدم حمله سلاحًا ذا نصل كان دليلًا على ثقته بقوته البدنية الهائلة.
تنحنح أورغو عدة مرات، ثم اقترب منه بحذر.
لاحظ الرجل اقترابه، فعقد حاجبيه وسأل:
«ماذا تريد؟»
«أعتذر عن إزعاجك. أنا أورغو، شيخ هذه القرية. سمعت أنك مستعد لقبول مهمة إخضاع قاطع الطريق...»
«هذا صحيح.»
«هل تسمح لي بمعرفة اسمك ونسبك؟»
«لا أعرف ماذا أخبرك الشخص الذي تحدث معي قبل قليل، لكنني لست فارسًا. أنا مجرد رجل جوّال من بنديا. نادني رودن.»
كانت بنديا دولة تقع شرق مملكة ليبرت، المملكة التي وُلد فيها هؤلاء القرويون ونشؤوا.
وصحيح أن منطقتهم تقع في شمال شرقي المملكة، ولذلك لا تفصلهم مسافة شاسعة عن بنديا، لكن أن يستطيع رجل السفر وحده في بلد أجنبي وحماية نفسه طوال الطريق، فهذا يعني أنه لا بد أن يكون ذا مهارة كبيرة.
وفوق ذلك، فإن درعه، بالنظر إلى جودة المعدن وإتقان صنعه، لم يكن شيئًا يستطيع متشرد عادي امتلاكه.
كما أن الدرع كان ملائمًا تمامًا لجسده الضخم، مما يجعل احتمال أن يكون قد سرقه ضعيفًا.
أشرق وجه أورغو، وابتسم قائلًا:
«فهمت، سيدي رودن. إذًا، هل يعني ذلك أنك مستعد لقبول... طلبنا؟»
«سمعت أن الأمر يتعلق بطفل واحد فقط.»
«كما ربما سمعت، فهو ليس طفلًا عاديًا. إنه من الألتوين، ويمتلك قوة شيطانية هائلة تكفي لإبادة عصابة كاملة من المرتزقة. وقد ألحق الأذى أيضًا بكثير من أهل قريتنا. ويُعرف في هذه المنطقة باسم الشيطان ذي العينين الخضراوين.»
لو أراد أورغو تخفيض الأجر المطلوب، لكان من الأفضل أن يقلل من شأن قوة الهدف.
لكنه تعمد وصف قدرات ذلك الفتى كما يعرفها، دون مبالغة أو تهوين.
فقد أدرك من تجربته الشخصية أن مظهر شان وحده يكفي لجعل خصومه يستهينون به.
وأن تلك الاستهانة تؤدي إلى عواقب مدمرة.
فماذا سيحدث لقريتهم إذا هاجم هذا المحارب الجوال شان وخسر المعركة، ثم كشف له هوية من استأجره؟
«يكفي. كل ذلك الكلام عن امتلاك الألتوين قوى شيطانية ليس سوى خرافات. وعلى أية حال، سأقبل المهمة.»
«إذًا... بخصوص المكافأة...»
«وأي مكافأة أحتاج إليها مقابل طرد طفل واحد؟»
بدا هذا الرجل وكأنه تجسيد حقيقي لفضائل الفروسية النبيلة التي ندر وجودها في الأزمنة الأخيرة.
لكن من ناحية أخرى، كان مظهره يوحي بثراء فاحش، وربما كانت سخاوته ببساطة سخاء رجل امتلأت مخازن حبوبه.
وعلى أية حال، كان من دواعي الارتياح الشديد أن تتمكن القرية من الاحتفاظ بالقطع الذهبية الثلاثين التي ادخرها أهلها بشق الأنفس من معيشتهم المتواضعة.
لكن شيئًا واحدًا ظل يقلق أورغو.
فمهما نظر إلى الأمر، لم يبدُ أن الرجل يأخذ قوة ذلك الشيطان على محمل الجد.
ولهذا، خاطر أورغو بأن يبدو وقحًا، وحاول مرات عدة أن يوضح له مدى خطورة الفتى.
فإذا خسر هذا المحارب المعركة، ثم نجا وكشف لشان أن أهل قرية الورقة هم من طلبوا التخلص منه، فلن يكون هناك ما هو أفدح من تلك الكارثة!
«سأنطلق الآن.»
ومع مغادرة رودن القرية، أغمض أهل قرية الورقة أعينهم جميعًا، وشبكوا أيديهم وأخذوا يصلون.
«أيتها الإلهة، باركي ذلك المحارب، وأعينِيه على هزيمة الشيطان الألتويني الشرير!»
في كوخ يقع عند طرف قرية ظل الجبل...
كان شان يستريح في منزله بتكاسل، بعدما أمضى وقته في اللعب والتجول كما يحلو له، عندما سمع صوتًا غريبًا يأتي من بعيد.
اعتدل في جلسته وأصغى.
كان صوتًا لم يسمعه من قبل.
قرقعة معدنية منتظمة الإيقاع، كأن قطعًا من الحديد تصطدم بعضها ببعض مع كل خطوة...
خرج من الكوخ ليرى مصدر الصوت.
وما إن وقعت عيناه على القادم حتى أدرك ما يكون.
كان الرجل قوي البنية، ويغطي جسده من رأسه حتى قدميه لباس مصنوع من المعدن.
ولا شك أنه فارس من أولئك الذين لم يعرفهم شان إلا من الحكايات!
وقف الرجل ساكنًا، ونظر إلى شان من علٍ، ثم قال بصوت منخفض:
«إذًا، أنت الفتى الألتويني الذي يرعب سكان هذه المنطقة ويسلب ممتلكاتهم.»
«لا.»
نفى شان ذلك على الفور.
ولم يكن السبب خوفه من الرجل.
بل لأنه لم يكن يدرك حقًا أنه قد سلب أحدًا ممتلكاته.
«في الحقيقة، فكرت فعلًا في أنني قد أضطر إلى أن أصبح قاطع طريق إذا لم أجد وسيلة أخرى للبقاء حيًا. لكن لحسن الحظ، ظل أهل القرية المجاورة يرسلون إليّ الطعام، ولذلك استطعت تدبير معيشتي.»
«أخذ ممتلكات الآخرين دون دفع ثمنها هو ما يُسمى قطع الطرق.»
«إذًا، هل الكنيسة أيضًا عصابة من قطاع الطرق؟»
«ذلك يُسمى تبرعًا، وهو أمر مختلف...»
توقف الرجل عن الكلام، وأطلق زفرة حادة.
«لا فائدة من محاولة كسب الوقت بهذا الحديث السخيف. أنا لا أؤمن بتلك الشائعات العبثية عن القوى الشيطانية التي يمتلكها الألتوين. إذا ألقيت أسلحتك وجئت معي بهدوء، فسأعاملك برفق. سأحميك إذا حاول القرويون إيذاءك، ويمكنني حتى أن أدلك على مكان مناسب تعمل فيه.»
«لا أستطيع فعل ذلك.»
فبالنسبة إلى شان، كان الأمر بإلقاء أسلحته يعني العودة إلى الماضي.
العودة إلى حياة الضعفاء، حيث يُجبر المرء على تحمل مختلف الإهانات وأشكال العنف، دون أدنى كرامة أو حرية.
وإذا حاول أحد دفعه مجددًا إلى تلك الهاوية، فلن يتردد شان في قتله.
حتى لو كان ذلك الشخص أحد والديه وقد عاد من الموت!
وما إن سحب شان السيف المعلق عند خصره حتى ازدادت ملامح الرجل الصارمة تصلبًا، وأمسك بكلتا يديه بالسلاح الطويل المعلق على ظهره.
«إذًا، فقد اتخذت قرارك... هذا تحذيري الأخير. إذا بدأت التلويح بمدراسي القتالي، فلن أستطيع إيقافه في منتصف الضربة.»
كان سلاح الرجل يشبه المِدراس، الأداة التي يستخدمها المزارعون لفصل الحبوب عن سنابلها.
فقد ثُبّتت سلسلة في طرف عصا طويلة، وتدلّى من نهايتها قضيب أقصر مدعّم بالحديد.
وبدا أنه سلاح صُمم للتلويح به وتوجيه ضربات عنيفة.
كانت تلك أول مرة يسمع فيها شان اسم هذا السلاح، لكنه استطاع تخمين مدى فائدته في المبارزات الفردية.
فعلى أقل تقدير، سيكون مداه أطول بكثير من مدى سيفه ذي اليد الواحدة وفأسه.
وبالنظر إلى بنية الرجل الجسدية، فمن المرجح أن تكون قوة ضرباته كافية لتحطيم العظام أينما أصابت.
«أنا متوتر...»
كانت هذه أول مواجهة له مع فارس في حياته.
فأي نوع من القوة يمتلكه أولئك المحاربون رفيعو المكانة، الذين يعينهم الملوك والنبلاء؟
شعر شان بالتوتر، لكنه كان مفعمًا بالترقب أيضًا.
«هل ستنجح مهاراتي حقًا في مواجهة فارس؟»
ركّز انتباهه بكل ما أوتي من قوة.
وبفضل حواسه المرهفة، أصبح قادرًا على إدراك أصغر التغيرات الجسدية التي تطرأ على خصمه.
ارتجافة خفيفة بدأت من قدمي الرجل، وانتقلت عبر ساقيه، ثم امتدت إلى جسده كله...
«هل هذه مقدمة لتقنية سرية لا يعرفها إلا الفرسان؟»
ربما كان الرجل يستعد لاستخدام مهارة خفية لم يسمع بها شان من قبل.
توتر الفتى للحظة.
ثم أخذ يتأمل وجه خصمه الجامد بعناية.
كانت عينا الرجل لا تنظران إلى شان نفسه، بل تركزان على طرف سيفه.
وللتأكد، حرّك شان سيفه حركة طفيفة.
وفي الحال، اضطربت نظرات الرجل، وأخذت تتبع طرف السيف في ارتباك واضح.
تلك النظرة التي كانت صارمة وحادة قبل لحظات، أصبحت أشبه بنظرة أرنب وجد نفسه أمام حيوان مفترس.
«أيعقل أن...؟»
خطوة.
ثم خطوة ثانية.
اقترب شان في هدوء وحذر، حتى توقف خارج مدى سلاح خصمه بقليل.
ثم ضرب الأرض بإحدى قدميه، ومد سيفه إلى الأمام في حركة طعن خاطفة.
«وااه!»
«آخ!»
قَرْقَعَة!
ألقى الرجل مدراسه القتالي جانبًا...
وسقط على مؤخرته أرضًا.
(مم :صورة توضيحية للمِدْراس القتالي: