[الأڤيرا]
وقف راي مندهشاً وهو يحدق في جسده بعد أن كساه الظلام القرمزي، قبل أن يلاحظ أن العالم حوله قد أصبح أكثر وضوحاً.
في الأصل ليس هناك أي مصدر ضوء واضح في هذه المنطقة، فليس هناك نجوم وليس هناك قمر، لكن بشكل أو آخر كانت التضاريس واضحة قبل أن تمطر.
ومع اشتداد هطول المطر أشار الظل الثاني بإسراع فأومأ راي برأسه مشيراً له بالتقدم، قبل أن يبدأ في الركض خلفه. ثم دون وعي منه ارتسمت ابتسامة على وجهه بينما يتذكر ذلك الوقت الذي كان يلحق فيه الذئاب أثناء الطقوس.
ربما بسبب الظلام الذي أحاط بجسده والذي كان يتمايل مثل وضع الطيف، فقد أعادت هذه اللحظة تلك الذكريات إلى ذهنه كما هززت حواسه لينتبه لمحيطه.
وتسارعت رحلتهم، وبفضل المطر لم يواجه الثلاثة أي وحوش أثناء الطريق، ورغم لقاء بعضهم إلا أن أحداً لم يهاجم، ليصل الثلاثة بسلام إلى نهاية الغابة.
فوق جرف مطلع على بحر من الظلام لا نهاية له، وقف راي خلف الظل الثاني متسائلاً عما ينظر له الآن.
"أين نحن؟"
"غابة الظلام" أجاب الظل الثاني عرضاً ثم نظر إلى راي قبل أن يسأل: "لا يبدو عليك أي علامة إرهاق حتى بعد الركض لمدة ساعة، فهل تستخدم أي معزز؟"
"معزز؟"
"في كلتا الحالتين لا يهم، المهم أن هذه هي أبعد نقطة وصل لها نصف أباطرة من الذين حاولوا زيارة الحفرة، فماذا عنك؟"
"ماذا تقصد؟" ضاقت عينا راي متسائلاً، ليجيب الظل الثاني ببرود:
"ما تنظر له هو غابة الظلام وهي من أخطر الأماكن في الطابق الأول من المتاهة العظيمة، وشخص مثلك يحمل سمة النور لن يكون مختلفاً عن المنارة التي تسير على قدميها بعد الدخول، لذلك أسألك: ماذا سوف تفعل؟"
"إذا كان هدف وجودك هنا هو لقاء المشرفين فقط فمن الممكن لك الاجتماع معهم هنا، لكن إذا أردت الاستمرار وزيارة الحفرة شخصياً فلا نستطيع ضمان سلامتك."
"لماذا؟" قاطع صوت سعال خفيف سؤال راي، وحين نظر خلفه بدا أن حالة الظل الأول تزيد سوءاً، رغم أنه لم يكن يستطيع أن يتأكد من ظلاله بسبب الظلام الذي يغطي جسده ليحميه من المطر.
"أخي، علينا الإسراع وإلا سوف يخسر جسده" أشار الظل الثالث إلى الظل الثاني وهو ينظر إلى حالة الظل الأول تزداد سوءاً، فعبس الظل الثاني وأشار إلى أخيه بهدوء: "دعنا نذهب إذاً".
قبل أن يغادر الظل الثاني نظر إلى راي مشيراً: "أنت بأمان هنا، فإذا أردت أن تلحق بنا فتفضل، وإن لم تكن تريد فابقى هنا حتى نعلم أحد المشرفين".
"سوف أذهب معكم".
"افعل ما تشاء". استدار الظل الثاني وقفز من على الجرف نحو الظلام فلحق به الظل الثالث وقفز أيضاً.
دون حصول على أي شرح للوضع، عبس راي ثم نظر إلى الجرف، وقبل أن يبتلع الظلام الأخوين أسرع راي ووقف خلفهم آملاً ألا يكون هناك شيء في الأسفل أسوأ مما هو موجود في بحر ظلام الطابق الثاني من الهرم المقلوب.
بعد القفز في بحر الظلام، اخترق جسد الثلاثة الظلام واقتربت أجسادهم من الأرض بسرعة ثم إرتدت أجسادهم قبل الاصطدام مباشرة، لينزل الظل الثاني بأمان وينظر إلى راي الذي تمكن من تعديل وضعيته بسرعة بعد الارتداد لينزل بأمان على الأرض ويطلق زفيراً من الارتياح قبل أن يحدق حوله متسائلاً عما حدث.
"هل فعلت شيئاً؟" نظر راي إلى الظل الثاني فتجاهله الظل الثاني إجابة على ذلك، وأمر بالانطلاق بهدوء قبل أن يبدأ بالركض.
رغم انزعاح راي من هذا البرود إلا أنه لم يكن جاهلاً بالسبب فتنهد قبل أن يلحق بالظل الثاني والثالث الذين بدأوا في الركض قبله. وبينما يركض خلفهم تم رفع الظلام القرمزي عن أجسادهم ليكشف عنهم.
تفاجأ راي في البداية، لكن ما سرعان ما جذب انتباهه شيء آخر وهو أن المطر لم يكن يسقط على هذه الغابة.
"تسك" نقر راي على لسانه وكبت فضوله، ثم نظر إلى التوأم الثلاثة، فبدون ظلال أمكنهي أن يرى أن الثلاثة لا يبدون أكثر من أطفال بشعر أبيض.
لم يتمكن من رؤية عيونهم، لكن من ظهورهم بدا أن التباين بينهم كبير، ولا تبدو حالة الظل الأول على ظهر الظل الثالث سيئة جداً لتلك الدرجة التي تخيلها.
ابتسم راي بعد أن لاحظ ذلك، وفي تلك اللحظة نظر الظل الثاني خلفه ولم يبدو أنه ينظر إلى راي، لكن عندما وجده يبتسم نقر على لسانه وزاد سرعته قليلاً، فتفاجأ راي للحظة ثم زاد سرعته أيضاً.
بشكل أو بأخر بدت الغابة المظلمة مثل منطقة الفهود التي عبر فيها أثناء الطقوس، لكن على عكس تلك الغابة فقد كان من الممكن الرؤية لمسافة أبعد من متر واحد، لكن لم يستطع أن يحدد ما إن كان ذلك بفضل تطور جسده أو لسبب آخر.
في كلتا الحالتين تفاعل جسده ورفع حذره، فاستجاب اللهب الأبيض بداخله تلقائياً وبدأ يعزز جسده...
لاحظ راي ذلك وأسرع لمحاولة استرجاعه، لكن قبل أن تتاح له فرصة ليفعل ذلك اختفت كل الطاقة التي خرجت من جسده.
لاحظ الظل الثالث -بينما يركض خلفه- عندما شعر بالطاقة العنصرية فخفف سرعته قليلاً حتى وازن سرعته مع راي ثم أشار له:
"لا تحاول استخدام أي طاقة عنصرية أو سحرية فهذه الغابة تلتهم أغلب أنواع الطاقة".
"حسناً" أومأ راي برأسه إلى الظل الثالث دون توقف، وغير اتجاهه قليلاً حتى لا يصطدم بشجرة ثم ركز على تسلق منحدر الصخور بسرعة عبر القفز من صخرة لأخرى، وما أن عاد إلى المسار المستقيم حتى اقترب من الظل الثالث متسائلاً: "سابقاً...".
نظر الظل الثالث إلى راي عندما سمعه يتحدث، فتابع راي: "سابقاً قال أخوك إنني مثل منارة داخل هذه الغابة، فما الذي كان يقصده؟".
"هل تقول لي إنك لا تشعر بذلك؟" سأل الظل الثالث ورسم ابتسامة خفيفة تملؤها الشفقة على وجهه الصغير، ثم أشار إلى الخلف برأسه: "ألم تلاحظ أننا ملاحقون منذ فترة؟".
"ملاحقون؟" ارتبك راي، فعبس الظل الثاني الذي يتولى المقدمة ونقر على أسنانه وأمر بالإسراع، فزاد راي والظل الثالث سرعتهما حتى أصبح من الخطر الإسراع أكثر لأن المساحة بين جذوع الأشجار بدأت تضيق.
نظر راي خلفه عندما أتيحت له الفرصة لكن لم يتمكن من الشعور بشيء، وقبل أن يسأل الظل الثالث عن ماهية الشيء الذي يلاحقهم توقف الظل الثاني قبل أن يخرج سلاحه ويشير إلى الظل الثالث بقيادة الطريق:
"سوف أتخلص منهم، تابعوا السير".
"الحق بي" أشار الظل الثالث إلى راي بينما توقف الظل الثاني وأشار بسيفه نحو من كان يلاحقهم.
حاول راي إلقاء نظرة لفهم الوضع لكن كان الطرف الآخر خارج نطاق رؤيته، ومع الاستمرار بالتقدم اختفى جسد الظل الثاني في الظلام، فأسرع راي بالركض ليلحق بالظل الثالث ويسأله: "هل سيكون أخوك بخير؟".
"سوف يكون بخير، لا تتوقف ركز على الركض فقط، إذا زاد عدد الملاحقين فخذ أخي وتابع التوجه حيث تشعر بمكان تواجد الظلال".
"ماذا تقصد بذلك ومن يلاحقنا؟"
"فقط ركز على الهرب الآن، تذكر أنك منهاجم أخي أولاً لولا ذلك لكان وضعنا أفضل مما هو عليه الآن، لذلك تحمل المسؤولية وخذْه إلى الحفرة".
تابع الظل الثالث حديثه قبل أن يحصل راي على فرصة ليسأل: "أسرع أكثر، فقد بدأ الملاحقون بالتجمع خلفنا مجدداً".
"سحقا، اشرح لي الوضع على الأقل" لعن راي ولحق بالظل الثالث بسرعة ثم زادت سرعته عندما بدأت المساحة بين الأشجار تزيد.
ثم وفجأة ودون إشارة توقف الظل الثالث وقام برمي الظل الأول نحو راي ليتفاجأ راي ويتوقف بسرعة قبل إمساكه: "ما الذي تفعله؟".
ما أن رفع راي رأسه حتى وجد الظل الثالث قد أخرج سيفين وصد مخلباً قد تمدد من الظلام بأحد السيفين واستخدم الآخر لقطعه، ثم نظر إلى راي وأمره بمواصلة السير.
تذكر راي حديث الظل السابق فجذب جسد الظل الأول إلى حضنه ثم استدار وركض دون تردد.
كان جاهلاً بالوضع لكنه كان يعلم أنه لا يستطيع المساعدة كثيراً بالبقاء، لذلك اختار إزالة عبء حمايته عنهم ونفذ أمر الظل الثالث بمتابعة الركض نحو الحفرة حتى ابتعد لمسافة كبيرة، قبل أن ينظر إلى الطفل بين ذراعيه ليجده ينظر له بعيون باردة.
"أنت مستيقظ؟" ارتجف راي مرتعِباً من تلك النظرة غير المتوقعة ثم سأل: "لمَ لا تقول شيئاً إذا كنت مستيقظاً؟".
"كنت أتساءل".
"هاا؟" نظر راي إلى الظل الأول بينما يركض: "ماذا تقول؟".
"كنت أتساءل فقط لماذا عاقبتني".
"أيها الوغد لا تتصرف كما لو أنك لم تستحق ذلك" أجاب راي ثم لعن نفسه متسائلاً: "بجدية كم عمركم؟ أشعر أنني أتشاجر مع أطفال".
"عمري ثلاث سنوات".
"لم أكن أسأل، وكيف يكون عمرك ثلاث سنوات فقط هل تمزح؟".
"بالمناسبة" رفع الظل الأول عينه نحو السماء المظلمة وأشار: "إن تابعت الركض بهذه السرعة البطيئة فذلك الشيء فوقك سوف يهاجمك".
"ماذا؟" توقف راي دون وعي، وفجأة شيء ما بداخله أجبره على التحرك جانباً، وما أن قفز راي جانباً حتى سقط هجوم فجّر المكان حيث كان يقف.
"أنت محظوظ أيها السيد".
"حقاً... شكرا لك."
"لا داعي لشكري، فقد أنقذت نفسي بإخبارك".
لم يستجب راي لتعليق الظل الأول وظلت عينه على المكان الذي كان يقف فيه حتى انقشع الغبار وكشف الظلام عن مخلوق أقرب إلى بشر منه إلى وحش.
مخلوق بجلد أبيض يغطي جسده بالكامل بلا ملامح أو عيون، وذراعيه تمتد منهما مخالب كبيرة، يقف هناك كما لو أنه ينظر له مباشرة.
"انتبه أيها السيد هذا أفيرا".
"أفيرا؟"
"أڤيرا هو وحش مسمى يتمتع بحاسة سمع استثنائية".
"حقاً... شكرا على الدرس" استدار راي وتابع الركض بسرعة.
وحش مسمى؟
تنقسم الوحوش عادةً إلى ثلاث فئات: عادية، سحرية وروحية، وكل فئة لها عدة مستويات حيث أضعفها من المستوى الأول.
لكن حتى ضمن المستويات هناك تقسيماً بين الوحوش حيث كلما اقترب شكل الوحش من هيئة البشر كان أقوى، وانقسمت هذه الفئات إلى: شائع، منخفض، متوسط، متقدم، قائد، ملك وشيطان.
هذا النظام يستخدم فقط لقياس مستوى قوة الوحش، حيث -وعلى عكس وحوش الهرم المقلوب- فإن الاسم ليس شيئاً يحمل معنى كبير لوحوش هذا العالم، لكن هناك تصنيف يستخدم لقياس مستوى خطر الوحوش.
وهذا المستوى يستخدم لقياس عرق الوحش بالكامل، فكلما زاد الخطر الذي يمثله كلما كان الناس أكثر حرصاً على تذكره. أما وحش أمن فلم يستحق الذكر، أما الوحش المسمى فهو يعتبر في المستوى الرابع من حيث الخطر.
"وأنت تقول إن هذا وحش مسمى" لعن راي متسائلاً كم يستطيع الركض مبتعداً عن هذا الوحش بينما يحمل الظل الأول في هذه الغابة المظلمة التي تجعل أغلب حواسه متبلدة.
____________
نهاية الفصل
____________
ملاحظة : مستوى خطر الوحش لا يشير ابدا إلى قوته ويتراوح كتالي :
مستوى المراقبة (وحش أمن) : وحش ضعيف أو عابر، لا يشكل تهديداً فورياً، ويتم اكتشافه ورصده فقط لضمان السلامة مثل خنازير برية
مستوى الحذر (وحش عدائي) : وحش قد يسبب أضراراً محدودة للممتلكات أو الأفراد إذا اقترب من القرى وما شابه مثل غوبلين.
مستوى الطوارئ (وحش خطير) : خطر حقيقي يمكن أن يهدد سلامة مدينة و يستنفر القوات المحلية أو الحراس للتعامل معه مثل ذئاب الظلام (ووحش التي ظهرت سابقا وهي تطارد الرقم واحد بعد مغادرة نطاق بحر ظلام في ليلة القمر الأحمر)
مستوى الأزمة (وحش مسمى): تهديد كبير يهدد سلامة مدينة كاملة أو منطقة واسعة، ويحتاج إلى تدخل محاربين او حتى فرسان حسب النوع ومستوى مثل الأڤيرا.
مستوى الكارثة (وحش كارثه): خطر استثنائي قادر على إحداث دمار شامل وتغيير جغرافية المنطقة بأكملها مثل التنين
مجددا هاذا لا علاقة له بقوة بل هو فقد تصنيف يستخدمه المغامرين وفرسان لتصنيف خطورة الوحش .
خططت لنشر مزيد من الفصل اليوم لكن أثناء تعديل هذا الفصل رأيت أنه من أفضل تعديل قتال قادم، كما أن هناك حاجة لتعديل عدت أشياء لتتناسب مع نظام المستوى وقيود غابة الظلام ومتغيرات التي يمكنها تأتير على قيود وقواعد المتاهة عظيمة لذا سوف اترك فصول تالية إلى غد إن شاء الله مالم يضهر متغير فقد تأخر الوقت..
جانا

صورة للأڤيرا