قد تبدو الحكاية ضربًا من الجنون، لكنها حقيقية تمامًا
كما يعقب ليلةً من الشغف الجامح شعورٌ بالخواء، لم يشعر شان، حين فتح عينيه بعدما انهار من شدة الإنهاك، بشيء من النشوة التي غمرته في الليلة الماضية. لم يجد في داخله سوى فراغ عميق.
بدا وكأن كل ذرة من القوة قد استُنزفت من جسده.
تسللت أشعة الشمس من بين أوراق الأشجار، وداعبت وجهه، معلنةً أن الشمس قد بلغت كبد السماء.
«آخ...»
لم يسبق لشان أن تكاسل عن أداء الأعمال البدنية، لكن يبدو أن ما فعله في الليلة الماضية كان أعنف مما يحتمله جسده؛ إذ كانت كل عضلة فيه تؤلمه وكأنها على وشك التمزق.
وكان يشعر أيضًا بوخز في مواضع متفرقة من جسده، ربما بسبب الضربات التي خدشته أثناء القتال.
أما نجاته من أنياب الذئاب والوحوش الأخرى طوال الليل، فربما كانت بفضل صياد القرية الذي اعتاد التجول في الغابة من حين إلى آخر، وإبعاد الحيوانات المفترسة عنها.
شكر شان الصياد في سره، شكرًا صامتًا لن يصل إلى صاحبه بعد الآن، ثم نهض مترنحًا واتجه نحو جثث قطاع الطرق.
والغريب أنه، حتى عندما رأى الأحشاء المنسكبة والحشرات المحتشدة حول الجثث، لم يشعر بالغثيان أو الرغبة في التقيؤ.
لم تزعجه سوى الرائحة الكريهة.
«لا يختلف الأمر كثيرًا عن النظر إلى حيوان اصطاده أحدهم.»
هل كان ذلك لأنه أدرك أن أولئك الرجال العمالقة، الذين ارتعد خوفًا منهم حتى الأمس، لم يكونوا في الحقيقة سوى أشخاص ضعفاء وخرق إلى حد يبعث على السخرية؟
أم لأن أحداث الليلة الماضية، وما ارتكبه خلالها من أعمال مروعة، لم تبدُ له حقيقية بعد؟
وبينما كانت هذه الأفكار تتردد في ذهنه، تحرك جسده بصورة طبيعية، فأخذ يفتش الجثث، وينزع عنها الملابس، ويجمع متعلقات أصحابها.
كان يفعل ذلك دون أدنى تردد، كما اعتاد تقطيع الحيوانات التي يعود بها صياد القرية من رحلات الصيد.
وكان أول ما حصل عليه غمد السيف الذي استولى عليه من قائد قطاع الطرق، أول غنيمة حربية ظفر بها في حياته.
ثم انتزع سروالًا جلديًا من جثة أقصر الرماة الذين قتلهم في الليلة الماضية.
وما إن ارتداه وثبّت غمد السيف عند خصره حتى أصبح مظهره لائقًا إلى حد معقول.
وأخذ أيضًا رمحًا قصيرًا نسبيًا يسهل استخدامه، وخنجرًا يمكن إخفاؤه بين طيات الملابس، وصولجانًا قتاليًا وجده مريحًا في يده.
لكن تلك كانت تقريبًا كل الغنائم المفيدة التي استطاع الحصول عليها.
فملابس القتلى كانت إما أكبر من مقاسه بكثير، وإما ممزقة إلى درجة لا تصلح معها للارتداء.
ولم يعثر على شيء ثمين يسهل حمله والاحتفاظ به، كالعملات النقدية أو الجواهر أو الحلي.
حتى الرجل الذي بدا قائدًا لهم لم يكن يملك شيئًا من ذلك.
«هل يُعقل أنهم أنفقوا كل أموالهم على شراء الأسلحة، ثم اضطروا إلى امتهان قطع الطرق بعدما افتقروا؟»
أُعجب شان في قرارة نفسه بحدة استنتاجه، ثم قرر أن يبدأ بتناول المؤن الجافة التي وجدها مع بعض الجثث.
حشا فمه بحبوب مجففة ولحم وبعض الخضراوات، ثم استعان بماء من قربة جلدية كريهة الرائحة حتى تمكن من ابتلاع الطعام كله.
«هق...»
لم تكن تلك وجبة يمكن وصفها باللذيذة حتى على سبيل المزاح.
لكنها بدت لشان في تلك اللحظة وكأنها مأدبة فاخرة من السماء.
فقد بذل مقدارًا هائلًا من الجهد وهو يتضور جوعًا، حتى إنه شعر بأنه لو لم يعثر على ذلك الطعام، لربما انتهى به الأمر إلى مضغ لحم قطاع الطرق أنفسهم!
استمتع للحظات قصيرة بالسعادة التي منحته إياها معدته الممتلئة، وهو إحساس لم يألفه كثيرًا.
لكن كان عليه الآن التفكير في طريقة لحمل أكبر قدر ممكن من الأشياء المفيدة.
مزق بعض قطع الملابس وربطها بعضها ببعض، ثم وضع داخلها بضعة أسلحة سليمة نسبيًا وقطعًا من الدروع الجلدية، وصنع منها صرّة مؤقتة.
«هممم...»
وبعد نحو عشر دقائق من السير وهو يحمل صرّته التي تتصادم محتوياتها وتصدر قرقعة متواصلة، ظهرت القرية المدمرة أخيرًا أمام عينيه.
كانت معظم المباني الخشبية قد احترقت، ولم يبقَ منها سوى هياكلها المتفحمة.
«يبدو أنه لم ينجُ أحد.»
لكن حتى لو كان هناك ناجون، فمن الطبيعي أن يكونوا قد فروا إلى مكان بعيد بدلًا من البقاء هنا.
فمن ذا الذي سيخاطر بعودة قطاع الطرق؟
طاف شان حول القرية بحثًا عن أي ناجٍ، ثم عاد إلى المنطقة القريبة من ساحتها، حيث وقع بصره على جثة ملقاة بين الأنقاض.
«أيها الكاهن...»
كان الكاهن آدور من الأشخاص القلائل في هذه القرية الذين لم يحتقروا الصبي الألتويني اليتيم الذي يُعدّونه من نسل شعب آثم.
بل كان قد أشفق عليه.
تساءل شان كيف كان الكاهن سيحكم عليه لو علم أنه هزم قطاع الطرق باستخدام ما كان يسميه «قوة الشياطين».
هل كان سيقول إن استخدام قوة شريرة في سبيل عمل صالح أمر مقبول؟
أم كان سيخبره أن تقبّل الموت على نصل السيف دون مقاومة هو ما أرادته الإلهة له؟
وبعد لحظات، عثر شان على مجرفة نجت من الحريق، فحفر قبرًا للكاهن في الفناء الخلفي للكنيسة.
لم يكن يعرف الكتابة، ولذلك لم يستطع إعداد شاهد قبر يحمل اسم المتوفى.
لكنه كان يستطيع على الأقل أن يصلي بالطريقة التي تعلمها، متمنيًا أن تصعد روح الكاهن إلى معبد الإلهة المقدس.
وبينما كان يصلي بصمت وعيناه مغمضتان، تذكر إحدى التعاليم التي لقّنها له الكاهن ذات يوم، وهو ينظر إليه بعينين تفيضان بالشفقة.
«لقد كنت حقًا من أبناء الشياطين...»
فالمتعة التي شعر بها أثناء القتل وممارسة العنف في الليلة الماضية، وتلك النشوة التي ملأت رأسه حتى كادت تفجره، ما زالتا واضحتين في ذاكرته.
كيف يمكن لشخص يجد كل تلك السعادة في قتل الآخرين ألّا يكون شيطانًا؟
الآن فقط، أصبح يفهم لماذا كان الناس يحذرون من الألتوين إلى تلك الدرجة.
وبمشاعر معقدة اختلط فيها احتقاره لنفسه بشيء من الارتياح، ظل شان يصلي أمام القبر وقتًا طويلًا.
وبعد أن انتهى من مراسم دفن الكاهن، أخذ يفتش أنحاء القرية بحثًا عن أي شيء يستحق حمله، تمامًا كما فعل مع جثث قطاع الطرق.
أما جثث القرويين، فلم يشعر برغبة خاصة في الاعتناء بها، ولذلك تركها حيث كانت.
لكن حتى هنا، لم يعثر على أشياء كثيرة ذات قيمة.
فكل ما يمكن اعتباره ممتلكات حقيقية، مثل أكياس الحبوب والأخشاب المجففة، كان قد تحول إلى رماد منذ وقت طويل.
وكانت أفضل غنائمه بضع قطع منصهرة من العملات الذهبية والفضية التي عثر عليها في منازل شيخ القرية وبعض وجهائها، إلى جانب شمعدان فضي وطبق فضي كانا يُستخدمان في الطقوس الدينية داخل الكنيسة.
«سامحني، أيها الكاهن.»
«لكن إن تركت هذه الأشياء هنا، فسيأتي شخص آخر ويسرقها على أية حال.»
رفع شان دعاءً يطلب فيه الصفح من الإلهة والكاهن، ثم حمل صرّته المملوءة بمختلف الأغراض على كتفه، وغادر القرية.
وللمرة الأولى في حياته...
غادرها إنسانًا حرًا تمامًا، لا يقيده أحد.
والحقيقة أن شان لم يغادر قريته قط طوال حياته.
فعندما كان صغيرًا، لم يكن سوى عبء غير مرغوب فيه داخل منزل شيخ القرية.
وحين كبر قليلًا وأصبح أكثر فهمًا وإدراكًا، أُبقي في القرية بصفته عاملًا لا يتقاضى أجرًا، يقضي أيامه في خدمتها دون كلل.
وبعبارة أخرى، لم يكن يعرف شيئًا تقريبًا عن العالم خارج قريته.
لم يكن يعرف حتى موقع القرية المجاورة التي كان أهل قريته يتبادلون معها التجارة أحيانًا، ولا الطريق المؤدي إليها، فضلًا عما يوجد وراءها.
كل ما يعرفه عن العالم الخارجي هو القصص التي روتها له سيلينا عن قارة جنوبية تعيش فيها الفيلة، وما أخبره به الكاهن آدور عن أرض الوحوش الواقعة في أقصى الشرق.
لكن بما أنه لم يكن يعرف حتى أي اتجاه هو الجنوب وأيها الشرق، فلم تكن تلك المعلومات ذات فائدة تُذكر.
ولهذا، قرر شان السير على الطريق الترابي الممتد من مدخل القرية.
كان طريقًا تشكّل بصورة طبيعية نتيجة مرور الناس المتكرر فوق الأعشاب.
وبينما كان يسير، أخذ يفكر في وجهته التالية.
«هل أحاول العثور على سيلينا؟»
فهي الشخص الوحيد الذي يعرفه خارج القرية، ولذلك كان البحث عنها خيارًا يستحق التفكير.
صحيح أنه في نظرها لم يكن على الأرجح سوى يتيم بائس صغير، اعتاد الاستماع إلى حكاياتها وتفاخرها بمعرفتها...
كم مضى من الوقت وهو يسير غارقًا في أفكاره؟
بدأ يشعر بأن الشمس تميل نحو الغروب، وأن الظلام يزحف تدريجيًا إلى ما حوله.
فقد استيقظ متأخرًا ذلك اليوم، ثم أمضى وقتًا طويلًا في دفن الكاهن وتفتيش القرية.
قرر شان أن يواصل السير قليلًا، ثم يقضي ليلته إلى جانب الطريق.
ولم يكن السبب أن حلول الليل سيعيق رؤيته، بل لأنه كان يعرف أن أي قرية لن ترحب بضيف يصل إليها في منتصف الليل.
كانت عضلاته ما تزال تؤلمه، حتى أصبح المشي نفسه شاقًا عليه.
ولحسن حظه، كان فصل الصيف يقترب تدريجيًا.
فلو كان الطقس باردًا، لاضطر إلى إشعال نار.
لكنه لم يكن يعرف كيف يفعل ذلك.
كل ما يعرفه أنه من المفترض أن يطرق المرء الحجارة بعضها ببعض أو يفركها ليُشعل النار، لكنه حاول ذلك مرات عدة دون نجاح.
وفي النهاية، لفّ نفسه بعباءة قائد قطاع الطرق، التي كان يستخدمها أيضًا لجمع متاعه في صرّة، وأسند ظهره إلى شجرة كبيرة نسبيًا، ثم أغمض عينيه.
مرت عدة ساعات.
كان شان غارقًا في نوم عميق عندما استيقظ فجأة على إحساس بارد يسري على طول عموده الفقري.
كانت هناك فأس حجرية بدائية تهوي مباشرة نحو رأسه!
كانت الفأس مصنوعة من حجر رُبط بقطعة خشبية باستخدام شيء يشبه ساق نبات متسلق.
«آخ!»
أمال شان رأسه إلى الخلف بسرعة ليتفادى الضربة، ثم دفع العباءة التي كانت تغطيه بركلة إلى الأمام، فانتزع من مهاجمه صرخة حادة.
كان المهاجم وحشًا لا يزيد ارتفاعه على مستوى خصره تقريبًا، وله أنف عريض مفلطح، وأسنان أمامية بارزة، وأذنان طويلتان.
وكانت هناك مخلوقات أخرى من النوع نفسه تحيط بشان وتهدده.
تلألأت أعينها السوداء تمامًا، التي لا يظهر فيها أي بياض، وسط الظلام.
«كاااك! كياك! كررر...!»
كانت هذه أول مرة يرى فيها شان مخلوقات كهذه بعينيه، لكنه سمع أوصافها عدة مرات من قبل، ولذلك لم يجد صعوبة في التعرف إليها.
الغوبلن.
وحوش منخفضة المستوى، يمكن مصادفتها كثيرًا في الغابات والحقول.
وقد سمع أنها مخلوقات جبانة لا تجرؤ على مهاجمة حتى مجموعة صغيرة من الرجال الأصحاء القادرين على الدفاع عن أنفسهم.
ولهذا، لا بد أنها تجرأت على مهاجمته لأنها رأته وحيدًا وصغير البنية، ولم يكن حتى قد أشعل نارًا تحميه أثناء نومه.
أطلق شان صوتًا ساخرًا وهو يرى مظهرها الشرس.
«كيف تجرؤون؟»
ربما كان سيخاف منها لو صادفها بالأمس.
أما الآن، بعدما أسقط بيديه عدة محاربين يفوقونه حجمًا وقوة، فلم يعد هناك ما يدعوه إلى الخوف من هذه المخلوقات.
اندفع الغوبلن نحوه بأسلحتهم البدائية المصنوعة من الحجر والخشب.
لكن شان اكتفى بالتلويح بسيفه بخفة.
وفي لحظة واحدة، قطّع اثنين منهم إربًا!
ارتعبت بقية المخلوقات من المشهد، واستدارت هاربة.
«أوه...»
أطلق شان تعجبًا خافتًا.
فقد أدرك خلال تلك المواجهة أن السيف الذي استولى عليه من قائد قطاع الطرق، أول غنيمة حربية في حياته، كان أفضل بكثير مما تصور.
صحيح أن الغوبلن مخلوقات صغيرة وضعيفة، لكنها مع ذلك تضاهي الكلاب حجمًا.
ومع هذا، استطاع قطعها بتلك السهولة!
شعر بأنه يستطيع، على الأرجح، شطر جسد إنسان لا يرتدي درعًا إلى نصفين دون عناء يُذكر.
لكن من الأفضل ألّا يفعل ذلك إلا عند الضرورة.
فقطع العظام مرارًا سيؤدي إلى إضعاف حدة النصل بسرعة.
مسح الدماء عن سيفه بجلد الغوبلن القتيلين، الذي كان بنيًا مائلًا إلى الحمرة، ثم رتّب ملابسه ومتاعه.
بعدها ألقى نظرة حوله، وطقطق بلسانه عندما أدرك أن حيوانات أخرى قد تجمعت بالقرب منه.
ثعالب، وأوشاق، وحتى ذئاب.
يبدو أن جميع الحيوانات التي كانت تخشى الاقتراب من القرية بسبب وجود الصياد كانت تتجول هنا.
ألقى شان جثتي الغوبلن بعيدًا.
فتقدمت بضعة حيوانات وهي تزمجر، واستولت على الجثتين.
أما البقية، فأطلقت أصواتًا حزينة، ثم اختفت مجددًا بين أشجار الغابة.
وعلى أية حال، كانت العبرة التي تعلمها تلك الليلة واضحة تمامًا.
النوم في الغابة ليلًا دون أية وسيلة للحماية أمر بالغ الخطورة!
في صباح اليوم التالي، استيقظ شان وتابع السير لساعتين إضافيتين تقريبًا، حتى وصل أخيرًا إلى قرية أخرى.
أو بالأحرى...
سيكون من الأدق القول إنه وصل إلى أطلال قرية كانت قائمة هناك يومًا ما.
«آه...»
كانت حالتها شبيهة جدًا بحالة قرية الصفصاف، ولهذا رجّح أن المهاجمين هم قطاع الطرق أنفسهم.
وكان الاختلاف الوحيد أن وقتًا أطول قد مر على تدميرها، ربما يومًا إضافيًا، إذ كانت الحشرات تعجّ فيها، وتنبعث منها رائحة نتنة خانقة.
يبدو أنهم هاجموا هذه القرية أولًا، ثم انتقلوا بعد يوم إلى مهاجمة قرية الصفصاف.
«هل هذه القرية التي تزوجت فيها سيلينا؟ أم عليّ مواصلة السير إلى مكان أبعد؟»
ليت هناك شخصًا يستطيع سؤاله.
لكن مع عدم وجود ناجٍ واحد على مرأى منه، لم تكن هناك وسيلة لمعرفة الإجابة.
«إلى أين أذهب الآن؟»
كانت المؤن الجافة التي أخذها من جثث قطاع الطرق توشك على النفاد.
ولهذا، سيحتاج قريبًا إلى بيع بعض متاعه ليشتري الطعام.
وبينما كان غارقًا في التفكير، سمع شخصًا يصيح من بعيد:
«هناك شخص يقف هناك!»
«أنت! يا من تقف هناك! لا تتحرك! ابقَ مكانك!»
كان الذين يصرخون ويركضون نحوه مجموعة من الرجال المسلحين.
حمل بعضهم أسلحة حقيقية، بينما حمل الآخرون أدوات زراعية استخدموها بدلًا من الأسلحة.
وكان عددهم يبلغ نحو ستين رجلًا!
«ماذا؟ إنه مجرد طفل؟»
«أنت! لا بد أنك تعرف شيئًا عن الذين هاجموا هذه القرية، أليس كذلك؟»
«من أين حصلت على كل تلك الأسلحة؟»
وحين اندفع الرجال نحوه محاولين تطويقه، مدّ شان الرمح القصير الذي كان يستخدمه عصًا للمشي، وأشهره أمامهم ليمنعهم من الاقتراب.
«لا تقتربوا أكثر.»
ضيّق الرجال أعينهم عندما رأوا وضعه الدفاعي.
«ملابسه ملطخة بالدماء، ويحمل كل هذه الأسلحة رغم أنه مجرد طفل... أليس هذا مريبًا؟»
«ألم يسرق تلك الأشياء من القرية؟»
استمع شان إلى الرجال وهم يتهامسون بتلك الوقاحة، فأخذ نفسًا عميقًا وحشد شجاعته.
فلو لم يفعل ذلك، لشعر بأنه سيخفض رأسه ويعود إلى التصرف بخضوع في أية لحظة.
«ومن أنتم؟»
«آه... ربما كان سؤالي متعجرفًا أكثر مما ينبغي.»
ويبدو أن شان لم يكن الوحيد الذي شعر بذلك.
فقد بدت علامات الاستياء واضحة على وجوه الرجال، لكنهم أجابوا عن سؤاله رغم ذلك.
وربما كان للرمح المشهر في وجوههم دور كبير في هذا.
«نحن رجال الميليشيا المحلية من قرية الورقة.»
«سمعنا أن قطاع طرق هاجموا هذا المكان، قرية ظل الجبل، فجئنا للمساعدة.»
وبعد أن أجاب، تقدم رجل في منتصف العمر، بدا أنه قائدهم، وطرح سؤالًا.
«والآن جاء دورك لتتحدث. هل تعرف شيئًا عن الهجوم الذي تعرضت له هذه القرية؟»
«أولًا، أنزل ذلك الرمح اللعين... آخ!»
كان رجل ضخم ملتحٍ يقف بالقرب منهم قد تدخل فجأة، ومد يده محاولًا انتزاع الرمح من شان.
لكنه صرخ من الألم قبل أن يتمكن من ذلك!
فقد حرّك شان معصمه حركة خاطفة، وجعل نصل الرمح يخدش راحة يد الرجل.
وما إن رأى رجال الميليشيا الدماء حتى أصبحت نظراتهم أكثر شراسة.
لكن شان لم يتراجع.
وبصوت ارتجف قليلًا، أعلن موقفه بوضوح:
«لقد أخبرتكم. لا تقتربوا مني. إذا حاول أحدكم لمسي، فسأهاجمه.»
صحيح أن حركات هؤلاء الرجال بدت له خرقاء، وكأنهم فزاعات لا تستطيع حتى التحكم بأجسادها كما ينبغي.
لكن إذا فقد سلاحه، فلن يكون قادرًا على مقاومتهم.
فجسده الخفيف لا يسمح له بتوليد قوة كافية بقبضتيه وقدميه لإيقاف خصم أثقل منه.
ويبدو أن موقف شان بدا متعجرفًا للغاية في نظر رجال الميليشيا.
فقد تعالت صيحاتهم في وقت واحد، وأشهروا أسلحتهم نحوه.
«هذا الوغد الصغير! لا بد أنه أحد أتباع قطاع الطرق!»
«أمسكوا به واقطعوا معصميه!»
«توقفوا! توقفوا جميعًا! اهدؤوا! ماذا تفعلون بطفل مذعور؟!»
ولحسن الحظ، تدخل الرجل الذي تقدم بوصفه قائدهم على عجل، ومنع الموقف من التحول إلى اشتباك فعلي.
مع أنه لم يكن من الواضح تمامًا لمن كان ذلك الحظ!
وبعد أن هدأت الأجواء قليلًا، تحدث قائد الميليشيا بنبرة أكثر احترامًا من السابق.
«اسمي أورغو. أنا شيخ قرية الورقة.»
«أنا شان. أعيش في قرية الصفصاف.»
«قرية الصفصاف... إنها تقع جنوب قرية ظل الجبل، إذًا.»
قال أورغو ذلك، ثم ألقى نظرة خلفه.
وعندها تقدم أحد الرجال الواقفين وراءه وطرح سؤالًا:
«ما اسم الصياد الذي يعيش في قرية الصفصاف؟»
«السيد بون.»
«وزوجة الحطاب جيكسن؟»
«ماري.»
«كل الإجابات صحيحة.»
وبعدما تأكدوا أن شان ليس متشردًا مجهول الهوية، بل أحد سكان قرية مجاورة، خفّ التوتر المتصاعد بينهم قليلًا.
لكن ذلك لم يدم طويلًا.
فقد صاح الرجل الذي كان يطرح الأسئلة فجأة، وكأنه تذكر شيئًا مهمًا.
«مهلًا! كنت أظن أنني سمعت اسم شان من قبل! أليس هو ذلك الوغد الألتويني الذي يربونه في قرية الصفصاف؟»
«ماذا؟ ألتويني؟ لا بد أن أهل تلك القرية يتمتعون بقدرة هائلة على تحمّل أمثاله!»
«لكنه يبدو طبيعيًا. ليست لديه قرون أو أي شيء من هذا القبيل.»
كانت السمات المميزة لعيني شان لا تظهر إلا في الظلام.
ولهذا، وتحت أشعة شمس الظهيرة الساطعة، لم يكن يختلف في مظهره عن أي إنسان عادي.
وبينما أخذ الرجال يتبادلون النظرات في حيرة، سارع قائدهم أورغو إلى تغيير الموضوع.
«حسنًا يا شان. هل تستطيع أن تخبرنا من أين حصلت على هذه الأشياء؟ ولماذا تتجول هنا وحدك بدلًا من البقاء في قرية الصفصاف؟»
وعلى خلاف نبرته السابقة، تحدث هذه المرة كما لو أنه يحاول تهدئة طفل خائف.
تردد شان قليلًا، ثم أطاعه وشرح له ما حدث.
أخبره عن قطاع الطرق الذين هاجموا القرية فجأة، وعن القرويين الذين قُتلوا دون أن يستطيعوا الدفاع عن أنفسهم.
ثم حكى كيف انتهى به الأمر إلى قتال المهاجمين وقتلهم، قبل أن يغادر القرية.
وجاءت ردود فعل الرجال الذين استمعوا إلى الحكاية كما كان متوقعًا.
سخرية واستهزاء.
«أي هراء هذا؟»
«إذا كنت ستكذب، فاختر على الأقل كذبة يمكن تصديقها، أيها الصغير!»
كان من المعقول أن يكون قطاع الطرق الذين دمروا هذه القرية قد هاجموا قرية الصفصاف أيضًا.
لكن أن يكون عددهم نحو اثني عشر رجلًا فقط...
وأن يقتلوا أربعين أو خمسين رجلًا من أهل القرية الأصحاء القادرين على القتال، دون أن يواجهوا مقاومة تُذكر...
ثم يأتي هذا الصبي ويدّعي أنه قتل أولئك المهاجمين الأقوياء جميعًا بمفرده!
كانت حكاية يستحيل تصديقها.
كيف يمكن لفتى يبدو في الحادية عشرة أو الثانية عشرة على الأكثر، نحيل إلى درجة بروز عظام ذراعيه وساقيه، أن يفعل شيئًا كهذا؟
فالجميع يعرفون أن الألتوين، حتى لو كانوا من نسل الشياطين ويستخدمون السحر الشرير، لا يمتلكون قوة من ذلك النوع.
ولو كانوا يمتلكونها حقًا، لكان أولئك الأوغاد قد غزوا العالم بأسره منذ زمن بعيد!
«لا يهمني إن كنتم لا تصدقونني، لكنني لم أكذب.»
«هراء!»
صرخ الرجل الضخم الذي جرح شان راحة يده بالرمح قبل قليل، ثم تقدم نحوه بخطوات واسعة.
كانت يده اليمنى ملفوفة بإحكام بقطعة قماش، وقد بدا أنه تمكن من إيقاف النزيف.
«رودام، اهدأ...»
«أهدأ؟! إلى متى سنسمح لهذا الوغد الصغير بأن يتلاعب بنا؟! من الواضح أنه اختبأ في زاوية أثناء القتال، ثم سرق بضعة أسلحة وحسب!»
ثم وجّه الرجل الضخم أنظاره نحو شان، وهو يلهث من شدة الغضب.
«أنت! ألقِ الرمح واركع فورًا، وإلا قتلتك! أنا لا أتساهل مع الصغار!»
«إذًا، عندما جرحت يدك قبل قليل، ألم تكن تتساهل معي؟»
تفاجأ شان في قرارة نفسه من العبارة الساخرة التي خرجت من فمه دون أن يقصد.
لكن ما إن نظر إلى الرجل حتى رأى العروق تنتفخ على وجهه من شدة الغضب.
انتزع رودام مذراة من أحد رفاقه الواقفين بجواره، ثم أطلق صيحة واندفع نحوه.
«ماذا أفعل؟»
«هل أكتفي بتحذيره بخدش بسيط كما فعلت سابقًا؟»
لكن إذا فعل ذلك، وتجاهل الرجل جرحًا طفيفًا وواصل اندفاعه، فقد يصبح الموقف خطيرًا.
فإذا تحول الأمر إلى اشتباك بالأيدي من مسافة قريبة، ستكون القوة البدنية والوزن هما العاملين الحاسمين، لا الرشاقة وسرعة رد الفعل.
ولم يستمر تردد شان طويلًا.
فقد شعر من الطريقة التي اندفع بها الرجل بمذراته أنه لا يكترث حقًا إن انتهى الأمر بموت الفتى.
وعندها، تخلى شان عن فكرة إظهار الرحمة التي حاول التمسك بها قبل قليل.
صَلَنْغ!
في اللحظة التي اشتبك فيها نصل رمحه بأسنان المذراة والتوى السلاحان معًا، أفلت شان إحدى يديه من الرمح.
وانزلقت تلك اليد بسلاسة نحو مقبض سيفه، فأحكمت قبضتها عليه.
«آآآآآآغ!»
ومع صرخة مدوية، انتفضت ذراع الرجل الضخم...
ثم سقطت على الأرض.