[الظلال العليا ج1]
تابع راي الركض بأقصى سرعة يستطيعها، حتى لم يعد يعرف ما إن كان الوحش لا يزال يطارده أم لا.
في كلتا الحالتين، لم يكن يملك رفاهية التوقف للتحقق، فمع تزايد كثافة الضباب، أصبح تفادي جذوع الأشجار أصعب، ولم يعد أمامه سوى التركيز على الطريق الذي يشير إليه رابط الدم.
في نفس الوقت، بدأت سرعته تتراجع.
في النهاية، مهما بلغت قدرة تحمله، فقد كان يركض لساعات بسرعة كبيرة، وتحت ضغط المطاردة المستمرة بدأت عضلات ساقيه تثقلان، وأخذ التعب يتسلل إلى أطرافه، رغم أن أنفاسه ظلت منتظمة.
لاحظ الظل الأول ذلك أيضاً قبل أن يسأل: "هل أنت متعب؟"
"لا... أنا أتظاهر بذلك فقط"
"إذاً، زد سرعتك"
"أيها..." صر راي على أسنانه وقفز متجنباً الجذع الأول، ثم ثانياً، ثم ثالثاً على التوالي، قبل أن يغير مساره نحو اليمين عسى أن تكون هناك مساحة بين الأشجار تسمح له بالركض أسرع، لكن ما إن فعل ذلك حتى أعطى الظل بين ذراعيه تحذيراً:
"هناك جرف أمامك على بعد خمسة أمتار، كن حذراً"
"إن... إن كنت تستطيع أن ترى وسط هذا الضباب فأرشدني" طلب راي وهو يغير اتجاهه ليعود إلى المسار الذي كان يركض فيه، ولم يستجب الظل، بل نظر إلى السماء المظلمة قبل إعطاء تحذير آخر:
"لقد تزايد عدد المطاردين إلى خمسة، كن حذراً"
"اللعنة" شد راي جسد الظل الأول وأسرع قليلاً بعد أن ضاقت عينه في محاولة لينظر أبعد وسط هذا الضباب دون فائدة: "افعل شيئاً، ألا تستطيع؟"
"جسدي مشلول، بل لا أظن أنني أستطيع استخدام هذا الجسد مجدداً، لذلك اعتمد على نفسك"
"ماذا يعني هذا؟"
"توقف عن الحديث، في الواقع سيكون من الأفضل أن تتوقف لتقاتل، فهذه الوحوش تتبع صوت خطواتك، وبينما تركض أنت تتسبب بجمع المزيد منهم حول نفسك، لقد زاد العدد إلى ثمانية"
توقف راي بسرعة بعد سماع ذلك وأعطى ظهره لجذع شجرة بينما يلهت وهو ينظر حوله، يبحث، ويحاول تأكيد شيء دون فائدة.
ثمانية؟
"هل هذه الوحوش من نوع صياد؟"
"لماذا توقفت عن الركض؟" لم يجب الظل، بل طرح سؤالاً جعل راي يرغم برميه جانباً، فلا يهم بعد الآن ما يحدث، ففي النهاية ومع تزايد كثافة الضباب حوله أصبح تجنب الأشجار أصعب، مما جعل الركض بنفس السرعة مستحيلاً دون الاصطدام بالأشجار.
إن كان عليه قتال في كلتا الحالتين، سيكون من الأفضل عدم تأجيل الأمر إلى المرحلة التي لن يستطيع فيها الحركة.
'إذاً، هل علي القتال حقاً؟'
"لو كنت أعلم أن هذا سوف يحدث لما طلبت دخول هذا المكان من البداية" لعن راي ثم انتبه لوجود جسد أبيض يقف وسط الضباب أمامه.
ثم انتبه لوجود ثانٍ على الجانب الأيمن وثالث على الجانب الأيسر، وبشكل غير واضح كان هناك واحد من الأفيرا خلفهم يغطيه الضباب.
حاول راي تقليل صوت أنفاسه بينما ينظر لهم بعيون حذرة، حتى لاحظ أن رأس أحدهم قد تحرك قبل أن يقفز متجهاً نحوه ومخالمه تستهدف رأسه مباشرة.
تفاعل راي وقفز بسرعة جانباً بينما يحمي رأس الظل الأول، ثم سقط على الأرض قبل أن يقف بسرعة.
"لا فائدة، اتركني وقاتل إن أردت النجاة"
"اخرس" رفع راي رأسه بسرعة ينظر إلى الأفيرا الذي هاجم، ثم تراجع واختفى في الضباب، وقبل أن يفهم طبيعة هذا التصرف، تحركت باقي الوحوش.
أسرع راي وحمل الظل الأول وبدأ بالركض نحو مساحة مفتوحة ليكشف الضباب عن واحد من الأفيرا كان أمامه.
حول راي اتجاهه بسرعة لتجنب الوحش أمامه بينما يسأل: "أنت... أخبرني، كيف يمكنني مقاتلة هذه الأشياء؟"
"الأمر بسيط..."
"سحقاً" لعن راي عندما وجد أن هناك مزيداً من الأفيرا أمامه وليس هناك مكان للركض، فحاول التراجع، لكن ما إن خطا خطوة واحدة حتى أتى الهجوم من ظهره حيث حاولت مخالب الأفيرا اختراق جلده دون فائدة، فتلقى راي الصدمة ليلقى على الأرض ويطير عدة أمتار بعد أن أسقط الظل الأول قبل أن يصطدم بشجرة.
اصطدم جسد راي بعنف بجذع شجرة خلفه، ولم يكد يلتقط أنفاسه حتى باغته هجوم آخر نحو صدره أجبره على بصق جرعة من الدماء.
لم يتوقف راي بسبب الألم؛ بل مد يده بسرعة وماء تتسرب من بين أسنانه وأمسك بيد الأفيرا الذي هاجمه، وحاول بسرعة سحب منجل من خصره ليوجه له ضربة مضادة، لكن كان الوحش أسرع وقام بسحب يده.
حاول راي التمسك بيد الوحش بقوة مما منعه من سحب المنجل، وفي المقابل تمكن الوحش من حمل جسد راي، ثم ضربه بقوة على الأرض، مما أجبر راي على إفلات يده جراء شدة الارتطام.
هاجم أحد الأفيرا بعد إسقاط راي مباشرة، فتفاعل راي بسرعة وتجنب الهجوم وهو يمسك بصدره بينما يسحب بيده الحرة المنجل ويترك السلسلة تتدلى على الأرض مع مقاتلة بينما يبحث حوله عن الأفيرا.
لكن مجدداً توقف الهجوم ليسيطر الصمت على المكان.
اختفت الوحوش خلف الضباب.
'اهدأ... ركز'
الأفيرا:
لم يكن يملك أي معلومات عن طبيعة هذه الوحوش، لكن من خلال الاشتباك السابق أمكنه أن يلاحظ أنهم عاجزون عن اختراق جسده، وهذا يعني أن مستواهم أقل مما يوحي إليه شكلهم المخيف.
أما الألم فقد جرب ما هو أسوأ في الطابق الثاني.
'لا مشكلة.. لا يزال هناك مخرج'
لكن عددهم..
كما أن كثافة الضباب تزيد تدريجياً كما لو أن هذا الضباب موجود لمساعدتهم على الصيد.
عبس راي منزعجاً من الضباب، ثم هدأ أولاً قبل أن ينادي وهو يعلم أنه سوف يتلقى هجوماً بعد ذلك: "أيها الظل... هل تسمعني؟"
كما توقع راي، فور أن نادى أتى هجوم من وسط الضباب، لكن أمكنه تفادي الهجوم والرد عليه في نفس الوقت، لكن قبل أن يصيب جسد الأفيرا الذي هاجمه بالمنجل، تم إمساك قدمه من طرف شيء ما، ثم أتى هجوم من اتجاه آخر ناحية ذقنه ليرتد جسده من على الأرض بعد تلقي هجوم مباشرة.
اهتز رأس راي وأصبحت رؤيته ضبابية للحظة، لكن لا يزال يصر على أسنانه ليحاول اختراق رأس أحد الوحوش أمامه بالمنجل، لتتحرك مخالب أحد الأفيرا الثلاثة الذين هاجموه في نفس الوقت وتخترق عينه اليسرى مباشرة.
صرخ راي متألماً، ثم ترك السلاح حتى يتمكن من التراجع بسرعة قبل أن يخترق مخلب الأفيرا جمجمته. وما إن ابتعد حتى تراجعت الأفيرا واختبأت في الضباب مجدداً بينما سقط راي على الأرض والدم يتسرب من عينه بينما يمسكها محاولاً تخفيف الألم.
"أيها الإمبراطور، هل أنت بخير؟"
أتى صوت من وسط الضباب، لكن لم يجْرؤ راي على الرد.
صر راي على أسنانه وحاول تحمل الألم بينما أشرقت عينه الأخرى بضوء ذهبي وضاقت بؤبؤته بشكل عمودي مثل القطط.
بعدها تلاشى الضباب الذي كان يعيق رؤيته، لكن ما إنكشف أمام راي جعل تعبيره يتصلب.
على الأرض، وخلف الأشجار، وفوق الأغصان، وفي كل اتجاه كان الأفيرا في كل مكان.
نسي راي الألم وتوقف عقله عن العمل للحظة، لا يمكنه أن يرى مساحة تتخطى عشرة أمتار، لكن عدد الأفيرا الذي انكشف أمامه جعل رغبته في القتال تتلاشى على الفور، فخف الضوء في عينه اليمنى ليعد بؤبؤه إلى طبيعته قبل أن يغطي الضباب رؤيته من جديد.
من المستحيل التعامل مع كل هذه الأعداد.
مدركاً لعجزه، استدار راي وأخذ خطوة ثم أخرى ثم بدأ بالركض ناحية حفرة الظلال مع علمه أنه محاصر، لكن لم يكن هناك خيار.
ترك عينه المصابة وركز كل قوته على تفادي الهجمات، لكن سرعان ما تم إخضاعه عندما نجح في تفادي الهجوم الأول ليصطدم بالثاني ويتم محاصرته بهجمات من كل مكان.
حاول راي المقاومة، لكن في كل مرة يهرب فيها من هجوم يتلقى الآخر، ورغم أن المخالب فشلت في إختراق جسده، إلا أن الصدمة كانت تدمر أعضاءه.
بعد أن عجز راي عن رد الهجمات، بدأت سلسلة الهجمات تتسارع حيث أظهرت الوحوش تفاهماً غير طبيعي، وكيفما حاول راي الدفاع عن نفسه كان الهجوم يصيبه، حتى ركز على حماية رأسه فقط فتسارعت سرعة الهجمات حتى غطى الظلام وعيه ليسحبه أحد الأفيرا من قدمه ويقوم بضربه على الأرض بقوة قبل أن يفقد وعيه.
في اللحظة التي فقد فيها راي الوعي، مر نصل فضي على رقاب الأفيرا ليقطع كل شيء مع الضباب.
نزلت فتاة بنظرة باردة بعد ذلك على الأرض بينما تسقط رؤوس الأفيرا التي كانت حول راي، ثم نفضت السلاح من الدم القرمزي قبل أن تحول نظرها إلى راي.
ظلت نظرتها على راي للحظة قبل أن ينزل المزيد من الأشخاص للتخلص من كل الأفيرا في المنطقة.
بعد لحظات وخلف الفتاة نزل الظل الثاني والظل الثالث متسائلين: "هل يُعتبر هذا فشلاً؟"
أومأت الفتاة وأشارت لهما بأخذه: "بعد إخراجه من المتاهة العظمى، قوموا بشرح الوضع له".
"حسناً، لكن ماذا عن عينيه؟" سأل الظل الثاني وهو ينظر إلى جسد راي المستلقي أمامه، فأجابت الفتاة ببرود:
"لا يهم، دعه يدرك ماهية عواقب هذه الزيارة بنفسه".
"حسناً إذاً، سوف أقوم بأخذه إلى المخرج" نظر الظل الثاني إلى الظل الثالث ووزع المهام: "أخي، سوف أترك لك إصلاح جسد الأخ الأكبر".
"حسناً" وافق الظل الأول ثم نظر إلى الفتاة متسائلاً: "لدي سؤال يا آنسة".
"ما هو؟"
"إذا استيقظ وأراد العودة فماذا نفعل؟"
"إن كان لديه الشجاعة للعودة بعد أن فقد عينه فإذًا دعه يعود، وفي المرة القادمة لن يكون الأفيرا هو الشيء الوحيد الذي سوف يواجهه" أجابت الفتاة قبل أن تقفز نحو أقرب فرع، ثم تشير إلى الظلال بتنظيف المكان بسرعة، ثم غادرت المكان عبر القفز من فرع إلى آخر.
نظر الظل الثاني إلى الظل الثالث ثم هز كتفه متسائلاً لمَ هي منزعجة من فشل وصول الإمبراطور إلى الحفرة، ثم تنهد الظل الثاني وأخذ زمام المبادرة لحمل راي قبل توديع الظل الثالث ومغادرة المكان.
في وقت لاحق استيقظ راي، لكن ظل وعيه خافتاً.
لم يرَ سوى جسد شخص يحمله بينما يقف فوق الفروع بسرعة تجعل بالكاد يمكن إدراك ما حوله، لكن سرعان ما عاد الظلام ليغطي رؤيته.
ثم استيقظ مجدداً ليجد نفسه محاطاً بعدة ظلال أمام بوابة المتاهة العظمى، والظل القرمزي يشرح لشخص آخر شيئاً، وعندما لاحظ الاثنان استيقظ راي نظرا ناحيته في نفس الوقت، لكن عاد الظلام ليسحب وعي راي.
وعندما فتح راي عينه واعياً، وجد نفسه مكبلاً بسلاسل على عرش حجري وألم عينه اليسرى ينبض بقوة.
____________
نهاية الفصل
____________